هل الامام الجويني يثبت العلو والفوقية ؟؟

تقليص
X
 
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • ماهر محمد بركات
    طالب علم
    • Dec 2003
    • 2736

    #1

    هل الامام الجويني يثبت العلو والفوقية ؟؟

    بسم الله الرحمن الرحيم :

    اخواني الكرام هذه رسالة نسبها أحد السلفية للامام الجويني يقول فيها بالعلو والفوقية لله تعالى ..
    فرأيت أن أعرضها عليكم لعل أحدكم عنده علم بها ..

    يقول الامام الجويني فيما نقل عنه ذلك السلفي :

    وبعد: فهذه نصيحة كتبتها إلى إخواني في الله أهل الصدق والصفاء والإخلاص والوفاء، لما تعين عليَّ من محبتهم في الله، ونصيحتهم في صفات الله عز وجل-، فإن المرء لا يكمل إيمانه حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه، وفي الصحيح عن جرير بن عبدالله البجلي. قال: ((با يعتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم على إقامِ الصلاةِ وإيتاءِ الزكاةِ والنُّصْح لكلِّ مُسلمٍ))(1).
    وعن تميم الدَّاريِّ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((الدِّينُ النَّصيحةُ ثلاثاً)). قلنا: لمَنْ؟ قال: ((لله ولكتابهِ ولرسُولهِ ولأئمَّةِ المسلمينَ وعامَّتهم))(2).
    أعرفهم أيدهم الله تعالى بتأييده، ووفقهم لطاعته ومزيده، أنني كنت برهة من الدهر متحيراً في ثلاث مسائل: مســألة الصفـــات، ومسـألة الفوقيــة، ومسـألة الحـــرف والصــوت في القرآن المجيد، وكنت متحيراً في الأقوال المختلفة الموجدة في كتب أهل العصر في جميع ذلك من تأويل الصفات وتحريفها، أو إمرارها والوقوف فيها، أو إثباتها بلا تأويل، ولا تعطيل، ولا تشبيه، ولا تمثيل فأجد النصوص في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ناطقة منبئة بحقائق هذه الصفـات، وكذلك في إثبات العلو والفوقية، وكذلك الحرف والصوت، ثم أجـــد المتأخرين من المتكلمين في كتبهم منهم من يؤول الاستواء بالقهر والاستيلاء، ويؤول النزول بنزول الأمر، ويؤول اليدين بالقدرتين أو النعمتين، ويؤول القدم بقدم الصدق عند ربهم، وأمثال ذلك، ثم أجـــدهم مع ذلك يجعلون كلام الله تعالى معنى قائم بالذات بلا حرف ولا صوت، ويجعلون هذه الحروف عبارة عن ذلك المعنى القائم.

    وممن ذهب إلى هذه الأقوال وبعضها قوم لهم في صدري منزلة، مثل طائفة من فقهاء الأشعرية الشافعيين لأني على مذهب الشافعي رضي الله عنه- عرفت فرائض ديني وأحكامه، فأجد مثل هؤلاء الشيوخ الأجلة يذهبون إلى مثل هذه الأقوال، وهم شيوخي ولي فيهم الاعتقاد التام، لفضلهم وعلمهم، ثم إنني مع ذلك أجد في قلبي من هذه التــأويلات حزازات لا يطمئن قلبي إليها، وأجد الكـــدر والظلمـــة منها، وأجـــد ضيـــق الصـــدر، وعــدم انشراحــه مقروناً بها، فكنت كالمتحير المضطــرب في تحيره، المتململ من قلبه وتغيره.

    وكنت أخـــاف من إطـــلاق القول بإثبات العلو والاستواء، والنزول مخـافة الحصر والتشبيه، ومع ذلك فإذا طـــالعت النصـــوص الواردة في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم أجـــدها نصوصاً تشير إلى حقائق هذه المعاني، وأجـد الرسول صلى الله عليه وسلم قد صرح بها مخبراً عن ربه، واصفاً لها بها، وأعلم بالاضطــــرار أنـــه صلى الله عليه وسلم كان يحضر في مجلسه الشريف، العالم، والجاهل، والذكي والبليد، والأعرابي، والجافي، ثم لا أجد شيئاً يعقب تلك النصوص التي كان يصف ربه بها، لا نصاً ولا ظاهراً مما يصرفها عن حقائقها، ويؤولها كما تأولها مشايخي الفقهاء المتكلمين مثل تأويلهم الاستيلاء بالاستواء، ونزول الأمر للنزول، وغير ذلك، ولم أجد عنه صلى الله عليه وسلم أنه كان يحذر الناس من الإيمان بما يظهر من كلامه في صفته لديه من الفوقية، واليدين، وغيرهما، ولم ينقل عنه مقالة تدل على أن لهذه الصفـات معاني أُخر باطنة غير ما يظهر من مدلولها، مثل فوقية المرتبة(1)، ويد النعمة، والقدرة وغير ذلك، وأجد الله- عز وجل- يقول: {الرحمن على العرش استوى}. {خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش، يعلم}. {ءأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض فإذا هي تمور، أم أمنتم من في السماء يرسل عليكم حاصباً}. {قل نزله روح القدس من ربك}. {وقال فرعون يا هامان ابن لي صريحاً لعلي أبلغ الأسباب، أسباب السماوات فأطلع إلى إله موسى وإني لأظنه كذباً}. وهذا يدل على أن موسى أخبره بأن ربه تعالى فوق السماء. ولهذا قال: وإني لأظنه كاذباً، وقوله تعالى: {ذي المعارج، تعرج الملائكة والروح إليه في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة} الآية. ثم أجد الرسول صلى الله عليه وسلم لما أراد الله تعالى أن يخصه بقربه عرج به من سماء إلى سماء حتى كان قاب قوسين أو أدنى، ثم قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح للجارية: ((أين الله؟)) فقالت: في السمــــــــاء(2) .. فلم ينكر عليها بحضرة أصحابه كيلا يتوهموا أن الأمر على خلاف ما هو عليه؛ بل أقرَّها وقال: ((اعتقها فإنها مؤمنة)). وفي حديث جبير بن مطعم قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((إن الله فوق عرشه فوق سماواته، وسماواته فوق أرضه مثل القبة، وأشار النبي صلى الله عليه وسلم بيده مثل القبة))(3). وقوله صلى الله عليه وسلم: ((الرَّاحمون يرْحَمُهم الرَّحمنُ ارحموا أهل الأرض يرحمكم منْ في السماء)). أخرجه الترمذي وقال:حسن صحيح، وعن معاوية بن الحكم السُّلمي قلت: يا رسول الله أفلا أعتقها؟ قال: ((ادعها))، فدعوتها، قال فقال لها: ((أين الله؟)) قالت: في السمـــــــاء. قال: ((اعتقهــــــــا فإنهـــــــا مؤمنــــــة)) رواه مســلم ومالك في موطئه. وعن
    أبي الدرداء قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((من اشتكى منكم شيئاً، أو اشتكى أخٌ له فليقل: ربنــا الذي في السمـــاء تقدَّسَ أسمك، أمْرُك في السماء والأرض كما رَحْمَتك في السمــاء، اغفر لنا حوبنا وخطايانا أنت ربُّ الطيبين أنْزِل رحْمَةً من رحمتك وشفاءً من شِفائك على الوجع فيبرأ)) أخرجه أبو داود.
    وعن أبي سعيد الخدري قال: بعث عليُّ من اليمن بذُهيبةٍ في أديمٍ مَقْروظٍ لم تُحصَّل مِنْ ترابِها فقسمها رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أربعة: زيد الخير، والأقرع بن حابس، وعيينة بن حصن، وعلقمة بن عُلاثة، أو عامر بن الطفيل (شك عُمارة) فوجد من ذلك بعض أصحابه والأنصار وغيرهم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ألا تأمنوني؟ وأنا أمينُ منْ في السمـــاء، يأتيني خَبَرُ مَنْ في السمـــاء صباحاً ومساءً)) أخرجه البخاري ومسلم.

    وعن ابن أبي ذئب، عن محمد بن عمرو بن عطاء، عن سعيد بن يسار، عن
    أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((إن الميت تَحضُرُهُ الملائكةُ فإذا كان الرجلُ الصالح، قالوا: اخْرُجي أيتها النفس الطيِّبةُ! كانت في الجسد الطيب، اخرجي حميدة، وأبشري بروح وريحان، ورب غير غضبان، فلا يزال يقال لها ذلك حتى تخرج ثم يعرج بها إلى السماء فيستفتح لها فيقال: من هذا؟ فيقول: فلان. فيقولون: مَرْحباً بالنفسِ الطيبة كانت في الجسد الطيب أدخلي حميدة، وأبشري بروح وريحان، ورب غير غضبان، فلا يزال يُقالُ لها ذلك حتى تنتهي إلى السمــاء التي فيها الله- عز وجل- ))(1).الحديث.

    وعن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((والذي نفسي بيده ما من رجل يدعو على امرأتهُ إلى فِرَاشِها فتأبى إلا كان الذي في السمـــاء ساخطاً عليها حتى يرضى عنها)) أخرجه البخاري ومسلم.

    وقال أبو داود: حدثنا محمد بن الصبَّاح، حدثنا الوليد بن أبي ثور، عن سِمَاك، عن عبدالله بن عميرة، عن الأحنف بن قيس، عن العباس بن عبدالمطلب قال: كنت في البطحاء في عصابة فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فمرت بهم سحابةٌ فنظر إليها فقال: ((ما تُسَمون هذه؟)) قالوا: السَّحابُ، قال ((والمُزْنُ؟)) قالوا: والمزن، قال: ((والعَنَان؟)) قالوا: والعنان، قال: ((هل تدرون ما بعد ما بين السمــاء والأرض؟)) قالوا: لا ندري. قال: ((إن بُعْدَ ما بينهما إما واحدة وإما اثنتان أو ثلاث وسبعون سنة، ثم السمــاءُ فوق ذلك)) حتى عدَّ سبع سماوات ((ثم فوق السمــــاء السابعة بحْر بين أسفله وأعلاه مثل ما بين سماء إلى سماء، ثم فوْقَ ذلك ثمانية أوعال، بين أظْلافِهم ورُكَبِهم مثل ما بين سماء إلى سماء، ثم على ظهورهم العـرش بين أسفله وأعلاه مثل ما بين سماء إلى سماء، ثم الله- عز وجل- فوق ذلك))(2).
    قال الإمام الحافظ عبدالغني في عقيدته لما ذكر حديث الأوعال قال: رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه. وقال: حديث الروح رواه أحمد والدارقطني.

    وعن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((إن الله كَتَبَ كِتاباً قَبْلَ أن يخلُقَ الخَلْقَ، أن رحمتي سبقت غضبي فهو عنده فوق العرش)) أخرجه البخاري ومسلم.

    وأخرج محمد بن إسحاق، عن معبد بن كعب بن مالك، أن سعد بن معاذ لما حكم في بني قريظة قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لقد حكمت حكماً حكم الله به من فـــوق سبـــع أرقعة))(1). وحديث المعراج عن أنس بن مالك، أن مالك بن صَعْصعة حدثه أن نبي الله صلى الله عليه وسلم حدثهم عن ليلة أسري به وساق الحديث إلى أن قال: ((ثم فرضت عليَّ الصلاة خمسين صلاة كلُّ يوم فرجعتُ فمررت على موسى فقال: بم أمرت؟ قال: أمرت بخمسين صلاة كل يوم. قال: إن أمتك لا تستطيع خمسين صلاة وإني قد خبرت الناس من قبلك، وعالجت بني إسرائيل أشدَّ المعالجة، فارجع إلى ربك فاسأله التخفيف لأمتك، فرجعت فوضع عني عشراً، فرجعتُ إلى موسى فقال مِثلَ ذلك فرجعت إلى ربي فوَضَعَ عني عشراً خمس مرات، في كلها يقولُ فرجعت إلى موسى ثم رجعتُ إلى ربي)) أخرجه البخاري ومسلم.
    وحديث أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((يتعاقبون فيكم ملائكةٌ بالليل وملائكةٌ بالنهار ويجتمعون في صلاة الفجر وصلاة العصر ثم يعرجُ الذين باتوا فيكم فيسألهم ربهم وهو أعلمُ بهم- كيف تركتم عبادي)) متفق عليه.
    وعن ابن عمر قال: ((لما قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل عليه أبو بكر- رضي الله عنه- فأكب عليه وقبل جبهته. وقال: بأبي أنت وأمي طبي حياً وميتاً. وقال: من كان يعبد محمداً فإن محمداً قد مات. ومن كان يعبد الله فإن الله حي في السمـــــاء لا يمـوت)) رواه البخاري، عن محمد بن فضيل، عن فضيل بن غَزْوان، عن نافع، عن ابن عمر.
    وعن أنس بن مالك كانت زينب تفخرُ على أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم وتقول: ((إن الله زوجني من السمــــاء))(2). وفي لفظ: ((زوَّجكُنَّ أهلُوكنَّ وزوجني الله مِنْ فـــــــوق سبـــع سـمـــــاوات)) أخرجه البخاري.
    وحديث عبدالله بن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((مَنْ لم يَرْحَم مَنْ في الأرض لم يَرْحمْه مَنْ في السَّمـــاء))(3).
    وحديث ابن عباس: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أسري به مرت رائحة طيبة فقلت: ((يا جبريل ما هذه الرائحة؟)) فقال: هذه رائحة ماشطة ابنة فرعون كانت تمشطها فوقع المشط من يدها فقالت: بسم الله. فقالت ابنته إلى أبيها. فدعا بها فقال: هل لك رب غيري؟ قالت: ربي وربك الله الذي في السمـــــاء. فأمر ببقرة نحاس فأحميت ثم دعا بها وبولدها. فألقاهم فيها))(1) الحديث رواه الدارمي وغيره.
    وروى الدارمي أيضاً بإسناده إلى أبي صالح، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لما أُلقي إبراهيمُ في النار قال: اللهمَّ إنَّكَ في السَّمـــاء واحد، وأنا في الأرض واحدٌ أعبدك)).

    وأما الآثـــار عن الصحابة في ذلك فكثير، منها قول عمر- رضي الله عنه- عن خولة لما استوقفته فوقف لها فسئل عنها فقال: ((هذه امرأة سمع الله شكواها من فوق سبــع سمــاوات))(2).
    وعبدالله بن رواحة لما وقع بجارية له. فقالت له امرأته: فعلتها. قال: أما أنا فأقرأ القرآن، فقالت: أما أنت فلا تقرأ القرآن، وأنت جنب. فقال:
    شهِدْتُ بأنَّ وعـــــــدَ الله حقٌ وأن النارَ مثوى الكافرينـــا
    وأنَّ العرشَ فَوقَ الماء طافٍ وفوق العرشِ ربُّ العالمينا
    وتـحْمِــــلُهُ مــــلائِكةٌ كِـــرامٌ مَلائِكةُ الإله مُســـــــــوَّمِينا(3)
    وابن عباس لما دخل على عائشة وهي تموت. فقال لها: ((كنت أحب نساء رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يكن يحب إلا طيباً، وأنزل الله براءتك من فـــوق سبـع سمــاوات))(4).

    وكذلك نجد أكابر العلمــاء، كعبدالله بن المبارك- رضي الله عنه- صرح بمثل ذلك. روى عثمان بن سعيد الدارمي، قال: حدثنا الحسن بن الصباح، قال: حدثنا علي بن الحسن بن شقيق، عن ابن المبارك قيل له: كيف تعرف ربنا، قال: بأنه فـوق السماء السابعة على العــرش باين من خلقه(5).


    فصـــل

    فلم أزل في الحيرة والاضطــراب من اختـلاف المذاهب والأقوال، حتى لطف الله تعالى وكشــف لهـذا الضعيف من وجه الحق كشفاً اطمئن إليه خاطره، وسكن به سره، وتبرهن الحق في نوره، وها أنا واصف بعض ذلك إن شاء الله تعالى:

    والذي شرح صدري له في حكم هذه الثلاث مســائل:
    الأولى: مســألة العلو والفوقية والاستواء هو: أن الله- عز وجل- كان ولا مكان، ولا عرش ولا ماء، ولا فضاء، ولا هواء، ولا خلاء، ولا ملأ، وأنه كان منفرداً في قدميته وأزليته، هو متوحد في فردانيته، وهو سبحانه وتعالى في تلك الفردانية لا يوصف بأنه فوق كذا إذ لا شيء غيره، هو سابق للتحت والفوق اللذين هما جهتا العالم، وهما لازمتان لها، والرب تعالى في تلك الفردانية منزه عن لوازم الحدث وصفاته، فلما اقتضت الإرادة المقدسة بخلق الأكوان المحدثة المخلوقة المحدودة ذات الجهات اقتضت الإرادة المقدسة على أن يكون الكون له جهات من العلو، والسفل، وهو سبحانه منزه عن صفات الحدث، فكوَّن الأكوان، وجعل لها جهتا العلو والسفل، واقتضت الحكمة الإلهية أن يكون الكون في جملة التحت؛ لكونه مربوباً مخلوقاً، واقتضت العظمة الربانية أن يكون هو فوق الكون باعتبار الكون لا باعتبار فردانيته إذ لا فوق فيها ولا تحت، ولكن الرب سبحانه وتعالى كما كان في قدمه وأزليته، فهو الآن كما كان، لكن لما حدث المربوب المخلوق، والجهات، والحدود ذو الخلا، والملا، وذو الفوقية، والتحتية، كان مقتضى حكم عظمة الربوبية أن يكون فوق ملكه، وأن تكون المملكة تحته باعتبار الحدوث من الكون لا باعتبار القدم من المكون، فإذا أشير إليه يستحيل أن يشار إليه من جهة التحتية، أو من جهة اليمنى، أو من جهة اليسرى، بل لا يليق أن يشار إليه من جهة العلو والفوقية ثم الإشارة هي بحسب الكون وحدوثه، وتسفله، فالإشارة تقع على أعلى جزء من الكون حقيقة وتقع على عظمة الإله تعالى كما يليق به لا كما تقع على الحقيقة المعقولة عندنا في أعلا جزء من الكون، فإنها إشارة إلى جسم، وتلك إشارة إلى إثبات، إذا علم ذلك فالاستــــواء صفة كانت له سبحانه في قدمه لكن لم يظهر حكمه إلا في الآخرة، وكذلك التجلي في الآخرة لا يظهر حكمه إلا في محله.

