النتائج 1 إلى 15 من 15

الموضوع: تعليقات / شرح لأبيات المتنبي

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Jan 2007
    الدولة
    الكويت
    المشاركات
    1,647

    تعليقات / شرح لأبيات المتنبي

    هذا موضوع كنتُ قد كتبته منذ سنتين تقريبا ، و نسختُه مرة أخرى لأني سأزيد عليه ، حيث إني عزمتُ الأن على قراءة ديوان المتنبي ، فكلما أقف على بيت يحرك عقلي ! علقتُ عليه .

    بسم الله الرحمن الرحيم


    
إن الشعر العربيَّ كلام شريف المعنى نبيل المبنى ، و إن من أروع الشعر فصاحةً و أبلغه بيانًا لهو شعر أبي الطيب المتنبي ، شاعر العربية و لسانها الحكيم . و كنتُ قبل فترةٍ وجيزة عزمتُ على أن أتخذ شعر أبي الطيب مهذِّبًا لأخلاقي ، و مربِّيًا أتربى على يده مكارم الأخلاق العربية ، فأبو الطيب كان عربيًا شريفًا قحًا ، عالي الأخلاق علوًّا ، مترفَّعًا عن سفسافها حتى لو قُذف في أضيق المسالك . و أبو الطيب كان فتى من فتيان العرب ، عظيم الهمة ، كريم المعدن ، راقيَ الأخلاق شريفها ، رقيق المشاعر رُوحانيًّا ، ينثر بشعره درر الحكمة بأفصح الكلام ، و هو على هذا كلِّه كان صادق المشاعر و الأقوال و الأفعال صدقًا ثبت عليه في أقصى الشدائد إلى أن توفي ، فهو بهذا غريبة بين الشعراء قبله و بعده ، و فريد في عصر تفشى فيه شرار الخلق و الأخلاق . فمن أجل هذا و ذاك -و غير ذلك أيضًا- استحقَّ المتنبي عندي هذه المنزلة الكبيرة ، و استغنيتُ به و بأدبه عمن سواه من الشعراء و الأدب . و دعكم مما قيل في المتنبي من أنه كان أحمق ، لا يستحيي ، بخيلًا ، جبانًا ، و غير ذلك مما ينبزه به شراح ديوانه و غيرهم ، فما هذا إلا كذب تناولته الألسن ، و قد قال محمود شاكر تعليقًا على ذلك : 

[... عفا الله عنهم !! لقد رموا الرجل بكل نقيصة ، و وضعوا لكل ما كان يتمدح به في شعره قصة تخالف ذلك : رأوا المتنبي يتمدح بالكرم و يمدح عليه ، فوضعوا القصص في بخله و شراهته على المال ، و رأوه يمجِّد الرجولة و الشجاعة و يصف بها نفسه ، فوضعوا الأكاذيب في حكايات جبنه و خوره ، إلى غير ذلك من الأحاديث التي لا تصلح لتحقيق و لا ترجمة .]

 اهـ و لإتمام الفائدة في هذا الباب أنقل لكم ما قاله الأستاذ محمود شاكر في كتابه «المتنبي» تبيينًا لطريقة التعامل مع هذه الأخبار : 

[و اعلم أن أكثر ما يروى في ترجمة هذ الرجل و غيره من الرجال ، إنما كان من الأحاديث التي تتناقلها مجالس الأدباء ، و لا يُراد به التحقيق ، و لا يُنظر فيها إلى صدق الرواية و سياق التاريخ و ما إلى ذلك ، بل إن كثيرًا مما يُروى في تراجم رجالنا كان مما يُراد به مضغُ الكلام في مجالس الأمراء أو في سامر الأدباء . هذا على أنها رُبما حملتْ فيما تحمل أشياء لولا ورودها في هذه النصوص ، لافتقدنا من حلقات التاريخ حلقاتٍ لا ينتظم أمره إلا بها ، و لا يستمر إلا عليها ، فلمثل هذا كان لا بد لنا من النظر في النصوص و تمييزها ، و ردِّ بعضها و الأخذ ببعض ، حتى لا تنقطع بنا السبل في الترجمة لهؤلاء الأعلام ، فلا يفوتنَّك هذا إذا قرأت ما نكتب ، أو أردتَ أنتَ أن تقرأ أو تكتب .] انتهى بدرره ، فعليكم بكتابه و أعرضوا عمن سواه .

    

هذا ....... و قد رأيتُ أن أعلِّق على بعض أبياته تعليقاتٍ كانت تجول بخاطري ، فمن أحب من الإخوان المشاركة فحياه الله تعالى .



    

قال أبو الطيبِّ المتنبي ، في سياق وصفه للحُمَّى التي نزلت به في مصر ، و كانت تغشاه إذا أقبل الليل ، و تنصرف عنه إذا أقبل النهار ، و هي من روائع الشعر العربي :


    أراقِب وقتها من غيرِ شوقٍ ٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠ مراقبةَ المشوقِ المستهامِ


    آااااه متى يفتح الله علي أن أشرح هذه القصيدة البديعة شرحًا يليق بها و بصاحبها !!! 

أذكر أني مررتُ بموقف في سالف حياتي أخطأت فيه خطأ بحقِّ أحد ضعفًا و إهمالًا ، و كنتُ في غاية الخجل و الحياء للاعتذار من خطأ لا عذر لي في اقترافه إلا ضعفُ الإنسان ، و قد عددتُ لنفسي وقتًا أتصل فيه بهذا الشخص لأعتذر إليه ، فكنتُ أرقب هذا الموعد كمن يستعجِله ، و هو لا يستعجله !! و كنتُ أصف لصاحبتي حالتي تلك متمثلةً بهذا البيت للمتنبي !!

نرجع إلى البيت ، يقول المتنبي : هي تفارقني ليلًا ، واعدةً أن تزور الليل القادم ، فأنا أرقب وقتها لا أفتر و لا أملَّ ، مراقبةَ العاشق الولهان ، الذي لا همَّ له و لا شغل مذ عرف وقت الموعد إلى مجيئه إلا ترقُّب حضور المحبوب !! فهو قد تلبَّس بأعراض العاشق الولهان ، و لكنَّه عارٍ عن ذاتيَّاته !! فقول المتنبي "من غير شوق" ، أي من غير ذاتيات الشوق ، و قوله "مراقبةَ المشوق المستهام" أي مراقبة متلبِّسٍ بأعراض عديدة تعرِض على المشوق المستهام تصحِّح له أن يصف نفسه بهذين الوصفين . و شِبْه التلازم هذا بين هذه الأعراض العديدة و بين المشتاق الرَّاسخُ في نفوس الناس ، و ادِّعاءُ المتنبي انقطاعَ التلازم بينهما ، ليترك في نفس القارئ استغرابًا و إعجابًا و انبساطًا و أريحيةً ، و نظير هذا -مما يحضرني الآن- في شعر المتنبي ، يصف خيمة سيف الدولة :


    عليها رِياضٌ لم تحُكها سحابةٌ ٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠ و أغصانُ دوحٍ لم تغنَّ حمائمه

    و فوق حواشي كلِّ ثوب مُوجَّه ٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠ من الدُّرِّ سمطٌ لم يثقِّبه ناظمُه



    و نظير ذلك في القرآن الكريم قوله سبحانه : {في سموم و حميم ، و ظلٍّ من يحموم ، لا باردٍ و لا كريم} و قوله سبحانه : {و ترى الناس سكارى و ما هم بسكارى ، و لكن عذاب الله شديد} 


أكتفي بهذا المختصر ، و إلى لقاء إن شاء الله .


