قد كتبت ردا على مقاله هذا في أحد المنتديات و لولا أنه و أصحابه لا يكفون لما عرضته على الإخوة في المنتدى حفظا لنفوسهم من القرف و الاشمئزاز
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب الأرباب ، المتفرد بالأزلية و القدم و المنزه عن مماثلة المتحيزات ، ليس كمثله شيء و هو السميع البصير
و الصلاة و السلام على نبينا المعصوم ، الإمام المعلم المصطفى المجتبى محمد بن عبدا لله و آله و صحبه و من والاه .
و بعد ، ما زال ( عزيز ) يتحفنا بنوادره السمجة و طرائفه المضحكة التي تكشف عدم استنارة في لجج البحر الذي يخوض و ها هويجتر كلامه في كل مقالة دون جديد يذكر و من قرأ هذه المقالة و التي سبقتها و التي سبقت التي سبقتها و التي ستتلوها لن يجد أي شيء جديد .
و ها نحن نبين بعض أخطائه الفاحشة في عجالة شديدة بما يناسب المقام و الخطاب ليس موجها له بل لإخواني في المنتدى حتى لا يغتر بكلامه بعض من ليس له إطلاع على علوم المعقولات و المنقولات و الله الموفق و هو يهدي السبيل .
1-اعلم أخي في الله أن البشر كلهم قد اتفقوا على أن الأحكام العقلية ثلاثة كما لا يخفى الواجب و الممكن و المستحيل و قد شرحتها باختصار أكثر من مرة و ما يهمني هنا أن ينتبه له كل خائض في عالم المعقولات و المنطق و الفرق و المذاهب أن النزاع إنما هو في مصاديق هذه الأحكام فالواجب عند بعض الناس ممكن أو مستحيل عند آخرين و الممكن عند بعض الناس واجب أو مستحيل عند البعض الآخر و المستحيل عند بعض الناس واجب أو ممكن عند البعض الآخر و هذه قاعدة مهمة تختصر عليك فهم كثير من النزاعات بين المسلمين بعضهم مع بعض و بيننا و بين الفلسفات الكفرية الباطلة والملحدة .
2 - إن علم الكلام علم جليل و قد بينا أكثر مرة بعض الجوانب و المسائل المتعلقة به في مقال سابق ردا على هذا المتحذلق و لكن ما يهمني التنبيه عليه هنا أنه ليس كل ما كتب في مصنفات علم أصول الدين هو من الاعتقادات الواجبة و التي يكفر منكرها أو يفسق بل هناك مقدمات و ممهدات ضرورية لمن أراد التعمق في هذه العلوم و تشمل هذه المقدمات و الممهدات و المبادىء أمورا عدة كالمنطق و النظر في فيزيائية الكون و هندسته و الرياضيات و الأحياء و غيرها من العلوم بما له فائدة عظيمة في جدال من تذرع في كفرياته بهذه العلوم و منها أمور فرعية متممة هي في الأصل من مباحث علم الفقه كمسألة الإمامة عند أهل السنة و لكن لما نسبها البعض إلى علم أصول الدين و كانت ذريعة للطعن في بعض الأئمة المتقين أدرجوها في كتبهم و لا نبعد عن جادة الصواب إن قلنا بأن كل مسألة حتى لو كانت من الفروع إذا اتخذت كمطعن على هذا الدين فيمكن إدراجها في كتب علم أصول الدين كون هذا العلم مختص بالدفاع عن العقائد الدينية بطريق إيراد الحجج و دفع الشبه فيدخل في ذلك مسائل عديدة لم تكن ذائعة من الخصوم في الطعن على الدين كمسائل في الجهاد و المرأة و الرق و الردة و الحدود و غيرها وهذه كلها قابلة للتغير بحسب اختلاف الأحوال و الأزمان و يمكن إثراء هذا العلم بالعديد من المباحث و المسائل المستحدثة في أصوله و فروعه و الكلام ها هنا يطول ونكتفي بهذه الإشارات
3 هناك بعض المسائل التي يبحث الإنسان فيها بغض النظر عن دينه و جنسه و قومه و هي من الأمور المشتركة التي قد تعرضللناس بحسب الوجود الإنساني كمسألة القضاء و القدر و الحسن و القبح و الحق و الباطل و الشر و الخير و الأسئلة الفطرية الكبرى و غيرها فمجرد تشابه الأمم في الحديث عنها و بحثها لا يعني أن السابق أصل للاحق و لا أن اللاحق ناقل عن السابق و إن كان ينبغي التنبه إلى إن البحث الكلامي الإسلامي متميز غاية التميز عن بحثها عند الأمم الأخرى السابقة كاليونان و غيرهم و اللاحقة كالغربيين و غيرهم و قد أوردوا فيها من المباحث و الإستدلات و الأنظار و الحلول و الاستشكالات ما لم يرد عند غيرهم و لا ينازع في ذلك إلا مكابر .
لا نريد أن نطيل المقال في رد سذاجة هذا الباحث و خلطه بين أمور لغوية كالمجاز و أمور منطقية و فيزيائية و ما يعنينا هو بحثه في مسألة قدم العالم تحديدا و إن كنت أوافقه في النكير على بعض أصحاب الإعجاز العلمي الذي خرجوا به عن حدود المعقول و حملوا السمع و كذا اللغة ما لا تحتمل بل حتى إن بعضهم قد رام تفسير المعجزات و الوحي و خوارق العادات على وفق القوانين الطبيعية العادية التي كانت المعجزة و الآية خرقا لها و بدون ذلك لا تكون المعجزة معجزة فأساءوا من حيث ظنوا أنهم أحسنوا و لو أنهم تأملوا في كون خرق العادة ليست عندنا بأعجب من نفس العادة لما تهافتوا
القدم النوعي للعالم
اعلم أن جمهور الناس يبطلون إمكان التسلسل في العلل المؤثرة و أن التنازع قد وقع في مسألة التسلسل في الآثار و المفعولات و قد انقسم الناس فيها بالنظر إلى العقل و الشرع إلى ثلاثة مذاهب رئيسة
1 فرقة زعمت أن التسلسل واجب عقلا و شرعا و هم الفلاسفة الإسلاميون و ابن تيمية و نسبه كذبا و زورا إلى السلف و التابعين و المحدثين
2 فرقة زعمت أن التسلسل ممكن عقلا ممتنعا شرعا كالفيلسوف الصوفي الوجودي ابن عربي و الفيلسوف اليهودي موسى بن ميمون
3 فرقة زعمت بطلانه و استحالته عقلا و شرعا و هم الأشاعرة و الماتريدية و المعتزلة و الظاهرية و المعتزلة و جمهور الشيعة الإمامية ( عدا من تابع صدر الدين الشيرازي ) و الزيدية و الإباضية و الحنابلة و الكرامية
و لا يعنينا الآن سوى ابن تيمية من الفرقة الأولى و متكلموا الفرقة الثالثة فنقول : إن مسألة قدم العالم ستتجلى فيها فضائح كثيرة و سيتبين أن معظم ما أورده دعي البحث و المعرفة الساذج ( عزيز ) سينقلب عليه في لحظات قليلة و في أسطر معدودة فتأمل .
لا يخفى على أدنى مطلع أن مسألة قدم العالم هي من أصول الفلسفة اليونانية و بعض الفلاسفة يعتبر من نازع في هذا الأصل أو قال بخلافه خارج عن الفلسفة و الحكمة و لا يخفى أن أحد أعظم مسائل النزاع بين أهل الإسلام و بين الفلاسفة كانت في هذه المسألة تحديدا و أن القول بحدوث كل ما سوى الله تعالى نوعا و جنسا و أفرادا و آحادا هو من الأصول الأصيلة في علم الحكمة الإسلامية و العجب أن من يرمون علماء أهل الإسلام و خاصة علماء أصول الدين بتقليد اليونان كيف يغفلون عن هذه المسألة العظيمة ثم العجب أكثر ممن يرميهم بالتقليد ثم يسارع هو في تقليدهم في هذه المسألة الخطيرة و التي يهون أمامها الأخذ بالمنطق اليوناني و الجوهر الفرد و حدوث الأجسام !!!!!!! (و هل ينازع مسلم في كون الأجسام محدثة ، أنقل أمثلته على فرض تسليمها و صحتها مع شدة عجبي و استغرابي من مثال حدوث الأجسام ) فإن ابن تيمية يقول في كتابه الموسوم بدرء تعارض العقل و النقل ( و هو أن يكون قبل ذلك الحادث حادث و قبل ذلك الحادث حادث و هذا جائز عندهم ( أي الفلاسفة ) و عند أئمة المسلمين ) و يقول في موضع آخر ( و إن أريد به أن يحدث قبل كل حادث حادث و هلم جرا فهذا فيه قولان و أئمة المسلمين و أئمة الفلاسفة يجوزونه ) و يقول ( و ليس في أجزاء الزمان شيء قديم و إن كان جنسه قديما ) و يقول أيضا ( و أما أكثر أهل الحديث و من وافقهم فإنهم لا يجعلون النوع حادثا بل قديما و يفرقون بين حدوث النوع و حدوث الفرد من أفراده ) و يقول ( و قيل بل هو جائز في الماضي و المستقبل و هذا قول أئمة أهل الملل و أئمة السنة ) فنقول له هنيئا لك موافقة الفلاسفة في أصول حكمتهم الموهومة و تعسا لمن افترى الكذب على السلف بزعمه موافقة السلف للفلاسفة في هذه المسألة و ما أريده قد وصل و لن أكثر من الاعتراضات على بطلان كلامه فلذلك محل آخر و قد أكثر أهل العلم من بيان بطلان قدم العالم بالنوع مع حدوث أفراده إذ النوع مطلق و هو لا يوجد إلا ضمن أفراده و جزئياته كما لا يخفى و من العجب أن ابن تيمية يكثر من الزعم أن المتكلمين يصفون واجب الوجود بصفات ممتنع الوجود فهو عندهم من المطلقات التي لا تحقق لها خارج الذهن و كذا لن نقف عند عدم تفريقه بين التسلسل في الماضي و المستقبل إذ هناك فروق واضحة و عدم التفريق أصل بدعة أبي الهذيل العلاف إذ لما توهم بطلانهما قال بسكون حركات أهل الجنة و النار و الجهم لما توهم بطلانهما قال بفناء الجنة و النار و ابن تيمية توهم وجوبيهما فقال بقدم العالم بالنوع و المتكلمون فصلوا فقالوا الموجودات ثلاثة موجود لا أول له و لا آخر و هو الله تعالى فقط و موجود له أول و آخر و هو الدنيا و موجود له أول و ليس له آخر و هو الآخرة و كذا لن نقف مع اللوازم الباطلة كنفي إرادته سبحانه و تعالى عما يقول الظالمون علوا كبيرا و كونه سبحانه و تعالى موجبا بالذات لا فاعلا بالاختيار و كونه تعالى عاجزا على الحقيقة إذ القادر هو المتمكن من الفعل و الترك و الله على مذهبه غير متمكن من الترك بل واجب عليه أن يفعل و لا يملك أن يريد أن لا يفعل و لا يملك أن لا يفعل ثم يموه بعد ذلك هو و أصحابه بأن من ينفي قدم العالم فإنه ينفي الكمال عن الله إذ من يفعل أكمل ممن لا يفعل و الله أكمل و أعظم من أن يكون كماله مستفادا من مخلوقاته بل هو كامل بذاته و مخلوقاته تستفيد كمالاتها منه و هو فاعل مختار إن شاء فعل و إن شاء لم يفعل فوجود العالم ممكن و بقائه ممكن و عدمه ممكن و كونه على هذه الصورة ممكن و كذا لن نقف لنفرق بين أزلية الإمكان و إمكان الأزلية فإن الأول واجب عقلا و الثاني مستحيل عقلا و كذا لن نقف عند حقيقة مذهبه في صفات الله و كون بدعته في القدم و حلول الحوادث في ذاته العلية متلازمتان و الله المستعان .
و ما يهمني أن أشير إليه بعد إشارتي إلى كونه من مقلدة اليونان في هذه المسألة العقائدية الخطيرة هو بيان كيفية تعامله مع النصوص الشرعية السمعية التي تكذبه و سأكتفي بحديث عمران ابن حصين رضي الله عنه ( كان الله و لم يكن شيء قبله ) و في رواية أخرى ( كان الله و لم يكن شيء معه ) و في رواية أخرى (كان الله و لم يكن شيء غيره ) فقد كذب الروايتين الثانية و الثالثة و قد تعقبه علماء الحديث النبوي الشريف كابن حجر العسقلاني الذي بين صحة هاتين الروايتين كما هو معلوم عند المحدثين و كذا تعقيه الألباني و بين فساد قوله و كذبه ، هذا عدا أحاديث أخرى كثيرة كقوله عليه السلام أول ما خلق الله القلم و غيره من الآيات و الأحاديث الكثيرة التي لا مجال لاستقصائها هنا ( ناهيك عن رده أحاديث صحيحة في مسائل متعددة كأحاديث غدير خم و أحاديث فضائل سيدنا علي و غيرها متطرفا في مواجهة تطرف الشيعة و قد تعقبه بعض متابعيه كالألباني رادين لأوهامه و خيالاته تلك ) عدا الأدلة العقلية الباهرة التي نضن أن نبسطها ليقرأها ساذج جاهل ( كعزيز )هذا ، فمن هو الذي يتجرأ على تحريف النصوص و لي أعناقها لتوافق مذهبه المتكلمون من أهل السنة أم متكلم الكرامية متابع الفلاسفة الذي يدعي بكل صلف و وقاحة بأن أهل السنة الأشاعرة مخانيث المعتزلة و المعتزلة مخانيث الفلاسفة و يدعي أن الرازي من مخانيث ابن سينا و هو في الحقيقة من مخانيث ابن رشد لحفيد كما لا يخفى و ابن سينا أعلم بما لا يقارن من التابع الوفي لأرسطو ابن رشد و لنكتفي هنا قبل أن ننساق في العاطفيات الشعرية غير المفيدة .
قوله (قرر شيخ الاسلام ابن تيمية، بناء على النصوص القرآنية والنبوية، )
محض وهم لا تحقق له إذ العقل و الشرع قاطعان بحدوث كل ما سواه تعالى و القول بحوادث لا أول لها و لا بداية لا معنى له .
قوله (ان هذا الكون خُلق من مادة سابقة عليه، وفي مدة سابقة عليه أيضاً، )
و هذا عين مذهب ابن رشد الذي ادعى وجود مادة سرمدية أزلية ابتدأ الخلق منها إذ أن عقله الكليل لم يتصور أن الله خالق العالم من عدم ( من هنا ليست لبيان الاشتقاق بل معنى قولنا خلقه من عدم أي خلقه بعد عدم ) فقاسوا الخالق العظيم الذي لا يعجزه شيء و هو القادر على كل شيء على العبد الضعيف المحتاج إلى الوسائل و الأدوات و الغايات و غير ذلك مما يتنزه عنه مولانا و ربنا تبارك و تعالى و في كلام ابن تيمية ما يشعر أنه يوافق هذا المذهب أحيانا و الحق أنه لا يقول بقدم مادة بعينها بل بقدم نوع و جنس المادة فمذهب كل منهما أعجب من الاخر و سيأتي التعليق على الزمن بعد قليل .
قوله (وانه لا يمكن ان يكون أول مخلوق. وهذه فكرة عظيمة المعنى، )
بل هي فكرة حقيرة المعنى و لا مانع عقلي من أن يكون هذا الكون هو أول مخلوقاته تعالى على أنه ينبغي التنبيه أنه لا مانع عقلي من وجود عالم أو أكثر مهما كثرت هذه العوالم قد خلقها الله تعالى قبل خلق هذا العالم و لكن هذه العوالم كما نبه فحولة المتكلمين من علماء أصول الدين القائلين بنظرية العوالم الممكنة لا بد و أن تكون محدودة العدد مهما كثرت إذ كون الخلق لا نهاية له باطل عقلا و شرعا كما تقدم .
قوله (إذ لا سبيل إلى تقدير فترة في الزمان على أنها تمثل أول مخلوق، لأن هذا يتضمن القول بتحديد أزلية الخالق وتقييد أفعاله. وهذا ما يعبر عنه بقدم النوع، ومعناه ان الله لم يزل فاعلاً إذا شاء. )
إن جعل الزمن أساسا للبرهنة على حدوث العالم و قدمه أمر ساذج و إن تصوره صاحبه فكرا عظيما فالزمن أمر اعتباري نسبي لا تحقق له في خارج الذهن فوجوده بالتبع للغير لا بالأصالة فهو كم متصل في الخيال إذا لاحظه العقل في الخارج حكم بأن غبر قار و قد يعبر عنه بأنه متجدد موهوم مقارن لمتجدد معلوم ( راجع الحاشية الثانية على مقولات السجاعي لمحمدحسنين مخلوف ) فقبل خلق العالم لا وجود للزمن و لا لشيء اسمه مدة الترك و هي المدة التي استشكل الفلاسفة أن الله لم يخلق فيها ( الشرح بتسمح ) و قد شن الغزالي عليهم هجوما عنيفا في تهافت الفلاسفة نورد بعضه بتصرف منا فنقول : لا يقال إنها متناهية أو غير متناهية إذ الزمان مخلوق و قبل خلقه فلا زمان أصلا و الوهم و الخيال المحصوران في عالم المحسوسات لا يقدر على توهم مجرد عن الزمان و المكان و فهم وجود شيء إلا و له قبل و هذا العجز في الوهم كعجزه تقدير تناهي الجسم في جانب الرأس مثلا على سطح له فوق فيتوهم أن وراء العالم مكانا إما خلاء و إما ملاء و إذا قيل له ليس فوق سطح العالم فوق و لا بعد أبعد منه كل الوهم عن الإذعان ..... فثبت أن وراء العالم لا خلاء و لا ملاء و لكن الوهم لا يذعن لذلك و كما جاز أن يخطيء الوهم في تقديره البعد المكاني جاز أن يخطيء في تقديره البعد الزماني فالأول تابع للجسم و الثاني تابع للحركة .... فقيام الدليل على تناهي الحركة يمنع من تقديربعد زماني ورائها ) و قد تهافت ابن رشد في تهافته حينما رام تهفيت تهافتهم ، و هكذا فقد تبين أن لا محصل لأقوال الفلاسفة و متابعيهم و أن القول بحدوث ما سواه تعالى و أنه كان و لا شيء معه ليس فيه تحديد لأزليته و مشيئته و قدرته بل من يوجب عليه أن يكون فاعلا هو من يحدد قدرته و مشيئته و لا معنى بعد القول بكونه مجبرا على أن يخلق أنه فاعل بالاختيار فتعسا لهكذا اختيار و قد صدق العلامة الكلنبوي حينما قال في حاشيته على الدواني على شرح العقائد العضدية - بتصرف ( يعجبون من كسب الأشعري و اختيار الحكماء أخفى و أمر ) و الحق أنه العبد عند بعض الفرق الكلامية مجبور في صورة مختار أو مختار ظاهرا مجبورا باطنا و الله عند الفلاسفة و المتابعين لهم في قدم العالم كالعبد عند أولئك و إن لم يصرحوا بذلك القول فنسأل الله العافية من هذا المذهب الردي .
قوله (وفي هذا النص معان فلسفية عظيمة منها ان ما ينطبق على الخلق لا ينطبق على الخالق، وانه لا بد من جعل النصوص هي المرجعية لتفكيرنا وليس العكس كما حصل في علم الكلام، وانه ليس في النصوص ما يخالف العقل، فالواجب عرضها بدون حرج ولا خجل، بل بكل ثقة، وترك الأمر للعقول تفكر فيها بعيداً عن الأفكار الدخيلة وعن الثقة المهزوزة أمام هذه الأفكار )
فقد تبين لنا أن القول بقدم العالم تشبيه للخالق بالمخلوق إذ المخلوق عاجزا عن صناعة شيء إلا من شيء و الله عز وجل يخلق من لا شيء و تبين أن أسلاف القائلين بقدم العالم هم الفلاسفة و لا حجة لهم من الشرع و أن المتكلم على مذهب المشبهة و المجسمة قد خالف العقل و الشرع معا فرد نصوصا صحيحة و حمل العقول و النقول ما لا تحتمل و أن الذين صمدوا أمام بدعة الفلاسفة بكون العالم مشاركا لمولانا تبارك و تعالى في القدم و ناضلوا في سبيل ذلك بكل ما أوتوا من قوة مستعينين بالوحي و العقل وبآخر ما توصلت إليه علوم عصرهم المتنوعة هم الذين لفظت نفوسهم التقية و فطرهم السليمة هذه الأفكار الدخيلة على ديننا الحنيف و لم يهتزوا أو يهنوا أمامها .
قوله ( وكان علم الكلام قد قرر ان المادة لا تفنى وانه يعاد تشكيلها، وتبعه في ذلك الإعجاز العلمي بناء على قانون حفظ المادة والطاقة. وارادوا بذلك ان يؤكدوا على ان الله خلق هذا الكون من عدم، )
كلام غريب و عجيب ينقض أوله آخره و البينة على من ادعى فلا أعلم أحد قرر أن المادة لا تفنى و لا تستحدث من متقدمي المتكلمين بل المادة ممكنة حادثة بقدرة الله و بقائها و إعدامها بإرادته و قدرته جل و عز و قد وجه المتكلمون الإسلاميون المعاصرون قول الفيزيائيين بحيث لا يتعارض مع قواطع العقل و الشرع ، ثم إني لا أفهم كون القائلين بعدم فناء المادة و لا استحداثها كيف يقولون بأن العالم و هو كل ما سوى الله تعالى قد خلق بعد عدم بل الأليق بذلك الفلاسفة و متابعوهم القائلون بقدم العالم سواء أكان بالنوع أم أنه قد كانت هناك مادة أزلية خلق الله منها كل شيء و قد طهرنا الله بفضله و كرمه و منته من دنس القولين .
قوله (ولذلك تبنى الإعجاز العلمي نظرية الانفجار العظيم، وان الكون قد نشأ عن انفجار ضخم لكون متناه في الصغر، عندها ابتدأ الزمان والمكان. هذا مع العلم ان هناك نظريات أخرى حول الكون تخالف ذلك. كما ان العلم يتساءل وحالة الانفجار العظيم هذا: وماذا قبل؟ على شاكلة السؤال المألوف وماذا بعد؟ يتساءلون عن الزمان والمكان، وأين حصل الانفجار هذا، وغير ذلك من التساؤلات المثيرة )
قد سبق رد أوهامه فيما يتعلق بالزمان و المكان و أنه قبل خلق العالم فلا وجود للمكان و الزمان و أود أن أشير ها هنا بأن الخلاف في مسألة قدم العالم موجود بين أعاظم الفيزيائيين اليوم و أقوى النظريات و أكابر محققي العلماء يقولون بقول جماهير المسلمين من أهل السنة و غيرهم في هذه المسألة و لك أن تراجع كتاب ( العالم في قشرة جوز ) سلسلة عالم المعرفة - للفيزيائي الكبير المتربع على كرسي الأستاذية في جامعة كامبردج خلفا لأكابر الفيزيائيين كنيوتن و غيره الدكتور ستيفن هوكنغ ففيه تفاصيل ممتعة جدا و له أيضا عدة محاضرات في هذه المسألة و قد تعرض في ثنايا كتابه و محاضراته إلى كون النافين لما توصل إليه من حدوث العالم و اعتبارية الزمان ينفونه بدافع كفرهم بالله و إنكارهم لوجوده و أنهم يرون نظريته مزعزعة للإلحاد الذي هو مسلمة غير قابلة للنقاش عندهم و يعقب ستيفن هوكنغ مصرحا بإلحاده و أن هذه نتائج أبحاثه العلمية و أنه يبحث عن مخرج لمأزق احتياج العالم حسب نظريته إلى خالق و لا يهمنا تفصيل أقواله فمن رام الزيادة فليرجع إلى كتبه و محاضراته ( و من لم يجعل الله له نورا فما له من نور ) ( و من يضلل الله فلا هادي له و يذرهم في طغيانهم يعمهون ) ( يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا و هم الآخرة هم غافلون ) .
و نختم مقالتنا بالتعجب من كون ( عزيز ) يتوسل بنظريات العلم الحديث في علم النفس و الفيزياء و غيرها في إثبات آرائه فيما يختص بالعقل و الكون ثم يصبح غيره من أصحاب الكبائر التي لا تغتفر إن أخذ بهذه النظريات مستأنسا مسترشدا و الله أعلم و أحكم و هو ولي التوفيق ، قوله الحق و هو يهدي السبيل
تعليق