المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل



حسين القسنطيني
07-01-2008, 10:45
بسم الله و الحمد لله و الصلاة و السلام على رسول الله و على آله و صحبه و من والاه و بعد:
أوقفتني إشارة طريفة عند قراءة آية من كتاب الله فأحببت أن أثبتها هنا حتى تعم الفائدة و أحث إخواني الكرام و سادتنا مشايخنا الأفاضل أن يتحفونا بكل ما يستوقفهم عند قراءة آيات القرآن، لعلمي أن ذلك يحدث لناجميعا كثيرا فنبحث عن الإشارة ثم لا يحدث أن نقيدها، فالبدار البدار سادتي... أما الآية فهي من سورة المائدة، قال فيها ربنا عز و جل:
{ مِنْ أَجْلِ ذٰلِكَ كَتَبْنَا عَلَىٰ بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي ٱلأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ ٱلنَّاسَ جَمِيعاً وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً وَلَقَدْ جَآءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِٱلّبَيِّنَٰتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيراً مِّنْهُمْ بَعْدَ ذٰلِكَ فِي ٱلأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ }
و الإشارة التي استوقفتني هي في قوله تعالى "من أجل ذلك" مع اتساع الزمن بين كينونة بني إسرائيل و بين الحادثة التي سبقت هذه الآية من ذكر الواقعة بين ابني آدم عليه السلام، فلماذا علل الكتابة بالقصاص على بني إسرائيل على هذه الواقعة، و هل القصاص لم يكن قبل بني إسرائيل من خلال تسبيق الجار و المجرور على الفعل للقصر؟؟؟ أي أن الأمم التي كانت قبل بني إسرائيل لم يكتب عليهم القصاص و لا شرع لهم؟؟؟ فرحت ألتمس -بشيء من التقصير مني طبعا و كالعادة- ما جاد به علماء المسلمين لتوضيح هذا المعنى فوجدت من بين ما وجدت (و أرجو من الإخوة الكرام أن يتحفونا بما قد يجدونه أو سمعوه في هذا المجال)
جاء عند البيضاوي رحمه الله:
وأجل في الأصل مصدر أجل شراً إذا جناه استعمل في تعليل الجنايات كقولهم، من جراك فعلته، أي من أن جررته أي جنيته ثم اتسع فيه فاستعمل في كل تعليل، ومن ابتدائية متعلقة بكتبنا أي ابتداء الكتب ونشوء من أجل ذلك...

و أما عند الإمام الرازي عليه رحمة الله :
وفيه مسائل:

المسألة الأولى: قوله: { مِنْ أَجْلِ ذٰلِكَ } أي بسبب فعلته.

فإن قيل عليه سؤالان: الأول: أن قوله { مِنْ أَجْلِ ذٰلِكَ } أي من أجل ما مرّ من قصة قابيل وهابيل كتبنا على بني إسرائيل القصاص، وذاك مشكل فإنه لا مناسبة بين واقعة قابيل وهابيل وبين وجوب القصاص على بني إسرائيل. الثاني: أن وجوب القصاص حكم ثابت في جميع الأمم فما فائدة تخصيصه ببني إسرائيل؟ (و هنا و قبل أن نتابع مع قول الإمام الرازي وجب التنبيه إلى جزم الإمام بأن القصاص شرع في الأمم السابقة كذلك، فوجب السؤال من أين استفاده الإمام رحمة الله عليه، فإن لم يوجد أصل في ذلك لم يمتنع عدم تشريع القصاص على من كان قبل بني إسرائيل و إلا لذكر ربما في نفس الحادثة لابني آدم عليه السلام)

والجواب عن الأول من وجهين: أحدهما: قال الحسن: هذا القتل إنما وقع في بني إسرائيل لا بين ولدي آدم من صلبه، وقد ذكرنا هذه المسألة فيما تقدم، والثاني: أنا نسلم أن هذا القتل وقع بين ولدي آدم من صلبه، ولكن قوله { مِنْ أَجْلِ ذٰلِكَ } ليس إشارة إلى قصة قابيل وهابيل، بل هو إشارة إلى ما مر ذكره في هذه القصة من أنواع المفاسد الحاصلة بسبب القتل الحرام، منها قوله
{ فَأَصْبَحَ مِنَ ٱلْخَـٰسِرِينَ }
[المائدة: 30] ومنها قوله
{ فَأَصْبَحَ مِنَ ٱلنَّـٰدِمِينَ }
[المائدة: 31] فقوله { فَأَصْبَحَ مِنَ ٱلْخَـٰسِرِينَ } إشارة إلى أنه حصلت له خسارة الدين والدنيا، وقوله { فَأَصْبَحَ مِنَ ٱلنَّـٰدِمِينَ } إشارة إلى أنه حصل من قلبه أنواع الندم والحسرة والحزن مع أنه لا دفع له ألبتة، فقوله: { مِنْ أَجل ذٰلِكَ كَتَبْنَا عَلَىٰ بَنِى إِسْرٰءيلَ } أي من أجل ذلك الذي ذكرنا في أثناء القصة من أنواع المفاسد المتولدة من القتل العمد العدوان شرعنا القصاص من حق القاتل، وهذا جواب حسن والله أعلم. (لا نشك في حسن الجواب و صدوره عمن فتح الله عليه و علمه التأويل، و لكن إن أرجعنا التشريع إلى العلة فهي كانت مترتبة على الفعل من قبل وجود بني إسرائيل، فلما خص و قصر على بني إسرائيل التشريع)

وأما السؤال الثاني: فالجواب عنه أن وجوب القصاص في حق القاتل وإن كان عاماً في جميع الأديان والملل، إلا أن التشديد المذكور ههنا في حق بني إسرائيل غير ثابت في جميع الأديان لأنه تعالى حكم ههنا بأن قتل النفس الواحدة جار مجرى قتل جميع الناس، ولا شك في أن المقصود منه المبالغة في شرح عقاب القتل العمد العدوان، والمقصود من شرح هذه المبالغة أن اليهود مع علمهم بهذه المبالغة العظيمة أقدموا على قتل الأنبياء والرسل. وذلك يدل على غاية قساوة قلوبهم ونهاية بعدهم عن طاعة الله تعالى، ولما كان الغرض من ذكر هذه القصص تسلية الرسول عليه الصلاة والسلام في الواقعة التي ذكرنا أنهم عزموا على الفتك برسول الله صلى الله عليه وسلم وبأكابر أصحابه، كان تخصيص بني إسرائيل في هذه القصة بهذه المبالغة العظيمة مناسباً للكلام ومؤكداً للمقصود. (و هذا الذي أميل إليه أنا ، ذلك أن في هذه الآية لم يتكلم ربنا عن القصاص و لا عن كيفيته، و إنما تكلم عن الفعل و مكانته الجديدة عند بني إسرائيل، فكأنه شدد في بني إسرائيل الفعل لشيوعه فيهم، فكان من قتل منهم نفسا بغير نفسا كأنما قتل الناس جميعا و هب الناس جميعا لقتله أو الإقتصاص منه، فكان عدوا للناس جميعا يطلبون دمه كم جاء على لسان سيدنا موسى عليه السلام "و لهم علي ذنب فأخاف أن يقتلون")

المسألة الثانية: قرىء «من أجل ذلك» بحذف الهمزة وفتح النوق لالقاء حركتها عليها وقرأ أبو جعفر «من أجل ذلك» بكسر الهمزة، وهي لغة، فإذا خفف كسر النون ملقياً لكسر الهمزة عليها.

المسألة الثالثة: قال القائلون بالقياس: دلت الآية على أن أحكام الله تعالى قد تكون معللة بالعلل، وذلك لأنه تعالى قال: { مِنْ أَجْلِ ذٰلِكَ كَتَبْنَا عَلَىٰ بَنِى إِسْرٰءيلَ } كذا وكذا، وهذا تصريح بأن كتبة تلك الأحكام معللة بتلك المعاني المشار إليها بقوله { مِنْ أَجْلِ ذٰلِكَ } والمعتزلة أيضاً قالوا: دلت هذه الآية على أن أحكام الله تعالى معللة بمصالح العباد، ومتى ثبت ذلك امتنع كونه تعالى خالقاً للكفر والقبائح فيهم مريداً وقوعها منهم، لأن خلق القبائح وإرادتها تمنع من كونه تعالى مراعياً للمصالح.

و جاء في فتح القدير للشوكاني عليه رحمة الله:
وتقديم الجار والمجرور على الفعل الذي هو متعلق به أعني كتبنا: يفيد القصر: أي من أجل ذلك لا من غيره، ومن لابتداء الغاية { أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْساً } واحدة من هذه النفوس { بِغَيْرِ نَفْسٍ } أي: بغير نفس توجب القصاص، فيخرج عن هذا من قتل نفساً بنفس قصاصاً.(و هنا طريفة مليحة في أن الإستثناء في بني إسرائيل كان معلوما أو أعلم مع التشريع الجديد، فدل و لو دلالة خفية على أن تشريع القصاص كان موجودا فيهم قبل هذا التشديد، و إنما كتب التشديد لزيادة معنى أو بعث همة في إيقاع القصاص)
والله أعلى و أعلم و هو يهدي للتي هي أقوم

مصطفى سعيد
09-01-2008, 09:03
بارك الله فيه
هل المكتوب في الآية القصاص ؟
لاأظن ! المكتوب هو " فَكَأَنَّمَا قَتَلَ ٱلنَّاسَ جَمِيعاً وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً " وكيف يكون من أجل ذلك
قتل ابن آدم الأول قتل لفصيل كبير من البشرية، ولو تخيلت أن ابليس-لعنه الله- مُكن من قتل آدم فقتله لأنه عدوه فيكون قد قتل الناس جميعا
والحجة المستفادة أن لا يقال هذا تشديد في التشريع بل هو عين الحكمة لأن الحقيقة أن القاتل لا يقتل نفساً واحدة بل أنفس كثيرة قد تصل إلي ربع البشرية كما فعل ابن آدم الأول
وكأنه اجابة لسؤال -لماذا كتب علي بني اسرائيل -وعلي المسلمين أيضاً - أنه من قتل نفساً....؟ والاجابة من أجل أن القاتل لا يقتل نفساً فقط بل وذريتها معها
والله أعلم
ولا ننسي " ومن احياها " بمنع القتل -وربما بغير ذلك من الوسائل بإنقاذه من الجهل والفقر والعجز -" فكأنما أحيا الناس جميعا" فلماذا الاقتصار -في التفسير -علي القتل والقصاص . ففي الاحياء هنا فضل كبير من الله علي دعاة الخير . وان قيل أن في الأولي تشديد علي القاتل لردعه ، ففي هذه تخفيف علي داعي الخير لتحفيزه

هاني علي الرضا
09-01-2008, 20:24
بحث لطيف سيدي القسنطيني بارك الله فيكم

وجزاكم خيرا على هذه الفائدة ..

لا تحرمونا سيدي

جمال حسني الشرباتي
11-01-2008, 16:17
بارك الله فيه
هل المكتوب في الآية القصاص ؟
لاأظن ! المكتوب هو " فَكَأَنَّمَا قَتَلَ ٱلنَّاسَ جَمِيعاً وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً " وكيف يكون من أجل ذلك
قتل ابن آدم الأول قتل لفصيل كبير من البشرية، ولو تخيلت أن ابليس-لعنه الله- مُكن من قتل آدم فقتله لأنه عدوه فيكون قد قتل الناس جميعا
والحجة المستفادة أن لا يقال هذا تشديد في التشريع بل هو عين الحكمة لأن الحقيقة أن القاتل لا يقتل نفساً واحدة بل أنفس كثيرة قد تصل إلي ربع البشرية كما فعل ابن آدم الأول
وكأنه اجابة لسؤال -لماذا كتب علي بني اسرائيل -وعلي المسلمين أيضاً - أنه من قتل نفساً....؟ والاجابة من أجل أن القاتل لا يقتل نفساً فقط بل وذريتها معها
والله أعلم
ولا ننسي " ومن احياها " بمنع القتل -وربما بغير ذلك من الوسائل بإنقاذه من الجهل والفقر والعجز -" فكأنما أحيا الناس جميعا" فلماذا الاقتصار -في التفسير -علي القتل والقصاص . ففي الاحياء هنا فضل كبير من الله علي دعاة الخير . وان قيل أن في الأولي تشديد علي القاتل لردعه ، ففي هذه تخفيف علي داعي الخير لتحفيزه

دعنا نخالفك في كلامك عن الإحياء--

فالإحياء لا يفسّر بغير معناه الظاهر--

وإن أردت غيره فعليك بالقرينة--

ولا قرينة هنا

مصطفى سعيد
14-01-2008, 05:21
ومالمعني الظاهر لكلمة " أحياها " في الآية؟ لعلك حققته وتريد أن تخبرنا به ، بارك الله فيك

جمال حسني الشرباتي
14-01-2008, 18:00
السلام عليكم

المعنى الظاهر هو عكس الموت أو الإماتة أو القتل --ولا يحتاج إلى تحقيق فالموضوع موضوع قتل ومضاده

مصطفى سعيد
15-01-2008, 20:22
" أو من كان ميتاً فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به ...."الأنعام 122
وتفسير الشيء بعكسه فقط يعمي علي السامع ماهيته فلو قيل الموت عكس الحياة والحياة عكس الموت ما زادنا ذلك فهما لأيٍ منهما
ومن أحياها " في آية المائدة قد يقال أن المقصود منها عدم القصاص من النفس التي وجب القصاص منها-أي ترك اماتتها أو قتلها - وفي هذا احياؤها ، ولكن هذا يخالف " ولكم في القصاص حياة "
إذن كيف يكون احياء نفس هي أصلا حية ؟
لاجواب الا الذي في آية الأنعام والله أعلم
ولذلك كان ختام آية المائدة " ولقد جاءتهم رسلهم بالبينات .."في كيف يترك القتل وكيف يمكن احياء الأنفس "ثم ان كثيرا منهم بعد ذلك في الأرض لمسرفون " في القتل وفي ترك الاحياء كلاهما ،والله أعلم