    لا تَجْسُرُ الفُصَحاءُ تُنشِدُ ههُنا ....... بَيْتاً ولكِنّي الهِزَبْرُ البَاسِلُ

    ***

    وَمُرْهَفٍ سرْتُ بينَ الجَحْفَلَينِ بهِ ....... حتى ضرَبْتُ وَمَوْجُ المَوْتِ يَلْتَطِمُ


    ... المجدُ لِلْأَشَاعِرَة ...



  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Jan 2007
    الدولة
    الكويت
    المشاركات
    1,647
    قال المتنبي في نفس القصيدة :


    و لما صار ودُّ الناس خِبًّا ٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠ جزيتُ على ابتسامٍ بابتسامِ



    و الخِبُّ : المكر و الخداع . يقول : و لما صار الحب الذي يدَّعيه الناسُ كذبًا و نفاقًا ، باتت أفعالهم التي يصطنعونها مُنبتَّةً منقطعة عن التعلُّقات القلبية الصادقة ، و ما هي إلا بهارج و ظواهر لما لا حقيقة له و لا جوهر . و إني كنتُ أصافي الودَّ كلَّ من صافاني تكرمةً ، و أصدقه المشاعر و الأفعال ، فتكون تصرُّفاتي أثرًا من آثار صدق مشاعري ، و نتيجةً من نتائج مصافاتي ، و غصنًا تفرَّع على أصل حبِّي ، و مظهرًا من مظاهر مجازاتي الصادقة . أما بعد أن صار حال الناس كذلك ، علمتُ أنه لا يلزمني أن أجازيهم بشيء يجاوز أفعالهم الظاهرة ، بل لا يقتضي شرف أخلاقي و علوُّ مرتبتي إلا أن أجازيهم بظاهرٍ مثلِه . فهذا بيان سرِّ مقابلة المتنبي الابتسامَ بالابتسام في المجازاة . 

قال ابنُ جنِّي : "كان كافور يبتسم إليه إذا لقيه حتى أنشد هذا البيت ، فصار لا يبتسم إليه ." !!



    و إلى لقاء إن شاء الله .

    لا تَجْسُرُ الفُصَحاءُ تُنشِدُ ههُنا ....... بَيْتاً ولكِنّي الهِزَبْرُ البَاسِلُ

    ***

    وَمُرْهَفٍ سرْتُ بينَ الجَحْفَلَينِ بهِ ....... حتى ضرَبْتُ وَمَوْجُ المَوْتِ يَلْتَطِمُ


    ... المجدُ لِلْأَشَاعِرَة ...



  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Jan 2007
    الدولة
    الكويت
    المشاركات
    1,647
    قال المتنبي في قصيدته التي مدح فيها القاضي أبا الفضل أحمد بن عبد الله الأنطاكي ! و قد كنت اتخذتُ هذا البيت توقيعي في برنامج الدردشة يوما لشدة حبي له !!


    لا تجسُرُ الفصحاء تنشِد ههنا ٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠ بيتًا و لكنِّي الهِزَبْرُ الباسِلُ


    يقول للممدوح : إنك لهيبتك ، و عظمة جنابك ، ثم لبصرك بالشعر ، وثاقب نقدك له ، و حسن تمييزك لجيده و رديئه ، لا يتجرأ الفصحاء أن ينشدوا عندك بيتًا هيبةً لك ، و خوفًا ألجم لسانهم الطليق ، و روعًا أذهلهم عن ثقتهم بفصاحتهم ، ثم التفت إلى نفسه أروع التفات ليشير إلى أنه مغايرٌ لهؤلاء الفصحاء ، فهو لم يقل "و لكن أنا أجسر" ، أو "لكني أفصح منهم" ، باستعمال صيغة أفعل ، بل أتى بعبارة مختصرة تصفه فقال : الهِزَبرُ الباسل : أي الأسد الشجاع ، باستخدام أل التعريف ! و كأنه يعرِّف حقيقة نفسه ، و اختصاصها بهذه الصفات ! و هذا بالطبع ، و كما عُهِد عن المتنبي ! خروج عن مديح الممدوح إلى مديح النفس ! فكأن المتنبي لم يرضَ أن يبدأ البيتَ بالثناء على الممدوح حتى أنهاه بالفخر بنفسه ، أو لكأن المتنبي قد امتطى الشطرَ الأول من البيت ليكون أبلغ في وصف نفسه !! إذ إنه حين جعل مجلس القاضي مهيبًا ، و أبان أن فصحاء الناس تعجز دون الإنشاد فيه -و هذا مديح للقاضي الذي اتَّخذه مطيَّة !- ، قصر على نفسه حقيقة علو المقام ، و جمال الفصاحة ، و ردَّ إلى نفسه الفضل في الثبات في مثل هذا الموضع ، و إن كان المتنبي قد آثر أن يصف نفسه في هذا المحل "بالهزبر الباسل" !!

    

و إلى لقاء إن شاء الله مع شيخنا أبي الطيب رحمه الله !!

    لا تَجْسُرُ الفُصَحاءُ تُنشِدُ ههُنا ....... بَيْتاً ولكِنّي الهِزَبْرُ البَاسِلُ

    ***

    وَمُرْهَفٍ سرْتُ بينَ الجَحْفَلَينِ بهِ ....... حتى ضرَبْتُ وَمَوْجُ المَوْتِ يَلْتَطِمُ


    ... المجدُ لِلْأَشَاعِرَة ...



  4. #4
    تاريخ التسجيل
    Jan 2007
    الدولة
    الكويت
    المشاركات
    1,647
    قال أبو الطيب في قصيدته الميمية التي رثى بها جدته ، و هي من أجمل ما قال المتنبي و أصدقه و أرقه :


    أتاها كتابي بعد يأس و تَرْحة ٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠ فماتتْ سرورًا بي فمتُ بها غمًّا

    حرامٌ على قلبي السرورُ فإنني ٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠ أعدُّ الذي ماتتْ به بعدها سُمًّا


    و ذلك أنَّ جدَّتَه قد أرسلت إليه تستجفيه و تشكو فراقها ، فحين قصد العراق منعه العَلَويُّون من دخول الكوفة -و هذا تأويل الأستاذ محمود شاكر للقصة- فكتب إليها يسألها المسير إليه في بغداد بعد أن يئست من لقائه ، فلما قرأت كتابه قبَّلته و حُمَّت لوقتها، واجتمع عليها أقصى الفرح بعد غاية اليأس ما لم يطقه مثلها في السن فماتت رحمها الله تعالى و رحم حفيدها الذي لقي من الدنيا ما لقي ، فقال فيها هذه القصيدة التي استطاع أن يجمع فيها من معاني الرِّقة و الوفاء و الكرم و الفتوَّة و الإباء و الرجولة و الفروسية ، و التَّنقُّل و الالتفات و التخلُّص من معنى منها إلى معنى ، ما لا يطيقه إلا من تهيأتْ له من الأسباب ما تهيَّأ للمتنبي من عنف العاطفة و صفاء النفس و الطبيعة البركانيَّة و روعة البيان و غير ذلك .
    
و التَّرحة : الحزن . يقول : جاءها كتابي بعد أن استحكم فيها اليأس من لقائي و غلب عليها الحزن ، فقتلها السُّرور و الأمل ، فكان أن قتلني الغمُّ و الحزن على موتها و فراقها ، قال ذلك على سبيل المشاكلة . 
ثمَّ أراد أن يصوِّر أنَّه لن يزال مكظومًا لفقدها متفجِّعًا لفراقها إلى أن يقضى ، فلجأ إلى تشبيه السرور الذي ماتت بسببه بالسم الذي لا يدانيه أحد إذ علم تحقَّق قتله ، و الذي لا يتجرَّعه أحد إلا فات ، فكذلك صار السرور بالإضافة إلى فؤاده ، لا يشتهي أن يقع في قلبه ، كما لا يشتهي أحد أن يصل السمُّ إلى جوفه . فأي جمال ؟! رحمك الله أبا الطيب و غفر لك .




    و إلى لقاء إن شاء الله مع روائع المتنبي العربي الشريف .

    لا تَجْسُرُ الفُصَحاءُ تُنشِدُ ههُنا ....... بَيْتاً ولكِنّي الهِزَبْرُ البَاسِلُ

    ***

    وَمُرْهَفٍ سرْتُ بينَ الجَحْفَلَينِ بهِ ....... حتى ضرَبْتُ وَمَوْجُ المَوْتِ يَلْتَطِمُ


    ... المجدُ لِلْأَشَاعِرَة ...



  5. #5
    تاريخ التسجيل
    Jan 2007
    الدولة
    الكويت
    المشاركات
    1,647
    قال أبو الطَّيِّب رحمه الله في مطلع مديحه !! لكافورٍ الإخشيدي :


    كفى بك داءً أن ترى الموتَ شافيًا ٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠ و حسبُ المنايا أن يكنَّ أمانيا

    تمنَّيتَها لمَّا تمنَّيتَ أن ترى ٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠ صديقًا فأعيا أو عدوًّا مداجيًا

    إذا كنتَ ترضى أن تعيش بذلة ٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠ فلا تستعدَّنَّ الحسام اليمانيا
    
و لا تستطيلنَّ الرماحَ لغارة ٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠ و لا تستجيدنَّ العتاق المَذَاكيا

    فما ينفع الأسدَ الحياءُ من الطوى ٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠ و لا تُتَّقى حتى تكون ضواريًا

    شرحُ الغريب : : المداجي : المضمر العداوة ، الحسام : القاطع ، و اليماني : منسوب إلى صنعة اليمن ، و العتاق : جمع عتيق أي فرس كريم ، و المذاكي : الخيل القرح التي قد تمَّت أسنانها ، و الطَّوى : الجوع ، و الأسد الضاري : الذي ألِف الصيد و ولِع به .

    

جوُّ القصيدة : أصيب أبو الطَّيِّب في آماله السياسية و فُجِع بأحبابه ، و لم يجد مُتنفَّسًا بعد أن مزَّق أحبابه أمله و أوقدوا نارَ قلبه إلا أن يرتحل عنهم ، فقذفت به الفيافي و البوادي إلى أرض مصر ، حيث كافور الإخشيديُّ العبد المبغَّض إليه ، و كان المتنبي كما أسلفتُ رجلًا شريفًا منيفًا يترفَّع عن الكذب ، فكان لا يمتدح أحدًا لا يظنُّ فيه الخصال العربية الزاهرة ، شجاعًا هزبْرًا -كما وصف نفسه- لا يحابي أحدًا و لا يداري ، مع شدة دهاء للتخلُّص من المآزق و احتيال لنيل المطالب ، فحين قدِم إلى كافور أنزله منزلًا حسنًا فلم يمدحه !! فخلع عليه كافور الخِلع حتى أحرجه بكرمه فلم يجدْ بدًّا من ذلك ، فقال هذه القصيدة التي هذه مطلعها ، و كان المتنبي قلبُه بلسانه ، و آلامه و عاطفته في بيانه ، فهذا كان سبب استهلال القصيدة بهذين البيتين و هو المعنَّى المفجوع ، لم يمنعه من ذلك كونُ القصيدة مدحًا لوالٍ من الولاة . ثم وثبت إليه قوته ، و تأجَّجت روحه الأبيَّة الثائرة ، تعِظه بالعهد الذي أخذه على نفسه ، بأن "لا تصحبه مهجةٌ تقبل الظُّلما" ، و تحرَّضه و تلقي الحطب في ناره ، و تستفزه إلى الغضب و الثورة ، و تستخفُّه إلى النِّضال و القتال ، و تُحضِر بين عينيه الغرض الذي من أجله تأهب أهبةَ الحرب ، و تدجَّج بالسلاح ، و هذه المعاني كلُّها قد رأى المتنبي أن صيغة النَّهي -و هو قوله : لا تستطيلنَّ ، لا تستجيدنَّ ..الخ- هي أبلغ أسلوب لتفجيرها في نفسه .

    لا تَجْسُرُ الفُصَحاءُ تُنشِدُ ههُنا ....... بَيْتاً ولكِنّي الهِزَبْرُ البَاسِلُ

    ***

    وَمُرْهَفٍ سرْتُ بينَ الجَحْفَلَينِ بهِ ....... حتى ضرَبْتُ وَمَوْجُ المَوْتِ يَلْتَطِمُ


    ... المجدُ لِلْأَشَاعِرَة ...



  6. #6
    تاريخ التسجيل
    Jan 2007
    الدولة
    الكويت
    المشاركات
    1,647
    كل ما سبق هو نسخ لشرحي الماضي ، و من الآن يبدأ الجديد ، أقصد نتاج اليوم .


    قال أبو الطيب المتنبي يخاطب حبيبته -على عادة العرب في مطلع القصايد- :


    راعتك رائعة البياض بِمَفرقي ٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠ و لو أنها الأولى لراع الأسحم
    لو كان يمكنني سفرتُ عن الصبا ٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠ فالشيب من قبل الأوان تلثم

    استغربت حبيبته إذ رأت بياض شعره و هو ما زال شابا ! فحاول أن يوضح أن العبرة ليست ببياض الشعر ، إذ لو كان لون شعر الصبا أبيض و الشيب أسود لاستنكرتِ الأسود ، فبياض الشعر ليس بمقياس .

