تلخيص كتاب: مفهوم النص، لنصر حامد أبو زيد
بسم الله الررجمن الرحيم
هذا تلخيص لكتاب «مفهوم النص» لنصر حامد أبو زيد.
والكتاب مكون من ثلاثة أبواب ومقدمة، قمت بتلخيصها ماعدا الباب الثالث وهو المخصص -كما يزعم المؤلف- لنقد ما يسميه بمشروع أبي حامد الغزالي، أجلته لاحقا لأنه مبني على ما سبق، ولأن أخطاءه الكثيرة في فهم كلام الحجة لا يمكن اختصارها.
-آثرت في المقدمة تلخيصها على شكل اقتباسات مرتبة حسب الصفحة، مع التعليق عليها تحتها، ثم قمت بتلخيص تلك الاقتباسات ولم أشتاتها على شكل نقاط مرتبة ترتيبا موضوعيا جامعا بناء على وحدة الموضوع ومناسبتها لما بعدها مما هو مسطور في صلب الكتاب، مع الإحالة إلى كل صفحة تم الاقتباس منها.
-أما في العرض، فقد آثرت -لأجل الاختصار- التركيز على أهم النقاط التي يركز عليها المؤلف بصفتها نقاطا أساسية في موضوع يطرقه المؤلف، ومن ألفاظه هو، ولم أتصرف فيها إلا في القليل من أجل الشرح والبيان.
-وكل ما هو موجود داخل إطار الاقتباس فهو من كلام أبو زيد بنصه ولفظه، وغيره من تلخيصي لكلامه، أو من تعليقي على كلامه، شرحا أو نقدا.
-ولا ادعي فيه الغاية القصوى في إبراز الفكرة، فقط بذلت ما أستطيع بذله، رغبة في مشاركة نافعة في بيان حقيقة (العلمانية) من خلال تحليل لكلام أحد منظريها.
وأعتذر للقارئ مقدما على كثرة التكرار والإعادة والتطويل، ولم ألجأ إليه إلا لإبراز الفكرة الواحدة من نصوص متعددة، وهذا الهدف لا يحصل إلا بتكرار الفكرة كلما وردت في كلامه.
-الطبعة المعتمدة هنا طبعة الهيئة المصرية للكتاب، 1990
-تنبيه: ترتيب الصفحات في هذه الطبعة يختلف عن ترتيب الصفحات في طبعة المركز الثقافي العربي.
----------
وهذا تعريف موجز بالكاتب والكتاب:
- نصر حامد أبو زيد، مصري يحمل شهادة الدكوراه في اللغة العربية، وهو علماني ماركسي متطرف، عنده نزعة نفسية حاقدة على الأديان وأهلها بشكل عام وعلى الإسلام وأهله بشكل خاص، أثرت تلك النزعة كثيرا في كتبه على طريقة تأليفه مما أبعدها كثيرا عن المصداقية والحقيقة، ككذبته المعروفة على الإمام الشافعي، وشتائمه التي تطفح بها كتبه حتى تخرجها عما يدعيه من الموضوعية والبحث والعلم.
يتوسل دائما -كما هي عادة العلمانيين- بالطعن في المتدينين من شتى الصنوف للطعن في الدين نفسه، حيث يطعن في العلماء على سبيل المثال لأنهم يقولون بأن القرآن مكتوب في اللوح المحفوظ قبل نزوله واصفا إياهم بالمتخلفين والمشعوذين والملفقين أولا ثم واصفا لحقيقة اللوح المحفوظ بأنه أسطورة رجعية متخلفة!
وهو مع ادعائه الاجتهاد المطلق -كما صرح بذلك في بعض كتبه وبلسانه في مناظرته مع محمد عمارة على قناة الجزيرة في الاتجاه المعاكس- يطمح إلى تطبيق التجارب الغربية والشرقية -في ثورتهم على الكنيسة- على دين الإسلام، داعيا إلى الثورة على دين الإسلام بوصفه كذبة أو (عملية نصب كبرى) *[نقد خ د،ص11] افترتها أيدي العلماء تواطئا مع السلاطين والحكام:
اقتباس:
لا يمكن للعلمانية أن تتأسّس دون الإصلاح الديني الذي لم يتحقّق بعد عندنا، بل تحقّق في أوروبا القرن السادس عشر، سيقول لنا فلاسفة الفكر الإسلاميّ إنّ أوروبا احتاجت الإصلاح الديني بسبب "الكنيسة"، المرض الذي لا وجود له في حضارتنا. وهنا بالضبط يكمن الخطأ، فلدينا كنائس لا كنيسة واحدة، إذا كان معنى الكنيسة وجود سلطة، أو سلطات، تحتكر المعنى الديني، وتكفّر كلّ من يخالف هذا المعنى من موقع: الحوار المتمدن، عنوان المقال: الفزع من العلمانية -فصل الدين عن الدولة/ العدد3054- 5/7/2010
وفي كتابه «نقد الخطاب الديني» يرفض أن يكون «الإسلام هو الحل» لمشاكل الأمة اليوم، ويمتدح العلمانيين الرافضين لذلك الحل، حيث يقول:
اقتباس:
ولعل هذا الطرح يساهم بشكل أو بآخر في ترشيد الجدل السجالي القديم والمستمر من جانب الرافضين لمشروعية شعار «الإسلام هو الحل» وهو الاتجاه الثالث في التعامل مع ظاهرة المد الديني، ... بل هو تيار أصيل في فكرنا الحديث، لعل من أبرز ممثليه من يطلق عليهم اسم "التنويريين"، ويطلق على أصحاب هذا الاتجاه الآن اسم "العلمانيين"... ط3- ص9
وقال فيه:
اقتباس:
والخلاف يتركز حول المقصود من الدين كما يطرح ويمارس بشكل أيديولوجي نفعي من جانب اليمين واليسار على السواء، أم الدين بعد تحليله وفهمه وتأويله تأويلا علميا ينفي عنه الأسطورة ويستبقي ما فيه من قوة دافعة نحو التقدم والعدل والحرية؟ والعلمانية في جوهرها ليست سوى التأويل الحقيقي والفهم العلمي للدين ص11
إذن فالعلمانية عنده هي المذهب الوحيد الصحيح في فهم الدين، وكل المذاهب الأخرى مذاهب باطلة أسطورية خرافية متخلفة.. إلخ، والدين لم تعرفه الأمة الإسلامية من قبل مجيء أبو زيد، بل لم يوظفوا الدين إلا توظيفا نفعيا بمن فيهم نبي الإسلام ص ، بدليل أنه لم يختر دين الإسلام إلا لأن المصالح المادية فرضت عليه أن يختار هذا الدين بدلا عن غيره ليوحد به كلمة العرب ووجودهم الذي كان محاطا بالكثير من المخاطر. (مفهوم النص، ص72-74)
فلو ربطنا وصفه للنبي بأنه اختار الإسلام لكي يدر عليه وعلى قومه الربح الوفير بالنص التالي:
اقتباس:
وكانت الأسطورة أن التقوى تجلب البركة وتدر الربح الوفير اهـ نقد الخطاب الديني، ص11
لوجدنا حقيقة مذهبه العلماني وخلاصته.
ولو ربطنا النص الأخير بالنص التالي فحقيقة نظرته إلى النبي ص و إلى الإسلام تزداد وضوحا:
اقتباس:
تتحدث كثير من آيات القرآن عن الله بوصفه ملكا له عرش وكرسي وجنود، وتتحدث عن القلم واللوح،...وكلها تساهم إذا فهمت فهما حرفيا في تشكيل صورة أسطورية عن عالم ما وراء عالمنا المادي الماهد المحسوس،... ولعل المعاصرين لمرحلة تكون النصوص -تنزيلها- كانوا يفهمون هذه النصوص فهما حرفيا نقد الخطاب، 210
المقصود بالمعاصرين النبي ص وأصحابه كما يدل على ذلك توظيفه لهذا المصطلح في كل كتبه.