    تنبيه: إذا علم ذلك فالأمر الذي تهرب المتأولة منه حيث أوَّلوا الفوقية بفوقية المرتبة، والاستواء بالاستيلاء فنحن أشدُّ الناس هرباً من ذلك وتنزيهاً للباري تعالى عن الحدِّ الذي يحصره فلا يحد بحدٍّ يحصره، بل بحد تتميز به عظمته وذاته ليس مخلوقاته، والإشارة إلى الجهة(1) إنما هي بحسب الكون، وتسفله إذ لا يمكن الإشارة إليه إلا هكذا، وهو فد قِدَمه سبحانه منزه عن صفات الحدوث، وليس في القِدم فوقية ولا تحتية، وإن من هو محصور في التحت لا يمكنه معرفة باريه إلا من فوق فتقع الإشارة على العرش حقيقة إشارة معقولة، وتنتهي الجهات عند العرش، ويبقى ما وراءه لا يدركه العقل، ولا بكيفية الوهم فتقع الإشارة عليه كما يليق به مجملاً ثابتاً لا مكيفاً، ولا ممثلاً وجه من البيان، الرب ثابت الوجود ثابت الذات، له ذات مقدسة متميزة عن مخلوقاته تجلى للأبصار يوم القيامة، ويحاسب العالم فلا يجهل ثبوت ذاته، وتميزها عن مخلوقاته، فإذا ثبت ذلك فقد أوجد الأكوان في محل وحيِّز، وهو سبحانه في قِدَمه منزَّهٌ عن المحل والحيِّز فيستحيل شرعاً وعقْلاً عند حُدُوث العَالم أن يحمل فيه، أو يَخْتلِط به؛ لأن القديم لا يحلُّ في الحادِث، وليس هو محلاًّ للحوادث فلزم أن يكون بايناً عنه، وإذا كان بايناً عنه يستحيل أن يكون العالم في جهة الفوق وأن يكون ربه في جهة التحت هذا مُحَال شرعاً وعقلاً فيلزم أن يكون العالم في جهة الفوق، فوقه بالفوقية اللائقة به التي لا تُكيَّف ولا تمثّل بل تــعلم من حيث الجملة والثبوت لا من حيث التثميل(1) والتكييف(2) وقد سبق الكلام في أن الإشــــــارة إلى الجهة إنما هو باعتبارنا لأنَّا في محلٍ وحدٍ وحيزٍ، والقدم لا فوق فيه ولا تحته، ولابد من معرفة الموجِد وقد ثبت بينونته عن مخلوقاته، واستحال علوها عليه فلا يمكن معرفته والإشارة بالدعاء إليه إلا من جهة الفوق لأنها أنسب الجهات إليه،وهو غير محصور فيها، وهو كما كان في قدمه وأزليته، فإذا أراد المحدث أن يُشير إلى القدم فلا يمكنه ذلك إلا بالإشارة إلى الجهة الفوقية؛ لأن المشير في محل له فوق وتحت، والمشار إليه قديمٌ باعتبار قِدَمِهِ لا فوق هناك ولا تحت، وباعتبار(3) حدوثنا وتسفُّلِنا هو فوقنا، فإذا أشرنا إليه تقع الإشارة عليه كما يليقُ به لا كما نتوهمه في الفـــوقية المنسوبة إلى الأجسام لكننا نعلمها من جهة الإجمال والثبوت لا من جـهة التمثيـــل والتَّكييف والله الموفق للصواب.

    ومن عرف هيئة العالم ومركزه من علم الهيئة وأنه ليس له إلا جهتا العلو والسُّفل، ثم اعتقد بينونة خالقه عن العــالم، فمن لــوازم البينونة أن يكون فوقـــه؛ لأن جميع جهات العالم فوق، وليس إلا المركز وهو الوسط.


    فصـــل

    إذا علمنــا ذلك تخلَّصنـــا من شُبه التــأويل(1)، وعماوة التعطيــل(2)، وحماقة التشبيه(3) والتمثيل، وأثبتنا علو ربنا سبحانه، وفوقيته، واستواءه على عرشه كما يليق بجلاله وعظمته، والحق واضح في ذلك، والصدور تنشرح له فإن التحريف(4) تأباه العقول الصحيحة مثل تحريف الاستواء بالاستيـلاء وغيره، والوقوف في ذلك جهل(5) وعي مع كون أن الرب تعالى وصف نفسه بهذه الصفات لنعرفه بها فوقوفنا على إثباتها ونفيها عدول عن المقصود منه في تعريفنا إياها، فما وصف لنا نفسه بها إلا لنثبت ما وصف به نفسه لنا ولا نقف في ذلك وكذلك التشبيه والتمثيل حماقة وجهالةٌ فمن وفَّقه الله تعالى للإثبات بلا تحريف ولا تكييف ولا وقوف فقد وقع على الأمر المطلوب منه إن شاء الله تعالى.