    و الشطر الثاني من البيت الأول يذكرني بقول الإمام الغزالي في الاقتصاد -إذ أراد أن يكشف عن مغالطة في مسألة التقبيح و التحسين العقلي- بما سماه "سَبْقُ الوهم إلى العكس" ، و هو : ما رئي مقرونا بالشيء يُظن أن الشيء أيضا لا محالة يكون مقرونا به مطلقا . كخوف اللديغ من الحبل المبرقش اللون ، يظنه حية ، و كنفور الإنسان من التمرة -مثلا- إن جاء ذكر البعرة .



    جهة الشبه بين مثال المتنبي و ما نقلتُه من الإمام الغزالي
    : حبيبة المتنبي استنكرت وجود بياض الشعر في مفرق المتنبي لسبق وهمها أن البياض لا يكون إلا للشائب ، فأراد المتنبي أن يبين لها أن هذا الارتباط بين لون البياض و الشيخوخة ارتباط في وهمك فقط ، منشؤه العادة ، بدليل أنه لو كان البياض هو لون شعر الشاب و الأسود الشايب ، لاستنكرتِ الأسود مني !




    إن وفقتُ في إيصال ما أريد فالحمد لله ، و إن كانت الأخرى فالعفو منكم .

    لا تَجْسُرُ الفُصَحاءُ تُنشِدُ ههُنا ....... بَيْتاً ولكِنّي الهِزَبْرُ البَاسِلُ

    ***

    وَمُرْهَفٍ سرْتُ بينَ الجَحْفَلَينِ بهِ ....... حتى ضرَبْتُ وَمَوْجُ المَوْتِ يَلْتَطِمُ


    ... المجدُ لِلْأَشَاعِرَة ...



  7. #7
    تاريخ التسجيل
    Jan 2007
    الدولة
    الكويت
    المشاركات
    1,647
    قال أبو الطيب المتنبي :


    أعيذها نظراتٍ منك صادقةً ٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠ أن تحسب الشحم فيمن شحمه ورم


    الإعراب -نقلا عن شرح العكبري- : قال أبو الفح : سألته عن الهاء ، على أي شيء تعود ؟ فقال : على النظرات . و قد أجاز مثله أبو الحسن الأخفش في قوله تعالى : {فإنها لا تعمى الأبصار} ، فقال : الهاء راجعة إلى الأبصار ، و غيره من النحويين يقول : إنها إضمار على شريطة التفسير كأنه فسر الهاء بالنظرات . اهـ

    أعجبني مِن متكبر ، متعال ، "لم يجد مثل نفسه" ، متفاخر ، لا يكف عن مديح نفسه ، و لا يتعب من ابتداء الثناء على نفسه قبل الدخول في ثناء الممدوح ، أبيٍّ جدا ، لا يرضى لأي أحد -أيا كان- أن يدوس له على طرف . أقول : عجبًا ! أنه لما تعلق الأمر بسيف الدولة ، اختلف الحال ، إلى درجة أنه حتى لما دب بينهما خلاف لم يهُجه ! -و هو البارع في هجاء أعدائه- ، و طبعًا إذا عرف السبب ، بطل العجب ، فالمتنبي على تكبره و إعجابه بنفسه كان ذا حب صادق و وفاء كبير لكل من صافاه الود يوما ، و هذه القصيدة -"و احر قلباه"- هي من الأدلة على ذلك .

    نرجع للبيت ، استطاع المتنبي في هذا البيت أن يمزج بين مدح سيف الدوله -على فكرة ، القصيدة نُظمت بعد أن وقع الخلاف بينهما مباشرة ، فتأمل !- و بين ذم أعدائه من الشعراء ، و يُلاحظ أنه قدم المدح على الذم ، فوصف نظرات سيف الدولة "بالصدق" ، أي أنها لا تخطئ إدراك الحقائق ، قبل ذم الشعراء بأنهم مغايرون له بالكلية ، فعل ذلك -أي التقديم- حتى لا يتبادر إلى ذهن سيف الدولة أنه إنسان أحمق لا يميز بين الجيد و الرديء ، و هذا من بلاغة المتنبي ، و هذا الضرب من البلاغة يُسمى "شبه" استدراك(ليس عندي في حوزتي كتاب تحدث عن ذلك) و يحضرني الآن قوله لكافور الإخشيدي :


    و تحتقر الدنيا احتقار مجرب ٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠ يرى كل ما فيها -و حاشاك- فانيا

    و أما الآية القرآنية التي تذكرتُها ، و التي جرى فيها التقديم على العتب فهي قوله سبحانه و تعالى : {عفا الله عنك لم أذنت لهم حتى يتبين لك الذين صدقوا و تعلم الكاذبين}

    لا تَجْسُرُ الفُصَحاءُ تُنشِدُ ههُنا ....... بَيْتاً ولكِنّي الهِزَبْرُ البَاسِلُ

    ***

    وَمُرْهَفٍ سرْتُ بينَ الجَحْفَلَينِ بهِ ....... حتى ضرَبْتُ وَمَوْجُ المَوْتِ يَلْتَطِمُ


    ... المجدُ لِلْأَشَاعِرَة ...



  8. #8
    تاريخ التسجيل
    Jan 2007
    الدولة
    الكويت
    المشاركات
    1,647
    من أقذع ما سمعتُ من الهجاء في الدنيا ، هو قول المتنبي في ضبة !


    و ما عليك من القت ٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠ ل إنما هي ضربة
    و ما عليك من الغد٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠ ر إنما هي سبة


    و نرجع الآن للبيت : جميعنا يعرف كم هو "ينرفز" (يُغضب / يغيظ بالكويتي) أن يستحقر شخص ما شيئا أنت تستعظمه ، أيا كان ، فتأخذك الحمية ، أو تغار ، أو تثور ، و هذا ما فعله المتنبي بضبة ! و لكن في هذه المرة ، هذا الشيء لا يستعظمه ضبة فقط ! بلا لا يقع في الوهم أن لا يستعظمه إنسان في الدنيا أيا كان هذا الإنسان ! إذ قال : لا عليك من القتل ، ما هي إلا ضربة ! مستصغرا هذه الضربة ! و كأنه ليس والده -أي والد ضبة- الذي قتل ! و ما عليك من الغدر ! إنما هي سبة ! و كأن السبة أمر هين تستسيغه النفوس ! فهذه طريقة "تنرفز" الذي لا يتنرفز أبدا ! إذ استهنت بعظيم عنده هذا المبلغ من الاستهانة التي يرشح منه البيتان ! ثم يلوموني على حبي لأدب المتنبي !

    لا تَجْسُرُ الفُصَحاءُ تُنشِدُ ههُنا ....... بَيْتاً ولكِنّي الهِزَبْرُ البَاسِلُ

    ***

    وَمُرْهَفٍ سرْتُ بينَ الجَحْفَلَينِ بهِ ....... حتى ضرَبْتُ وَمَوْجُ المَوْتِ يَلْتَطِمُ


    ... المجدُ لِلْأَشَاعِرَة ...



  9. #9
    تاريخ التسجيل
    Jan 2007
    الدولة
    الكويت
    المشاركات
    1,647
    ما كل ما يتمنى المرء يدركه ٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠ تجري الرياح بما لا تشتهي السفنُ


    مَن عربيٌّ صغيرا كان أو كبيرا، مثقفا أو غير مثقف، منذ عصر المتنبي إلى يومنا هذا -يعني أكثر من ألف سنة!-، لا يعرف هذا البيت؟! أو لم يتغنَّ به في موقف مر عليه في حياته؟! لا أحد! بيت من أشهر أبيات الشعر على الإطلاق، لقرب معناه إلى الأذهان، و لبراعة التشبيه المتضمن في البيت، و لتضمنه مثلا جميلا، و لكن فئة قليلة فقط -بالنسبة إلى كل من يعرفه- يعلم مناسبة قول المتنبي له، و دقة موقعه المتناهية في الكلام......

    هذا البيت هو ضمن رائعته الشهيرة (بم التعللُّ)، و قد نسجها المتنبي إثر سماعه لخبر نعيه في مجلس سيف الدولة الحمداني، فتأثر من ذلك تأثرا بالغا، شديدا، نضحتْ به قصيدته، المفعمةُ بالإحساس، النابضةُ بالحزن العميق، المزدانةُ بالحكم. و التي فيها بيت من أجمل أبيات الشوق:



    ما في هَوَادِجِكم من مُهجتي عِوَضٌ ٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠ إنْ مُتُّ شَوْقاً وَلا فيها لهَا ثَمَنُ

    و التي فيها بيت من أدق أبيات التعريض:

    رَأيتُكُم لا يَصُونُ العِرْضَ جارُكمُ ٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠وَلا يَدِرُّ على مَرْعاكُمُ اللّبَنُ

    و غيرها من الأبيات الرائعة.

    جاء فيها:

    يَا مَنْ نُعيتُ على بُعْدٍ بمَجْلِسِهِ ٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠ كُلٌّ بمَا زَعَمَ النّاعونَ مُرْتَهَنُ
    كمْ قد قُتِلتُ وكم قد متُّ عندَكُمُ ٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠ ثمّ انتَفَضْتُ فزالَ القَبرُ وَالكَفَنُ
    قد كانَ شاهَدَ دَفني قَبلَ قولهِمِ ٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠ جَماعَةٌ ثمّ ماتُوا قبلَ مَن دَفَنوا
    مَا كلُّ ما يَتَمَنّى المَرْءُ يُدْرِكُهُ ٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠ تجرِي الرّياحُ بمَا لا تَشتَهي السّفُنُ


    و قبل أن أعلق على البيت، لفت انتباهي و أنا أقرأ الأبيات قبل قليل قولُ المتنبي: (ثم انتفضتُ فزال القبر و الكفنُ)، لم قاله؟ ما السر وراء تشبيه نفسه برجل قُبِر ثم خرج من قبره؟! بل سبق ذلك إثباته لقتله و موته! (كمْ قد قُتِلتُ وكم قد متُّ عندَكُمُ )، بل تبع ذلك شهود دفنه!!!! كانوا جماعة ماتوا!! قبل من دفنوا!! -يعني نفسه- و الذي ظهر لي -و الله أعلم- أن المتنبي استعمل هذه التشبيهات و هذه المشاهد مبالغةً في الاستهزاء و السخرية بأعدائه أولا، و زيادةً في إغاظته لهم ثانيا، و استقباحا لكذبهم ثالثا، و كأنه رجل بلغه أن جماعة من أعدائه افتروا عليه أمام الناس أنه سرق مالهم! فقال لهؤلاء الناس -استخفافا بهذا الافتراء، و ضحكا على من افتروه- نعم أنا سرقت منهم! و رآني الحارس إذ أسرق، "ربما" الجيران أيضا! هذا ما فعله المتنبي في رأيي، عد نفسه ميتا و مقتولا، انتفض من قبره و كفنه! و هناك ناس "شهدوا" دفنه!! -و هذه العبارة تتضمن سخرية لمن تأمل- و لكنهم ماتوا قبل أن يدفنوني! -و هذه العبارة تساوي معنى آية {قل موتوا بغيظكم} !-
    ثم يأتي البيت الذي هو موضوعنا، فيصيب أعداءه في مقتل! و لو كنت عدو المتنبي لا يستغربْ أحدكم موتي احتراقا من هذا البيت!
    المرء إذا أراد أن يغيظ عدوه بأنك لن تنال ما تتمناه فيَّ من سقم أو شدة أو موت، قال له لن تنال ذلك أبدا! و إذا أراد أن يغيظه أكثر قال: مثلي لا يصيبه ما أردتَ، و إذا أراد أشد من ذلك قال -مثلا- : إذا حجَّت البقرُ على قرونها! -كما نقول في الكويت!- فيستخدم مثلا مشهورا، أما المتنبي فلم يفعل هذا، فهو الفصيح المبين الشاعر صاحب الحكم و الأمثال السائرة، فصاغ مثلا بنفسه جديدا ردا عليهم، يستعمله الناس من بعده، فيتذكرون إغاظته لأعدائه كلما قالوه!
    إذ أعرض المتنبي عن مخاطبته لهم مباشرة! و ارتأى قول مثل يبين فيه أنهم لن ينالوا دائما ما يريدون....! و مثل السفن مفهوم لا داعي لشرحه، و لكن فقط أردت أن ألفت الانتباه إلى دقة موقع البيت في الرد على خصومه و إحراقهم حتى الإفحام!
    و الإعراض عن الخطاب المباشر، و ضرب المثل، ثم أن يكون المثل مخترعا حصريا لهم! و جميلا رائعا كهذا، إغاظةُ للأعداء أي إغاظة!

    و إلى لقاء آخر مع روائع هذا العربي المبين الشريف!

    لا تَجْسُرُ الفُصَحاءُ تُنشِدُ ههُنا ....... بَيْتاً ولكِنّي الهِزَبْرُ البَاسِلُ

    ***

    وَمُرْهَفٍ سرْتُ بينَ الجَحْفَلَينِ بهِ ....... حتى ضرَبْتُ وَمَوْجُ المَوْتِ يَلْتَطِمُ


    ... المجدُ لِلْأَشَاعِرَة ...