إذن، فالنبي والصحابة كانوا يفهمون القرآن فهما خرافيا أسطوريا ليدر عليهم الربح الوفير ... وهذا الاتهام لا نستغربه ممن لا يمانع بأن يصنف كعدو لدين الإسلام، أما أن يصدر ممن يدعي بأنه مجتهد مطلق فهو مرفوض، لا لأنه كفر فحسب، بل لأنه (استحمار) واستحقار للعقل الذي يدعي أبو زيد بأنه يخاطبه، (استحمار) لا مثيل له في تاريخ البشرية، إذ كيف تذم النبي ودينه بهذه الصورة القذرة ثم تعتبر نفسك جزءا من ذلك الدين الذي تصفه بالأسطورة والخرافة؟ أليس الاجتهاد من جزء من ذلك الدين؟ أليس العلماء الذين تصفهم بالمشعوذين هم الذين وضعوا مسمى الاجتهاد وشروطه؟
-وفي الكثير من كتبه ومقاللاته ومحاضراته ينكر -تصريحا- أن يكون هناك حقيقة مطلقة، وينكر أن يكون هناك شيء مقدس، لا الله ولا القرآن ولا الدين!
-وهو في معظم كتبه يكشف عن جهل عميق في أبسط مسائل التراث الإسلامي ينفيه عن أن يكون متدينا عاديا فضلا عن أن يكون مجتهدا، وهو في المقابل أكثر اطلاعا وتطبيقا للمناهج الغربية والإلحادية في نظرتها إلى الأديان.
----------
- أما فيما يخص كتابه هذا، فهدفه منه كما وضح في المقدمة هو إعادة صياغة لمفهومي القرآن والإسلام، حيث يقول:
اقتباس:
إن البحث عن مفهوم النص ليس في حقيقته إلا بحثا عن ماهية القرآن وطبيعته بوصفه نصا لغويا... فالقرآن كتاب الفن العربي الأقدس ص23
ولذلك:
اقتباس:
تستهدف هذه الدراسة تحقيق هدفين، أما أولهما فهو إعادة ربط الدراسات القرآنية بمجال الدراسات الأدبية والنقدية بعد أن انفصلت عنها... وعلى ذلك تقع هذه الدراسة في صميم الدرس الأدبي ص21-22
اقتباس:
فإن بلورة مفهوم للنص قد يزيل بعض جوانب هذا التعتيم ص18
اقتباس:
ومحاولة لاستقطار دلالة التراث لتأصيل مفهوم معاصر للنص ص22
محاولة لاستقطار دلالة التراث لتأصيل مفهوم النص لأنه يرى بأن نص القرآن منتج ثقافي، أي إن مادته ومعانيه "صنعة" و"إنتاج" من تلك الصنعات الثقافية للثقافة التي "شكلت" نص القرآن. وهو ما سأتي بالنص في صلب الكتاب.
أما الهدف الثاني فهو:
اقتباس:
محاولة تحيد مفهوم موضوعي للإسلام، مفهوم يتجاوز الطروح الأيديولوجية ص22.
اقتباس:
"إن دراستنا لمفهوم النص سعي لتحديد ماهية الإسلام ص30
وهو في إعادة صياغته لهذين المفهومين يدعي أنه سيدخل من مدخل اللغة بوصفها تجسيدا لتصورات الثقافة -التي صيغ فيها نص القرآن- وأفكارِها، فيقول:
اقتباس:
ومن الطبيعي أن يكون المدخل لدرس النص القرآني مدخل الواقع والثقافة... الواقع الذي ينتظم حركة البشر المخاطبين بالنص، وينتظم المستقبل الأول للنص وهو الرسول، والثقافة التي تتجسد في اللغة، بهذا المعنى يكون البدء في دراسة النص بالثقافة والواقع بمثابة بدءء بالحقائق الإمبريقية ص27
ثم قال:
اقتباس:
ومن أجل الكشف عن هذا التداخل العلاقي بين النص والثقافة تعتمد هذه الدراسة بصفة أساسية المدخل اللغوي ص28
فهو يرى بأن الثقافة السائدة متجلية في النصوص اللغوية، وبما أن خصمه يتفق معه في أن القرآن نص لغوي فلا مناص له -أي لخصمه- من أن يعترف بأن معاني القرآن ومفاهيمه..إلخ محصورة في تلك الثقافة، ولا تصلح للدلالة إلا في ذلك الواقع لأنها متصلة به، ولو تم توظيف تلك الدلالات في واقع جديد وثقافة جديدة فإن ذلك يفقد كونه نصا حيث يصير هناك (قفز على الواقع) أي انفصام بين الثقافة الجديدة التي حل فيها النص ضيفا و بين الثقافة الكامنة في النص.
وحقيقة هذا الكلام أن دلالات القرآن على الأحكام الشرعية لا تصلح لكل زمان ومكان، بل حتى لا تصلح إلا لزمان واحد ومكان واحد وهو زمان نزول القرآن ومكان تنزله، وهذا ما سنراه لاحقا.
وفي الحقيقة هذف أبو زيد الأهم من هذا الكتاب يتجلى في قوله :
اقتباس:
" إن دراستنا لمفهوم النص سعي لتحديد ماهية الإسلام".
فهو يهدف أولا وأخيرا إلى تغيير معنى الإسلام كله.
وفي تحديده لمفهوم الإسلام ادعى بأن المدخل اللغوي هو مدخله، فقال:
اقتباس:
لا يمكن فهم طبيعة الرسالة التي يتضمنها النص إلا بتحليل معطياته اللغوية في ضوء الواقع الذي تشكل النص من خلاله ص30
فالإسلام كذلك ثقافة عاشت في واقع معين، وتشكل بسبب اختيار الناس له كحل للمشاكل التي كانت سائدة في ذلك الواقع بالخصوص، حتى إن النبي ص نفسه لم يختر الإسلام "لسواد عيونه" بل اختاره لأن الظروف المادية أجبرته على أن يختار هذا الدين -الإبراهيمية- بدلا عن غيره، وهذا ما سنراه منصوصا عليه في الكتاب.
وفيما سيأتي سوف نرى هل التزم أبو زيد في ادعائه بأن هذا الكتاب يمثل دراسة لغوية حقيقية أم أنه جعل اللغة غطاء يتسلل به إلى الطعن في القرآن وإعجازه بما يخالف اللغة نفسها، حتى صار كلامه جدلا فلسفيا عقيما، لا يعتمد لا على اللغة ولا على الثقافة وإنما على الفلسفة الماركسية المادية فحسب؟
----------
أما السبب الذي جعلني أضع هذا التلخيص في قسم علوم القرآن هو أن المؤلف زعم بأن كتابه هذا يخص علوم القرآن، حيث سمى كتابه: «مفهوم النص، دراسة في علوم القرآن».
والحق يقال، إن هذا العنوان عنوان كاذب، لأنه مخالف لمضمون الكتاب الذي يمثل ردا علمانيا على علوم القرآن، فكان حريا به أن يسمي كتابه: «دراسة عن علوم القرآن من خلال كتاب الإتقان»، لأنه لم يتناول إلا مباحث جزئية في علوم القرآن في في كتابي الإتقان للسيوطي والبرهان للزركشي، وهما في الحقيقة بل كتاب واحد إلا أن السيوطي وسع بعض المسائل توسيعا بسيطا، فكتاب الإتقان للسيوطي نسخة عن برهان الزركشي، ثم يأتي أبو زيد ويقول: «في علوم القرآن» موهما بذلك أنه استقرأ علوم القرآن من مصادرها استقراء شاملا، والحقيقة أن علوم القرآن ليست منحصرة في هذين الكتابين، كلا، ولا ادعى ذلك مؤلفاهما، فهذا الزركشي -رضوان الله عليه- يقول بأنه لم يقصد بهذا الكتاب حصر مباحث علوم القرآن، وانه لم يتناول منها إلا ما قدر عليه، بل ما وضعه إلا ليكون مفتاحا لأبواب علوم القرآن، حيث قال في المقدمة:
اقتباس:
ولما كانت علوم القران لا تنحصر، ومعانيه لا تستقصى ، وجبت العناية بالقدر الممكن ... وضمنته من المعاني الانيقة، والحكم الرشيقة، مايهز القلوب طربا، ويبهر العقول عجبا، ليكون مفتاحا لابوابه، عنوانا على كتابه، معينا للمفسر على حقائقه، ومطلعا على بعض أسراره ودقائقه مقدمة البرهان.
و أبو زيد عندما يشتم علماء المسلمين لا يشتم السيوطي ولا الزركشي فحسب، بل يشتم علماء المسلمين كلهم، من فقهاء ومفسرين ومحدثين ومتكلمين ولغويين ...إلخ، قديمهم وحديثهم، ممن ألف في علوم القرآن وممن لم يؤلف، موهما بذلك أنه قد استقرأ علوم القرآن عند كل هؤلاء وعلى جميع المستويات، ولذلك نراه يكثر من ذكر التراث بكل ما تعنيه الكلمة من معنى، مع أنه لم يتابع في كتابه إلا مسائل لا تتعدى أصابع اليد.
فإذا كان العنوان كذبة فما بالك بالباقي؟
----------
رقم الصفحة يليها النص من كتابه:
اقتباس:
12- إن البحث عن مفهوم النص بحث عن البعد المفقود في هذا التراث.
12- لقد تنبه جيل الليبراليين المجددين لأهمية هذا البعد في تراثنا،ولكن صيحاتهم وتنبيهاتهم راحت أدراج الرياح.
12- إن البحث عن مفهوم النص ليس في حقيقته إلا بحثا عن ماهية القرآن وطبيعته بوصفه نصا لغويا، وهو يتناول القرآن من حيث هو كتاب العربية الأكبر، وأثرها الأدبي الخالد، فالقرآن كتاب الفن العربي الأقدس، سواء نظر إليه الناظرون أنه كذلك في الدين أم لا.
في هذا الكلام مقدمة مغالطة، ومصادرة على المطلوب، فلا أحد أصلا يتفق معه على أن القرآن أدب فني.
ومعنى كلامه أن القرآن ليس إلا كتابا أدبيا فنيا فحسب، ولو نظر إليه الناظرون -نظرة تقوم على أساس الدين- أي أنه ليس كذلك في الدين، فلا عبرة بهذه النظرة، بل النظرة الدينية إلى هذا النص لا عبرة بها حتى ولو وافقت، فهو كتاب أدب سواء كان كذلك في الدين أم لا!
وإذا كان الأمر كذلك فهذا يعني أن مضمون القرآن ليس دينا بل فن وأدب فقط، لأن النظرة الدينية لا ينظر بها إلا إلى مضمون ديني، و النظرة الفنية لا ينظر إليها إلا إلى مضمون فني، وبما أن القرآن لا يجوز النظر إليه نظرة دينية بل فنية فمضمونه إذن فن وادب لا دين وشريعة.
والفن لا يكون فنا إلا في حالتين، الاولى أن يكون فاعله (المرسل) قاصدا به أن يكون فنا، بغض النظر عن الستقبل، والثانية أن يكون فنا من وجهة نظر المستقبل حتى ولو لم يقصد المرسل جعله فنا، أي يكون اعتبار الفنية فيه خارجا عن مقصود المرسل وراجعا إلى مقصود المستقبل، وما يتوافق مع كلامه السابق هو الحالة الثانية، فإرادة الله من كلامه ملغية، والعبرة بالنظرة الفنية للقرآن الخارجة عن مقصود المرسل (الله).
والفن في الحالة الثانية يصنف علميا ضمن أبواب النقد الأدبي، أي إن المتلقي عندما يستقبل النص يجد فيه من التفنن ما لم يكن يقصده الفنان نفسه، فالوظيفة هنا -في تذوق مواطن الجمال وإبراز المعاني الفنية الجديدة الإبداعية- ليست وظيفة المرسل ففد عبر المرسل واستقال عن نصه، بل الوظيفة هنا صارت للمتلقي فحسب، تماما كما نشاهد في الفنون التي تنتجها النحلة مثلا، فهي غير واعية بالمعاني الفنية التي تنتجها في بناء مساكنها، ولكننا نجد لفنها معان جديدة غير الذي قصدته النحلة، بغض النظر عن أن النحلة قصدت ذلك التفنن أو لا، فشعورنا بجماليات فنها لا يتوقف على مغرفتنا لمقصودها من ذلك العمل الذي قامت به...
ولو طبقت هذه النظرية على القرآن فالنتيجة واضحة، وهي تحييد لإرادة الله من رسالته وتفريغ للقرآن عن مضمونه، وجعله مباحة أم كل إنسان يأخذ منه ما يشاء و يترك منه مايشاء متأولا للقرآن على هواه وعلى وفق مايحب ويشتهي، فضلا عما يدل عليه من إلغاء لإعجاز القرآن، وكل هذه النتائج التي يدل عليها كلام أبو زيد ليست تقولا عليه، بل إنه ينص عليها في معظم كتبه نصا حرفيا، ومنها هذا الكتاب.
وكلامه التالي لو لم يفهم على هذا النحو فسوف يجده القارئ متناقضا وغير مفهوم، أو سوف يجده غير مترابط ولا منظوم، وهو ليس كذلك، بل هذا هو الأسلوب المفضل لدى العلمانيين في الإيهام والإبهام.
وتتميما لما سبق أكمل شارحا:
اقتباس:
12- وهذا الدرس الدرس الأدبي للقرآن في ذلك المستوى الفني -دون نظر إلى اعتبار ديني- هو ما نعتده وتعتده معنا الأمم العربية أصلا، العربية اختلاطا، مقصدا أول وغرضا أبعد.
فلا عبرة بالدين في دراسة القرآن، ولا عبرة بالنتائج المبنية على النظر الديني للقرآن، وهذا مما أجمعت عليه الأمة الإسلامية قاطبة، عربيها وعجميها، والأمة الإسلامية كانت ولا زالت تعتد بدراسة (أبو زيد) للقرآن دراسة فنية أدبية مجردة عن المنطلقات الدينية.
إذن، يجب أن ننحي قواعد الدين جانبا في دراستنا للقرآن حتى نفهمه بالطريقة العلمانية المفضلة.
وليت شعري كيف له بهذه الجرأة حتى يدعي بأن الأمة كلها مثله لا تعتد بالدين مع أن الكثير من علماء بلده كفروه بهذا الكلام حتى طردوه خارج بلده؟ وإذا كان هذا حال علماء عصره -مع قلة بضاعتهم بالنسبة للأسلاف- فما بالك بعلمائنا القدماء؟
مثل هذه الكذبات «الأسطورية» تشكل ملمحا أسلوبيا في أدبيات الخطاب العلماني بشكل عام و خطاب أبو زيد بشكل خاص.
ولا أدري كيف انقلب الأمر في رأسه بعد أن كان: (البعد المفقود في هذا التراث) حتى صار: (تعتده معنا الأمم العربية)!
ثم أكمل النص السابق قائلا:
اقتباس:
13- ثم لكل ذي غرض أو صاحب مقصد بعد هذا الوفاء بهذا الدرس الأدبي أن يعمد إلى ذلك الكتاب فيأخذ منه ما يشاء ويقتبس منه ما يريد.
هذه الجملة تصوب فهمي للكلام السابق، فهي نتيجة طبيعية من نتائج النظر الفني في القرآن، فبما أنه فن إذن يجوز لكل واحد أن يفهم هذا الفن كما يحب ويشتهي، تبعا لمشيئته هو لا لمشيئة المرسل وإرادته منه، لا يجوز النظر إلى القرآن لمعرفة مراد اله منه، بل لمعرفة مرادنا نحن منه... فتأمل، وهو ما يطلق عليه أبو زيد مصطلح (القراءة) أو (التأويل) للنصوص الدينية.
سوف يكون كتاب مفهوم النص برهنة على أن القرآن كتاب فن و متعة لا كتاب دين وشريعة، إن شئت أن تأخذ منه شيئا فلك ذلك، وإن لم تشأ فلك ذلك.