الأخ هاني الرضا--مطلوب

تقليص
X
 
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • جمال حسني الشرباتي
    طالب علم
    • Mar 2004
    • 4620

    #1

    الأخ هاني الرضا--مطلوب

    للتواصل على الفيس بوك

    https://www.facebook.com/jsharabati1
  • هاني علي الرضا
    طالب علم
    • Sep 2004
    • 1190

    #2
    [ALIGN=JUSTIFY]أخي الفاضل الحبيب جمال
    أعتذر أولا عن التأخر في تلبية طلبكم الكريم ، ويشهد الله أن الأمر خارج عن إرادتي والله المستعان .

    ثم إني أشكر لك ثانيا حسن ظنك في العبد الفقير وإن كان في غير محله ، والأخوة المعلقين في الموضوع المشار إليه جميعهم - - أفضل مني وأعلم مني ولا أزكيهم على الله ولكن هذا ما يظهر منهم عليهم !!

    وأخص منهم الأخ الفاضل سيدي ( الطاهر عمر الطاهر ) فقد أجاد أيما إجادة وأتى على كل ما يمكن أن يقال في هذا المقام .

    وكذلك الأخ الفاضل ( علي فيصل ) قد أتى بالزبدة في كلامه على اختصاره ،وكذلك الأخ الفاضل سيدي ( ماهر بركات ) قد قال ما كنت أريد التنبيه عليه فجزاهم الله جميعا كل خير وزداهم نورا وعلما ولا أقول إلا !!

    لذا أرى أن الإخوة الفضلاء قد أجادوا وقالوا كل ما يمكن أن يقال ولم يتبق لمتطفل على موائد أهل العلم مثلي ما يقوله أو يزيده في حضرة أمثالهم.

    أما الأخ الكريم ( هاني السقا ) فالذي يظهر لي الآن أنه ملم بالكلام مطلع على الأقوال والأراء ، وأعتقد أنه يستفز الإخوة فقط كيما يظهروا الكنوز المخفية عندهم إذ أن أجوبة الرجل وكلماته تظهر أن معرفته في الكلام جيدة تفوق بكثير مستوى أسئلته !!

    عموما .. لا أجد حقيقة ما يمكن أن أضيفه هناك لذا أعتذر عن المشاركة معهم في الحوار وقد تشعب الحوار وتفرع كثيرا جدا بما يصعب معه التدخل لأي وافد جديد أو اضافة شيء فيه لغير من ابتدأ الحوار أصلا لأن كل ما يمكن أن يضاف ينبني على ما قبله ، غير أني لا حب أن أخرج كما دخلت ، لذا أثبت هنا كليمات أحاول أن ألخص فيها ما أعتقده وأعلمه وهي حقيقة كالتلخيص لما سبق وقاله الإخوة الكرام هناك ، فأقول مستعينا بالله الكريم :

    قد اشتهر أن لأهل السنة والجماعة مذهبان في فهم النصوص الموهمة للتشبيه : التفويض والتأويل .

    ولكن الحقيقة أن لهم أكثر من مذهب تعود جميعها عند التدقيق والتأمل إلى التفويض .

    فهناك التفويض الصريح التام ، وهو قد غلب على السلف مع أخذهم بالتأويل أحيانا كما نقل عن غير واحد منهم بأسانيد صحيحة .

    وطريقته أن يفهم المعنى الإجمالي المراد من الجملة ككل مع التوقف تماما عن البحث أومحاولة فهم معنى المفردة المُشكلة في النص في حق الله عند تفكيك النص والقطع الجازم أن المعنى الظاهر الذي نعلمه لها لغويا الدال على نقص عند نسبته إلى الله سبحانه غير مراد ومنفي عن أن يكون هو المراد بتلك المفردة

    وهذا هو أفضل المذاهب وأعلاها عندي وأسلمها وأعلمها وأحكمها، وهو ما يسير عليه العبد الفقير في حاله وعقيدته .
    فمثلا ، قول الله سبحانه : { يد الله فوق أيديهم }
    عند قراءته نفهم منه المعنى الإجمالي الذي هو التأييد والنصرة ، فالجملة مفيدة لنا غير مبهمة .
    : ثم نحن نعلم معنى مفرداته لغويا ، (( اليد )) و ( الله ) والـ ( فوق ) ، كلها نعلم معانيها اللغوية العربية ولا يعقل أن يخاطبنا الله سبحانه بما لا نفهم ، نحن نفهم دلالة كل هذه المفردات - بما فيها اليد - في اللغة ومعانيها في حقنا نحن الذين وضعت اللغة لتخاطبنا ووصفنا ووصف حياتنا وما يحيط بنا !!
    فليس ثمة جهل ولا تجهيل كما يطيب لمنتقدي التفويض أن يعتقدوا ويرددوا .

    ولكن ، ما معنى ( اليد ) في حق الله وقد أضيفت إليه { يد الله } !!!؟؟؟

    هذا هو ما لا نعلمه مع قطعنا أنه غير المعنى الحسي في حقنا الذي هو الجارحة والكف !!
    فنفوض علم معناها في حق الله لا في مطلق اللغة - إلى الله مع علمنا بمعنى المفردة اللغوي واستفادتنا للمعنى الجملي المراد لنا فهمه من إدخال هذه المفردة في الخطاب القرآني الذي هو النصرة والتأييد !!
    وإلى هذا أشار الإمام مالك رضي الله عنه في قوله في الإستواء : ( الإستواء منه معلوم والكيف عنه مرفوع والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة )!!

    وقد لجأ السلف إلى هذا المنحى كما أشار أحد الإخوة الفضلاء في الموضوع مخافة الإلحاد والخطأ لتساوي كافة الوجوه المظنونة لمعنى المفردة في حق الله وعدم القدرة على القطع بأي منها مع النفي القاطع للمعنى المؤدي إلى نسبة النقص إلى الله سبحانه، فكان الأسلم والأعلم والأحكم امتثال التوجيه القرآني { والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا } وعدم الخبط والرمي بالظن في حق الله سبحانه وتعالى ، فلا نحن مأمورون بذلك ولا فائدة ترتجى منه ولا عمل يستفاد من وراءه ، جعلنا الله وإياكم من الراسخين في العلم !!


    ثم إنه ظهر بعد القرون المفضلة من يقول بإثبات الصفات السمعية مع نفي الظاهر الحسي !!
    وهذا المذهب هو ما سار عليه في الغالب الإمام الأشعري والباقلاني وغيرهما من متقدمي الأشاعرة وترى الإمام ابن حجر يميل إليه أحيانا ويحكيه عن ابن بطال وغيره في الفتح مثلا .

    وطريقته أن يثبت اليد (( صفة )) لله سبحانه وتعالى مع النص على أنها صفة ذات ليست بجارحة .
    وهذا المذهب في حقيقته يعود إلى التفويض وإن حاول الالتواء عليه ، ولعل من سار فيه حاول به رد الحشوية عن غلوائهم وغيهم بتقريب الأمور إلى عقولهم المتكدسة بالحشو والتجسيم في محاولة لهدايتهم بعد ضلالهم .

    وبيان ذلك أن مجرد جعل ( اليد ) مثلا أو ( الوجه ) أو ( العين ) أو غيرها (( صفات )) يخرجها تلقائيا عن ظاهرها المعهود ويدخلها حيز التفويص إذ أنه لا يعلم من لغة العرب صفة تسمى صفة ( يد ) أو ( عين ) ، فهذه الأشياء في اللغة أعضاء وجوارح لا صفات تقوم بموصوف ولا يصح الاشتقاق منها كما هو حال الصفات !!

    فكانت هذه محاولة جيدة بجعل اليد صفة منفي عنها معنى الجارحة وبالتالي تكون شيئا لا نعلم معناه ولا يمكن تصوره البتة غير أنه صفة أي معنى - تقوم بذات الله سماها يدا أو عينا أو وجها وهلم جرا !!!

    ثم ظهر في متأخري أهل السنة التأويل في الغالب وانتصر له بعض المتأخرين وفشا فيهم وانتشر!!
    وطريقته أن ننفي المعنى المستلزم للنقص ونثبت أحد المعاني الأخرى التي يحتملها اللفظ وتليق بجلال الله وكماله .
    فاليد تعني القدرة ، والاستواء يعني الاستيلاء وهكذا دواليك !!

    وهذا عندي ليس بجيد وفيه من المخاطرة والتعرض للتهلكة ما فيه ، فمن أين لك الجزم بهذا المعنى تحديدا دون غيره ونسبته إلى الله والجزم بأنه هو مراد الله سبحانه وتعالى من كلامه المنزل فضلا عن اعتقاده !!؟؟


    ثم قد استقر الحال على هذا الأمر ، واستقر المذهب على ما يقرره الأشاعرة والماتريدية ، فقالوا أن لله سبحانه وتعالى سبع صفات ذاتية ووضعوا لها تعريفات وحدود ، وأعرضوا عن اثبات سواها إما متأولين أومفوضين أو مثيبتين لها صفة ذات أو فعل منفي عنها الظاهر الحسي .

    غير أن الناظر المتأمل في المذهب يجد أن الأمر برمته يعود إلى التفويض في الحقيقة ، وأنه حتى السبع صفات المثبتة تعود إلى مذهب ( أمروها كما جاءت ولا كيف ولا معنى ) !!!!

    فإن سألت : ما معنى صفة العلم !!؟؟
    لأجابك الأشعري أو الماتريدي قائلا :
    هي صفة أزلية تقوم بذات الله تنكشف بها المعلومات انكشافا تاما لا يحتمل النقيض.
    وهذا يتمشى مع تعريف العلم عند طائفة من الأصوليين بأنه :
    ( صفة توجب لمحلها تمييزا بين المعاني لا يحتمل النقيض ) كما تجده عند الإمام السيف الآمدي في ( الإحكام ) .

    وهذا جميل ، غير أنه ليس بمفيد في التهرب من سمة التفويض !!
    فغاية ما فعلوه أن عرفوا الصفة بأنها صفة ( معنى ) تقوم بمحل !!
    وأن عرفوا العلم بأنه انكشاف المعلومات !!
    فهذا كله تعريف باللوزام !!

    لكن ..

    ما معنى وصف وصفة ( العلم ) في حق الله حقيقة !!؟؟
    ما معنى هذه الصفة في حق الله !!؟؟

    ماذا نفهم من ( علم الله ) !!؟؟
    وماذا نفهم من حياة الله !!!؟؟
    هل لها نفس معنى ( الحياة ) في حقنا !!!؟؟
    هل معنى ( حياة الله ) هو ذاته معنى ( حياة الإنسان ) مثلا !!؟؟

    ومعنى الشيء في الحقيقة هو حقيقته وكنهه !!

    فتعريف العلم السابق تعريف باللوازم لا بالماهية والحقائق ، إذ التعريفات على أنواع :

    1- تعريف بالحقيقة والماهية ، وهذا هو الحد المفيد لمعنى الشيء الذي هو حقيقته عند النظر ، ومثاله أن تعرف الإنسان بأنه ( حيوان ناطق ) فتكون قد عرفته بما هو هو وبما لا يشاركه فيه أي شيء آخر فحددت حقيقته وتطرد هذه الحقيقة على كل جنس الإنسان .
    هذا الحد هو المفيد القاطع المغني عما سواه وكل ما سواه من الحدود لا طائل حقيقة من ورائه في معرفة معنى الشيء اللهم إلا في تقريب الفهم فقط دون الاحاطة بالمعنى .

    وهذا التعريف والحد الحقيقي لا سبيل إليه في حق الله سبحانه وتعالى البتة لما أنه سبحانه وتعالى لا يدرك كنه ذاته وصفاته الواصفون لغيابه عن الحس عجز العقل عن الاحاطة به ولا يصلح كما يعلم قياس غائب على شاهد .

    2- تعريف رسمي باللوازم والأعراض ، وهذا من جنس التعريفات المتبعة في صفات الله عند أهل السنة ومثاله أن تقول ( الخمر عقار مسكر ) ،وهذا هوغاية ما يمكننا في ذات الله سبحانه وتعالى أو صفاته ، إذ أن السؤال عن معنى العلم أو الحياة مثلا بـ ( ما ) يستدعي أن يجاب عنه ببيان حقيقة العلم والحياة وكنهه ، ولا يتوصل إلى التعريف الحقيقي إلا بمعرفة الماهية وهذه تقتضي معرفة الجنس والنوع ولا بد والله سبحانه وتعالى لا جنس له ولا نوع بل هو منزه عن المجانسة ، لذا لا يصح البتة السؤال عن ذاته أو صفاته بالماهية أي ( ما هو ) لما ان الماهية تستدعي المجانسة .

    3- ثم هنالك التعريف اللفظي ، وهو أضعف التعريفات ومثاله أن تقول ( الأسد هو الليث ) وإفادته جد ضعيفة .

    فالحاصل أن الأشعري أو الماتريدي لما يعرف صفة الحياة مثلا بأنها
    ( صفة تصحح الاتصاف بالعلم )
    فإنه لم يأت على بيان معنى الحياة في حق الله في الحقيقة ، بل غاية ما فعله أن عرفها بلوازمها تعريفا رسميا !!

    وهذا ببساطة لأنه لا يعرف معنى الحياة في حق الله كما يعرفها في حق الإنسان أو الحيوان عموما !!

    وهذا ينسحب على بقية الصفات كلها ذاتية كانت أو خبرية عند من يثبتها ، فغاية ما يمكن أن نعطيه من معان لما وصفنا الله به من صفات هو ما يظهر لنا من لوازم هذه الصفات وآثارها وما هو أبعد من ذلك يقع في منطقة محرمة محظورة لا نستطيع الوصول إليها لا بعقلنا ولا بحسنا فتبقى مستعصية علينا غير قابلة للحل والفهم والمعرفة .

    وقد يكون كلامي هذا غريبا على البعض وربما يستنكره الكثيرون جازمين أنهم يعرفون معاني صفات الله سبحانه التي يثبتها الأشاعرة حق المعرفة ، وأن القول بأننا لا نعرف معانيها يفضي إلى التجهيل والتسطيح وعدم ثبوت شيء من الحقائق أو الشرائع !!

    ولكن هذا قول من لم يدقق في الأمر ولم يتدبره !!

    فإن نحن قلنا أننا نعلم معنى حياة الله سبحانه وتعالى ونثبتها ولكننا لا نكيفها ونقطع بأنها غير حياتنا وحياة المخلوقات كما يقوله الكثير ممن ينتمي إلى أهل السنة !!
    لجاز عندها للحشوي أن يقول : وكذلك نحن نعلم معنى اليدين والإستواء والأصابع ونثبتها ولا نكيفها ونقطع بأنها بما يليق بجلاله وعظمته مخالفة للمخلوقات !!