  10. #10
    تاريخ التسجيل
    Jan 2007
    الدولة
    الكويت
    المشاركات
    1,647
    لدي ظنٌّ أشبه باليقين أن أكثر من في المنتدى لا اهتمامَ لهم بهكذا موضوعات ... و هذا الذي جعلني أعزف عن الكتابة في الأدب في المنتدى في الفترة السابقة التي امتدت أكثر من شهر .. و لكن قلتُ في نفسي أني سأنشره إن شاء الله بعد التعديل و الإضافة في مشروع أفضل من هذا، إن شاء الله و إن وفق سبحانه. و لأن لمنتدى الأصلين مكانةً خاصة في قلبي جدًّا، لا يعلمها إلا الله، تقيِّدني به تقييدًا، و تزهِّدني بما سواه من أي منتدى سنّيًا أو غيره .....

    ----------------------------------------------

    كنتُ قد كتبتُ شرحًا في البيتين الآتيين أزعم أني لم أُسبقْ إليه -و كلُّ ما كتبتُه في هذا الرابط أزعمُ فيه نفسَ الزعم- و حفظتُه في بريدي الإلكتروني، و لكنَّ أحد الحمقى اقتحم بريدي و مسح أكثر بريداتي لم يبقَ منها إلا أقل القليل، و قد فوضتُ أمرَ هذا الشخص إلى الله تعالى يتصرَّف معه بما يستحقُّه إن شاء الله.

    ما علينا! أكتب شرحًا إن شاء الله أفضلَ منه الآن!

    قال المتنبي في رثائه لجدته:

    رَقَــا دَمْـعُـهـا الـجــاري وجَـفّــتْ جفـونـهـا *** وفـــارَقَ حُــبّــي قَـلـبَـهـا بَـعـدمَــا أدمَــــى
    ولــــــم يُـسْــلِــهــا إلاّ الـمَــنَــايــا وإنّـــمَــــا *** أشَـدُّ مـنَ السُّقـمِ الـذي أذهَـبَ السُّقْـمـا


    بقيتُ فترة ليست بالقليلة كلما مر هذا البيت على عقلي أفكر ما الذي دفع المتنبي لصياغة هذه المعاني أعلاه ....و قبل أسابيع اهتديتُ إلى ذلك و انتهينا من هذا القلق و الحمد لله!

    صوَّر لنا هذا الرجل الحَذِق الفطِن العبقري في البيت الأول جدَّته و كأنها تصرَّفت تصرُّفَ السَّالي عن حبيبه، "فرقا الدمع"، و "جفت الجفون"، و "فارق الحب القلبَ"، فكانت كالذي قضى وطرَه من المعشوق، و لم يبقَ له حاجة به، أو لعله كان يحِنُّ إليه و يحبُّه، و لكنه آثر الهجران إذ جرحه الحبيب مُجرَّحًا، و آثر الفراق على أن يبقى في العذاب، و التأويل الأخير متماشٍ مع قوله: "و فارق حبي قلبها بعدما أدمى."
    قال ذلك المتنبي حتى يفاجئنا في البيت الثاني بأن هذا الظنَّ الذي ظننَّاه في الجدة من السلوُّ عن المتنبي هو ظنٌّ كاذب، بل ما فعل ذلك إلا ليبيِّن لنا مدى عمق حب جدَّته له الذي وصل إلى أغوار القلب. فهي التي لا زالت على حبِّها و وفائها و إخلاصها، لا يمكن أن يتصوَّر منها سلوٌّ أو فتور عن حبِّه، ما دام فيها عرقٌ ينبض، ما دام في قلبها خفقة تضطرِب، لا يقع في الوهم أن شيئًا في الحياة الدنيا ممكن أن يحوِّلها عنه، أو يصرف قلبها إلى شيء سواه، ليس لشيء في الدنيا ممكن أن يكون له القوة على ذلك، اللهم إلا الموت هاذم الحب و اللذات. و هذا المقصود من قول المتنبي: "و لم يسلها إلا المنايا.".

    هل رأيتم مثل هذا البيان! مثل هذا الصدق في التعبير! ذاك المتنبي هذا الفتى الشريف العربي المبين! هذا الرجل الذي تعلمتُ منه الحب و الوفاء و الصدق و الدهاء و نهاية الشجاعة و الهمة التي لا تقف عند حد و غير ذلك الذي ربَّاني عليه تربيةً شيخي أبو الطيب المتنبي! أسأل الله تعالى أن يجزيه عني خيرَ الجزاء.

    و إلى لقاء آخر مع روائع المتنبي!



    لا تَجْسُرُ الفُصَحاءُ تُنشِدُ ههُنا ....... بَيْتاً ولكِنّي الهِزَبْرُ البَاسِلُ

    ***

    وَمُرْهَفٍ سرْتُ بينَ الجَحْفَلَينِ بهِ ....... حتى ضرَبْتُ وَمَوْجُ المَوْتِ يَلْتَطِمُ


    ... المجدُ لِلْأَشَاعِرَة ...



  11. #11
    تاريخ التسجيل
    Jan 2007
    الدولة
    الكويت
    المشاركات
    1,647
    قال المتنبي في قصيدته عن الحمَّي و هي من أشهر قصائده، و المتأمل فيها تنكشف له شخصيَّة المتنبي على الحقيقة ... و يوقن أن الفتوَّة و الشجاعة و الإباء و الكبرياء و الشرف و غيرها من الأخلاق الشَّامخة إنما هي صفات متأصِّلة فيه تأصيلًا، هي من "أصوله النفسيَّة" على حدِّ تعبير محمود شاكر .... قال المتنبي فيها:

    و صِرتُ أشكُّ فيمن (أصطفيه) *** لعلمي أنه بعضُ الأنام

    قال المتنبي هذه القصيدة بعد فراقه لحبيبه سيف الدولة و صديقه العزيز أبي العشائر و حبيبته خولة، ثم هروبه بعدُ من كافور الإخشيدي البغيض إليه.

    تأمَّلوا قول المتنبي "أصطفيه" و لم يقل "أحبه" أو "أصادقه" أو "أتعرَّف عليه". إنما شكَّ فيمن انتخبَه لنفسه انتخابًا، و اتَّخذه لروحه خليلًا. لكم أن تتخيَّلوا أيها الإخوة، ما هي الحالة التي يكون عليها المرء، حتى يشكَّ في أقرب الناس إليه .....

    و لعمري إن هذه الحالة لا يفهمها أبدًا إلا من جرَّبها، خصوصًا إذا كان له صادِقَ الودِّ، رقيقًا، فيَّاضَ العاطفة، عنيف المشاعر، أعطاه قطعةً من قلبه، و وثِق به ثقةً لا تتزعزع، و أمِن جانبَه أمنًا لا يزعجه خوفٌ. فنزع هذا المُصطَفَى، الذي ظاهره كمال الخلق، تمام الإيمان، نزع ثيابه عن عدوٍّ لدود، شرِس، يفترس روحه افتراسًا، يمزِّق قلبَه تمزيقًا، ثم يرميه على الأرض لكالقمامة، ثم يدوس عليها من حيث لا يدري، فهو عنده أحقر من أن يُرى تحت قدميه، أو يأبه به، ثم يولِّيه ظهره، ثم يمشي في الأرض فرِحًا، طَرِبًا، لا يُقلِقه همٌّ، لا يروعُه ندم. فكيف إذا كان هذا الصادق الحب لا يعامله بالمثل، فهو أعلى من أن يجازيه الإساءة بالإساءة، لم يسعه بعد ذلك إلا كظم الغيظ، كبت الألم، إراقة الدم، سيلان الدمع، ترقيع الجرح، بل ليس له إلا باب الله تعالى الرحيم بعباده، العليم بذات الصدور، البصير بالعباد. و لا يبقى له عزاء إلا أن يأجره الله تعالى، و يتقبل عمله ... و يعوضه بخير منه ...

    إن هذا الإنسان الذي جرَّب هذا الموقف، قلَّما يسلم من الشكِّ بالناس طُرًّا، و الدخول في حالة نفسيَّة عنيفة، تهتزُّ لها نفسه اهتزازًا، يحار قلبُه فيه حيرة. و إن كان خائرًا ضعيف القوى غير مستمسك، فلعل يصيبه مرضٌ نفسيٌّ بسببه يستوحش من الناس جميعًا، و إن اضطر إلى مخالطتهم عاملهم بوحشيَّة و شراسة.

    و ما ينجو من هذه الحالة إلا (الفتى)، الكريم العنصر، الشديد الاتِّزان، الكبير العقل، الواسع الصدر، السليم القلب. و قبل هذا و ذاك، رحمة الله به التي وسعت كلَّ شيء. فالله تعالى لا يضيِّع الإحسان، و لا يضيِّع عبده الذي التزم الحلم و حسن الخلق، فهذا جزاؤه عند الله تعالى عظيمٌ. و بحسبنا في هذا الصدد قول الله جلَّ شأنُه: {و لا تستوي الحسنة و لا السيِّئة، ادفع بالتي هي أحسن، فإذا الذي بينك و بينه عداوة كأنه وليٌّ حميم، و ما يُلقَّاها إلا الذين صبروا، و ما يُلقَّاها إلا ذو حظ عظيم}. و إن كانت بعيدةً بعض الشيء عن هذه الحالة و لكن لا شكَّ أنها تأخذ نفس الحكم.

    و يحلو لي أن أنقل مشاركة لسيدي و شيخي الأستاذ سعيد فودة، بنفس الصدد، على هذا الرابط:

    http://www.aslein.net/showthread.php?t=2368

    [
    [وليس فَتْكَةُ مَنْ بالذمِّ تقصدهُ كفَتْكَةٍ من حميم أنت تحمَدُه]
    أقول:
    هذا بيتٌ عظيم المعنى ولا يعرف قيمته إلا من جرب هذه الحالة الهائلة، فالعدو الظاهر لا يتأثر به الإنسان نفسيا، ولا تهتز له روح الشريف، أما الأذى الصادر من شخص كان يبدي لك المودة وهو خائن، وكنتَ أنت تحمده على ما يظهره لك من مودة ظاهرة، فهذا العذاب الأكيد الذي يزعزع حياة الشريف، ولا ينجو من حياة الشك وفقدان الثقة بالناس بعد ذلك إلا رجل عالي الهمة حفيظ النفس بعيد النظر. ] اهـ

    و إن شاء الله بالنية مشروع كبير في خدمة تراث المتنبي، و الكشف عن حقيقته، و جوانب شخصيته الأخَّاذة، الجذَّابة، المتفرِّدة. و لقد وعد محمود شاكر بعد إصدار كتابه «المتنبي» أنه سيتبعه بمشروع أكبر بكثير يفصِّل فيه أكثر و يتناول فيه المزيد و المزيد من الأبيات بالبيان الدقيق و الشرح العميق، و لكن حال دون ذلك وفاتُه رضي الله عنه. و إني أسأل الله تعالى العلي القدير أن يؤهلني تأهيلًا لتقلِّد هذا المشروع نيابةً عنه، فهو المسؤول، و هو الموفق لعبده إن اجتهد و صبر و سهر.

    و هذا سيكون إن شاء الله متزامنًا مع تنفيذ مشاريعي في خدمة علم الكلام قريبًا إن شاء الله! و إن الله تعالى هو الموفق سبحانه لكلِّ خير!

    هاجر الحزن و راح، و انطوى ليلُ الجراح، إن آمالي كإشراق الصباح
    هكذا الأيام تحكي قصة الآمال *** قصة فيها نرى أحلامنا أفعال
    هكذا صغتُ حياتي *** و اعتقادي بالمزيد
    ثم سارت خطواتي *** فوجدتُ ما أريد
    و إلى لقاء أروع!

    لا تَجْسُرُ الفُصَحاءُ تُنشِدُ ههُنا ....... بَيْتاً ولكِنّي الهِزَبْرُ البَاسِلُ

    ***

    وَمُرْهَفٍ سرْتُ بينَ الجَحْفَلَينِ بهِ ....... حتى ضرَبْتُ وَمَوْجُ المَوْتِ يَلْتَطِمُ


    ... المجدُ لِلْأَشَاعِرَة ...



  12. #12
    شكر الله لك هذا المجهود الطيب....
    حديقة غناء... أبدعتها ريشة فنانة.... استرحنا فيها من العناء و التعب...
    اختيار موفق .... و معاني لطيفة .....

    تابعي، وفقك الله و إيانا.

  13. #13
    تاريخ التسجيل
    Jan 2007
    الدولة
    الكويت
    المشاركات
    1,647
    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة حماد محمد الشنقيطي مشاهدة المشاركة
    استرحنا فيها من العناء و التعب...
    لا إله إلا الله .... الله وفقني لأن أريح مؤمنًا من العناء و التعب ....

    شكرًا لك ... فلقد جعلتَ لهمَّتي دافعًا ... و لكتابتي معنىً ....

    لا تَجْسُرُ الفُصَحاءُ تُنشِدُ ههُنا ....... بَيْتاً ولكِنّي الهِزَبْرُ البَاسِلُ

    ***

    وَمُرْهَفٍ سرْتُ بينَ الجَحْفَلَينِ بهِ ....... حتى ضرَبْتُ وَمَوْجُ المَوْتِ يَلْتَطِمُ


    ... المجدُ لِلْأَشَاعِرَة ...



  14. #14
    تاريخ التسجيل
    Jan 2007
    الدولة
    الكويت
    المشاركات
    1,647
    تنبيه آخر: لِيعلَم القارئ لكتاباتي في منتدى الأصلين الأشعري، أنِّي لا أمارس هذه الحماسيَّات، و لا الحديث عن التَّجارب العلميَّة الشخصيَّة، و نحوهما، في أيِّ منتدى سوى الأصلين، لا سنِّيٍّ فضلًا عن غيره، ما أنقله إلى الأزهريين مثلًا أجرِّده عن أيِّ حديث عن نفسي أو أيِّ حماسة ... و ذلك لما خصَّ الله تعالى به إدارةَ الأصلين من التفهُّم، و الحكمة، و الحلم، و حسن الخلق، ما لا إخال أني سأجده في غيرها ... و إني أعوذ بالله تعالى أن أزكي أحدًا من خلقه عليه، و أعوذ به سبحانه، من الكذب و النفاق و المجاملة، و إنما أقول هذا الكلام عن تجربة امتدَّت خمس سنين على التحاقي بهذا المنتدى، و هي كلمة حقٍّ عندي عنهم ...