    فصـــل

    والذي شرح الله صدري في حالِ هؤلاء الشِّيوخِ الذين أوَّلوا الاستواء بالاستيلاءِ، والنُّزولِ بنُزُولِ الأمر، واليدينِ بالنعمتين والقدرتين هو علمي بأنهم ما فهِموا صِفاتِ الرَّبِ تعالى إلا ما يليقُ بالمخلوقين فما فهِموا عن الله استواءً يليقُ به ولا نُزُولاً يليقُ به، ولا يدَيْنِ تَليقُ بعظمته بلا تكييفٍ ولا تشبيهٍ، فلذلك حرَّفُوا الكَلِمَ عن مَواضِعِهِ وعَطَّلوا ما وصَفَ الله تعالى نفسَهُ به ونذكُر بيانَ ذلك إن شاء الله تعالى.

    لا ريب إنا نحن وإيَّاهُم مُتَّفِقون على إثبات صِفاتِ الحيـاةِ، والسَّمْع، والبَصَر، والعِلْم، والقُدْرَة، والإرادة، والكلامِ لله، ونحن قَطْعاً لا نَعْقل من الحياة إلا هذا العَرضْ(1) الذي يقوم بأجسامنا وكذلك لا نعقل مِنَ السمعِ والبصرِ إلا أعراضاً تقوم بجوارحنا فكما إنهم يقولون حياته ليست بعَرَضٍ وعِلْمهُ كذلك وبَصَرُهُ كذلك هي صِفاتٌ كما تَليقُ به لا كما تَليقُ بنا فكذلك نقولُ نحن حياتهُ معلومةٌ وليست مكيَّفـه وعلمهُ معلومٌ وليس مكيَّفاً وكذلك سمعه وبصرُهُ معلومان ليس جميع ذلك أعراضاً بل هو كما يليقُ به.

    ومثلُ ذلك بِعيْنهِ فوقيته واستواؤه ونُزُله.ففوقيته مَعْلومةٌ أعني ثابتة كثبوت حقيقة السمع، وحقيقة البصر، فإنهما معلومان ولا يكيفان، كذلك فوقيته معلومة ثابتة غير مكيفة كما يليق به، واستواؤه على عرشه معلومٌ غير مُكيّف بحركة، أو انتقالٍ يليقُ بالمخلوقِ، بل كما يليقُ بعظمتهِ وجلالةِ صفاتِهِ معْلُومة مِنْ حيثُ الجُملةِ والثبوت غيرُ معقولة من حيثُ التَّكييفِ والتحديد، فيكون المؤمنُ بها مُبْصِراً من وَجه، أعمى من وجه، مبصراً من حيثُ الإثباتِ والوجودِ، أعمى من حيث التَّكييف والتَّحديد، وبهذا يحصل الجمع بين الإثبات لما وصَفَ الله تعالى نفسه به، وبين نفي التَّحريف والتَّشْبيه والوقوفِ، وذلك هو مُرادُ الرَّبِّ تعالى منا في إبراز صفاته لنا لنعرفه به ونُؤمن بحقائقها، وننفي عنه التشبيه، ولا نعطلها بالتحريفِ، والتأويلِ ولا فرق بين الاستواء، والسمع، ولا بين النزول، والبصر، الكل ورد في النص.

    فإن قالوا لنا: في الاستواء شبهتم، نَقُول لهم: في السمع شبَّهتم ووصفتُم ربَّكُم بالعَرَضِ، فإن قالوا: لا عَرَضَ بل كما يليقُ به، قُلنا: في الاستواء والفوْقية لا حَصْر بل كما يليقُ به فجميع ما يلزمُونا به في الاستواء، والنِّزُول، واليد، والوجهِ، والقَدَم، والضَّحكِ، والتَّعجبِ من التَّشبيه نُلزِمُهم به في الحياةِ، والسمعِ، فكما لا يجْعَلونها هم أعراضاً كذلك نحن لا نجعلها جوارح، ولا ما يُوَصَفُ به المخلوق، وليس من الإنصاف أن يفهموا الاستواء، والنزول، والوجه، واليد صفـات المخلوقين فيحتاجوا إلى التَّأويل والتَّحْريف.

    فإن فَهِموا في هذه الصفات ذلك فيلزمهم أن يفهموا في الصفات الشَّبْعِ(1) صفات المخلوقين من الأعراضِ، فما يلزمونا في تلك الصفات من التشبيه والجسمية نلزمهم به في هذه الصفات من العرضية، وما ينزهوا ربهم به في الصفات السبع وينفون عنه عوارض الجسم فيها، فكذلك نحن نعمل في تلك الصفات التي ينسبونا فيها إلى التشبيه سواء بسواء، ومن أنصف عرف ما قلنا اعتقده وقبل نصيحتنا ودان الله بإثبات جميع صفاته هذه وتلك،ونفى عن جميعها التشبيه، والتعطيل، والتأويل، والوقوف، وهذا مراد الله تعالى منا في ذلك لأن هذه الصفات وتلك جاءت في موضع واحد، وهو الكتاب والسنة، فإذا أثبتنا تلك بلا تأويل، وحرفنا هذه وأوّلناها كُنَّا كمنْ آمن ببعض الكتاب وكفر ببعض، وفي هذا بلاغ وكفاية إن شاء الله تعالى. انتهى
    ومبلغ العلم فيه أنه بشر ** وأنه خير خلق الله كلهم
  • د . أسامة نمر
    طالب علم
    • Jun 2005
    • 34

    #2
    جواب

    الجويني المقصود هاهنا ليس هو الجويني المعروف ، أعني : أبا المعالي عبدالملك الجويني ، ولكن المقصود أباه : عبدالله بن يوسف الجويني المتوفي سنة 438 هـ .
    ثم هذا المنقول عنه ليس من تصنيفه ، وإنما نقله عنه : عماد الدين أحمد بن إبراهيم بن عبدالرحمن الواسطي ابن شيخ الحزامين ، المولود بواسطة سنة 657 هـ ، والمتوفي سنة 711 هـ ، في كتاب له سماه محققه : النصيحة في صفات الرب جل وعلا ، ، وقد حققه : زهير الشاويش ، صاحب المكتب الإسلامي ، والكتاب عندي وبين يدي .
    وبالرجوع إلى ترجمة عبدالله بن يوسف الجويني في كتاب طبقات الشافعية لابن قاضي شهبة ، وطبقات الشافعية الكبرى لابن السبكي لم أجد إشارة إلى مثل هذه الكلام نقلا عن عبدالله بن يوسف الجويني ، ولو كان ثمة نقل عنه في ذلك صحيحا أو خطأ ، لأشار إليه ابن السبكي ، وعقب عليه بما يقتضيه المقام .
    ثم إن ابن شيخ الحزامين لم يبين مصدره في نقله هذا الكلام ، وبينهما من السنين مائتان وثمانون سنة وأكثر ، فإن لم يبين مصدره فيه فلا يصح اعتماده في بيان عقيدة عبدالله بن يوسف الجويني .

    أما القاصمة الكبرى في هذا الباب ، فإن ثمة كتاب اسمه التبصرة لعبدالله بن يوسف الجويني ، وهو كتاب فقهي ، قد ضمنه بعض مسائل الاعتقاد في أوله ، فقال :
    باب الإيمان ، اعلم أن المؤمن إذا اعتقد ما يجب اعتقاده في أصل إيمانه فمن الخذلان أن يستسلم بعد ذلك لوسواس الشيطان ، فيعطيه زمام قلبه ليتصرفه فيه كيف شاء .
    والشرائط التي إذا اعتقدها كان ما وراءها من الوسوسة :
    أن يعتقد حدث العالم ، وقدم محدثه ، وأنه ليس كمثله شيء من المخلقوات ، وتحقيقه : أنه لا يتصور في الوهم ، وما دونه يقبل هذه الصفة ، والنهاية منفية عنه ، وليس بجوهر ولا جسم ولا عرض ، وانتفت عنه الكيفية ، والكمية ، والأينية ، واللمية .
    وأنه حي قادر عالم مريد سميع بصير متكلم ، له حياة وقدرة وعلم وإرادة وسمع وبصر وكلام ، لم يزل ، ولا يزال بهذه الصفات .
    لا يشبه شيء منها شيئا من المخلوقات .
    وليست هي هو ، ولا هو غيره ، ولا تفارقه ، ولا تجاوزه ، ولا تخالفه ، وتوافقه ، ولا تحله ، بل هي صفات له ، تقوم به .
    وأن قدرته تعم المقدورات ، وعلم يعم المعلومات ، وإرادته تعم الإرادات ، لا يكون إلا ما يريد ، ولا يريد ما لا يكون .
    ثم الاعتقاد بأنه لا إله إلا هو ، وأنه شيء واحد ، وهو معنى الأحد الصمد .
    لا يجوز عليه شيء مما يجوز على المحدثات .
    ولا يصح عليه العدم .
    وأنه قائم بنفسه ، مستغن عن مكان يقله ، وعن جسم يحله ، ليس له تحت فيكون تحته ما يسنده ، ولا فوق فيكون فوقه ما يمسكه ، ولا جانب يعضده أو يزاحمه ..
    إلى أن قال : وربما تتلو آية أو يقرع سمعك خبرا ؛ فيستولي على خاطرك عدوك ، كمثل آيات الصفات والاستواء على العرش واليد والنفس والعين وحديث النـزول ، وما أشبه ذلك .
    فمتى أشكل عليك لفظ شرعي في صفات الذات ، فاصرف ذلك اللفظ إلى صفات الفعل .
    مثاله قوله تعالى {وهو معكم أينما كنتم} ، وقوله {ونحن أقرب إليه من حبل الوريد} وقوله {ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم} .
    يحتمل والله أعلم من حيث العلم ، لا من حيث الذات .
    ومن أثبت له مكانا مخصوصا ، أو جعل العرش له قرارا ، قيل له : كيف يكون العرش له قرارا من حيث المكان ، وهو على العرش يعلم ما على الأرض {أينما كنتم} و {أقرب إليكم من حبل الوريد} .
    فإن استعمل بأن يحمل قوله {وهو معكم أينما كنتم} على صفات الفعل ، فكذلك يلزمه أن يحمل الاستواء والنـزول على صفات الفعل .
    وإن اختار الإعراض عن تأويل قوله تعالى {وهو معكم} فليعرض عن تأويل الاستواء على العرش وحديث النـزول ونظائرهما ، فإن من السلف الصالحين من اختار في هذه الظواهر ترك الكلام عليها مع الإيمان بها ، وذلك طريقة حسنة .
    إلى آخر كلامه .
    فأين هذا الذي سطره عبدالله بن يوسف الجويني في كتابه التبصرة مما نقله عنه ابن شيخ الحزامين ؟؟؟
    ويجدر التنبيه إلى أن طبعة كتاب التبصرة غير دقيقة لذلك سوف تجد في بعض ما قرأته بعض الاضطراب ، فتأمله ، لكن مجموع كلام هذا الرجل يدلك على مذهبه ، وأنه على مذهب الأشاعرة ، لا شك في ذلك ولا ريب ، والله أعلم ، وأسأله تعالى أن يلهمني الصواب والسداد ، فمنه التوفيق وعليه التكلان ، ولا حول ولا قوة إلا بالله .
    التعديل الأخير تم بواسطة د . أسامة نمر; الساعة 18-06-2005, 23:09.
    { طه ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى }

    تعليق

    • ماهر محمد بركات
      طالب علم
      • Dec 2003
      • 2736

      #3
      جزاك الله كل خير ياسيدي الفاضل ..

      لاحرمنا الله منك .
      ومبلغ العلم فيه أنه بشر ** وأنه خير خلق الله كلهم

      تعليق

      • علوي باعقيل
        طالب علم
        • Mar 2005
        • 657

        #4
        هذه معلومة فرحت بها كثير فجزاكم الله كل خير

        تعليق

        • أحمد محمد نزار
          طالب علم
          • Jan 2005
          • 404

          #5
          جزاك الله خيراً يا د. أسامة فالقوم الظاهر يستخدمون التورية فقالوا (الإمام الجويني) والإمام الجويني عندنا معروف من هو وهذا تلبيس ليس بعده تلبيس
          العزلة عن الناس عزلة الضعفاء؛ والعزلة بين الناس عزلة الأقوياء

          تعليق

          • سامح يوسف
            طالب علم
            • Aug 2003
            • 944

            #6
            سيدي د.أسامة
            جزاكم الله خيرا علي هذا الرد الماتع
            وأذكر هنا كلاما للأخ محمد صادق الحجازي حول نفس الموضوع
            قال الأخ محمد حفظه الله:
            "فإن الإمام أبا محمد عبدالله بن يوسف الجويني أحد أعلام الأمة وقد قال فيه أحد كبار أئمة الأشاعرة الإمام أبوسعيد عبد الواحد بن عبد الكريم القشيري : ( كان أئمتنا في عصره والمحققون من أصحابنا يعتقدون فيه من الكمال والفضل والخصال الحميدة إنه لو جاز أن يبعث الله نبيا في عصره لما كان إلا هو ) تبيين كذب المفتري (1 \258)
            ومما يتقدم هذا الأمر أن نقول إن مسائل العقائد أرفع من أن تتقيد برجوع فلان او علان وكما قال مالك أفكلما جاء رجل أجدل من رجل تركنا له ديننا . فلا يعرف الحق بالرجال ولكن يعرف الرجال بالحق ومع ذلك فينبغي أن نبذل الجهد في تبرئة ساحة الأئمة مما يفترى عليهم لعلمنا بصدقهم وصحة معتقدهم المستفيض عنهم .
            وقد نظرت في هذه العقيدة المنقولة وبحثت عنها طويلاً في كتب التراجم فلم أجد لها ذكرا بل كل من ترجم له وذكر مؤلفاته لم يذكر هذه العقيدة وعموما تلخص فكري عنها كالتالي :
            1ـ الإمام أبو محمد ممن استفاض الخبر بنسبته إلى مذهب أهل السنة من الأشاعرة ويدل على ذلك أن كل تلاميذه وشيوخه منهم بل ويدل على ذلك كلامه المنصوص في كتبه وإليك بعض النصوص التي يطعن بها في نحور المشبهة فقد قال هذا الإمام في مقدمة كتابه التبصرة باب الإيمان ( صـ183) : ( أن يعتقد حدوث العالم وقدم محدثة وأنه ليس كمثله شيء وتحقيقه أنه لا يتصور في الوهم وما دونه يقبل هذه الصفة والنهاية منفية عنه وليس بجوهر ولا جسم ولا عرض وانتفت عنه الكيفية والكمية والأينية واللمية وأنه حي قادر مريد سميع بصير متكلم له حياة وقدرة وعلم وإرادة وسمع وبصر وكلام لم يزل ولا يزال بهذه الصفات لا يشبه شيء منها شيئا من المخلوقات ......وأنه قائم بنفسه مستغن عن مكان يقله وعن جسم يحله ليس له تحت فيكون تحته ما يسنده ولا فوق فيكون فوقه ما يمسكه ولا جانب يعضده أو يزاحمه ثم الاعتقاد بجواز الرؤية مع نفي الأوصاف المحدثة عنه ....ثم سرد باقي العقيدة حتى قال فإن استمرت هذه العقيدة على هذه الشرائط واستقرت عليها بحيث لا يتشكك بالتشكيك ولا يرتاب بجدال أهل الإلحاد فقد سبق إليه الإيمان بحذافيره .....قال وربما يتلو أيآية أو يقرع سمعك خبر فيستولي على خاطرك عدوك كمثل آيات الصفات والاستواء على العرش واليد والعين وحديث النزول وما أشبه ذلك فمتى أشكل عليك لفظ شرعي في صفات الذات فاصرف ذلك اللفظ إلى الفعل مثاله قوله تعالى وهو معكم الآية وقوله { وما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم } وقوله { ونحن أقرب إليه من حبل الوريد } يحتمل والله أعلم من حيث العلم لا من حيث الذات ومن أثبت له مكانا مخصوصاً أو جعل العرش له قراراً قيل له كيف يكون العرش له قرار من حيث المكان وهو على العرش يعلم ما على الأرض { أينما كنتم } و { أقرب إليكم من حبل الوريد } فإن استعمل بأن يحمل قوله { وهو معكم } على صفات الفعل فكذلك يحمل الاستواء والنزول على صفات الفعل وإن اختير الإعراض عن تأويل قوله تعالى { وهو معكم } فليعرض عن تأويل الاستواء وحديث النزول ونظائرهما فإن من السلف الصالحين من اختار في هذه الظواهر ترك الكلام عليها مع الايمان بها وذلك طريقة حسنة اهـ ثم ذكر بعد ذلك أن المسألة راجعة إلى الوقف في قوله تعالى { وما يعلم تأويله ألا الله والراسخون في العلم } وكتاب التبصرة مما اشتهر نسبته إلى إبي محمد وذكره من ترجم له وذكر نتاجه كما ذكره النووي في مجموعه في أكثر من موضع . فهذا هو المشهور عنه فمن جادل بغير ذلك طالبناه باثبات خلافه بما يوازيه ويدانيه في القوة لا برسالة لا يدرى من نسبها إليه مع كثرة الوضع من المجسمة .
            2ـ لو كانت هذه الرسالة مع ما فيها من بشاعة صحيحة النسبة إلى هذا الإمام لطار بها فرحاً أفراخ المشبهة وحبائل اليهود ولتصديها تصيد الملهوف الذهبي في سيره وهو لا يدع شاردة ولا واردة يمكن أن تنال من أئمة الأشاعرة إلا ذكرها ولذكرها قبله ابن القيم في اجتماع الوحوش والذي اولع فيه ببتر وتحريف كلام الأئمة فكيف تغيب عنه هذه الرسالة المصرحة بمكنونات مذهبه الفاسد من مثل هذا الامام الأشعري العالي المنزلة عند القوم . بل أقول لو صح هذا الكلام الفاسد عن أبي محمد لهجره علماء السنة ونقدوه كما نقدوا غيره ممن لحق بأهل التجسيم والحق أحق أن يتبع .
            3ـ صح أن آخر ما صنف هذا الأمام كتاب في العقيدة ذكره ابن عساكر ونقل منه جملة قال : ( وذكر الشيخ الإمام ركن الدين أبو محمد عبد الله بن يوسف الجويني رحمه الله في آخر كتاب صنفه وسماه عقيدة أصحاب الإمام المطلبي الشافعي رحمه الله وكافة أهل السنة والجماعة وقال ونعتقد أن المصيب من المجتهدين في الأصول والفروع واحد ويجب التعيين في الأصول فاما الفروع فربما يتأتى التعيين وربما لا يتأتى ومذهب الشيخ أبي الحسن رحمه الله تصويب المجتهدين في الفروع وليس ذلك مذهب الشافعي رضي الله عنه وأبو الحسن أحد أصحاب الشافعي رضي الله عنهم فإذا خالفه في شيء أعرضنا عنه فيه ومن هذا القبيل قوله أن لا صيغة للأمر وتقل وتعز مخالفته أصول الشافعي رضي الله عنه ونصوصه وربما نسب المبتدعون إليه إنه يقول ليس في المصحف قرآن ولا في القبر نبي وكذلك الاستثناء في الإيمان ونفي قدرة الخلق في الأزل وتكفير العوام وإيجاب علم الدليل عليهم وقد تصفحت ما تصفحت من كتبه وتأملت نصوصه في هذه المسائل فوجدتها كلها خلاف ما نسب إليه ولا عجب أن إعترضوا عليه واخترصوا فإنه رحمه الله فاضح القدرية وعامة المبتدعة وكاشف عوراتهم ولا خير فيمن لا يعرف حاسده. ) تبيين كذب المفتري (1\115)
            أما هذه الرسالة التي لم نعرف لها خبرا فقد كان اسمها ( رسالة في إثبات الاستواء والفوقية ومسألة الحرف والصوت في القرآن المجيد وتنزيه الباري عن الحصر والتمثيل والكيفية ) وهي مطبوعة ضمن مجموعة الرسائل المنيرية
            وانظر إلى الفرق بين الرسالتين فإنه في آخر مصنفاته نقل عقائد أصحاب الامام الشافعي وكافة أهل السنة والجماعة ودافع فيه عن أبي الحسن الأشعري مما نسبه إليه المبتدعة ممن أثار الفتنة المعروفة التي ذكرها السبكي في طبقاته بينما يشير في تلك الرسالة المزعومة أن الشافعية من أصحاب الشافعي ومن مشايخه في واد مظلم عن معرفة الحق وهذا دال على كذب نسبة تلك الرسالة مع عدم معرفتنا بالناسب أصلاً .
            4ـ لو تأمل كل منصف هذه الرسالة لوجد فيها أمرين الأول أن اسلوبها يختلف عن عبارات الإمام السابقة الذكر بل وعن رسالته في العقيدة وذلك واضح في عدم قدرته على سرد مذاهب أهل السنة بل انظر إلى قوله في الحرف والصوت فقالوا: إن قلنا بالحروف فإن ذلك يؤدي إلى القول الجوارح واللهوات(4) وكذلك إذا قلنا بالصوت أدّى ذلك إلى الحلق والحنجرة ) فجعل دليلهما واحدا وكذلك لم يتعرض لمذهب أهل التفويض وقد تعرض له في التبصرة وقال عنه إنه طريق حسنة ثم لم ادر من الذي يتحدث عنهم ويقول (, فكذلك نحن نعمل في تلك الصفات التي ينسبونا فيها إلى التشبيه سواء بسواء,) فهل نسبه أحد إلى التشبيه وذلك مما يقتضي شهرت ذلك عنه ومناضلته عن هذا المعتقد حتى صار مشهور النسبة إليه .
            الأمر الثاني : أنها تلخيص لكلام ابن تيمية في سائر كتبه بل لو كان عندي من الوقت ما يكفي لنقلت لكل فقرة منها ما يناسبها من كلام ابن تيمية بل كلامه عن كروية الأرض وعن علم الهيئة هو عينه كلام ابن تيمية في الإحاطة المزعومة لمعبوده .
            وأغلب الظن أن هذه الوصية قد حرز عليها أبو محمد وحرم ولده أمام الحرمين من ارثها واودعها بعض رعاع الحنابلة قائلا له قبل لحظة من مفارقة هذه الدار احفظ هذه الوصية فيك وفي ذريتك من بعدك حتى يمن الله على خلقة برجل لم ير مثل نفسه يدعى شيخ الاسلام ابن تيمية فاكشفها له حتى يحيي الله بها الأمة .
            فقبح الله واضع هذه الرسالة وكم للمشبهة من أمثال ذلك فتباً لهم وتعساً . والله أعلم
            انتهي كلامه حفظه الله
            وهذا هو الرابط

            وبكلام الفاضلين د.أسامة نمر والأخ محمد صادق الحجازي نستطيع ان نقول إن خبر هذه الرسالة المزعومة للإمام أبي محمد الجويني خبرها كسراب بقيعة
            والله الموفق

            تعليق

            • ماهر محمد بركات
              طالب علم
              • Dec 2003
              • 2736

              #7
              جزاك الله خيراً يا أخي الفاضل سامح يوسف ..

              وقد افتقدنا الأخ محمد صادق حجازي منذ فترة طويلة ولعل المانع يكون خيراً ..

              وحبذا لو أن أحداً من الاخوة ممن يعرفه أن يبلغه سلامنا ويبلغه أنه مطلوب في المنتدى بشدة ..

              والأخ محمد صادق من كنوز طلاب العلم والتي يحزن المرء لفقدانها .
              ومبلغ العلم فيه أنه بشر ** وأنه خير خلق الله كلهم

              تعليق

              • محمد ال عمر التمر
                طالب علم
                • Jun 2005
                • 1243

                #8
                وضعت هنا باب الإيمان من كتاب التبصرة كاملا:

                http://aslein.net/showthread.php?t=3939&page=2
                اللهم اهدنا لما اختُلف فيه من الحق بإذنك

                تعليق

                يعمل...