    فإن قال له الأشعري : ولكن في ادعاء معرفة معاني هذه الأوصاف وتفويض الكيف تجسيم وتشبيه فلا يجوز !!
    لقال له الحشوي مباشرة : وكذلك في اثبات معنى الحياة مع عدم التكييف تشبيه ، وإلا فما الفرق ولمَ التحكم ولماذا تعرف معاني هذه وتنفي وتفوض أو تتأول معاني تلك !!!!!؟؟
    فمعنى ( حياة الله ) عند الأشعري السني هو ( صفة تصصح لمحلها الاتصاف بالعلم )
    وهو تعريف ينطبق أيضا على ( حياة الإنسان ) بل الحياة مطلقا ، فيصح أن نقول ( الحياة : صفة تصحح لمن قامت به الاتصاف بالعلم ) !!
    فما الفرق إذن بين حياة الله وحياة الانسان !!!

    وفعلا لا فرق البتة إن نحن اعتقدنا أننا نعرف معاني هذه الصفات حقيقة مع قيام الفرق بين الخالق والمخلوق، فكذلك هم يدعون أنهم يعرفون معاني النزول والاستواء واليد حقيقة ولكنهم يثبتونها بما يليق بالله الخالق !!

    غير أن الفرق واضح وكبير عندما نقول أننا لا نعرف البتة حقيقة معنى أي صفة من صفات الله فضلا عن كيفها وأن غاية ما نفعلها في الصفات المثبتة هو حدها بلوازمها حدا رسميا !!

    أما المعنى الحقيقي لها فلا نعلمه ، وهذا هو الصحيح فيما أعلم !!

    لذا فكما ترى سيدي جمال .. التفويض هو قطب رحى عقيدة أهل السنة جميعهم بكل طوائفهم عرفوه أو جهلوه ، سواء أكان تفويضا صريحا مع التوقف ، أو كان تفويضا مستترا بعد اثبات صفة سمعية ، أو حتى كان تفويضا خفيا بعد اثبات تعريف ومعنى لصفة مثبتة من صفات المعاني السبع .
    وحتى المتأولين لا يمكنهم إلى الوقوع في التفويض عند الكلام على الصفات المثبتة !!

    للتفويض مدخل في كل هذه المسارات كما يظهر لي ..

    وأعتذر في النهاية عن أي خطأ .. فقد كتبته على عجل من الذاكرة دون رجوع إلى مصدر

    والله الموفق إلى سواء السبيل .

    محبكم وخادمكم
    [/ALIGN]
    صل يا قديم الذات عدد الحوادث .. على المصطفى المعصوم سيد كل حادث

    تعليق

    • سليم بن حمودة الحداد
      طالب علم
      • Jun 2005
      • 89

      #3
      بسم الله الرحمان الرحيم
      الحمد لله وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا رسول الله و على آله وأصحابه و من اتبع هداه.
      أخي هاني الرضا السلام عليكم ورحمة الله
      بارك الله فيك على ما تفضلت به و قد بينت فكفيت .
      و لكن لي بعض الملاحظات البسيطة فسامحني على تطفلي!

      أخي العزيز قلت:
      ''فاليد تعني القدرة ، والاستواء يعني الاستيلاء وهكذا دواليك !!
      وهذا عندي ليس بجيد وفيه من المخاطرة والتعرض للتهلكة ما فيه ، فمن أين لك الجزم بهذا المعنى تحديدا دون غيره ونسبته إلى الله والجزم بأنه هو مراد الله سبحانه وتعالى من كلامه المنزل فضلا عن اعتقاده !!؟؟ ''.
      أقول: لكن القائلين بتلك التأويلات لا يجزمون بها و لا يقطعون بأنها هي مراد الله تعالى بالضرورة لا غيرها.بل يجوزون حمل الألفاظ الموهم ظاهرها للتشبيه على أحد المعاني اللائقة بالله تعالى لا على القطع بواحد منها.
      و ليس في ذلك مخاطرة ولا تعرض للتهلكة..كيف والقرآن الكريم انما
      نزل بلغة العرب وأساليبهم في التجوز والبلاغة و البيان؟؟
      فإن حملنا أي لفظ من ألفاظ الكتاب أو السنة على احدى دلالاته المعروفة عند العرب -مع مراعاة الضوابط الأصولية- لم يكن في ذلك حرج و هو ما تراه مطردا في كتب التفسير و شروح الحديث.
      و حمل اليد على القدرة أو القوة أو غيرها من معانيها، و حمل الاستواء
      على الاستيلاء ليس بدعا من لغة العرب و مخاطباتهم ..
      و ما أراه هو أن تأويل تلك الألفاظ وخاصة المضافة الى الله تعالى هو الأفضل و الأسلم ..و مع العوام أيضا !!
      فإن العوام لا يجاوزون الخيال والوهم الى تصور المعاني الجائزة والمستحيلة، فمهما حاولت صرف أذهانهم عن التشبيه والتجسيم
      لم تقدر عليه مما اعتادوا بسط خيالهم على كل المعاني.
      فإنك لو قلت لعامي عن قول الله تعالى :"ثم استوى على العرش"
      معنى استوى في الأصل و أول الوضع اللغوي هو الجلوس والاستقرار
      و هذا لا يجوز على الله تعالى فيجب عليك تنزيهه عنه و اعتقاد أن الله استوى على العرش دون جلوس ولا استقرار عليه..
      فإن العامي لن يدرك ذلك و لن يستطيع إلا أن يتخيل ربه جالسا على عرشه كما الملوك.
      و لكن لو قلت له ان من معاني الاستواء عند العرب ''الاستيلاء والظهور''
      و أن العرب تقول تجوّزا ان فلانا استوى على عرش المملكة أي أنه استولى عليها و صار الحكم و السيطرة فيها له و إن لم يجلس حقيقة على عرش ولا كرسي..فإنه سيفهم ذلك و ينصرف خياله عن توهم ربه
      جالسا مستقرا على العرش و لو بشقة.
      و هو اللائق بسياق الآيات التي ذكر فيها الاستواء على العرش
      كما هو بيّن لمن تأمله.
      فهذا أسلم له و أحوط و آمن من أن تتخطفه الحشوية والمشبهة والمجسمة بيسر اذا اكتفى بالطريقة الأولى .و الله أعلم.
      و قولك:
      ''فغاية ما فعلوه أن عرفوا الصفة بأنها صفة ( معنى ) تقوم بمحل !!
      وأن عرفوا العلم بأنه انكشاف المعلومات !!
      فهذا كله تعريف باللوزام !! ''.

      أخي ليس ذلك تعريفا باللوازم والأعراض فليس رسما للعلم بل حد له.
      فحقيقة العلم: أنه صفةٌ أو قوة انكشاف أو ادراك المعلوم على ما هو به، انكشافاً لا يحتمل النقيض بوجه من الوجوه.والوجوه ثلاثة: الشك، والوهم، والظن.
      و هذا حد لأن ذاك الانكشاف والادراك ليس من لوازم العلم بل هو ذاتي مقوّم له .و من لوازم العلم مثلا أن يحصل في العالم حالة أو شعور بحصول العلم له ..فإذا علمت شيئا فقد حصل لك ادراكه و انكشافه على ماهو عليه في ذاتك(وهذا حقيقة العلم)، و حصل لك شعور أو ادراك لكونك أدركت المعلوم و علمته(و هذا من لوازمه) .
      و قولك:
      ''لكن .. ما معنى وصف وصفة ( العلم ) في حق الله حقيقة !!؟؟
      ما معنى هذه الصفة في حق الله !!؟؟ ماذا نفهم من ( علم الله ) !!؟؟
      وماذا نفهم من حياة الله !!!؟؟ هل لها نفس معنى ( الحياة ) في حقنا !!!؟؟ هل معنى ( حياة الله ) هو ذاته معنى ( حياة الإنسان ) مثلا !!؟؟''.
      أقول: كوننا لا نعلم صفة العلم في حق الله تعالى فذلك لا يلزم عنه
      أننا لا نعلم حقيقة العلم و ماهيته..
      فإننا نعلم أن حقيقة العلم أو ماهيته و جوهره أنه قوة ادراك الأشياء
      أو انكشافها على ماهي عليه بما لا يحتمل النقيض.
      و هذه الحقيقة موصوف بها الله تعالى و موصوف بها الانسان،
      و لكن الاختلاف هو في أعراض تلك الصفة لا في حقيقتها و جوهرها.
      فالانسان له قوة العلم (أي جوهره وحقيقته) لكنها مكتنفة بلواحقها
      المادية الملازمة للانسان..فلا علم للانسان الا بالدماغ و الحواس
      و الخيال و تجريد الكليات من الجزئيات..و نحو ذلك من الأعراض الطارئة على ماهية العلم وجوهره وحقيقته لأنه-أي العلم وجوهره- قائم بالانسان الذي لا ينفك عن اللواحق المادية .
      و الله تعالى موصوف بحقيقة العلم و ماهيته و جوهره و لكن بغير تلك الأعراض المادية الملازمة للانسان بل "بأعراض أخرى" تلحق جوهر العلم وحقيقته بما يناسب ذات الله تعالى وصفاته التي لا ندرك كنهها
      و جوهرها وحقيقتها أبدا.
      فحقيقة وجوهر العلم واحد موصوف به الله تعالى والانسان على السواء
      و لكن الأعراض اللاحقة بجوهر العلم الواحد هي المختلفة لا حقيقة العلم. وهذا لا يعني بحال أن علم الله كعلم الانسان لأن جوهره واحد عندهما وعند كل متصف بالعلم. اذ الله تعالى منزه عن الأعراض المادية التي تكتنف العلم الانساني فتحد من قوته و نفاذه و اتساعه لجميع الممكنات و المستحيلات و الموجودات والمعدومات.
      فإذا فوضنا حقيقة أو كنه نسبة العلم الى الله تعالى فإنما نفوض الأعراض (التي تكتنف جوهر العلم) و التي أتت من قيام تلك الحقيقة والجوهر العلمي بذات الله تعالى و هي ذات لا ندرك حقيقتها فلا ندرك
      حقيقة اتصافها و قيام حقيقة العلم الواحدة بها.
      بالضبط كما أن تلك الحقيقة والجوهر (جوهر العلم) حينما قام بذات الانسان- و هي ذات مخلوقة حادثة جسمية- تأثر ذلك الجوهر العلمي الواحد بصفات تلك الذات الانسانية و حدوثها و جسميتها فكان علم الانسان -بسبب تلك الأعراض الطارئة على حقيقة العلم- ناقصا محدودا
      متناهيا ...
      و هو أيضا كما نقول ان الله تعالى موجود و الانسان موجود ..فحقيقة الوجود أي جوهره واحد فيها و لكن يختلفان بأعراض الوجود كالوجوب والامكان و الوحدة والكثرة وغيرها ..فوجود الله تعالى واجب و وجود الانسان ممكن جائز ..
      و هذا واضح لمن تأمل ..
      قولك:
      " تعريف رسمي باللوازم والأعراض ، وهذا من جنس التعريفات المتبعة في صفات الله عند أهل السنة ومثاله أن تقول ( الخمر عقار مسكر ) "
      أقول:
      أخي.. ( الخمر عقار مسكر ): هذا حد للخمر لا رسم له فالعقار أو الشراب جنس و مسكر فصل لا عرض عام ولا خاصة.

      قولك:
      "وفعلا لا فرق البتة إن نحن اعتقدنا أننا نعرف معاني هذه الصفات حقيقة مع قيام الفرق بين الخالق والمخلوق، فكذلك هم يدعون أنهم يعرفون معاني النزول والاستواء واليد حقيقة ولكنهم يثبتونها بما يليق بالله الخالق !! ".
      أقول: أخي هاني ..هذا الذي من أجله كتبت اليك..
      ان الفرق بين تلك الصفات التي أثبتها أهل السنة و بين تلك الاضافات التي جعلها الحشوية والمجسمة صفات عين لله تعالى هو كما بين السماء والأرض..
      أخي ..قد قلنا سابقا ان حقيقة العلم أي جوهره وماهيته هو: أنه صفةٌ أو قوة ينكشف أو يدرك بها المعلوم على ما هو به، انكشافاً لا يحتمل النقيض بوجه من الوجوه.
      و هذا جوهره و لكن له أعراض تطرؤ عليه حسب الذات التي يقوم بها
      وتتصف هي به.
      فالأعراض التي تطرؤ عليه عند قيامه بالانسان هي كونه-أي العلم- لا يتم الا بواسطة الحواس و الخيال و الدماغ و التجريد العقلي .
      فإذا وصفنا الله تعالى بالعلم فإنما نصفه و ننسب له جوهر العلم وحقيقته وماهيته ثم ننزهه و ننفي عنه تلك الأعراض التي طرأت على جوهر العلم وحقيقته نتيجة قيامه بذات الانسان.
      و هذا هو معنى قولنا: لله علم يليق بجلاله سبحانه.
      و قس على ذلك باقي الصفات السبعة الأخرى كالارادة والحياة والقدرة
      و السمع والبصر ..
      فإننا اذ نثبتها لله تعالى انما ننسب له حقائقها و جواهرها دون أعراضها
      المادية الطارئة عليها من قيامها بذات الانسان المادية المحدثة.
      فنقول مثلا: لله تعالى سمع و بصر يليق به..بمعنى أنه سبحانه متصف
      بحقيقة و جوهر السمع الذي هو قوة ادراك وانكشاف المسموعات
      على ماهي عليه .و البصر مثل ذلك.
      ثم ننزه الله تعالى عن اللواحق المادية الجسمية المحدثة اللازمة لسمع وبصر الانسان الذي قام به جوهر السمع والبصر ذاك.
      فحقائق تلك الصفات و جواهرها ليست لازمة للمخلوقات أو الأجسام
      و لا الجسمية والحدوث لازمة لها بل انما يعرض لها و يطرؤ عليها القيام بالاجسام و اكتناف الجسمية والحدوث .

      فلماذا لم يفعل علماؤنا رحمهم الله تعالى و رضي عنهم و جزاهم عنا
      خيرا مثل ذلك مع تلك التي يسميها الحشوية صفات لله تعالى؟؟
      لأن هذه "الصفات" لا تنفك حقائقها وجواهرها- فضلا عن أعراضها-
      عن الأجسام والجسمية والحوادث والحدوث.
      ذلك بأن النزول مثلا حقيقته و جوهره انتقال من مكان عال الى مكان سافل أو افراغ الحيز العالي و شغل الحيز السافل.
      و هذا لا يكون الا في الأجسام والحوادث فهو ملازم لها لا تنفك عنه ولو بالقوة لا بالفعل.فكل حادث متحرك وكل متحرك حادث بالضرورة.
      بل اننا ما علمنا حدوث الموجودات الا بالحركة فإذا نسبناها الى الله تعالى فقد حكمنا عليه بالحدوث لا محالة .اذ هي علة الحدوث.
      هذه حقيقة النزول وجوهره أما أعراضه فهي النزول بسرعة أو ببطء
      باستقامة أو انحناء و هكذا..
      فهل يمكننا أن نصف الله تعالى بحقيقة وجوهر النزول ثم ننزهه عن أعراضه الطارئة عليه كما فعلنا مع الصفات الأولى؟؟
      بالتأكيد لا و ألف لا ولا..اذ كانت حقيقة الحركة والانتقال من لوازم الحوادث
      والأجسام لا محالة فلا مناص من نفيها عن الله تعالى باطلاق.
      و لا يغني و لا يعني شيئا اثباتها لله تعالى ثم زيادة:بلا كيف!!!
      فهو كلام من لا يدري ما يقول و لا يعقل ما يتفوه به..
      و على هذا قس باقي "الصفات" التي يثبتونها لله تعالى و تقدس..
      فبان بيقين فرق ما بين الصفات السبعة التي أثبتها أعلام أهل السنة
      لله تعالى و بين تلك الاضافات التي محلها التأويل لا محالة.
      هذا ما أردت قوله فإن أصبت فمن الله وإن أخطأت فمني و من شيطاني
      و لا حول ولا قوة الا بالله ..سبحانك لا علم لنا الا ما علمتنا انك أنت العليم الحكيم..
      و الله أعلم وأحكم و صلى الله وسلم وبارك على النبي و آله وصحبه
      و تابعيه باحسان..
      والحمد لله رب العالمين ..



      التعديل الأخير تم بواسطة سليم بن حمودة الحداد; الساعة 11-08-2005, 14:11.
      يظن الناس بي خيرا و إني
      لشر الناس إن لم يعف عني

      أخوكم سليم

      تعليق

      • ماهر محمد بركات
        طالب علم
        • Dec 2003
        • 2736

        #4
        جزاكم الله خيراً على هذا النقاش الجميل المفيد :

        أخي الفاضل سليم حمودة لدي سؤال لو تكرمت :

        قولنا : (العلم : قوة يحصل بها انكشاف المعلوم ...الخ )
        لانختلف أخي بالتأكيد أن الأعراض متباينة ولاوجه اشتراك بين الموجودة عند الانسان وعند الحق سبحانه وتعالى كما بينت جزاك الله خيراً .

        لكن ألا ترى أن قوة الادراك التي هي جوهر العلم وماهيته وحقيقته هي أيضاً متباينة بين تلك التي يتصف بها الحق تعالى وبين تلك التي يتصف بها الانسان ولاوجه اشتراك فيها أبداً .. لأن هذه القوة ليست نفس تلك القوة (أقصد ماهيتها وحقيقتها ) فيكون التغاير بين علم الانسان وعلم الحق تعالى حاصل بجوهره وأعراضه وليس بأعراضه فقط .
        هل لك سيدي أن تعلق على هذه النقطة بارك الله فيك ؟

        وهناك ملاحظة أخرى :
        الذين ورد عنهم اثبات الصفات الخبرية من أهل السنة (كالبيهقي والأشعري والباقلاني رضي الله عنهم ) هم ينفون بالتأكيد مانفيته أنت من جوهر الصفة وأعراضها الملازمة للحوادث المفهومة من اطلاقها باللغة العربية لكنهم يقصدون أن هناك صفة اسمها اليد مثلاً أو الاستواء لايقصد منها ظاهرها .. انما هي مجهولة الحقيقة والجوهر والعرض بالنسبة لهم فلايرد عليهم ما أوردته أنت من لزوم الجوهر والعرض للحادث .
        أما الوهابية فهم لايفعلون ذلك بل يثبتون الجوهر والعرض الملازم للحادث المشابه للانسان ثم يقولون بلا كيف أو بكيف مجهول - وهو الأكثر في كلامهم - تهرباً من التشبيه الذي وقعوا فيه وهنا الطامة الكبرى وهذا هو الذي يرد عليه كلامك .
        أليس هذا صحيحاً ؟؟

        ودمت سيدي الفاضل .
        التعديل الأخير تم بواسطة ماهر محمد بركات; الساعة 11-08-2005, 15:05.
        ومبلغ العلم فيه أنه بشر ** وأنه خير خلق الله كلهم

        تعليق

        • سليم بن حمودة الحداد
          طالب علم
          • Jun 2005
          • 89

          #5
          يسم الله الرحمان الرحيم
          أخي محمد بركات السلام عليكم ورحمة الله

          أخي بارك الله فيك على مشاركاتك و تعليقاتك المفيدة والنافعة
          نفعنا الله تعالى بك وبعلمك ..
          أخي العزيز ..ان الماهيات المتماثلة لا تتمايز ولا تختلف بالقوة والضعف
          فماهية الانسان أو حقيقة الانسانية و جوهرها واحد، و كل أفراد الناس
          المشتركين في تمام ماهية الانسانية موصوفون بتلك الماهية و الحقيقة
          على السواء ..و لا يختلف الافراد بقوة أو ضعف تلك الماهية فيهم بل هي واحدة في جميعهم بنفس الطريقة ..
          انما يختلفون في الأعراض الطارئة على تلك الماهية كالقوة الجسمية و ضعفها و قوة العقل وضعفه و الطول الجمال و الأخلاق و نحو ذلك من الأعراض .
          أما في الماهية الانسانية فهم سواء، اذ من خصائص الماهيات عدم التفاوت بخلاف الأعراض التي تختلف حسب المقولات-أو الكيفيات- التسع المعروفة.
          فكذلك الحال بالنسبة الى حقيقة العلم و السمع والبصر وسائر الصفات
          و حقيقة كل شيء في الوجود.
          فماهية العلم وهي قوة أو ملكة ادراك (أو هي الادراك بمعنى المصدر لا الاسم) الأشياء أو المعلومات على ماهي عليه بلا احتمال.
          هذه الماهية لا تختلف من ذات لذات و انما الاختلاف في أعراضها الطارئة عليها(أقصد الماهية) فيكون العلم أقوى و أوسع و أشمل و أدق
          و أصح الخ باختلاف الذوات التي يقوم بها ذلك العلم .
          فيكون العلم في ذات الله تعالى على غاية الكمال و الشمول بسبب قيام ذلك العلم (و له نفس الماهية والحقيقة) بذات الله الكاملة العلية ، فيعرض و يطرؤ على تلك الماهية والحقيقة -أي ماهية العلم - أن تتصف بصفات الكمال التي لذات الله تعالى، فيصير العلم كاملا شاملا واسعا محيطا بالغيب والشهادة.
          و هذه الكمالات عارضة لماهية وجوهر العلم و حقيقته ،فليس من ذاتيات العلم المقوّمة أن يكون بذلك الكمال والاتساع والشمول،
          اذ العلم في الحقيقة والجوهر ليس الا ادراك المعلومات على ماهي عليه
          لا غير.
          و تلك الماهية والحقيقة -أي حقيقة العلم- ذاتها يعرض لها ويطرؤ عليها
          أن تكون متصفة بالمحدودية والضعف و التناهي اذا قامت -ماهية العلم - بذات محدودة ضعيفة متناهية كذات الانسان.
          و لبيان أن الماهيات لا تتفاوت أنقل كلام الامام الحجة فخر الدين الرازي في أساس التقديس:
          ''... أنا قد دللنا في القسم الأول من هذا الكتاب على أن الأجسام متماثلة في تمام الماهية فلو كان الباري تعالى جسماً ، لزم أن يكون مثلاً لهذه الأجسام في تمام الماهية وحينئذ يكون القول بالتشبيه لازماً ''.
          يقصد رحمه الله أن الأجسام متماثلة في تمام ماهية الجسمية التي لها جميعا على السواء ،فلو كان الله تعالى جسما -كما يقول الكرامية وابن تيمية- للزم أنه مساو لسائر الأجسام في ماهية الجسمية وحقيقتها،
          أي يكون له تعالى نفس ماهية الجسمية التي لها سواء بسواء اذ الماهيات لا تتفاوت ولا تختلف كالأعراض والكيفيات.
          و كذلك الشأن لماهية العلم وحقيقته التي هي لله تعالى و للانسان
          على السواء، و لكن تختلف وتتفاوت بأعراضها اللاحقة بها بسبب الذات التي اتصفت بالعلم لا من العلم ذاته أي جوهره.
          و أظن هذا واضحا أخي بركات بارك الله لنا فيك..

          أما ملاحظتك الثانية فإني أتفق معك حولها بلا ريب ..
          فجزاك الله تعالى خيرا و وفقك وسددك و جعلك عملك في رضاه خالصا لوجهه الكريم و أحسن خاتمتك و جمعنا على الخير ..
          و الله أعلم وأحكم و أعظم وأجل وأكرم..

          و السلام عليكم ورحمة الله
          يظن الناس بي خيرا و إني
          لشر الناس إن لم يعف عني

          أخوكم سليم

          تعليق

          • هاني علي الرضا
            طالب علم
            • Sep 2004
            • 1190

            #6
            [ALIGN=JUSTIFY]الحمد لله وكفى وصلاة وسلام على نبيه المصطفى وعلى آله أهل المكارم والنهى .. وبعد ..

            أخي الفاضل سليم بن حمودة حمد الله مسعاك وجعل الجنة مثواك
            وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته وطيب صلواته

            أوافقك أخي الفاضل في أمر وأخالفك في أمور .

            أما الذي أوافقك فيه فهو تصحيحك الخطأ الواقع من جانبي في التمثيل للحد بالرسم بقولي ( الخمر عقار مسكر ) !!

            نعم صدقتَ وكذبتُ وأصبتَ وأخطأتُ ، فهذا حد لحقيقة الخمر وماهيته بالجنس والفصل وليس حدا له بالرسم ، ويبدو أنه وقع لي إلتباس نتيجة التسرع والعجلة والله المستعان .

            فالصحيح أن يقال في حد الخمر بالرسم هو : ( المائع الذي يقذف بالزبد ثم يستحيل إلى حموضة ويحفظ في الدن ) كما مثل الإمام الغزالي في المستصفى .

            إلى هنا أوافقك وأعتذر عن خطأي ، وأما ما سواه أخي الكريم فأراك قد جانبك الصواب فيه .

            وسأحاول الإختصار قدر الإمكان مع أن الحديث ذو شجون واجب تقصيها :


            التفويض والتأويل :
            الخلاف بين مؤيدي كلا من الطريقتين قديم معروف ، وكل يورد حججه نقلية وعقلية ، لذا لن أتوقف عنده كثيرا لقلة الفائدة ، غير أني أنبه أن ما عنيت بكلامي الأول هو أن التفويض هو ما أسير عليه في خاصة شأني وحالي وعقيدتي ، ولا يعني هذا بحال عدم استعمالي التأويل بينة الفينة والأخرى تماما كما كان السلف الصالح يفعلون ، فالتفويض أصل أسير عليه والتأويل دواء ألجأ إليه.

            ويكفينا أخي الكريم أن لنا النص القرآني : { وما يعلم تأويله إلا الله . والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا } وأن الوقف على لفظ الجلالة هو مذهب جمهور القراء والمفسرين .

            كما أن فعل الصحابة يشهد لنا ، ومثلك يعلم ما أجاب به الصدّيق رضي الله عنه حينما سئل عن الأب في قول الله { وفاكهة وأبّا } ما هو ؟ فأجاب : أي سماء تظلني وأي أرض تقلني إن قلت في كتاب الله برأيي !!
            فالأب في اللغة يعرفونه ، غير أنه ولقيام معنى أن ليس في الجنة شيء من الدنيا إلا الأسماء في نفسه لم يتجرأ ويفسر المفردة المعلومة عندهم بأي من معانيها اللغوية ورعا منه وتقوى ، فإن كان هذا هو الحال في شأن الأب المخلوق فكيف بخالق الأب وخالق كل شيء !! ألا يكون هو سبحانه أولى بالورع والتقوى في جنابه وحقه !!

            كما يشهد لصحة مسلكنا أن كبار أئمة أهل السنة ممن انتهجوا التأويل منهجا وعنهم اشتهر وبهم ازدهر قد عادوا عنه إلى التفويض عند دنو منيتهم وتحقق نهايتهم ، فغلبوا جانب السلامة وطلبوا مركب الأمان وأعلنوا تخليهم عن سابق التأويل واللجاج والحجاج وعودتهم إلى عقائد السلف والعجائز أي التفويض ، وهذا مشتهر معلوم عن الإمام الرازي وقبله عن إمام الحرمين الجويني ، ولو لم يكن في التأويل مهلكة ومزلة لما عدلوا عنه وغلبوا التفويض عند موافاة الأجل !!
            التأويل عند هؤلاء الأعلام دواء لداء التشبيه أو التعطيل ، والذي يجب أن يكون عليه المسلم في غالب حاله هو التفويض والتسليم وعدم الاجتراء على كلام الله بالتخرص والظنون.

            وما اعترضت به أخي من أن في التفويض تعريض بالعوام لشبه التشبيه والتجسيم فمنقوض أخي بأن العامي الذي لم يتسع قلبه للتفويض البسيط كما تزعم يبعد جدا أن يسع التأويل الدقيق المركب المستلزم لمعرفة باللغة وكثير من القواعد الكلامية والمنطقية .

            وأصلا العوام السبيل معهم أن لا يعرّضوا إلى دقائق علم الكلام بل يُعرّفون بما يقوم به أمر دينهم من أبجديات العقيدة ويعلّمون أن الله ليس كمثله شيء وأن كل ما قام في ذهنهم فالله بخلافه وأن هذه النصوص الموهمة ليست على ظاهرها المعروف في حق الآدميين لتفاوت مقام الخالق والمخلوق وكفى ، فعلم الكلام دواء لا يعرف خصائصه واستعماله إلا الطبيب الماهر وهو فرض كفاية وفي تعريض العوام لدقائقه والإكثار من جرعته مهلكة لهم كما ذكر الإمام الغزالي في الإقتصاد ، والأولى لهم بعد تعليمهم أبجديات العقيدة أن يُشغلوا بتعلم فروض دينهم من طهارة وعبادات ونحوها مما لا يجيده الكثير منهم فيفضي الواحد منهم إلى ربه وهو لم يغتسل غسلا صحيحا ولو مرة في حياته والله المستعان ، ثم بعده يتولى الورثة المحمديون تسليكهم و تزكية نفوسهم وإرشادهم بما ينصلح به حال دينهم ودنياهم وتقوم به معاملاتهم وقلوبهم ليلاقوا ربهم غير فاتنين ولا مفتونين، فليس امتحان العوام وسؤالهم عن الاستواء وغيره من الحكمة في معاملة الخلق وهدايتهم في شيء !!


            تعريف العلم وهل هو حقيقي أم رسمي ؟
            تقول أخي معلقا على قولي عن تعريف العلم المشتهر أنه رسمي :

            [أخي ليس ذلك تعريفا باللوازم والأعراض فليس رسما للعلم بل حد له.
            فحقيقة العلم: أنه صفةٌ أو قوة انكشاف أو ادراك المعلوم على ما هو به، انكشافاً لا يحتمل النقيض ...
            و هذا حد لأن ذاك الانكشاف والادراك ليس من لوازم العلم بل هو ذاتي مقوّم له .و من لوازم العلم مثلا أن يحصل في العالم حالة أو شعور بحصول العلم له ..فإذا علمت شيئا فقد حصل لك ادراكه و انكشافه على ماهو عليه في ذاتك(وهذا حقيقة العلم)، و حصل لك شعور أو ادراك لكونك أدركت المعلوم و علمته(و هذا من لوازمه) . ]


            وأنت هنا قد جعلت الإنكشاف نفسه ذاتيا للعلم ، ثم قد فصلت وفرّقت بين انكشاف الشيء وانكشاف انكشاف الشيء ، أو بمعنى أوضح العلم بالشيء والعلم بأننا نعلم ذلك الشيء .

            وهذا التفريق وما بنيته عليه من تقسيم لم أرى أحدا سبقك إليه حقيقة ، وهو عندي غير سليم ، بل حاصل الأمر أن انكشاف الشيء هو علم به ، ثم انكشاف ( العلم به ) هو ((علم آخر)) غيره بدليل تخلفه عنه وابتناءه عليه وعدم استتباع الأول للثاني وجواز تخلفه !!

            فأنت تعلم أولا ، ثم تعلم أنك تعلم ثانيا ، ولو كان الثاني لازم الأول لتساوى حصولهما في النفس ضرورة وتواترا دون تراخ بينهما لعدم قيام اللازم أو العرضي بغير متعلق يتبعه ، لإنت تعلم وهذه نسبة تقوم في نفسك ، ثم تعلم أنك تعلم وهذه نسبة وتصديق آخر انبنى على النسبة الأولى دون أن يكون بينهما علاقة طبعية أو علية بل سببية يجوز أن تتأخر ولا تقوم بعوارض الغفلة وعدم النظر ، ولا بد في حصولها من تراخ وحصول نظر ثم تحصل الثانية ولو كانت لازمة للأولى لحصلت بداهة في النفس عند حدوث الأولى دون تراخ وليس الأمر كذلك .

            ثم أنت تقول أن الأولى (( انكشاف )) معلوم ، والثاني (( انكشاف انكشاف معلوم )) والإنكشاف الحاصل في تلك حقيقته مساوية للإنكشاف الحاصل في هذه فلا يمكن أن يكون لازما للأولى لما أن اللازم لا يحتوي ذاتيات ملزومه وإلا تساوى معه في الماهية وأنه محال لأن وجوده مبني على وجود ملزومه أو فهمه فتدبر .

            فهذا التقسيم لا يجديك نفعا في محاولة اثبات أن الإنكشاف ليس من لوازم العلم المعني بل ذاتياته ، فالإنكشاف حاصل عندك في الحالين ، فلمَ جعلته ذاتيا في الأول الذي هو حصول العلم بالشيء عندك بينما جعلته لازما في الثاني الذي هو العلم بالعلم بالشيء ولمَ التحكم !!؟؟

            ثم إنك أخي الفاضل قد تحكمت في حد العلم وحدت عن الحد الذي أثبته أنا أولا وهذا مخل بالمطلوب ، فمثلك يعلم مدى الإختلاف الحاصل في حد العلم ، بل إن إمام الحرمين وتلميذه الغزالي قد قالا أنه لا يحد حدا حقيقيا لعسره وعسر الإطلاع على ذاتياته ، بل إن الإمام الرازي قال أنه لا يحد لا حدا حقيقيا ولا رسميا لأنه ضروري ، فمع كل هذا الخلاف الحاصل كان الأجدى التزام الحد الذي أتيت أنا به أولا للعلم ومناقشتي على ضوءه .

            والحد الذي ارتضيته وأتيت به أعلاه هو :
            ( العلم : صفة أزلية تقوم بذات الله تنكشف بها المعلومات انكشافا تاما لا يحتمل النقيض )
            وهذا نسبته أنا إلى المتكلمين ، ونبهت أنه يتوافق مع حد العلم المطلق المرضي عند جمهور الأصوليين الذي هو :
            (صفة توجب لمحلها تمييزا بين المعاني لا يحتمل النقيض )
            وهو الحد الذي أثبته الآمدي في (الإحكام) و ( أبكار الأفكار ) وسار عليه جملة المتكلمين والأصوليين من بعده .

            ولو لاحظت أيها الفاضل في الحدين فستجد أن ( الانكشاف ) و ( إيجاب التمييز ) ذكرا فيها على صيغة الفعل مما يشعر بنفي الذاتية عنهما إذ الفعل لا يصح أن يكون ذاتيا لما أننا نتعقل الشيء أولى ثم نتعقل الفعل الصادر عنه ثانيا ، فليس ثمة ذاتي في الحدين غير لفظة ( صفة ) وهي الجنس في الحدين ، ولكن لا يتبع ذلك الجنس فصل بل يتبعه لازم ينتج عنه هو الإنكشاف وتمييز المعاني ، وأنت تدري أن الحد بـ ( الجنس ) متبوعا بـ ( اللازم ) ينتج عنه حد رسمي لا حقيقي .

            فالحاصل وبلغة سهلة أن الانكشاف نفسه يحدث بالصفة ، فليس ذاتيا لها بل من مفعولاتها وتأثيراتها ولوزامها ذهنا ، وأن حدوث ذلك الانكشاف بتلك الصفة يجعل تلك الصفة تكتسب اسم ( العلم ) دون غيرها من الصفات ، فالعلم اسم لصفة عملها هو الكشف عن المعاني فليس الكشف ذاتيا للعلم بل عمل له أي لصفته.
            تماما مثلما أن الحياة هي : ( صفة تصحح لمن قامت به الاتصاف بالعلم ) وأن حصول التصحيح هو ما ميز هذه الصفة عن غيرها من الصفات باسم الحياة وهكذا دواليك في بقية الصفات وحدودها المثبتة عن أهل السنة .

            وكل ما تقدم بالطبع هو على سبيل التجوز وإلا فإن الله لا يحتاج آلة أو واسطة لكي يعلم وإنما هو يعلم حقيقة بذاته التي يقوم بها العلم لا بتوسط صفة العلم وكذلك بقية الصفات .

            وعلى هذا المعنى نص من بعض من عرّف العلم بما تقدم ، فمثلا الشيخ الرهوني المالكي في شرحه على ( مختصر المنتهى الأصولي ) المسمى ( تحفة المسؤول ) نجده يقول بكل صراحة بعد ذكر حد العلم المعتبر عند ابن الحاجب المالكي وهو ما تقدم أعلاه يقول :

            ( واعلم أن الفصل والخاصة يوجبان تمييز الشيء في نفسه ، ويوجب حصولهما عند النفس تمييزا للشيء عن غيره ) تحفة المسؤول 1/184 ط دار البحوث بدبي.

            و( الخاصة ) كما يعرف من مارس هذا الفن هي ما يقال عن كلي قولا عرضيا ومثالها القول ( الإنسان حيوان كاتب ) فـ " كاتب " عرض للإنسان لا ذاتي له وهذا حد رسمي بخلاف ما لو ألحقنا الجنس بالفصل أو النوع ( الإنسان حيوان ناطق ) ليكون حقيقيا .
            فالرهوني المالكي يعتبر هذا الحد للعلم رسميا لا حقيقيا ، فهل يكون الرهوني قد أخطأ أيضا وهو الماهر في الأصول ، تدبر أخي .

            ثم إن أنت تأملت أيها الفاضل لوجدت أن (الذاتي) هو:
            ( ما لا يمكن فهم الذات قبل فهمه) أي أن فهمه متقدم على فهم المحدود به ، فلو سألتك ( ما تعقل من كلمة "الإنسان" ) لأجبت ( حيوان ناطق ) وذلك لسبق فهم ( حيوان ) و ( ناطق ) إلى ذهنك واجتماعهما في ذهنك ولا يمكنك إلا أن تجيب بهذا لما أنك لا يمكنك أن تتصور أو تفهم الإنسان بمعزل عن هاتين الذاتيتين ، غير أنك لو أتيت من كوكب آخر ليس فيه جنس البشر ولا الحيوانات وليس فيه شيء البتة ثم سألتك ( ما الإنسان ) لتحيرت ولأجبت : لا أعلم !!
            وذلك لأنك لا تفهم ولا تعرف الذاتيات المعرفة للإنسان قبل سؤالك عنه ، فالحاصل أنك تفهم الذاتي قبل أن تفهم المحدود به ، ومثاله اللونية للسواد ، فلولا أنك تفهم ما هو ( اللون ) لما تيسر لك أن تفهم وتحد ( السواد ) لو قدر عدم اللون لعدم السواد وهذا هو الذاتي.

            أما اللازم أخي الكريم فهو ( ما لا يمكن أن يفارق الماهية بعد فهمها أو وجودها ) ، وهو نقيض العارض ، فلو قلت لك مثلا ( ثلاثة ) لسبق إلى ذهنك مفهوم ( الفردية ) فهنا أنت أنت تفهم الثلاثة أولا بمنأى عن مفهوم ( الفردية ) غير أنه يقوم في ذهنك مباشرة ودون تراخ مفهوم ( الفردية ) تبعا لفهمك ( الثلاثة ) وهذا لازم للماهية ، أو إن قلت لك ( جسم ) فإنك تفهمه بمعزل عن أي مفهوم آخر .. فإن قلت لك ( ظل ) تجدد في ذهنك مفهوم آخر غير أنه يربطه مباشرة بالمفهوم السابق ( جسم ) فيتصور جسما له ظل يستتبع وجوده وهذا هو اللازم للوجود .

            فالحاصل أخي أنك إن قلت ( علم ) لأي شخص قام في ذهنه مباشرة معنى يفهم منه المقصود بهذه الكلمة ، فإن سألته ( ما يفعل هذا العلم ؟ ) لأجابك ( يكشف لنا المعلومات ) فالانكشاف تابع للعلم في الفهم أثر له في ربط الذهن أخي الكريم والعقل يفهم العلم منفصلا عن فهم الانكشاف ، وإلا لو كان الإنكشاف ذاتيا للعلم كما تقول أخي لم يختلف القوم في حده كل هذا الاختلاف بل لم يقل مثل الإمام الرازي أن لا حد له !! فبان أن الانكشاف لازم للعلم يفهم العلم دونه وقبله ويفهم هو تابعا للعلم أثرا له فهو لازم لا ذاتي للعلم .


            ثم تقول أخي :
            [كوننا لا نعلم صفة العلم في حق الله تعالى فذلك لا يلزم عنه أننا لا نعلم حقيقة العلم و ماهيته.. ]

            أقول : قد سبق التنبيه على الخلاف الكبير القائم في حد العلم بما يغني عن اعادته ، غير أني أقول أنه على فرض معرفة صفة العلم وحقيقته وماهيته فإن ذلك إنما يكون في حقنا نحن لا في حق الله سبحانه وتعالى ويستحيل ولا يجوز بحال أن تكون حقيقة العلم في حقنا هي ذات حقيقة العلم في حق الله سبحانه لقوله سبحانه وتعالى : { ليس كمثله شيء } فإن تشابهت الحقائق مع اختلاف العوارض كما تقول أيها الفاضل فماذا بقي من نفي المماثلة والتشبيه ، بل ماذا بقي من عقيدة أهل السنة !!؟؟

            فالحاصل أنك ربما تعرف حقيقة مطلق العلم ، ولكن تلك الحقيقة التي انكشفت لك قطعا يستحيل أن تكون هي حقيقة العلم في حق الله سبحانه وتعالى ، فالله يعلم لا كعلمنا وحقيقة علمه لا نعلم عنها شيئا ، وسيزداد هذا المعنى وضوحا فيما يأتي إن شاء الله .


            ثم تقول أخي بعد أن قلت أنك تعرف حقيقة العلم :
            [و هذه الحقيقة موصوف بها الله تعالى و موصوف بها الانسان، و لكن الاختلاف هو في أعراض تلك الصفة لا في حقيقتها و جوهرها. ]

            اسمح لي أخي أن أقول لك : ماذا تركت إذن من مذهب المشبهة !!؟؟

            هذا هو عين مذهب المشبه والتيمية ، فالقوم ينفون عن الله المماثلة في كل الوجوه ولكنهم لا ينفون عنه المشابهة لخلقه في بعض الوجوه بل يلزمونها ويلتزمونها ويقولون أنه لا يمكن تعقل وجود الله وصفاته إلا بوجود قدر وحد أدنى من المشابهة والإشتراك في الحقاق بينهما ولو بوجه واحد من الوجوه !!

            وحاصل قولك وطرده أنك تزعم معرفة حقيقة وكنه صفات الله سبحانه وتعالى ، غير أنك لا تعرف كيفها وما يلحقها من لوزام أو عوارض !!

            بل الأدهى أنك أخي تجعل تلك الحقيقة واحدة متساوية في الله وفي خلقه ، ولا ثمة تفاوت إلا في الأعراض !!

            وهذا هو ما قالته المشبهة ، فالله عندهم مستو على العرش حقيقة وله يد حقيقة وفي جهة حسية حقيقة وينزل حقيقة ، فحقائق هذه الأمور كلها معلومة لهم وهي على حقائقها اللغوية المعلومة لنا المطابقة لحقائقها في حقنا !!

            غير أن ثمة تفاوت عندهم في القدر والمقدار واللوزام بين الله وخلقه في نسبة تلك الأمور لا في حقائقها ، فالله ينزل حقيقة لا كنزولنا ، ويستوي حقيقة ويستقر لا كاستقرارنا واستواءنا ، وهكذا !!

            ولكن ، أين أنت أخي الكريم من قوله سبحانه وتعالى : { ليس كمثله شيء } ، فأنى تتساوى الحقائق أو تتشابه أدنى تشابه مع هذا النفي الحاكم القاطع !!
            وأين أنت من قول الإمام الطحاوي في عقيدته :
            ( من وصف الله بمعنى من معاني البشر فقد كفر ) .



            ثم تقول أخي :
            [و الله تعالى موصوف بحقيقة العلم و ماهيته و جوهره و لكن بغير تلك الأعراض المادية الملازمة للانسان بل "بأعراض أخرى" تلحق جوهر العلم وحقيقته بما يناسب ذات الله تعالى وصفاته التي لا ندرك كنهها و جوهرها وحقيقتها أبدا.
            فحقيقة وجوهر العلم واحد موصوف به الله تعالى والانسان على السواء
            و لكن الأعراض اللاحقة بجوهر العلم الواحد هي المختلفة لا حقيقة العلم .]


            أخي .. لعلك تراجع نفسك فيما تقول ..
            فأولا وصف علم الله بأن له ( أعراض ) فيه ما فيه من المخاطرة ، والأولى استعمال ( لوازم ) أخي الكريم .
            ثم أنت تتناقض ، فتارة تقول أنك تعرف حقيقة العلم القائم بذات الله المفارق لعلم المخلوق بـ ( الأعراض ) فقط ، وتارة تنفي حتى امكانية معرفة حقيقة صفات الله فتقول :

            [بل "بأعراض أخرى" تلحق جوهر العلم وحقيقته بما يناسب ذات الله تعالى وصفاته التي لا ندرك كنهها و جوهرها وحقيقتها أبدا. ]

            هذا إن كانت الهاء في كلامك تعود على الذات والصفات معا ، وإلا إن كنت تقصد الذات فقط فلا تناقض في كلامك ولكن يبقى ثمة تحكم وتفريق لا يقوم كما سيظهر !!

            وسواء أكانت " الهاء " في كلامك تعود على الذات أو الصفات فإني أشدد أخي أن ذات الله وصفاته لا يدرك كنه وحقيقة أي منهما الواصفون !!

            وهذه قاعدة كلية مطردة حاكمة عند أهل السنة والجماعة فلعلك تراجع رقمك أخي فهو جد موهم !!


            والذي أثار استغرابي أكثر أخي جعلك تلك ( الأعراض ) اللاحقة بحقيقة العلم مستفادة من الذات التي يقوم بها العلم ، فإن قام بذات بشري لحقته أعراض غير تلك التي تلحقه إن قام بذات واجب الوجود !!
            والعلم أخي في نفسه عرض ومعنى لا تقوم به أعراض ولا يستفيد شيئا من المحل الذي قام ولا يتغير به ، وإنما تختلف حقيقته نفسها بين خالق ومخلوق وهذا سر اختلاف علم الله عن علمنا لاختلاف الحقيقة لا اللوازم فقط فتأمل بارك الله فيك .

            ثم تقول :
            [فإذا فوضنا حقيقة أو كنه نسبة العلم الى الله تعالى فإنما نفوض الأعراض (التي تكتنف جوهر العلم) و التي أتت من قيام تلك الحقيقة والجوهر العلمي بذات الله تعالى و هي ذات لا ندرك حقيقتها فلا ندرك حقيقة اتصافها و قيام حقيقة العلم الواحدة بها. ]

            وحق لي أن أسألك لمَ التحكم والتفريق أخي !!؟؟
            لمَ كانت الذات غير مدركة الحقيقة والكنه ، بينما صفاته تدرك حقائقها وكنها !!؟؟
            ما الفاصل والفارق بينهما أخي !!؟؟

            أليس تعريف الذات لغة واصطلاحا معروف معلوم تماما كما الصفات عندك !!؟؟
            فلمَ كانت حقيقة الذات غير مدركة وكان الحد في حقها غير حقيقي بينما حقائق الصفات مدركة والحد فيها حقيقي !!؟؟


            ثم تقول أخي ما معناه :
            [أن الجسمية ليست لازمة لحقائق صفات المعاني بينما هي لازمة لما يثبته الحشوية من صفات ]

            وهذا على ما ذهبت إليه غير قوي لأمور :
            فالعلم مثلا يحصل في العقل والإنكشاف والإدراك لا يكون إلا به !
            فحقيقة العلم هي : ( حصول الإدراك في العقل ) كما قال صاحب ( الكليات ) .
            والعقل اختلف في حده ولكن حاصل الأمر يؤول إلى الجسمية ، فلا يطرد ما ذكرت من أن الجسمية غير لازمة لحقائق تلك الصفات المثبتة .

            ثم إنه يصح للحشوي على طريقتك أخي أن يقول لك :
            أنك إنما تتوهم نزولا يستلزم الجسمية لكونه انتقالا من أعلى إلى أسفل لأنك قام ببالك النزول المحسوس الصادر عن الأجسام المحسوسة فقط المتركبة من جواهر تتحرك ليتحرك الجسم !!
            ثم يستطرد الحشوي قائلا : ولكنا لا نثبت مثل هذا النزول والحركة بل نقول نزولا لا كنزول الأجسام يقوم بجسم لا كباقي الأجسام !!

            وقد قاله بعض الحشوية فعلا فليس ضربا من الخيال أو التمثيل أخي !!

            فماذا أنت قائل لهم !!؟؟

            هم يقولون أن الله ينزل نزولا حقيقيا لأن حقيقة النزول الواردة معلومة وهي ثابتة لله لورود النص بها، ولكن تحرك الله من أعلى إلى أسفل لا يستلزم حدوثه لما أن هذا قياس غائب على شاهد لا يلزم ولما أنه يصح أن يكون الله جسما لا كالأجسام فيكون نزوله وحركته لا كنزول الأجسام وحركتها ، كما أن الأعلى والأسفل في حقه غي تلك في حقنا ، فالأعراض إذا مختلفة مع اتحاد الحقائق وتشابهها !!
            فإن قلت له: ولكن الجسم هو ما تركب من جوهرين فصاعدا وهذا بنفسه يستدعي النقص المنفي عن الله والحدوث لافتقاره إلى مخصص !!
            أجابك مباشرة أنه لا يعتمد نظرية الجواهر المتركبة وأن الجسم عنده هيولى وصورة معتمدا مذهب الفلاسفة !!!

            فما أسهل التفريع والتجسيم والتشبيه والسفسطة على القول بمعرفة الحقيقة واتحادها مع اختلاف اللوزام أو ( العوارض ) ، فتأمل أخي الكريم .

            ولو أن المشبهة الحشوية قالوا في النزول مثلا فقط : ينزل لا كنزولنا !!
            دون ادراج لفظ ( حقيقة ) لقبلناه منهم ولانتهى الخلاف بيننا وبينهم لما أنا هذا هو عين التفويض ، ولكن المشكلة بيننا وبينهم كلها تنحصر في لفظة ( حقيقة ) هذه التي يصرون على إدراجها وإقحامها في كل وصف يصفون به الله تعالى فتأمل أخي !!

            ___________

            يتبع إن شاء الله لطول الرسالة
            [/ALIGN]
            صل يا قديم الذات عدد الحوادث .. على المصطفى المعصوم سيد كل حادث

            تعليق

            • هاني علي الرضا
              طالب علم
              • Sep 2004
              • 1190

              #7
              [ALIGN=JUSTIFY]نواصل :

              ثم إني أختم فأقول :

              النص الحاكم القاطع عند أهل السنة والجماعة هو قوله سبحانه وتعالى : { ليس كمثله شيء وهو السميع البصير }!!

              وهو ينفي أدنى مماثلة أو مشابهة بين الله وشيء من خلقه ، لا في الذات ولا في الصفات ولا في حقائق الذات والصفات !!

              لا يوجد أدنى نسبة بين الله سبحانه وخلقه ولا مثقال ذرة خردل ، وكل ما قام ببالك أو توهمت معرفته فالله سبحانه وتعالى بخلافه قطعا !!

              وغاية ما يوجد بين الله وخلقه من اشتراك إنما هو اشتراك لفظي مجرد فقط لا أكثر !!

              وحتى صفات المعاني السبع عند السادة الأشاعرة لا يعلمون معانيها وحقاقها وغاية تعريفاتهم لها حدود رسمية للتمييز وتقريب الفهم لا أكثر ، فالله أعلى وأجل أن يعلم معنى ذاته وصفاته أحد !!

              واثباتنا وليكن هذا واضحا للجميع لهذه الصفات السبع ليس هو نفس اثبات الحشوية المشبهة لها ، فليس ثمة تشابه بين مذهبنا ومذهبهم ولو بأدنى اشتراك ، لا في الذات والصفات ولا في الأفعال والأسباب ولا في القدر ولا في أي شيء يتعلق بالإلهيات !!

              وادعاء معرفة معاني هذه الصفات موهم مهلك جدا ، وإنما تسرب إلينا من الحشوية نتيجة الضعف الذي يعانيه أهل السنة وعدم اهتمامهم بتعليم عقيدتهم والذود عنها كما ينبغي فاللوم كل اللوم على هذا الخلط يقع على عاتق علماءنا والله المستعان .

              ومعنى الشيء هو حقيقته وكنه لا غير كما حقق ذلك السيف الآمدي في ( أبكار الأفكار ) فقال :

              ( فصل : في أن الحد يرجع إلى قول الحاد أو إلى صفة المحدود :
              وقد اختلف أئمتنا في ذلك :
              فذهب أكثرهم إلى أن الحد راجع إلى نفس المحدود ، وصفته في نفسه ، فالحد والحقيقة عندهم بمعنى واحد ، ولهذا قالوا : الحد هو حقيقة الشيء ومعناه )
              أبكار الأفكار 1/111 ط دار الكتب العلمية.

              فهذا واضح في أن الحد والمعنى عند أهل السنة هو مرادف لحقيقة المحدود وكنهه !!

              فكيف إذن الجمع بين توهم المتأخرين المعاصرين من الأشاعرة أننا نعرف معاني صفات الله المثبتة ، مع قول أئمة الأشاعرة المتقدمين والمنقول عن أكثر من واحد منهم في أكثر من متن وكتاب أنه سبحانه ( لا يدرك كنه ذاته وصفته الواصفون ) !!!

              ههنا تناقض كبير ، ولكن للأسف قلة من ينتبهون إليه ويدققون فيه !!

              ولو أننا أخذنا صفة القدرة مثلا لقلنا فيها :

              هي صفة أزلية تقوم بذات الله يتأتى بها إيجاد الممكن أو إعدامه.
              وهي لا تتعلق بالواجب ولا بالمستحيل .
              ولها تعلق صلوحي قديم وتعلق تنجيزي حادث .


              هذا هو كل ما نعلمه عن صفة القدرة ، وأكثر من هذا لا مدخلية لا للفهم ولا للكشف فيه ، فلا تستطيع عقولنا أن تدرك حقيقة صفة الله .

              والناظر في مراجع الأشاعرة يجد أنهم يستدلون بعقولهم على أن الله قادر بخلقه الخلق ، فلزمهم من ذلك اثبات معنى لله استفادوه من اللغة دون أن يتصوروا حقيقته وكنهه بل فقط لازمه الذي هو الايجاد والإعدام ، وغاية ما أثبتوه من اللغة اشتراك لغوي بحت لا حقيقي !!

              وتبسيطه أن الخلق فعل ، والفعل لا بد له من فاعل يقدر على القيام به ، فعلمنا وأثبتت عقولنا أن ثمة فاعل دون أن نعرف شيئا عن حقيقة هذا الفاعل أو حقيقة قدرته لما أنه خارج نطاق الحس والفكر .

              فالعلم بحقيقة قدرته ومعناها لا يعلمه إلا هو سبحانه وغاية ما ثبت بعقولنا وجوبها واستحقاقه لها وفق لفظ مشترك يقوم في الشاهد عندنا على مثل فعلها وأثرها وهو ما أثبتناه لها فقط وهو لازم لا أكثر ولا أقل !!

              فنحن لا نثبت هذه الصفات على حقيقتها البتة وليكن هذا حاضرا واضحا في عقول وقلوب الجميع !!

              وهكذا بقية الصفات السبع لا نعلم عنها شيئا سوى لوازمها :
              فالعلم : صفة تتعلق بالمعلومات فتنكشف بها انكشافا لا يحتمل النقيض !!
              والحياة : صفة تصحح لمن قامت به الاتصاف بالإدراك!!
              والإرادة : صفة تخصص الممكن !!
              والقدرة : صفة توجد الممكن أو تعدمه !!
              والكلام : صفة تتعلق بمعلومات الله تعلق دلالة !!
              والسمع : صفة تنكشف بها المسموعات !!
              والبصر : صفة تنكشف به المبصرات !!!


              وهذه كلها كما يلاحظ أوصاف تدور حول لوزام وآثار دون أن تلج لب الحقائق !!

              وحتى لا يتوهم متوهم أني أتيت بهذا من كيسي وأنه بدع من القول لجهالته به ولأن النفوس عدو ما تجهل ، فإني أقول أني استفدت هذا من مشايخي غفر الله للأموات منهم والأحياء ونفعنا بهم وبجاههم ، وهم استفادوه ممن قبلهم ، وليس هذا الأمر بغيب مستهجن مبتدع في المذهب ولكن عدم الإلمام بالمذهب جعله غريبا مبتدعا عند البعض !!

              بل العجيب أن بعض كتب المذهب المعتبرة بل والذائعة الانتشار قد (( نصت )) نصا على هذا الكلام ، ولكن يبدو أننا صرنا نقرأ ليقال قرأنا دون تدبر أو وعي والله المستعان ..

              ولن أغرب أو أذهب بعيدا في اثبات هذا ، بل آتي بمثال من كتاب أعتقد أن أي طالب أشعري مبتدئ صغير قد قرأه منفردا وعلى شيوخه مرات ومرات !!

              نص هذا القول في كتاب تحفة المريد للبيجوري :

              يقول الإمام البيجوري في شرحه المشهور على جوهرة التوحيد ( تحفة المريد شرح جوهرة التوحيد ) ما نصه بحرفه :

              ( ... وبدأ المصنف من صفات المعاني بالقدرة لظهور تأثيرها فقال : ( وقدرة ) أي وواجب له قدرة ، فهو معطوف على الوجود ، وهي لغة : القوة والاستطاعة كما قاله المؤلف في كبيره .
              وعرفا : صفة أزلية قائمة بذاته تعالى يتأتى بها إيجاد كل ممكن وإعدامه على وفق الإرادة، وهذا رسم لا حد حقيقي ، و هكذا سائر التعاريف المذكورة للصفات ، لأنه لا يعلم كنه ذاته وصفاته أي حقيقة ذلك إلا هو )
              انتهى
              تحفة المريد ص 74-75 ط دار الكتب العلمية .

              فهل بعد هذا مراء أو جدال يا إخوان والإمام البيجوري وهو من هو في هذا العلم قد نص نصا على أن كل حدود الصفات السبع المثبتة في كتب أهل السنة إنما هي حدود رسم لا حقيقة لأنه لا يعلم كنه صفاته الواصفون !!!!

              أكررها .. نحن لا نعلم معنى صفات الله السبع ونفوض معناها إلى الله وغاية ما نعرفه منها حدود رسمية مستفادة مما يظهر لنا من لوازمها وآثارها فقط !!!

              وهذا في كتاب منتشر مشهور كتحفة المريد !!!

              ولو تتبعنا البيجوري نجده يكرر هذه الحقيقة فيقول في صفة الحياة :

              ( وقد عرّف الشيخ السنوسي الحياة بتعريف يشمل الحياة القديمة والحادثة حيث قال : " هي صفة تصحح لمن قامت به الإدراك " أي تصحّ لمن قامت به أن يتصف بصفات الإدراك ، ولا يضره الجمع بين حقيقتين مختلفتين بالقدم والحدوث لأنه رسم لا حد ) انتهى !!

              وهذا هو ما ظللت أردده من أن جل هذه التعريفات تصلح للحادث كما تصلح لله القديم لذا فهي لا تدل على المعنى الحقيقي لهذه الصفات في حق الله إلا إذا قلنا باتحاد الحقائق كما يقول الأخ الكريم ( سليم بن حمودة ) أعلاه .

              ونجد أن هذا المعنى كان منتشرا مشهور فيما مضى حتى أن شارح كتاب فقه يقحمه في شرحه إياه رغم كون المقام مقام فقه لا عقيدة وتفصيل فيها وغوص في غوامضها بما ينبي باشتهار الأمر لديهم :

              يقول الشيخ النفراوي المالكي في شرحه على ( رسالة ابن أبي زيد القيرواني ) في الفقه المالكي المسمى بـ ( الفواكه الدواني ) في شرحه مقدمة الرسالة الخاصة ببيان اعتقاد أهل السنة قائلا عند قول ابن أبي زيد ( لا يبلغ كنه صفته الواصفون ) :

              ( ومما يجب اعتقاده أنه ( لا يبلغ ) أي لا يدرك ( كنه ) أي حقيقة ( صفته ) تعالى ( الواصفون ) أي العارفون بطريق معرفة الصفات . والصفة - لا بقيد صفة الله تعالى هي المعنى القائم بالموصوف .........

              فإن قلت : تعريفهم لكل صفة من صفاته تعالى كتعريفهم العلم بأنه " صفة لها تعلق بالشيء على وجه الإحاطة به " يقتضي إدراك كنه الصفات !!

              قلتُ : لا يخفى أن التعريف كما يفيد معرفة حقيقة المعرّف يفيد تمييزها عما عداها وإن لم يفد معرفة حقيقته كالتعريف ببعض الخواص مما هو رسم . وتعريف الصفات تعريف لها بحسب ما وصل إليه علم خلقه ، واحترز بقوله ( الواصفون ) عن الباري تعالى فإنه يعلم ذاته وصفاته لأن علمه محيط بسائر أقسام الحكم العقلي كما يأتي
              )
              انتهى. الفواكه الدواني 1/48 ط مصطفى البابي الحلبي 1955م.

              فهذا هو المذهب واضح بين ، ومدار فلكه كله على قطب التفويض !!

              وبالله التوفيق .


              هاني علي الرضا
              [/ALIGN]
              صل يا قديم الذات عدد الحوادث .. على المصطفى المعصوم سيد كل حادث

              تعليق

              • الأزهري
                طالب علم
                • Jul 2003
                • 204

                #8
                [ALIGN=JUSTIFY]أتفق مع الأخ الرضا فيما ذكره حول التعريف خصوصا وقد دعم موقفه بنصوص الأئمة كالسنوسي والباجوري، ولكن قولكم :

                ((أن كبار أئمة أهل السنة ممن انتهجوا التأويل منهجا وعنهم اشتهر وبهم ازدهر قد عادوا عنه إلى التفويض عند دنو منيتهم وتحقق نهايتهم))

                كلام لا أساس له في نظري، فهل لديكم على ذلك دليل؟؟ إيتوا بالدليل بارك الله فيكم.[/ALIGN]
                لا إله إلا الله محمد رسول الله

                تعليق

                • سليم بن حمودة الحداد
                  طالب علم
                  • Jun 2005
                  • 89

                  #9
                  اخي هاني ..
                  اخواني .. السلام عليكم ورحمة الله
                  أجيب قريبا ان شاء الله تعالى ..فحلما و صبرا علينا..
                  بارك الله فيكم جميعا..
                  يظن الناس بي خيرا و إني
                  لشر الناس إن لم يعف عني

                  أخوكم سليم

                  تعليق

                  • هاني علي الرضا
                    طالب علم
                    • Sep 2004
                    • 1190

                    #10
                    [ALIGN=JUSTIFY]سيدي وشيخي الفاضل الأزهري

                    أعزكم الله

                    ما أنا بمن يدخل في نقاش حول الأسانيد مع من هو في مثل قامتكم وعلمكم أبقاكم الله وقواكم



                    أنا أدرك جيدا مولاي وشيخي أنكم لا تجارون في هذا الشأن وأن لا قبل لي بكم ، بل ولا في غيره حفظكم الله !!

                    وقد أشرت في كلامي إلى أمثلة توضح ما أعني ومن أعني ، وهم الإمام الرازي والإمام الجويني والإمام الغزالي .

                    أما الإمام الرازي فأمره واضح في وصيته ، وأحيلكم شيخنا إلى كلام الشيخ سعيد فودة حفظه الله حولها في الرابط أدناه فقد قلت بمثل قوله :



                    فها أنا قد تخلصت من هذه النقطة وجعلت الكلام بينكما شيخي الفاضلين ، لعل لقاءكما ينتج لنا بعضا من الدرر الكامنة والفوائد الباهرة !!




                    وأما الإمام الجويني فأنتم أدرى بالمرويات عنه التي رواها الذهبي في السير وأظن أن غير الذهبي قد رواها ، وأذكر أن لكم كلاما شريفا حولها وأنكم قد بينتم أن سندها لا يصح ،وأنا أعلم أن الوهابية يأخذونها على أنها دليل تراجع الإمام الجويني عن عقيدة أهل السنة إلى الحشو ( عجائز نيسابور ) غير أنها إن صحت تعني عندي رجوعه إلى مذهب السلف في التفويض إذ هو لم يصرح فيها بغير الكف عن التأويل والخوض والرجوع إلى مذهب السلف الذي هو التفويض عنده قطعا شأنه شان أي أشعري ، غير أنه يغني عنها ما تراه شيخنا الفاضل في ثنايا العقيدة النظامية من تفضيله طريقة السلف على الخلف ولا أظن أن في ثبوت النظامية إليه من شك .

                    وقد سار على منواله الإمام الغزالي في ( إلجام العوام ) رغم انتهاجه التأويل أولا .

                    اعذرني سيدي ومولاي وشيخي إن أخطأت فانا أكتب على عجل من الذاكرة ، وأنتظر التصحيح من جنابكم والفائدة مولاي فما أنا إلا ثمرة مجهودكم وجهادكم.

                    محبكم وخادمكم


                    ____________________

                    أخي الفاضل سليم بن حمودة وفقه الله وأيده

                    خذ وقتك سيدي فما من عجلة البتة ، وأنتظر منكم تصويب خطأي والإفادة إن شاء الله .

                    أخوكم
                    [/ALIGN]
                    صل يا قديم الذات عدد الحوادث .. على المصطفى المعصوم سيد كل حادث

                    تعليق

                    • الأزهري
                      طالب علم
                      • Jul 2003
                      • 204

                      #11
                      [ALIGN=JUSTIFY]الأخ الكريم هاني الرضا حفظكم الله ورعاكم وسدد خطاكم آمين:

                      أما بالنسبة للإمام الرازي فقد قال بعض الحشوية بتوبته جدالا فقط لا تصديقا، وإلا فكيف يدعون رجوعه ثم يذمونه كل هذا الذم فهم لا يذمونه إلا وهم يعتقدون أنه مات على عقيدة أهل السنة، وقد نظرت فيما أوحى إليهم بالرجوع فإذا هم يضطربون، ومحصلة ما اعتمدوا كلهم عليه ثلاثة نصوص:

                      الأول الوصية:

                      فوصيته التي تنقل عنه مروية بإسناد ذكره الإمام السبكي في الطبقات، ولما نظرنا في الإسناد استعصى علينا التعرف على غير واحد فيه، فهذه الوصية من جهة الإسناد لم تثبت لدينا على سبيل القطع، نعم نقلها غير واحد أيضا لعل من أقدمهم ابن أبي أصيبعة في طبقات الأطباء وهو معاصر لتلاميذ الإمام، وكأنها كانت مكتوبة لديه أي وجادة لأنه قال : ((وأملى في شدة مرضه وصية على تلميذه إبراهيم بن أبي بكر بن علي الإصفهاني وذلك في يوم الأحد الحادي والعشرين من شهر المحرم سنة ست وستمائة وامتد مرضه إلى أن توفي يوم العيد غرة شوال من السنة المذكورة وانتقل إلى جوار ربه رحمه اللّه تعالى وهذه نسخة الوصية .. )) ولكنه لم يبين لنا بخط من وجدها، ومهما يكن من أمر فالوصية هذه لا ترقى إلى القطعية في نسبتها إلى الإمام الرازي .. وإذا ظننا صحتها عنه ظنا فقط ـ وهو ما أرجحه ـ فلن نجد في ثناياها أبدا أي كلمة توحي بأن الإمام ترك التأويل أو تاب منه ورجع عنه، لا يوجد هذا في وصيته البتة وقد كنت نشرتها مرارا وتكرارا بنفسي وقرأتها من أولها إلى آخرها مرارا فلم أر فيها شيئا كهذا، بل وجدنا فيها ما يؤيد أن الإمام مات على عقيدة أهل السنة بل فيها وصيته لمن نظر في كتبه أن يحسن الظن ويدعو له، ولو كان الإمام تائبا منها لأوصى بحرقها أو غسلها أو حذر منها أو قال إني راجع عنها، وكل ذلك لا يوجد في الوصية، فمن اعتمد الوصية في دعوى رجوعه عن شيء فقد أخطأ.

                      الثاني : نص أقسام اللذات

                      وهذا النص هو الذي يدندن حوله ابن تيمية والذهبي وابن القيم وأضرابهم، وقد كشفت في نقلهم عن تدليس ينظر في المشاركة رقم 13 هنا :



                      ومع هذا فليس في هذا النص ايضا رجوع عن تأويل أو نحوه وكل ما فيه هو تفضيل جدل القرآن وطريقته الكلامية على طريقة جدل الفلاسفة لأن طريقة القرآن سهلة واضحة وطريقة الفلاسفة معقدة صعبة، فهذا حق وصدق لكن أين الرجوع المزعوم؟ وما علاقة تفضيل طريقة القرآن الجدلية بمسألة التوبة من التأويل ؟؟؟!!! لا علاقة أبدا إلا توهمات الحشوية.

                      الثالث نقل ابن الصلاح عن الطوغاني:

                      وهذا النص في الواقع هو أقرب النصوص إلى مقصود الحشوية لأن ابن الصلاح قال : أخبرني القطب الطوغاني مرتين أنه سمع فخر الدين الرازي يقول : ياليتني لم اشتغل بعلم الكلام وبكى.

                      وهذا النص لما استدل به بعض الحشوية طالبناه بترجمة القطب الطوغاني هذا فذهب ولم يعد! والحقيقة أنه لا وجود لهذا الطوغاني فهو مجهول العين عندنا، وإذا افترضنا صحة هذا النقل فأين العلاقة بين تمني عدم الاشتغال بعلم الكلام وبين دعوى ترك التأويل والميل إلى التفويض؟؟؟ لا أرى علاقة فإن الاشتغال بالكلام ليس بمتلازم مع التأويل فكم من إمام نقل عنه التأويل وليس بمشتغل بالكلام فهذا أحمد بن حنبل رضي الله عنه قد صح عنه بإقرار الحنابلة أنه تأول (المجيء) في قوله وجاء ربك والملك أنه مجيء آياته أو أمره نقل ذلك عنه بإسناد صحيح حتى انقسم الحنابلة قسمين إزاء هذا النص قسم منهم جوز التأويل في هذا الموضع فقط لا يجاوزه وهذه طريقة الحشو منهم كابن حامد وغيره وقسم طرد التأويل في كل ما فيه حركة ونقلة كابن عقيل وابن الجوزي وغيرهم، ولكنهم متفقون جميعا على صحة ورود هذا التأويل عن أحمد، وقبله صح عن جماعات من السلف بل ومن الصحابة كابن عباس وليس أحد منهم كان معانيا للكلام فلا تلازم بين الكلام وبين التأويل أصلا ..

                      ثم إن تمني عدم الاشتغال بالكلام يمكن أن يحمل على محامل منها أنه تمنى لو لم يشتغل به لما جره عليه من الشهرة والجاه والمكانة حتى لقب بشيخ الإسلام وسلطان المتكلمين بسببه لا لأنه علم مذموم، فقد كره الكلام لما أداه إليه مما يكرهه ويخشى مغبته.. ويمكن أن يكون تمنى لو اشتغل بغيره من العلوم الإسلامية فقد نقل عن ابن تيمية أيضا أنه قال في السجن (وندمت على تضييع أكثر أوقاتي في غير معاني القرآن) فهذا الآن لا يقول التيميون أنه دال على كونه كان مشتغلا بما هو معصية، وأنه تائب مع أنه يعبر بلفظ (الندم) ولفظ (تضييع أكثر الأوقات) فظاهر هذا ليس بأفضل حالا من ظاهر ما يستشهدون به من نقل الطوغاني عن الفخر، فما جوابهم عن ابن تيمية فهو جوابنا عن الفخر علاوة على جهالة الطوغاني.

                      وليس للحشوية بعد هذه النصوص شيء ينفعهم في دعواهم على الفخر وقد رأيت أن ما استدلوا به لا دلالة فيه أبدا على مبتغاهم فضلا عن الدلالة على ترك التأويل إلى التفويض.[/ALIGN]
                      التعديل الأخير تم بواسطة الأزهري; الساعة 16-08-2005, 00:53.
                      لا إله إلا الله محمد رسول الله

                      تعليق

                      • سليم بن حمودة الحداد
                        طالب علم
                        • Jun 2005
                        • 89

                        #12
                        السلام عليكم ورحمة الله

                        سيدي الأزهري..جزاكم الله تعالى عنا خيرا.ونفعنا بعلمكم
                        و لا حرمنا من تحقيقاتكم..
                        بارك الله لنا فيكم و أجرى الخير والعلم على أياديكم..
                        و جعل عملكم و جهدكم خالصا لوجهه الكريم ذخرا لكم عند الله تعالى
                        في ميزان حسناتكم يوم القيامة ..
                        و لا تضن علينا بدرركم الكامنة سيدي ..
                        والسلام عليكم ورحمة الله.
                        يظن الناس بي خيرا و إني
                        لشر الناس إن لم يعف عني

                        أخوكم سليم

                        تعليق

                        • هاني علي الرضا
                          طالب علم
                          • Sep 2004
                          • 1190

                          #13
                          [ALIGN=JUSTIFY]سيدي ومولاي وشيخي الفاضل الأزهري

                          زادكم الله نورا وعلما ، لكأني بكم بحرا لا تنقضي عجائبه ولا تنضب ذخائره ، وكلما ظنت النفس الأمارة أنها قد علمت عشر ما لديكم أسفرتم عن بدر يتلألأ بنفائس العلوم المخفية وفرائد الأسرار البرزخية الفاصلة بين الظن واليقين ، حتى لكأن العلوم لديكم يواقيت مبذولة في صحفة سعادة تتخيرون منها ما تشاءون لتزيين تاجكم الموقر فدمتم لنا سالمين .

                          اسمحوا لي يا مولاي أن أستفسر ..

                          قول الإمام الرازي في وصيته إن صحت نسبتها :

                          [ كل ما ثبت بالدلائل الظاهرة مِنْ وجوب وجوده ووحدته، وبراءته عن الشركاء كما في القدم والأزلية والتدبير والفعالية، فذلك هو الذي أقول به، وألقى الله به، وأما ما ينتهي الأمر فيه إلى الدقة والغموض، وكل ما ورد في القرآن والصحاح المتعين للمعنى الواحد فهو كما قال، والذي لم يكن كذلك أقول:

                          يا إله العالمين، إني أرى الخلق مطبقين على أنك أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين فكل ما مدَّه قلمي أو خطر ببالي: فأستشهد وأقول: إن علمتَ مني أني أردتُ به تحقيق باطل أو إبطال حق، فافعل بي ما أنا أهله، وإن علمت مني أني ما سعيتُ إلا في تقديسٍ اعتقدت أنه الحق، وتصورت أنه الصدق. فلتكن رحمتك مع قصدي لا مع حاصلي، فذلك جُهْدُ المِقلِّ، وأنت أكرم من أن تضايق الضعيف الواقع في ذلة، فأغثني وارحمني واستر زلتي واهج حَوْبتي يا مَنْ لا يزيد ملكه عرفانُ العارفين، ولا ينقص ملكه بخطا المجرمين ]


                          ألا ترون فيه مولاي اعتذارا منه قدس الله سره إلى الله تعالى عن ما خاض فيه من تأويل ما لا يتعين معناه من الدقائق والغوامض التي اختلف فيها المسلمون ، وأنه يطلب العفو والصفح عن انتهاجه التأويل والتعيين معتذرا بأنه لم يرم إلا التقديس و التنزيه راجيا الله سبحانه أن يعامله بقصده لا بحاصله !!
                          فلو لم يكن ثمة مزلة في التأويل لما اعتذر كل هذا الاعتذار عنه عن الموت سيدي ومولاي .
                          وهذا هو المدعى من أن التأويل فيه مهلكة ومظنة مزلة استوجبت الاعتذار عنه عند الممات .

                          ثم سيدي ومولاي ، ألا ترون أن الإمام الرازي ينصر التفويض ويراه حقا راجحا على التأويل كما يستنتج شيخنا النظار التكلم سعيد فودة حفظه الله أدناه :

                          [ ونـزيد هنا كلاماً لمن أراد أن يستفيد:

                          الإمام الرازي كان يدعو إلى التفويض حتى قبل كتابة هذه الوصية أي في أثناء مصاولته للناس ومناظرته معهم، وعلى هذا لا يكون هناك أي وجه لكلام المتسلفة الأغبياء، ودليل هذا أنه قال في كتاب المعالم: " فلم يبق إلا الإقرار بمقتضى الدلائل العقلية القطعية، وحمل الظواهر النقلية إما على التأويل وإما على تفويض علمها إلى الله سبحانه وتعالى، وهو الحق" هذا كلامه في هذا الكتاب، وهو صريح أنه لا يقول بحرمة التفويض ولا بحرمة التأويل، ولكنه ترجح لديه أن التفويض هو الحق أي الأرجح وذلك لما ذكرناه من أنه الأسلم. ]
                          انتهى المراد من كلام العلامة الشيخ سعيد فودة من " خواطر حول وصية الإمام الرازي .

                          فالإمام الرازي بحسب نقل الشيخ سعيد حفظه الله وقراءته يرجح التفويض على التأويل وينص أنه الحق رغم أن التأويل ازدهر على يديه في المذهب وحمل هو رايته بعد الإمام الحويني وتلميذه الإمام الغزالي .

                          هذا ما أردت الاستفسار حوله طامعا في مزيد استفادة من علمكم سيدي ومولاي ..

                          واعذرني على طمعي وسوء خلقي

                          محبكم وخادمكم
                          [/ALIGN]
                          صل يا قديم الذات عدد الحوادث .. على المصطفى المعصوم سيد كل حادث

                          تعليق

                          • الأزهري
                            طالب علم
                            • Jul 2003
                            • 204

                            #14
                            [ALIGN=JUSTIFY]شكر الله للإخوة الكرام حسن ظنهم بالعبد الفقير وجعل ذلك في ميزان حسناتهم يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم ..

                            الأخ الكريم هاني حفظكم الله العبارة هكذا كما عند ابن أبي أصيبعة:

                            ((وأما ما انتهى الأمر فيه إلى الدقة والغموض فكل ما ورد في القرآن والأخبار الصحيحة المتفق عليها بين الأئمة المتعين للمعنى الواحد فهو كما هو والذي لم يكن كذلك أقول))

                            فهو يقسم الغوامض إلى قسمين :

                            قسم تعين معناه ليس له غيره فهذا واضح.

                            وقسم لم يتعين معناه فإما أن يترك دون تعيين وهو التفويض، أو يبذل الوسع فيه للوصول إلى التعيين وهذا هو التأويل وهو خاص بأهل الاجتهاد والتمكن.

                            والإمام الرازي لما كان من أهل الاجتهاد والتمكن فقد سلك هذا الأخير فاجتهد، والقاعدة أن من اجتهد ـ في مواطنه ـ فأصاب فله أجران ومن أخطأ فله أجر واحد، فهذا الدعاء من الإمام الرازي ليس لكونه سلك معصية وإلا لقال يا رب إني تائب من التأويل الذي فعلته، ولصرح باسم الذنب الذي ارتكبه، ولأوصى بحرق كتبه لأنها مليئة بالتأويل، أعني لو كان بكلامه هذا يقصد التوبة من التأويل لقال كلاما واضحا يفهم منه ذلك لكن هل هذه العبارات هنا تساعد على هذا؟؟ أبدا لا تساعد، وإنما دفعه ورعه وخوفه من الله أن يسترحم المولى الكريم حتى فيما علم أنه مغفور له خطؤه فيه، بل مأجور، ألا ترى أن الأنبياء وهم معصومون وهم يعلمون ذلك يستغفرون ويجأرون إلى الله ؟؟!! وقد يجوز أن يكون استعطافه المولى تعالى منبعثا من خشية شوب في نيته بهذا الاجتهاد، فإنما الأعمال بالنيات، أو من خوفه أن يكون ولج هذا الباب دون تمكن ـ والتمكن شرط الجواز ـ لا لكون الولوج فيه محظورا، أو أن يكون مع تمكنه قد شط شططا لا يناسب أهل التمكن، أو أن يكون مع تمكنه وإنصافه الغالب قد اشتد على مخالفيه في الاجتهاد فظلم بعضهم ونسب إليه ما ليس فيه، وهذا أمر آخر غير الاجتهاد نفسه يستوجب الاستغفار، وقد يجوز أن يكون الإمام يخاف أن لا يغفر له خطؤه الاجتهادي لأن المغفرة ليست واجبة على الله فهو يستعطف الله تعالى ويسترضيه وهذا من تمام ورعه، ولو لم نفهم هذا منه بل تصورنا أن يكون تائبا من معصية لرجع هذا بالذم على أكثر السلف الصالح إذ لا يخلو أحدهم من حال كهذه عند موته حتى ليخيل لمن حضره أن قد ارتكب عظائم الأمور وكبائر الذنوب!! .

                            هذا كله على فرض أن التأويلات التي تأولها الرازي كانت من قسم غير المتعين فيه المعنى الواحد، لكن الذي يقرأ كلام الرازي في باب المتشابهات يجد أن كثيرا من التأويلات عنده متعينة، قد ظهر فيها معنى واحد عنده، فلا تكون هذه مما يرد عليها هذا الكلام والسلام ..

                            وسأتكلم قريبا عن دعوى توبة الإمام الجويني .[/ALIGN]
                            التعديل الأخير تم بواسطة الأزهري; الساعة 17-08-2005, 11:30.
                            لا إله إلا الله محمد رسول الله

                            تعليق

                            • سليم بن حمودة الحداد
                              طالب علم
                              • Jun 2005
                              • 89

                              #15
                              بسم الله الرحمان الرحيم
                              الحمد لله كثيرا و صلى الله و سلّم و بارك على رسول الله و على آله و أصحابه و من والاه.
                              أما بعد..
                              أخي هاني الرضا السلام عليكم ورحمة الله
                              و أعتذر عن التأخر في الرد فإن هذه المسألة من أخطر وأعقد المسائل و أدقها، فكان لزاما ألا أتعجل ، بالاضافة الى انشغالي ببعض الأمور الخاصة و السنة الجامعية على الأبواب وفقنا الله تعالى فيها جميعا- فالحمد لله على اتمام الرسالة قبل تمام الانشغال..
                              و أقول: أخي أبدأ بما أتفق معك فيه -كما بدأت أنت- و هو بعض فقرة كتبتها أنت تصف فيها خلط كثير من أهل السنة الذي : (..إنما تسرب إلينا من الحشوية نتيجة الضعف الذي يعانيه أهل السنة وعدم اهتمامهم بتعليم عقيدتهم والذود عنها كما ينبغي فاللوم كل اللوم على هذا الخلط يقع على عاتق علماءنا والله المستعان ).
                              ثم أتمنى ألا تقرأ ما كتبته بتسرع و استعجال أو استسهال للأمر أو بأحكام مسبقة جاهزة و لكن بانصاف أهل الحق الذين نحسبك منهم .
                              و الخلاف لا يفسد للود قضية ان شاء الله تعالى..

                              قلت بارك الله فيك:
                              (التأويل عند هؤلاء الأعلام دواء لداء التشبيه أو التعطيل ، والذي يجب أن يكون عليه المسلم في غالب حاله هو التفويض والتسليم وعدم الاجتراء على كلام الله بالتخرص والظنون.).
                              أقول:
                              يقول امامنا الحجة الشيخ سعيد فودة حفظه الله و نصره في كتابه "بحوث في علم التوحيد" ما نصه:
                              "... وقد تكلم كبار الأئمة يبينون موقفهم في فهم هذه الآية، أي آية الاستواء، فقال الإمام أبو حنيفة لما سئل عن الاستواء: (من قال لا أعرف اللـه في السماء أم في الأرض كفر)، لأن هذا القول يوهم أن للحق مكانا، ومن توهم أن للحق مكانا كفر.
                              وقال الإمام الشافعي: استوى بلا تشبيه، وصدَّقْتُ بلا تمثيل واتهمت نفسي في الإدراك، وأمسكت عن الخوض في ذلك كل الإمساك.
                              وقال الإمام أحمد: استوى كما أخبر لا كما يخطر للبشر.
                              وأما الإمام مالك، فقد جاءه أحدهم وقال لـه يا أبا عبد اللـه (الرحمن على العرش استوى)، "كيف استوى"؟ فقال الإمام مالك كما روي عنه في بعض الروايات: الاستواء معلوم و الكيف مجهول والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة.
                              ومعنى قولـه: الاستواء معلوم، أي إن عقولنا دلتنا على إن الاستواء اللائق باللـه هو الاستيلاء دون الاستقرار والجلوس لأنهما من صفات الأجسام، وقولـه والكيف مجهول معناه إن ذات اللـه تعالى لا توصف بالأحوال المتعقلة والـهيئات الحسية من التربع ونحوه، والإيمان به واجب لوروده في الكتاب. والسؤال عنه بدعة لأنه لم تجر العادة بالسؤال عنه من السلف، بل يفوضون معرفته على التحقيق إلى اللـه تعالى.
                              وبناء على هذا التفسير لكلمة الإمام مالك، لا يكون مفوضا، بل يكون الإمام مالك مُؤَوِّلاً، وذلك لأَنَّهُ قَدْ فَسَّرَ معنى الاستواء بما ذكرناه نحن وهو المعنى الصحيح، ونفى أن يكون معناه يستلزم الاستقرار والجلوس، وهذا هو مذهب جمهور العلماء. وإذا كان هذا هو المعنى الذي أراده الإمام مالك من كلمته، فإنَّ الأصل أن مذهب السلف كان هو التأويل دون التفويض خلافا لما هو مشهور. وقد يستغرب بعض الناس هذا التفسير لكلام الإمام، فنقول لـه نحن: قد يفهم كلام الإمام على معنى آخر مغاير للأول غير متضاد معه ولا مناقض لـه. وذلك كما يلي:
                              قولـه الاستواء معلوم، أي معلوم ذكر الاستواء في القرآن الكريم، ومعلوم نسبته أي نسبة الاستواء إلى اللـه تعالى، واما قولـه والكيف مجهول فمعناه أن نسبة الاستواء مجهولة الكيف لا نعرفها لا في القرآن ولا في السنة ولا في كلام أحد من العلماء المعتبرين، أي أن أصل نسبة الكيف غير معلومة بل مجهولة، وما كان كذلك فهو مردود. ولذلك قال بعد ذلك، والإيمان به أي الاستواء المعلوم واجب، أي الإيمان بمجرد الاستواء المعلوم واجب، أي الإيمان بمجرد الاستواء كما ذكر في القرآن واجب، وأما السؤال عنه بكيف فهو بدعة، ومعنى بدعة كما هو مقرر أي مبتدع مخترع لم يكن معروفا من قبل، لأن مجرد نسبة الكيف إليه تعالى فيها تجسيم وتشبيه كما مضى، وما كان بدعة فهو مردود. ولذلك يفهم لماذا أمر بعد ذلك بالرجل أن يخرج من المسجد. فالضمير في قوله والإيمان به، عائد على لفظ الاستواء، وهذا هو اللائق بسير الكلام، وليس عائدا على لفظ الكيف، وإلا فلو كان عائدا على لفظ الكيف، فمن أين وجب الإيمان به ولم يأت ذكر له في الكتاب والسنة؟ إذن الإيمان بالاستواء واجب وأما الكيف فنسبته إلى الله تعالى بدعة لا مستند لها، فيجب ردها وتركها.
                              وبناء على هذا التفسير والشرح لكلام الإمام يكون الإمام مفوضا التفويض الصحيح وهو السكوت عن الشيء مع نفي اللوازم الفاسدة أو ما يتوهم أنه من اللوازم، وذلك كالتجسيم والتحيز والكون في مكان والحركة وغير ذلك. وهذا هو التفويض عند أهل السنة، ولذلك يقولون عنه إنه تأويل أجمالي لأنه في الحقيقة ليس سكوتا محضا، بل سكوت عن التفصيل، وليس سكوتا عن المعنى العام المفهوم، فإن كل من قرأ آية الاستواء يفهم منها أن اللـه تعالى قادر على كل شيء مسيطر على الكون حكيم مدبر لشؤون الخلائق. ومثل هذا المعنى لا يسكت عنه السلف، لوضوحه وظهوره، ولكنهم يسكتون عما وراءه لأنه لا قدرة لهم على معرفة حقيقة التدبير، إلا بالنص، ولا نص هنا في ذلك. ومذهب السلف كما وضحه أهل السنة لا يستلزم التجسيم مطلقا، ولذلك ورد عن كثير منهم نفي الكيف "وكيف عنه مرفوع"، "ولا كيف"، "ولا يقال كيف"، "والكيف غير معقول"، وغير ذلك من العبارات التي فيها نفي أصل نسبة الكيف إلى اللـه تعالى.
                              الى أن قال حفظه الله:
                              ...في هذا المقام لا بد أن نوضح مذاهب العلماء في الآيات التي كثر النزاع فيها ويسميها بعضهم آيات الصفات. ومثالـها الآية السابقة وهي آية الاستواء، فمثلا هذه الآية لا يظهر لنا عند النظر فيها إنها تشير من قريب ولا من بعيد إلى جلوس ولا إلى صعود ولا إلى استقرار، بل الظاهر منها إنما هو عَظَمَةُ مُلْكِ اللـه تعالى وتدبيره الحكيم لـهذا الكون الكبير. فهذا هو الظاهر منها . ولكن بعض الناس وهم المجسمة يقولون إن الظاهر منها إنما هو الجلوس على العرش، وأما كيفيته فغير ظاهرة، وهو كلام فاسد لما ذكرنا سابقا.
                              ولا بد هنا أن نبين ما هو المقصود بلفظ "الظاهر"، فنحن عندما نقول أن هذه الآية ظاهرها هو المعنى الفلاني، نقصد من ذلك أن المفهوم منها هو ذلك المعنى، أي أننا عندما نظرنا فيها وتدبرنا معانيها ظهر لنا أن المعنى الذي تشير إليه هذه الكلمات المكونة للآية هو المذكور. وكذلك عندما نقول أن المعنى الظاهر عند غيرنا هو المعنى الفلاني، نقصد انهم فهموا منها ذلك المعنى. وندعي في نفس الوقت أن ما فهموه ليس لـهم عليه دليل مستقيم، ولذلك فنحن نرفض ما يقولون من ادعاءات باطلة. ونستطيع أن نبرهن بالبراهين القاطعة أن المعنى الذي ظهر لـها هو المعنى المراد لا غير.
                              فكلمة الظاهر لا تعني ما تظهره الآية لنا من المعاني، فإن ذلك لا يكون إلا صحيحا ولا يجوز مخالفته، بل الظاهر هو ما تستظهره نفوسنا من الآية، أي ما يظهر لنا حسب اجتهادنا أنه المراد، واجتهادنا قد يكون صحيحا وقد يكون باطلا، والعبرة في هذا إنما هو الدليل. لذلك فعندما يقول العلماء إن لفظ الاستواء من جملة المتشابه، كاليد والوجه والعين والأصابع ونحو ذلك مما ظاهره مستحيل على الباري سبحانه. فانهم يقصدون، إننا نحن البشر عندما كَثُرَ استعمالنا لكلمة اليد والعين وغيرها في الآلات والأدوات التي هي أجزاء وأعضاء ودلالات على النقص والتركيب، صرنا نتوهم أنَّه مهما استعملت هذه الكلمات فإن المراد منها هو هذه المعاني، وغاب عن ذهن من يفهم هذا الفهم أن ما جاز على المخلوق قد لا يجوز على الخالق، وإنه إذا أُطلق عليه فلا بدَّ أن يكون الإطلاق مجازيا لا حقيقيا كما سبق ذكره في الفوقية والعلو. فصار البعض يتوهمون أن هذه المعاني هي الظاهرة مطلقا من هذه الألفاظ، ولا يفهمون إنها ظاهرة بشرط إطلاقها على البشر أو على المخلوقات وبشروط معينة كما هو مذكور في كتب اللغة.
                              وخوفا من وقوع الناس في الغلط عند قراءة مثل هذه الآيات فقد وضع العلماء طرقا وأساليب لاتباعها للابتعاد عن الغلط فيها، نوضحها فيما يلي:
                              1/طريق الإمام أبي الحسن الأشعري إمام هذا الفن ومن وافقه أنها أسماء لصفات قائمة بذاته تعالى زائدة على صفات المعاني الثمانية أو السبعة التي هي العلم والقدرة والإدراك على القول به والإرادة والحياة والسمع والبصر والكلام. والدليل عنده على ثبوتها، السمع لورودها إما في القرآن أو السنة، لذلك تسمى على مذهبه صفات سمعية. وهذه الصفات ليست بجوارح ولا أعضاء ولا أجزاء ولا أركان للذات الإلـهية، فهذا كلـه ليس بجائز على الإلـه عند الإمام الأشعري.
                              2/طريق غيره من السلف كابن شهاب والإمام مالك والإمام أحمد وغيرهم، منع تأويلـها على التفصيل والتعيين، وقالوا: نقطع بأن المعنى المستحيل نحو الجارحة والعضو والجزء غير مراد ونعتقد أن لـه تعالى استواء ويداً وغير ذلك مما ورد به الشرع ولا يعلم معناه على التفصيل إلا اللـه.
                              3/طريق الخلف وبعض السلف: تؤول المتشابه على وجه التفصيل قصدا للإيضاح، ولذلك تسمى المؤولة، فأولوا الاستواء على العرش، بالاستيلاء وتمام الملك والتدبير للمخلوقات، واليد بالقدرة والمعونة والعناية الخاصة، والعين بالبصر والرعاية، وهكذا، وليس المراد أن اليد هي نفس القدرة بل هي القدرة مع المعونة والمساعدة، وليس المراد بأن العين هي مطلق البصر بل هي البصر مع الرعاية، وهكذا. ونُقِلَ هذا الطريق أيضا عن الإمام الأشعري، وقد سار معظم الأشاعرة وغيرهم من أهل السنة عليه.
                              فعلم مما ذكرنا أن كافة الطرق تؤول المتشابه بصرفه عن ظاهره، لاستحالته، وافترقوا بعد صرفه عن ظاهره المستحيل في بيان معناه على التعيين والتفصيل،
                              فالسلف يفوضون علم ذلك للـه تعالى، والخلف تؤولـه تأويلا تفصيليا بحمل كل لفظ على معنى معينٍ خاصّ كما قدمنا. وبين هؤلاء مراتب.
                              قال ابن أبي شريف: ومذهب السلف أسلم فهو أولى بالأتباع كما قال بعض المحققين، وأما طريق الخلف فهي أحكم أي أكثر ثبوتا لما فيها من إزالة الشبه عن الإفهام.
                              وبعضهم عبر بأعلم بدل أحكم، بمعنى أنها تحتاج إلى زيادة علمٍ لبيان المعنى التفصيلي.
                              ومال العز بن عبد السلام إلى ترجيح طريق الخلف حيث قال: هي أقرب الطريقين إلى الحق. أقول[أي الشيخ سعيد] : وهذا هو الصواب.[/COLOR] وأما إمام الحرمين فقد اختار مطلقا طريق التأويل، ولكنه في كتاب النظامية اختار في بعض الآيات عدم التأويل، فهذا ليس ترجيحا مطلقا لطريق التفويض بل هو ميل إليه في بعض المواقع.
                              وهذا الخلاف، حيث لا تدعو ضرورة إلى التأويل، وإلا فقد وقع الاتفاق على وجوب التأويل التفصيلي، وذلك بأن تحصل شبهة لا ترتفع إلا به. وحاصل الكلام في هذه المسألة أن التأويل هو الأصل، لأننا نقطع أن القرآن أنزل إلينا كلاما عربيا مفهوما، وهذا هو الأصل في كل كلمة وفي كل عبارة منه، فلا يجوز بعد هذا أن نتوقف عند بعض الآيات ونقول: نؤمن بها ولا نعرف معناها، بل الأصل أننا يمكن أن نعرف معناه، ولا يكون هذا إلا باعتبار الأساليب اللغوية من حقيقة ومجاز وكناية واستعارة وغير ذلك.
                              وعند ذاك لا بد أن نفهم لآيات الصفات معنى قريبا وقويا، ولذلك نقول أن التأويل هو الأصل. وهذا هو ما رجحه المحققون من العلماء كما مضى عن الإمام العز بن عبد السلام. ونحن عندما نقول إن التأويل هو الأصل، وإنما يُلجأ إلى التفويض عند استحالة التأويل، فلا يجوز أن يقول إنسان إنَّ التأويل إنَّما هو تحريف للمعنى الظاهر فيكون تحريفا لكلام اللـه تعالى عن مواضِعِهِ، فإنَّ من يقول بهذا فإنما يبرهن على أنه لا يفهم ما هو التأويل في عرف العلماء ونحن قد أشرنا أن كلمة الظاهر، إنما تعني ما يظهر للقارئ، أي الظاهر للقارئ، ولا يستلزم كونه ظاهرا لـه أن يكون ظهوره لـه لذات النص، فيكون ظاهرا حقيقة بذات النص، لأن هذا خلاف المفهوم من مصطلح الظاهر، ولأنه يقلب أصل التأويل، ويؤدي إلى اعتبار أن سائر العلماء قد حرَّفوا الدين الحنيف وغيروا معالم الأحكام والعقائد، وهذا لا يقول به إلا جاهل.
                              بل التأويل في عرفنا وعرف علماء أهل السنة من الأشاعرة والماتريدية إنما هو ما قد وضحناه سابقا، فاللفظ الذي اعتيد على استعماله للدلالة على معنى معين قد يستعمل للدلالة على معنى آخر أو على أمر آخر لاشتراكه مع الأول المعتاد في معنى ما، فهو نقل محدود للفظ من محل إلى آخر، ولمحدوديته يشترط لـه العلماء القرائن القوية الكافية، ومع اعتبار وجود القرائن فإن اللفظ لا يبقى مجازا، بل هو مع اعتبار القرائن حقيقة في دلالته على المعنى الثاني، ولذلك قال العلماء "المجاز في موضعه حقيقة لا يجوز العدول عنها". ولذلك قد تنتقل الحقيقة إلى مجاز والمجاز إلى حقيقة، لأن هذا كلـه تابع وراجع لاستعمال الناس يحصل فيه التفاوت، فيظهر التفاوت في ما يعتمد عليه.
                              فمن قال إن التأويل ما هو إلا تحريف، فنفس قولـه هذا تخريف وتحريف.
                              واعلم أن السلف لم يتكلموا بتفصيل في جميع المسائل كما تكلم فيها الخلف لا في علم العقائد ولا في علم الأصول ولا في أي علم من العلوم الدينية، وهذا ليس عيبا في السلف، ولا هو شذوذ وعدول عن جادة الصواب والحق من الخلف، لأن المعلوم أن العلوم ما هي إلا آلات للعمل، والإنسان بطبعه لا يستعمل من الآلات إلا ما يحتاجها، فلا يعقل أن يجمع الناس جميع أنواع الآلات، وهم لا يستخدمون إلا بعضها، وهذا يعني أن بعض السلف لا يَبْعُدُ أَنْ يَكونَ قَدْ فَكَّرَ و نَظَرَ في كثير من المسائل التي اشتهرت عند الخلف، لأنه لا بد أن يوجد أفراد من الناس يبحثون في العلوم لا لمجرد الفائدة الحالية الظرفية، بل لمحبتهم لاستكشاف كل ما يمكن معرفته من أحوال الموجودات والمعدومات، وهؤلاء هم صفوة الناس.
                              [/COLOR]

                              فالبحث والنظر في العلوم إنما يكون على قدر ما يواجهه الناس من مشاكل ومصاعب ولذلك نرى أن علم الكلام الذي هو علم التوحيد لم يزل موجودا منذ عصر النبوة الأول، وأن كيفية مجادلة الكفار والمشككين مذكورة في آيات القرآن عن أنبياء اللـه تعالى، وواردة عن أعظم الرسل سيدنا محمد صلى اللـه عليه وسلم، وثابتة عن أصفياء صحابته الكرام، كمناقشتهم للمشركين من قريش وسائر القبائل ومجادلة الخوارج وأحبار اليهود والمبتدعة، وسائر الفرق.
                              وعلى هذا جرى السلف في مناقشتهم لسائر المخالفين للدين بالأدلة القاطعة والأجوبة المفحمة، ولم يكونوا يرضون بالسكوت على تشكيك المبتدعة والكفار في الدين، بل كانوا يلاحقونهم ويشددون عليهم ويتحدَّونهم.
                              وكلما ازداد وجود هؤلاء الضالين ازدادت الحاجة إلى وضع أصول ثابتة مستمدة من الدين الحنيف لمناقشتهم وردعهم وبيان تهافت أقوالـهم وآرائهم، حتى ظهر علم التوحيد {علم أصول الدين، علم الأسماء والصفات، علم الكلام}على أيدي بعض العلماء الأوائل، ولم يتوقف نمو هذا العِلْمِ إلى هذه الأيام لأنه لا يهتم بإيضاح أحكام معينة، بل بإيجاد طرق لـهدم الطرق المضادة للدين، وهذه لا تزال في تواجد مستمر على ممر الأزمان، ولـهذا فإنَّ عِلْمَ الكلامِ لم يَزَلْ مَوْجُوداً. وحاجتنا إليه في هذه العصور أشدُّ ما تكون لكثرة أساليب الضلال، والأفكار المخالفة للدين الحنيف( ).//

                              أقول: أخي الكريم هاني..هذا هو رأي شيخنا المحقق و رأي المحققين في المسألة، وهو ما أدين الله تعالى به.
                              أما قولك:
                              ( وما اعترضت به أخي من أن في التفويض تعريضا بالعوام لشبه التشبيه والتجسيم فمنقوض أخي بأن العامي الذي لم يتسع قلبه للتفويض البسيط كما تزعم يبعد جدا أن يسع التأويل الدقيق المركب المستلزم لمعرفة باللغة وكثير من القواعد الكلامية والمنطقية ...


                              ... يتبع..

                              التعديل الأخير تم بواسطة سليم بن حمودة الحداد; الساعة 07-09-2005, 09:49.
                              يظن الناس بي خيرا و إني
                              لشر الناس إن لم يعف عني

                              أخوكم سليم

                              تعليق

                              يعمل...