    شكرًا إدارةَ الأصلين ... ألا إن الله لا يضيع أجر المحسنين ....

    و لولاكم أيتها الإدارة الفاضلة ........



    فائدة على الهامش: آخر جملة كتبتُها أعلاه استعملتُ فيها ما يُسمَّى بأسلوب "الاكتفاء"، و هو من بديع الأساليب البلاغيَّة، و قد استعمله الله تعالى في كتابه العزيز غيرَ مرة، منها قوله جلَّ شأنُه في سورة النور:

    {و لولا فضلُ الله عليكم و رحمته و أن الله تواب حكيم}

    و في نفس السورة:

    {و لولا فضل الله عليكم و رحمته و أن الله رؤوف رحيم}

    و لقد اقتنيتُ منذ زمن بعيد كتابًا يتناول هذا الفنَّ من البلاغة تصفَّحتُه حينَها و لا أذكر منه شيئًا الآن. و لكنَّ المتأمِّل في الآية سيدرك لم الله تعالى حذف جواب "لولا" و "اكتفى" باسم "لولا" (لا أريد أن أتهجَّم على اصطلاحات النُّحاة و لكن أظنُّ أن اصطلاحهم هو "اسم" لولا، لم أدرسه دراسةً إنما قرأتُه من الكتب غير النحوية). و السبب: هو تعظيم هذا الأمر تعظيمًا كبيرًا، أقصد الفضل و الرحمة، فالاكتفاء به و حذف الجواب، سيجعل المخاطَب بهذا الكلام يذهب به الذِّهن كلَّ مذهب فيما كان سيحلُّ به لولا فضل الله و رحمته عليه، يا الله رحمتك. و الصمتُ عن بعض الكلام أحيانًا، ينبئ عن عظمة و هول المسكوت عنه، و الدلائل على هذا الأمر كثيرة مبذولة فلا داعي لذكرها.

    و قبل يومين عثرتُ على مثال آخر في أسلوب الاكتفاء، و هو قول الله تعالى في سورة يوسف، عن إخوة يوسف:

    {فلما ذهبوا به و أجمعوا أن يجعلوه في غيابة الجُبِّ .......}

    فالله تعالى حذف الجواب أيضًا، و السبب نفسُه، هو تهويل هذا الأمر الذي اقترفه إخوة يوسف في حق سيدنا يوسف عليه السلام تهويلًا كبيرًا، و استشناعه استشناعًا عظيمًا، كيف سوَّل لهم الشَّيطان أن يلقوا غلامًا صغيرًا، بريئًا، لا يملك لنفسه ناصرًا و لا مولى، مُكرَّمًا عند أبيه النبي من عند الله، مصطفى من لدنه، و هو بعدُ مُنتخبٌ من الله، الغاية في الجمال، النهاية في الكمال، يا الله! اللهم صلِّ و سلِّم على سيِّدنا يوسف، الكريم ابن الكريم ابن الكريم ....

    و هناك آية أخرى استُعمل فيها هذا الأسلوب، تلك الآية العظيمة، و هي قول الله تعالى:

    {و لو أن قرآنًا سُيِّرت به الجبال أو قطِّعت به الأرض و أو كُلِّم به الموتى ..... بل لله الأمر جميعًا ....}

    كنتُ و لا أزال أرى في هذه الآية جمالًا لا أستطيع للآن أن أصوغه في نفسي، فضلًا عن التعبير عنه، إن شاء الله سيكون ذلك يومًا. و الله تعالى هو الموفِّق.


    لا تَجْسُرُ الفُصَحاءُ تُنشِدُ ههُنا ....... بَيْتاً ولكِنّي الهِزَبْرُ البَاسِلُ

    ***

    وَمُرْهَفٍ سرْتُ بينَ الجَحْفَلَينِ بهِ ....... حتى ضرَبْتُ وَمَوْجُ المَوْتِ يَلْتَطِمُ


    ... المجدُ لِلْأَشَاعِرَة ...



  15. #15
    تاريخ التسجيل
    Jan 2007
    الدولة
    الكويت
    المشاركات
    1,647
    قال المتنبي في ميميته الشهيرة:

    وَجاهِلٍ مَدّهُ في جَهْلِهِ ضَحِكي ** حَتى أتَتْه يَدٌ فَرّاسَةٌ وَفَمُ
    إذا رَأيْتَ نُيُوبَ اللّيْثِ بارِزَةً ** فَلا تَظُنّنّ أنّ (اللّيْثَ) يَبْتَسِمُ

    أقول: جاء المتنبي العربي المبين بما ذهب مثلًا على مر القرون. و لكنه بالإضافة ذلك، شبه نفسه في البيت بالليث الذي ينقضُّ على فريسته، و كنَّى بكلمة "يبتسم" عن الرضا و البشاشة، و هل لتكرير كلمة "الليث" سرٌّ غير الحفاظ على الوزن؟! هذا قريبٌ جدًّا، ففيه إشارة إلى رفِعة الأسد و مكانته العالية بين الحيوانات و على شرفه، و على قذفه الهيبة و الرهبة في قلوب الجميع.

    و الطريف مما تأملتُ أن في البيت سخريةً خفيَّة، فلا أحد في الدنيا يظنُّ في الليث الابتسام حين يكشِّر عن أنيابه، فكذلك المتنبي، كلٌُ حصيف سيعلم أنه لا يضحك عن انبساط و فرح. بل سخرية و إمهالًا! و هذا مما يؤيِّد و يفسِّر وصف هذا الإنسان "بالجهل"، و هو جارٍ على طريقة المتنبي في التهكُّم من كل من لا يرى له فضلًا و مكانة. و هو مصداق قول سيدنا المعصوم صلى الله عليه و سلم الذي جاءت بمعناه السيدة عائشة رضي الله عنها: {أنزلوا الناس منازلهم} فلا حرج على المتنبي في ذلك

    و إلى لقاء مع الروائع!

    لا تَجْسُرُ الفُصَحاءُ تُنشِدُ ههُنا ....... بَيْتاً ولكِنّي الهِزَبْرُ البَاسِلُ

    ***

    وَمُرْهَفٍ سرْتُ بينَ الجَحْفَلَينِ بهِ ....... حتى ضرَبْتُ وَمَوْجُ المَوْتِ يَلْتَطِمُ


    ... المجدُ لِلْأَشَاعِرَة ...



ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •