النتائج 1 إلى 3 من 3

الموضوع: الطلاق الثلاث .. ثلاث ..

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Jun 2003
    المشاركات
    3,902

    الطلاق الثلاث .. ثلاث ..

    بسم الله الرحمن الرحيم ...

    من المعلوم أن الفتوى بالنسبة لمتبعي الفقه الإسلامي تصدر بأحد طريقين: إما مجتهد يفتي بما يؤديه إليه اجتهاده، وهو ما ندر في الأزمان المتأخرة، ولا يكاد يوجد.

    وإما مقلد يتبع رأي إمامه، وفي هذه الحالة لا يجوز له شرعاً أن يفتي بغير المعتمد المشهور المعروف من المذهب، إذا لم يكن في المذهب قول غيره، ولا يجوز له أن يفتي بمجرد الأقوال.

    والذي دعاني إلى طرح هذه المسألة هو أني سئلت عما ذكره الشيخ الحبيب بن طاهر، في كتابه: الفقه المالكي وأدلته، حول مسألة الطلاق الثلاث، حيث إن الشيخ حفظه الله بعد أن قرر ما ذهب إليه المالكية من أن الطلاق الثلاث يحسب ثلاثاً، وذكر أدلتهم على ذلك، وأنهم ذكروا من الأدلة الإجماع على هذه المسألة، نقل عن بعض العلماء أنهم عدوا الثلاث واحدة، ثم نقل عن الشيخ الطاهر بن عاشور أنه رجحه، وذكر أدلة ترجيحه، دون أن يجيب عنها، كأنه مقرٌّ لها.

    فحداني ذلك إلى مراجعة مسألة النقل عن العلماء، والرجوع إلى مصادر ذلك.

    فوجدت الشيخ الحبيب لم يزد عما في التحرير والتنوير من نقل واحتجاج لهذه المسألة.

    وأهم ما أرى في ذلك هو مسألة النقل عن بعض الأئمة المعتبرين أنهم رجحوا وقوع طلقة واحدة لمن تلفظ بلفظ الثلاث مجموعاً.

    قال الشيخ الحبيب بن طاهر في الجزء الرابع من كتابه، ص 34 ما نصه:

    وقد تقدم أن المالكية يعتبرون الفقيه الحنبلي ابن تيمية قد خرق الإجماع بقوله بوقوع الطلاق الثلاث بلف واحد طلقة واحدة، لكن النقل يثبت أنه ليس وحده من خالف الإجماع إن كان هناك إجماع، فقد ثبت أنه قول علي بن أبي طالب، وابن مسعود، وعبد الرحمن بن عوف، والزبير بن العوام رضي الله عنهم، ومحمد بن إسحاق، وطاوس، وقال بذلك بعض فقهاء المالكية من الأندلس، منهم: محمد بن زنباع، ومحمد بن بقي بن مخلد، ومحمد بن عبد السلام الخشني فقيه عصره بقرطبة، وأصبغ بن الحباب من فقهاء قرطبة، وأحمد بن مغيث الطليطلي الفقيه الجليل.
    واعتبر ابن رشد الحفيد القول بلزوم الطلاق الثلاث منافياً لمقصد الشريعة من جعل الطلاق ثلاث طلقات... إلخ.

    ومصدر الشيخ حفظه الله في إثبات هذه النقول هو التحرير والتنوير، وابن عاشور لم يذكر المصدر الذي اعتمد عليه في دعوى عدم وجود الإجماع، وإنما جعل الكلام مرسلاً عن الإثبات.

    وقبل أن أذكر ما يتعلق بهذه النقول، أذكر ما يتعلق بأصل المسألة من كلام أئمة المالكية المعروفين:

    أجاب الإمام أبو الوليد بن رشد الجد -وليس الحفيد- عمن يرد المطلقة ثلاثا إلى زوجها دون أن تنكح زوجاً غيره ما نصه:

    تصفحت -أكرمك الله بطاعته وعصمك بتوفيقه- ما سألت عنه فوق هذا ووقفت عليه.
    والقول بأن المطلقة ثلاثاً في كلمة واحدة لا تحل لمطلقها إلا بعد زوجٍ مما أجمع عليه فقهاء الأمصار، ولم يختلفوا فيه.
    فالكاتب الذي ذكرت عنه أنه يحلها قبل زوج ويكتب في ذلك المراجعة رجلٌ جاهلٌ، قليل المعرفة، ضعيف الدين، فعل ما لا يسوغ له بإجماعٍ من أهل العلم، إذ ليس من أهل الاجتهاد فتسوغ له مخالفة ما أجمع عليه فقهاء الأمصار مالك والشافعي وأبي حنيفة وأصحابهم، وإنما فرضُه تقليد علماء وقته، فلا يصح له أن يخالفهم برأيه، فالواجب أن ينهى عن ذلك، فإن لم ينته عنه أدب عليه، وكانت جرحة فيه تسقط إمامته وشهادته.

    انتهى بالنص من المعيار المعرب، ومثلها مع تصحيف في فتاوى الإمام البرزلي رحمه الله، وليس بين يدي كتاب فتاوى ابن رشد رحمه الله.

    فهذا رأي المذهب المالكي، عبر عنه ابن رشد بكل وضوح، وليس هذا من المجهولات، بل رأي المذاهب فيه معروف.

    وأجوبة علماء المالكية في هذه المسألة مشهورة معروفة.

    أما النقول التي ذكرها الشيخ فأقول:

    أولاً:لا بد من التحقق من النقول عن العلماء، فإن آراء العلماء يجب أن توثق رواية إذا لم تكن لديهم كتب مشهورة معروفة فيها آراؤهم.

    ثانياً: أن بعض تلك النقول لم تثبت عن أصحابها، فمثلاً النقل عن الصحابة رضي الله عنهم لا تثبت من وجهٍ صحيح أبداً، وإنما هي نسبة مرسلة عن الإسناد الصحيح .. بل المروي عنهم أن الطلاق الثلاث ثلاث، ولم يرو بوجهٍ صحيح عن أحدٍ من الصحابة، حتى ابن عباس راوي حديث مسلم في الطلاق الثلاث الذي يحتج به من يجعل الثلاث واحدة، لم يفت ولم يثبت عنه أنه أحل المطلقة بالثلاث المجموعة لزوجها واعتبرها واحدة.
    وإذا أردت الروايات مفصلة في ذلك عن الصحابة المذكورين هنا، مثل سيدنا علي وابن مسعود رضي الله عنهما، فدونك كتاب: الإشفاق على أحكام الطلاق للشيخ الكوثري، حيث ذكر هذه الروايات كاملة، من مصنف عبد الرزاق وسنن البيهقي وغيرها من الكتب التي تذكر الآراء بأسانيدها.

    ثالثاً: فتاوى بعض العلماء بأن الطلاق الثلاث واحدة، كما هو ثابت عن طاوس مثلاً، لا تعتبر حجة، لأنه إذا كان هناك اتفاق من الصحابة على مسألة فلا يحق لأحد أيا كان مخالفة الصحابة في ذلك، لأن الإجماع يكون قد انعقد عليها، ولذلك فإن الإجماع لا ينخرق بعد ثبوته، وإنما تعتبر المسألة ليست من مسائل الإجماع إذا كان أحد المجمعين مخالفاً للباقي، أما من العصر الموالي فإن المخالفة لا تعتبر، ولا يجوز لأحد خرق الإجماع المستقر، كما هو معلوم أصولياً.
    ولذلك فدعوى العلماء الإجماع في ذلك صحيحة، حتى إن داود الظاهري نقل فيها الإجماع عن الصحابة.

    رابعاً: إذا كانت المسألة ذات أدلة صحيحة، وكانت المخالفة قائمة على أسس غير صحيحة، فإنه لا يجوز الإفتاء بالقول الشاذ، ومن هذا الباب حفظ طلاب العلم اسم ابن مغيث، مرتدفاً بقول الناس: لا أغاثه الله، حيث اشتهر عند العلماء شذوذ هذا القول، وعدم صحة اتباعه، قال البرزلي: وأعرف من كلام المازري وابن العربي أنه لم يعضد على هذا القول إلا ابن مغيث، لا أغاثه الله، قالها ثلاثاً، انتهى بنصه.

    وحتى قال القاضي أبو بكر بن العربي: ما ذبحت ديكاً بيدي، ولو وجدت من يرد المطلقة ثلاثاً لذبحته بيدي، كما في المعيار وغيره، مبالغة في الزجر عن الأخذ بهذا القول.

    فلا يثبت هذا القول على وجهٍ صحيح عن فقيه يعتد بخلافه، فكيف يجوز تقليده، لمن كان مقلداً؟

    خامساً: النقل عن أصبغ غير صحيح، وقد نص الشيخ الحبيب على ذلك في صلب كلامه، وأما عن ابن أرطأة ففي الرواية عنه خلل، وكذا عن بقية المذكورين سوى ابن مغيث.

    سادساً: الكلام في أدلة المسألة التي ذكرها الشيخ الحبيب نقلاً عن ابن عاشور، فالجواب عنها مبسوط بطول في كتاب الكوثري المشار إليه، فيغني عن التطويل في النقل.
    على أن الشيخ الحبيب قد ذكر أدلة المالكية وهي أدلة صحيحة قوية، ولذا لا يجوز مخالفتها إلى قول شاذ.

    سابعاً: مخالفة ابن تيمية مشهورة في هذا الأمر، لكن الأجوبة عنها مشهورة، ولابن تيمية شذوذات فقهية وعقائدية كثيرة، يعلمها من يطالع كتب العلماء السابقين، فهل يطمئن المرء إلى تقليد من شذ من الناس عن الأدلة والبراهين، لمجرد العاطفة في إصلاح بيت هدمه سيده بروعنته؟

    هذه تعليقات وجيزة، على ما ذكره الشيخ الحبيب، والله تعالى الموفق للصواب، وإليه المرجع والمآب.

    إلهنا واجبٌ لولاه ما انقطعت
    آحاد سلسلة حفَّــت بإمكـانِ



    كتاب أنصح بقراءته: سنن المهتدين في مقامات الدين للإمام المواق
    حمله من هنا

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    May 2006
    الدولة
    الجزائر-المسيلة
    المشاركات
    1,047
    بارك الله فيك أخي جلال
    وصلّ اللهم على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلّم

  3. #3
    أفادك الله وأفاد بك ومن مزيد فضلك أرجو منك التفضل بحل مشكلة رابط كتاب الإشفاق لعدم تمكنى من تحميل الكتاب نظرا لحاجتى إليه أو إرساله لى على الإميل
    وجزاك الله خيرا

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •