تعريف عام بأهل الدعوة والتبليغ (وقوفا على رغبة الإخوة السائلين)
بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله , وبعد :
لقد كتب أحد الإخوة استفسارا عن أهل التبليغ في الرابط أدناه تحت عنوان (هل أحد يعرف هذه الجماعة ) :
http://www.aslein.net/showthread.php?p=51998
وطلب آخرون شيئاً عن أهل الدعوة , فسأكتب ما تيسر نزولاً عند رغبتهم , أسأل الله أن يوفقني لذلك .
وأبتدأ برسالة كتبها أحد المبلغين لرفقائه في الدراسة الشرعية حثاً لهم على مشاركة أهل الدعوة , فقال :
بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته أما بعد ...
فإنني أحمد إليكم الله الذي لا إله إلا هو وهو للحمد أهل ... وأسأل الله سبحانه وتعالى أن يصلي ويسلم ويبارك على من ختم به النبوة والهدى ، النبي محمد بن عبد الله صلاة وسلاماً وبركة تخصه وتشمل مع إخوانه من النبيين والمرسلين وتشمل الآل والأصحاب الطيبين الطاهرين وتلحق بركتها الأتباع المخلصين إلى يوم الدين ... آمين .
وبعدُ ... فيكتب إليكم قلمي كلاماً خاصاً جداً في أمرٍ عامٍ جداً بشأن ما شاهده العبد الفقير ، ووصلت إليه تجربته الطويلة مع أهل الدعوة والتبليغ ... خلال خمس وعشرين سنة تقريباً آخرها الآن - نسأله سبحانه حسن الخاتمة - حضوري مؤتمر رايوند أو اجتماع رايوند السنوي الكبير في أواخر شعبان من هذا العام الواحد والعشرين بعد الأربعماية والألف الهجري .
وقد تعجبون من قولي )) خاص جداً (( ولا عجب إذ أنني أتكلم بكلام دقيق يهتم به أعداء الإسلام لإهتمامهم بجماعاته الإسلامية الدعوية -إن اللبيب من الإشارة يفهمُ- فهم الذين يهتمون بالدراسات التحليلية الدقيقة والأخبار التفصيلية عن العاملين للإسلام ويقدمونها لأجهزتهم ومؤسساتهم ليشيروا بعد ذلك على إخوانهم الذين يلفون أو يدورون في فلكهم وليوحوا إليهم بخطط الصد عن سبيل الله تعالى . وأنا أقول هذا وأعرف ما أقوله - بفضل الله تعالى - فقد رأيتُ من هذا الكيد في مصر والجزائر والشام - بلبنانه وفلسطينه وأردنه - وفي العراق وفي غير هذه البلاد كباكستان والجمهوريات الإسلامية رأيت ورأى المطلعون - على حقائق الأحوال وخفيّ الأخبار - عجبا ...
وإن جماعة كبرى عمّت أنحاء العالم كلّه بدعوتها واجتماعاتها وتأثيراتها وتضحياتها وتقدمها يوماً بعد يوم ووحدتها وإخلاصها وتواضعها - إن جماعة كهذه لم يكن مستغرباً أن تلفت نظر أهل الدراسة والتخطيط واهتمامهم العجيب بهذا الجهد ومخارجه وحقيقته ومستقبله وأسرار امتداده وانتشاره وسر تأثيره السحري ليس على الفاسقين أو المرتدين من المسلمين فحسب بل تأثيره على غير المسلمين في شتى البلاد الشرقية والغربية والآسيوية والإفريقية ، تأثيره عليهم من غير دعوة لهم بل بمظهرهم الديني وبأذانهم وصلاتهم في المجامع السفرية وفي كل مكان كالقطارات والطائرات وغيرها ...
وأما كون ما أكتبه عام فلأنه يخص كل مسلم يهتم بتأسيس هيئة دعوية ومؤسسة حِسْبِيّة تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر على بصيرة وبحكمة وصبر ... هيئةٍ تتجاوز الأخطاء وتأخذ بحكمة الحكماء وتزداد من الهدى وتحارب الردى.
1- ((إشارات عجيبة))
" نعم أعجب عجباً شديداً عندما يُنمى إليّ خبر دخول ضابط عربي يأخذ دورة عسكرية في واشنطن يدخل مع زميله الأمريكي في زيارة للبيت الأبيض فيلفت نظره أن خريطة العالم المعلقة على الجدار فيها نقطة حمراء على خريطة باكستان فيقبل عليها فيجد مكتوباً عليها اسم (رائي وند) !!.
" وتعجب أكثر عندما يصرح أحد رجالات الـ (C I A) لأحد إخواننا الثقات وكان يدرس هناك - وهو يصرح له : أنني أراقبكم من أربع سنوات وأدخل معكم وأخرج بصحبتكم وأستمع لكم فلم نجد الذي يحدثني- عليكم شيئاً يكون ممسكاً لنا لمنع هذا العمل . وقال : إن حكومتنا تريد منع هذا العمل لكنها لا تستطيع ذلك ولا تجد لذلك طريقاً وقال أيضاً : إن حكومتنا تريد أن توحي إلى الحكومات التي منعت هذا العمل من المساجد أن تعيد السماح له في المساجد لأنه أصبح أقوى أثراً وغدا أوسع انتشاراً عندما انتقل إلى البيوت فأصلح الأُسَرَ وازداد منه الأثر وأسلم ذلك الرجل سراً .
" وتعجب أكثر عندما تسمع أحوال منع نشاط الدعوة في كثير من البلاد وكمثال :
1. منعها من دخول الهند بأوامر الحكومة الهندية وقد رأيت مئات من الذين منعوا دخولها هذه السنة ، وبعضهم قد سجن ... والذين يدخلون إنما يدخلون فرادى بشكل سياحي ، وسبب الدخول حضور مؤتمر "بوبال" الدعوي الكبير هناك .
2. منع الحكومة الليبية لهذا الجهد وحربها له بكل وسيلة تستطيعها ومحاكمتها لأهله غيابياً ....
3. منع الحكومة الأرتيرية له وسجنها بعض الجماعات الباكستانية والتي أصبحت في عداد المفقودين لا يدرى أقُتلوا أم لا زالوا في غياهب السجن .
4. منع الحكومة السورية له من ما يقارب العشر سنوات .
5. منع الحكومة العراقية له لخطر هذا الجهد على البعثية الحكومية
6. والآن بدأ يعود جهد الدعوة والتبيلغ إلى المساجد في العراق وسوريا من جديد هذه الأيام بفضل الله تعالى .
" وتعجب أكثر من رؤية حاجة المجاهدين في الجبهتين في الشيشان وأفغانستان لهذا العمل .
" فمنذ سنتين يبعث الأخوة الطالبان : أننا قمنا بتطبيق الشريعة في الظاهر على الشعب والشارع الأفغاني ، لكن لم نستطع أن ندخل الإيمان إلى قلوبهم وبيوتهم فابعثوا إلينا بألف جماعة تنتشر في أفغانستان يساعدوننا على ذلك - ثم يأتي القادة الطالبان ويخرجون في سبيل الله تعالى.
وكذلك الأخوة الشيشان يأتون وقائدهم معهم ويخرجون في سبيل الله ويستقبلهم في المطار الشيخ الرباني عبد الوهاب أمير الدعوة في باكستان .
" وتعجب أكثر وأكثر عندما تجد أن البلاد التي يقوم فيها جهد الدعوة والتبليغ تقوى فيها شوكة المسلمين وإن كانوا قلة مثل ( سيريلانكا) ، وجنوب أفريقيا ، وأمريكا الوسطى ، والجنوبية ، التي تشمل فنزويلا ، البرازيل ، والأرجنتين ... بل ووصول بعض هؤلاء المسلمين إلى الحكم بعد انتشار الدعوة كما سمعنا عن جزيرة (موريشوس) في أمريكا الوسطى.
" وتتعجب عندما تعلم أنه كان لهذه الدعوة دور كبير في إطفاء نار الفتنة والحرب الأهلية بين قبائل المسلمين التي استمرت خمسة عشر سنة في الصومال الحبشي وشارك بعض مشايخ الدعوة من باكستان (الشيخ جمشيد) بجمع رؤساء هذه القبائل في مؤتمر الدعوة السنوي في الصومال ...
" وتتعجب أكثر عندما تعلم أنه قبل سنتين في اجتماع (رائي وند) حاولت بعض الجهات المشبوهة (والتهمة للشيعة) أن تفجر المؤتمر بسيارة كبيرة مفخخة , لولا ستر الله تعالى ونصرته بإنزال المطر الشديد والسيول التي حملت أهل المؤتمر على المغادرة خلال ست ساعات من ميدان الإجتماع الكبير إلى المركز وإلى المساجد المحيطة بالمركز في (رائي وند) وحصل من ذلك خير كثير واندفع شر كبير برحمة الله العليم الخبير .
2- ((الأحوال الدينية))
فهي أعجب وأوضح وأظهر للناظر وغير الناظر - وأقول غير الناظر لأنه يسمع من هنا وهناك ما تتواتر به الأخبار التي توضح النتائج المترتبة على هذا الجهد الدعوي من المساجد وإلى المساجد.
ومن الممكن اختصار هذه الأحوال المهمة بل التي في غاية الأهمية بما يلي :-
1. انحسار المدّ التنصيري في أندونيسيا ، وأفريقيا والذي شمل عشرات الملايين من المسلمين وبدء الإتجاه المعاكس وهو اندفاع غير المسلمين تجاه الدخول في دين الإسلام أفواجاً ، ولقد عاد إلى الإسلام من أولئك المرتدين أعداد كبيرة منهم بالملايين آحاداً وعشرات .
" وتعجب عندما تتأكد أن إحدى الجزر الإندونيسية - وكانت مستعمرة هولندية- وعددها يقارب (3600 نسمة) قد تنصر عامتهم بل جميعهم فجاءتهم جماعة داعية مبلغة وعرفت أحوال الجزيرة من إمام المسجد الذي يصلي لوحده كيف تنصر أهل الجزيرة فاجتهدت الجماعة بالجولات والزيارات وجمعت عامة الناس في المسجد فكان من فضل الله علينا وعليهم أن عاد جميعهم إلى دين الإسلام .
" وتعجب عندما تعرف أن إحدى المدن في غينيا - والتي تنصر أهلها - فبزيارة جماعة دعوية من المغرب عاد منهم أربعون بيتاً إلى الإسلام ، وفي هذه الجماعة والد أحد الأشخاص الذين أعرفهم معرفة طيبة ، ووالده من حفاظ كتاب الله ومن الدعاة المجتهدين .
" وتتعجب عندما تعرف أن مئات الشباب قد تنصروا في الأردن بإغراء المال والزواج , وأن من عاد من هؤلاء يحكي عجباً عن بعض "الخوارنة" الذين يمرون على مركز الدعوة والتبليغ الرئيسي ويقفون أمامه يصلون ويتمتمون بكلمات يدعون عليه أن يُعطّل جهده ، لأنه أصبح العقبة الوحيدة أمامهم .
وتتعجب أكثر وأكثر عندما تسمع عن إحدى الجماعات التي خرجت إلى إفريقيا , فوصلت إلى مقاطعة تضم أكثر من خمسين قرية مسلمة , وقد تنصر أهلها عن بكرة أبيهم , فنزلت الجماعة عندهم لمدة أربعة أشهر , فلم يمض شهرين إلا وقد رجع منهم إلى الإسلام عشرون قرية , فلما وصلوا إلى القرية العشرين , قال لهم أهلها بأن يذهبوا إلى مكتب التنصير الذي كان سببا في تنصير هذه القرى , فذهبوا إليه , فوجدوا فيه منصرا , فلما تكلموا معه فإذا هو مسلم قد تنصر , فرجع إلى الإسلام مباشرة عندما رأى الجماعة , وقال لهم بأن يرجعوا إلى هذا المكتب بعد أسبوع , حتى يلاقوا المرأة التي نصّرت جميع تلك القرى , فلما رجعوا بعد أسبوع , فإذا هي عجوز شمطاء قد بلغت من الكبر عتيا , فتكلموا معها عن الإسلام والنصرانية وحصل بينهم نقاش , ثم قالت لهم : وهل رجع معكم أحد إلى الإسلام ؟ قالوا : نعم , عشرون قرية , وسنكمل باقي القرى إن شاء الله تعالى , فقالت : منذ كم وأنتم هنا في إرجاع المسلمين إلى دينهم ؟ فقالوا : ما يقارب شهرين , فأخذت هذه العجوز تغرف التراب عن الأرض بكلتا يديها وتضعه على رأسها وتصرخ وتتحسر قائلة : لي في هذه المنطقة خمسون سنة وأنا أنصر المسلمين , وأنتم أرجعتموهم في هذه المدة البسيطة!!
2. عودة شعوب الجمهوريات الإسلامية الواقعة سابقاً تحت حكم الإلحاد الشيوعي إلى الإسلام . ودور الجماعات الدعوية التي تخرج إلى هناك كالجماعة التي خرجت من الأردن إلى طاجكستان فوجدوا الناس - من جهلهم بحكم الشريعة- يقدمون الخمر كأفضل ضيافة للضيف ، فجلسوا عندهم يعلمونهم الدين والصلاة والشهادتين والوضوء والحجاب من بعد صلاة الفجر يومياً إلى منتصف الليل، وفي الجماعة من أعرفه من الإخوة من عمّان وهو الذي حدثني .
3. فشل سياسة الإبتعاث والهجرة والتذويب للمسلمين في المجتمع الغربي (أوروبا والأمريكيتين) حيث يعود هؤلاء بقوة للإسلام على يد هذه الجماعات الدعوية بالدرجة الأولى ، والواقع في هذا الأمر أكبر من أن يُكذّب أو أن يشك فيه . وفي هؤلاء المهاجرين من أصبح نصرانياً أو من زوج بناته لنصارى . ومنهم من غاص في الفساد وبيع المحرمات وإقامة الملاهي . ولقد أصبحت زياراتهم وسعيهم الذي يبحثون به عن بيوت المسلمين في دليل الهواتف معرض نكتة حيث أصبح يقال: (اثنان لا تدلهم على بيتك لأنهم سيصلان إليك لا محالة:- ملك الموت فإنه يعرفك ، وجماعة التبليغ فإنهم سيصلون إليك). فكم ممن تغرّب في بيئة الكفر أصبح يبكي عندما رآهم وتأثر بهم وخرج معهم وغيّر منهج حياته وغدا نواةً لجهدٍ جديد على إصلاح المسلمين في دولته ومنطقته ليبنوا المساجد ويجددوا دينهم من جديد .
وتضحياتهم في قطع المسافات الطويلة ليصلوا إلى كل مسلم في أرض الغربة ... باتت معروفة يعرفها الصغير والكبير .
4.وبسبب هذه التضحيات رأينا عشرات المساجد في الأردن منها ما كان أغلق وصدأ قِفْلُهُ ومنها ما كان يُؤذّن فيه ولا يصلي فيه إلا الإمام (وفي بيته وسكنه) قد عاد عامراً بالمصلين من الشباب والشيوخ. وبسبب هذه التضحيات والجولات والزيارات العامة والخاصة أقيمت المساجد في مهد معاقل التنصير (فرنسا وبريطانيا وإيطاليا) .
5. وأما جهدهم على الفساق - ومن هم الفساق؟- فإن أول ما يتبادر إلى الذهن دائماً أن الفساق هم أولئك الشاذّون من أهل الشوارع والذين يعمرون أماكن اللهو والفساد ، وننسى أن أهل الدنيا عموماً الذين تركوا الدين إقامةً وجهد الدين دعوةً هم الفساق ، وإن كانوا محترمين في أخلاقهم وبيوتهم وأعمالهم وأموالهم . و أهل الدنيا هؤلاء - سواءً كانوا من أهل الشارع أو من عمّار البيوت - هم الشريحة الكبرى في المجتمع الإسلامي .
ترى من لهؤلاء البعيدين عن طاعة الله ...؟؟ ونحن اعتدنا بكسلنا أن نركز على الطالبين الراغبين اعتدنا أن نأمر بالمعروف وننهى عن المنكر داخل المسجد ( وبأسلوب ما) ؟؟
إن كثيراً من الأخوة من طلبة العلم يقولها بصراحة (( أننا لا نستطيع أن نقوم بجهد الشوارع والأسواق وزيارة البيوت)) ، غير أن أحباب الدعوة عندهم من الهم والفكر والجهد ما لا يقف أمامه شيء تراهم في المواقع العليا في دنيا الناس وتراهم أيضاً في المواقع الدنيا فحيثما وجدوا يشتغلون بدعوة الناس في المساجد والشوارع والمكاتب والبيوت مع الكبير والصغير بأخلاقهم وتعاطفهم وتراحمهم يتحبّبون إلى الكبير والصغير والقريب والبعيد
6. لقد اطلعت بنفسي على حملة الشهادات الجامعية في الشريعة (ماجستير) وهم مدرسون غير أنهم تركوا الصلاة إما تركاً كلياً أو تركاً للجماعة فاجتهدنا في نصحهم فأتى بهم الله سبحانه وتعالى إلى الهداية ولم يكن ينقصهم علم ، ولكن ببركة امتثال أمر الله تعالى بالجهد لدينه والحركة على عياله ... ومثل هؤلاء كثر ... أنت تسمع هذا وتبقى متحيراً لا تدري ما تقول ... أناس بسطاء في كل شيء يتحركون على جميع الناس ... المثقفين وغير المثقفين ... وأحياناً يتكلمون مع من هو أعلم منهم بكلام بسيط ومتواضع ولكن قد يسبقه دعاء أو قيام ليل ونية صادقة وحرقة... ويجعل الله في كلامهم الأثر والبركة والهداية ... لقد رأيت هذا بعيني .
3- (( كنا نظن))
" كنا نظن أنه عمل متخاذل عن الدعوة الإسلامية السياسية والجهادية فاكتشفنا أنهم يبنون البناء الهادئ الواثق الذي لا يهتز أو لا يرتد عن دينه مفتونا .
ويجمع بين المَثَلَيْن - مَثَلُ فهمهم وبنائهم ، ومَثَلُ الفتنة والردة من ضعفاء الإيمان - تلك الجماعات الدعوية المهاجرة التي خرجت في سبيل الله بعد هزيمة حزيران عام 67 إلى فلسطين والأردن وكانوا يمرون على بعض المخيمات فيقولون للاّجئين بالحكمة تعالوا معنا إلى المسجد فيقول بعضهم لا نذهب ولا نصلي وقد ضاع الأقصى وذهبت القدس هذا من عوام الناس وأكثرهم هم العوام والذي حدثني هو ممن خرج في هذه الجماعة المذكورة واسمه الشيخ " شمس الحق " وهو من الأحباب في مدينة بيشاور وهو من قدامى الدعاة الذين صحبوا الشيخ محمد يوسف رحمه الله .
والجماعة الثانية التي خرجت في الأردن وفلسطين في نفس الفترة كان فيها الشيخ "إحسان الحق" المعروف قال - وقد دخل على جماعتهم الفدائيون بالسلاح - (تعالوا واجلسوا واسمعوا كلامنا ونحن لا نخاف من سلاحكم هذا) فجلسوا فقال لهم : (بعض الناس يقولون جماعة التبليغ تقول لا جهاد وتنفي الجهاد وهذا ليس صحيحاً نحن نقول جاهدوا ولكن على ترتيب النبي صلى الله عليه وسلم ، وقال مثلُ ذلك كمثل رجل قال لولده: (اذهب فصلّ في المسجد). فذهب ودخل ليصلي فقال له الإمام : (لا تصل حتى تتوضأ). فعاد الولد يقول لوالده : (إن الإمام يقول لي لا تصل)!!. وقال لهم : (لو صلى هذا وقام بحركات الصلاة وأدعيتها في الظاهر أتصح صلاته ؟؟؟). قالوا : لا لأنه لم يقم بشرطه وترتيبه فقال الشيخ إحسان : (ونحن نقول كذلك أن الجهاد يحتاج إلى ترتيب النبيّ (ص) فشكروه ونصحوا الجماعة تحذيراً من بعض الطرق غير الآمنة وذهبوا.
" ورأيناهم في واقع الأمر يتكلمون في عموميات السياسة ويأتي ذلك في كلامهم وبياناتهم لكن لا ينتبه لذلك إلا الذكي ((والذكي عزيز)) والمعترض عليهم والمستمع إليهم إنّما يبحث عن خصوصيات السياسة وتصريحاتها الواضحة ولا يبحث عن ذلك ليغيّر شيئا ولكن ليشبع هروبه وعجزه عن فعل أي شيء فهو ينشرح للنقد والشتم والتصريح فقط .
" بل فهمت أنهم يطبقون الحكمة النبوية الواردة في حديث عبد الله بن عمرو في غربلة الناس وأوله ((كيف بك يا عبد الله بن عمرو إذا بقيت في حثالة من الناس ، قد مرجت عهودهم وأماناتهم واختلفوا فصاروا هكذا ، وشبك بين أصابعه))، وفيه ((دع عنك أمر العامة)) وهو السياسة العامة تتكلم فيها بين الناس ، أما كلامك فيها مع الصديق المخلص ، والصاحب بالجنب ، وخلال أهلك وأسرتك فلا بأس .- بل الواقع أن كل الناس من غير استثناء يتكلمون في عموميات السياسة وخصوصياتها .
فغدوت أعذرهم سواءً اقتنعت برأيهم أو لم أقتنع فحجتهم سائغة وأمرهم قريب من الحق... لقد رأيت حكمتهم هذه أعجزت الأعداء وحيرتهم أن يجدوا إلى هذه الدعوة سبيلا . ووجدتُ من خالف هذه الحكمة من الجماعات ينحسر مدّه في الساحة ويُضيّق عليه ووجدتُ من وافقها وأخذ بها يمتد في ساحته وغيرها ويسجل انتصارات دعويّة جديدة - وفي النهاية مقصدهما واحد وإن اختلف اجتهادهما وسعيهما ومقدار ثمرة سعيهما.
5- (( وحدة الجماعات الإسلامية))
[COLOR="navy"]((ضروريات الأمة - في واقع حالها البالغ الضرر- هل تلزمنا بالوحدة التنسيقية فنتعاون التعاون الشرعي الواجب مع هؤلاء الدعاة أو أنها تلزمنا بالوحدة الإندماجية فنندمج في إطار واحدٍ ونعمل سوياً))
وهل يمكن إقامة جهد دعوي بديل عن هذا الجهد بمثل حكمته..!!؟؟
لاشك أنه إن خَفِيَ واقع الأمة الكلي على آحادنا فهو لضعف العلم بأحوالها وضعف والإطلاع عليها ، لكن من عرف أحوال المسلمين ولم تؤثّر وتثمر فيه هذه المعرفة فلضعف نور العلم والبصيرة ، وهنا يأتي السؤال هل تجب الوحدة الشرعية تجاه هذا الواقع لأداء فروض الأعيان من الجهاد في سبيل الله ، والدعوة إلى سبيل الله تعالى ، وإقامة دين الله تعالى . وما مدى كون الخلاف مانعاً من ذلك وهل يمكن بحثه قبل ذلك أو يمكن تأجيله أو يلزم بحثه مع التعاون في وقت واحد .
المخلص الغيور يرى بحثه (مع) وما لا يمكن بحثه (مع) فإنه يبحث (بعد) لأن وجوب (سارعوا،سابقوا،بادروا) وجوب مؤكد وهو في غاية الضرورة الآن إذ أنه (إنقاذ ، وإسعاف ، وإغاثة) من انحدار خطير تنحدر إليه الأمة بجملتها من غير استثناء لفرد أو لجماعة . ولكن تبدأ الوحدة بالتنسيق والتعاون والتفاهم والله وليّ هؤلاء المتعاونين (بالتوفيق ، والحنان ، والنصرة) فيؤلف بينهم (قلوباً وقوالباً) يتحابون فيتفقون ، يُخْلِصون فيَخْلُصُون .
وإذا كانت الحركة الإصلاحية بالأمر والنهي والدعوة والتبليغ والنصح والتذكير والتواصي متعيّنةً علينا وجوبها ، ومركزها المساجد ((من المساجد وإلى المساجد ننطلق منها ونرجع إليها ونتربى فيها)) فهل يمكن إقامة هيئة بديلة أو ترتيبٍ بديلٍ عن ترتيبات هذه الدعوة السائرة ؟؟؟.
الجواب عن هذا السؤال بعد تأمل سنوات وليس ساعات !!
بعون الله تعالى: إن تجربة هذا الجهد الطويل مع الخبرة الكبيرة في ميدان الدعوة والأمر والنهي وأعني بالخبرة ما يمر على الداعية من أحوال في البلاد والعباد وكيفية التعامل مع هذه الأحوال بلين ورفق وحكمة وصبر لا يمكن أن يستغنى عنها بل لابد أن يستعان بها فيضع الداعية خبرتهم بين يديه ، ويضع ذا الخبرة عن يمينه بكل تواضع ويسيران بشراع المحبة تحدوهم همّة الغيرة على نصرة الدين فيتقاسمان ألا يسكنا في حال وألا يفترا وألا يرجعا عن هذا السبيل وهذا التناصر حتى يعود الدين عزيزاً إلى حياة الأمة تجديداً .
6- ((قضية الخلاف في التسمية في الأمور المختلف عليها , وقضية التحديدات للمدد ونحوها ))
فإذا قيل لنا: (هذه الجولة للدعوة ونريد أن تتجول للدعوة) .. فإننا نعبّر عن حرجٍ نجده في أنفسنا تجاهها ونحكم عليها متسرعين بالتخلف والإزعاج !!
فإذا قيل لنا: (نتواعد ونلتقي في المسجد ثم نخرج زيارات إلى المسلمين في بيوتهم وأسواقهم ثم نرجع إلى المسجد) .. فإننا نوافق ولا نجدُ في ذلك حرجاً ولا غيرها وهكذا نختلف على الألفاظ من غير تحقيق للمعاني ..!! والله المستعان .
وهنا وجدتهم في باكستان يُسمّون الجولة بالزيارات العمومية ... ويسمّون الزيارات المحددة بالزيارات الخصوصية وهو اصطلاح جيّد ولا مشاحّة في الإصطلاح .
" وهكذا الأمر في ترتيبات مُدَدِ الخروج للدعوة والتمرين عليها ... فإنك إن قلت للناس: (أخرجوا مدداً مفتوحة أو لا ترجعوا الا للضرورة المعيشية لكم ولأهليكم ... أو لا ترجعوا حتى يقام دين الله تعالى وتشفى صدور قوم مؤمنين) فإنهم يثورون عليك لأنك تخرّب دنياهم علماً أنك لم تأمرهم بتركها ، ولكن أمرتهم بالتضحية لأجل الدين وتقديمه عليها .
وإذا قلت لهم: (اخرجوا ثلاثة أيام أو أسبوعاً أو شهراً أو أربعين يوماً ... أو قلت لهمك قدموا عُشر أعماركم للدين وخدمة الدين ونصرة الدين ..) قالوا : (أنت حدّدت لنا فمن أين جئت بهذا التحديد ...؟!)
" أما مُدد طلب العلم الشرعي ، ومُدد السفر للحج والعمرة ، ومُدد التدريب على الجهاد في سبيل الله وغير ذلك فلا بأس عند المعترض بتحديدها أو قُل بترتيبها من باب ترتيب الوسائل لا من باب التعبد فالله المستعان وهو الهادي إلى سواء السبيل.
والدعوة ، وطلب العلم الشرعي ، والعمرة والحج ، والجهاد في سبيل الله تعالى - وهذا الأمر أعجب وأوجب - كلّها تحتاج في تطبيقها مع المُدد الوقتية إلى وسائل لتنفيذها والوصول إليها ... وهذه الوسائل تتطوّر مع تطوّر وسائل الحياة ، فالدعوة لها وسائل قديمة ووسائل حديثة عصرية, وطلب العلم أيضاً ، ووسائل الوصول إلى الحج والعمرة ، ووسائل الجهاد والقتال أيضاً وكلّها تتطور وسائلها مع ثبوت أحكامها الشرعية الأصلية .
" ولك أن تسأل متى أدركنا أن العبادات التي لها وسائل تتطور وسائلها مع وسائل الحياة ؟؟
وعليّ أن أجيبك - وفي الجواب أسفٌ - أننا فهمناه لما فهمنا الله تعالى إياها .. فالفهم منه ومن خزائنه سبحانه وأنه سبحانه فهّمنا إياه عندما نزلنا إلى الدعوة في الميدان ... نعم عندما شاركناهم في الدعوة الميدانية في كل ميدان والله المستعان ...
تراجم أئمة الدعوة والتبليغ
[RIGHT][LEFT][RIGHT]تراجم أئمة الدعوة والتبليغ
أبتدأ بذكر ترجمة المجدد الأول الإمام الياس الكاندهلوي , ومن ثم سأذكر تراجم أهم الشخصيات التي كان لها الأثر الأكبر في تجديد عمل الدعوة والتبليغ ونصره ونشره وتأييده والحث عليه ومؤازرته , وقسمت هذه التراجم إلى ثلاثة أقسام :
أولاً : شيوخ الإمام الياس الذين قاموا بنصرة عمله والحث عليه ومؤازرته .
ثانيا :أصحابه ومحبوه .
ثالثاً : تلامذته .
علما بأني سأذكر المراجع عند إنهائي للموضوع بأكمله .
ترجمة الإمام الشيخ محمد إلياس الكاندهلوي
( رئيس شعبة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في جامعة ديوبند "أزهر الهند" )
الإمام الرباني مجدد الدعوة إلى الله على نهج النبوة ...
رجل نحيف تشف عيناه عن ذكاء مفرط وهمة عالية ، علي مجهه مخايل الهم والتفكير والجهد الشديد ، ليس بمخوط ولاخطيب ، بل يتلعثم في بعض الأحيان ، ويضيق صدره ف ولاينطلق لسانه ، ولكنه كله روح ونشاط ، وحماس ويقين ، لاسيأم ولايمل من العمل ، ولايعتر به الخطور ولا الكسل رأيته في حالة عجيبة من التألم والتوجع ، والقلق الدائم ، كأنه علي حسك السعدان يتململ السليم ويتنفس الصعداء ،...
لما يري من حوله من الغفلة عن مقصد الحياة وعن غاية هذا السفر العظيم ، وافقته في السفر والحظر ، فرأيت ونواحي من الحياة لم تنكشف لي من قبل ، فمن أغرب ما رأيت : يقينه الذي استطعت به أن أفهم يقين الصحابة فكان يؤمن بما جائت به الرسل ايماناً يختلف عن ايماننا اختلافاً واضحاً كاختلاف الصورة والحقيقة ، ايماناً بحقائق الإسلام أشد وأارسخ من ايماننا بالماديات وبتجارب حياتنا ، فكان كل شيء صح في الشرائح وثبت من الكتاب والسنة حقيقة لايشك فيها ، وكانه يري الجنة والنار رأي العين .
وكان لسلف الشيخ محمد إلياس دورة التاريخ الاصلاح الديني ومساهمة فعاله في حركة الجهاد ، والدعوة الي الدين الخالص ، التي قادها الامامان : السيد احمد الشهيد ، والشيخ محمد اسماعيل الشهيد , وتتلمذ رجال هذه الاسرة علي مسند الهند وامام الحديث فيها لعلامة الشيخ عبدالعزيز بن الامام أحمد عبدالرحيم الدهلوي صاحب « ححجة الله البالغة » ومسند الهند العلامة الشيخ محمد اسحاق بن محمد أفضل العمري حفظ القرآن في صباه وكان تحفيظ القرآن عرفاً متبعاً في الأسرة .
مولده ونشاطاته :
كانت ولادة الشيخ محمد الياس الكاندهلوي في سنة 1303 هـ . وقد عاش أيام طفولته في خودلته ( في « كاندهلة » أحدي القري الجامعة في مديرته « مظفر نكر » في ولاية « أتراپردش » بالهند ) وعند والده الشيخ محمد اسماعيل في « بستي نظام الدين » بدهلي الجديد .
كانت أسرته مهد العلم والدين والورع ، حتي أن قصص حرص السيدات في هذه الاسرة علي العبادة والتلاوة والذكر ، ومواظبتهن علي الأوراد ووالتسبيحات ، وإحيائهن الليالي ، وقيامهن بتلاوة السورة القرآنية ، مما لاتسموا اليه همة كثيراً من الذكور في هذه الأيام ، فقد كن يحافظن علي السنن والنوافل بما فيها صلاة التراوح في رمضان ، وكان شهر رمضان المبارك ربيع القرآن الكريم ، حيث يتذوقن تلاوة القرآن ويتلذذن به .
والده :
والده هو العالم الرباني الشيخ محمد اسماعيل الذي ينتهي إلي أسرة كريمة عريقة في العلم والدين . ينتهي نسبها الي سيدنا أبي بكرالصديق رضي الله عنه . وكانت إقامته بدهلي الجديد واما مسقط رأسه وطنه الام العريق فهو قرية : جهنحهانه في مديرية مظفر نكر في ولاية أترا پردش .
أمه :
كانت أمه السيدة صفية حافظة القرآن الكريم وقد حفظته بعد الزواج ، حين كان ابنها الشيخ محمد يحيي رضيعاً ، كانت تتلو القرآن كله ، وعشرة أجزاء زيادة عليه كل يوم في شهر رمضان المبارك وعلى ذلك فكانت تتلو القرآن في كل رمضان أربعين مرة ، وذلك بجانب القيام بشؤون البيت ووظائفه ، بل كانت يداها مشغولتين بعمل من الأعمال ، فالإنسان يقضي العجب منها، فقلما يقدرعليها رجل قوي متفرغ صاحب همة عالية وعزيمة .
طفولة الشيخ محمد إلياس وثقافته البيتية :
تعلم الشيخ محمد الياس في الكتّاب ، وقرأ القرآن الكريم كعادة الأطفال في أسرته ثم حفظ القرآن في صباه ، وكان تحفيظ القرآن عرفاً ومتبعاً في الأسرة حتى لم يكن يوجد في المسجد غير حافظ للقرآن الكريم إلا المؤذن وحده .
كانت توجد فيه منذ الصبا مسحة من روح الصحابة وولائهم ، وقلق واضطراب واحتراق للدين والدعوة ، حتي كان العلامة الشيخ محمود حسن المعروف بشيخ الهند شيخ الحديث بدارالعلوم ديوبند سابقاً يقول : إني كلما أري الشيخ الياس أتذكر الصحابة رضي الله عنه .
ولقد كان هذا الإمام من أهل العزلة والخلوة والعبادة والتلاوة وخدمة الغادين والمسافرين، وكان تعليم القرآن شغله الشاغل في ليله ونهاره.
وكان قمةً في التواضع وإنكار الذات حتى إن كان ليحمل الحمل عن الأجير ويضعه.. وينزع الماء بالدلو من البئر ويسقيه ثم يركع ركعتين شكراً لله على توفيقه لخدمة عباده دون جدارة أو استحقاق
جبل الشيخ محمد إلياس علي الحمية الدينية التي زادت ونمت واتخذت صورة منظمة فيما بعد ثم أشتغلت الجمرة الإيمانية , وأثارت الغيرة الدينية في قلبه بيئته التي نشأ فيها ، وقصص العلماء الربانيين والمؤمنين الصادقين التي كانت تتلى في بيته ، حتي غدا تصدر عنه في صباه أعمال لاتصدر عادة عمن كان في سنة .
يقول تريبه ورفيقه في الكتاب الأستاذ رياض الإسلام الكاندهلوي : حينما كنا تلميذين في الكتاب ، جاء يوماً بحطب ، وقال : تعال يا أخي رياض الاسلام نجاهد ضد تاريكين الصلاة .
دراسته :
أول ما درس الشيخ الياس عند أخيه النابغة الشيخ محمد يحيى , وكانت طريقة الشيخ محمد يحيى في تعليم وتربية الشيخ محمد إلياس طريقة مبتكرة , وكان يركز على اللغة والأدب والتضلع منهما منذ البداية , ويبذل عناية خاصة بإتقان اللغة العربية ، فتكون عنده النبوغ والاستعداد العلمي ، وكان الشيخ محمد الياس ما زال يتنقل بين كاندهلة ونظام الدين وفيها (خؤولته وإقامة والده) وكان إقباله على الدين والعبادة كبيراً جداً من طفولته، لذلك عرض الشيخ محمد يحيى على والده أن يرافقه أخوه محمد الياس إلى كنكوه كي يتمكن من الإقبال على دراسة العلوم والإشراف عليه بصورة منظمة ودائمة .. حيث تلك القرية منتجعٌ الصالحين والأتقياء والعلماء تمتع الشيخ بمعايشتهم فيها وصحبة الشيخ رشيد ..
ولا يخفى على الحكماء وأهل الخبرة ماذا تعني هذه المجالس والمحافل الدينية ومعاشرة الأخيار وما فيها من أثر على طالب العلم، حيث العواطف الدينية والذكاء والفهم الديني والشعور الإسلامي..
هذه البيئة التي عاش فيها الشيخ محمد الياس رحمه الله كان لها الأثر الأكبر والعامل الأساسي في تكوين حياته الدينية والإيمانية , حيث أمضى بها أكثر من عشرة أعوام يدرس حتى توفي الشيخ رشيد رحمه الله في سنة 1363 هـ , والتلميذ يقرأ ويتعلم حيث كان أخوه الخبير الشيخ محمد يحيى يشرف عليه ويربيه بحنكته وخبرته مركزاً عنايته على أن لا تحول دراسته النظامية بينه وبين الإفادة من تلك المجالس الخيّرة.
تغيّرت صحة الشيخ محمد الياس رحمه الله وأُصيب بصداع شديد وأمراض قد نحلت جسده وأضعفت قوته , مما اضطره إلى الانقطاع عن الدراسة فترة , ثم ما لبث أن رجع إليها قبل أن يتم شفاؤه رغم معارضة أخيه لعودته , حيث قال له أخوه: ما حاجتك إلى الدراسة وأنت في هذه الحالة من النحول والضعف؟
فأجاب: وماذا ينفعني أن أعيش جاهلاً؟
وأخيراً استسلم الناس لإلحاحه ورجع إلى العلم والدراسة.
اتمام دراسة الحديث الشريف ( في ديوبند ) :
ارتحل في سنة 1326 هـ إلي ديوبند ، وحضر دروس العلامة الشيخ محمود حسن المعروف بشيخ الهند رئيس هيئة التدريس وشيخ الحديث بدارالعلوم ديوبند في جامع الترمذي وصحيح البخاري , وبعد ذلك بأعوام أتم الدراسة الحديث ، وقرأ بقية الصحاح والكتب والأجزاء الحديثية على أخيه الشيخ محمد يحيي .
بيعته :
بعد وفاة لشيخ الكنكوهي اتصل بالشيخ خليل أحمد السهارنفوري صاحب بذل الج هود في حل الفاظ أبي داوود وبايعه ، وذلك علي اشارة من الشيخ محمود حسن رحمه الله ، وتلقي التربية الروحية ، وتخرج عليه في التزكية القلبية والإحسان .
الإمعان في العبادة ، والحرص علي السنن والنوافل :
بعدما توفي الشيخ الكنكوهي ، أصبح الشيخ يقضي أوقاته في صمت وسكوت ، حتى تمضي عليه أيام لا ينبس ببنت شفة ، فقد مضي الشيخ محمد الياس عشر سنوات كوامل في صحبة الشيخ رشيد احمد الكنكوهي رحمه الله .
الزواج :
كان زواجه في 6 من ذي القعدة سنة 1330 الموافق 17 من أكتوبر سنة 1912 م بعد صلاة العصر يوم الجمعة المبارك في « كاندهلة » علي نت الشيخ رؤوف الحسن ، وحضر تلك المناسبة السعيدة زبدة العلماء والمشايخ ، أمثال الشيخ خليل أحمد السهانفوري ، والشيخ عبدالرحيم الرائفوري والشيخ أشرف علي التهانوي ، وألقي الشيخ أشرف علي التهانوي بهذه المناسبة خطبة قيمة بعنوان فوائد الصحبة تكرر طبعها وتوزيعها .
بيعة للجهاد :
كانت عاطفة الجهاد مشتعلة في قلبه بجانب الإكثار من الذكر والسنن والنوافل والعيش في العبادة والمتصلون به يعرفون أن دوراً من أدوار حياته لم يخل من تلك العاطفة ، والعزيمة مما دفعه إلي أن يبايع الشيخ محمود حسن بيعة الجهاد .
ترجمة الإمام أشرف علي التهانوي
ترجمة الإمام الشيخ أشرف علي التهانوي
(حكيم الأمة )
قال الإمام الكوثري في "أحاديث الأحكام وأهم الكتب المؤلفة فيها " :
( وكذلك عُني بهذا الأمر العلامة الأوحد، والحبر المفرد، شيخ المشايخ في البلاد الهندية، المحدث الكبير والجهبذ الناقد، مولانا حكيم الأمة: محمد أشرف علي التهانوي صاحب المؤلفات الكثيرة البالغ عددها نحو خمسمائة مؤلَّف ما بين كبير وصغير ، فألف - طال بقاؤه - كتاب (إحياء السنن) وكتاب (جامع الآثار) في هذا الباب، ويغني عن وصفهما ذكر اسم مؤلفهما العظيم، وكلاهما مطبوع بالهند، إلا أن الظفر بهما أصبح بمكان من الصعوبة حيث نفدت نسخهما المطبوعة لكثرة الراغبين في اقتناء مؤلفات هذا العالم الرباني - وهو الآن قد ناهز التسعين أطال الله بقاءه - ، وهو بركة البلاد الهندية، وله منزلة سامية عند علماء الهند حتى لقبوه: حكيم الأمة.) اهـ .
وهذه السطور من حياة المصلح الرباني، والمربي الحكيم، الداعية الكبير، الشيخ أشرف علي التهانوي رحمه الله، الذي كان نجماً ساطعاً في سماء العلم والمعرفة، وتلألأ نوراً في مجال حركة الإصلاح والتجديد، وقام بالثورة علی الجمود والتقليد الأعمی، ورفع راية التجديد والإصلاح، لاسيما في مجال التزكية والإحسان، وصرف أقصی طاقاته في الدفاع عن حياض الشريعة الغراء وتطهير المجتمع من أرجاس الغلو والإفراط والتفريط التي غرقت فيها الأمة بسبب تقليد الجهلة وحملة الأفكار الزائغة والمعتقدات الباطلة والعادات الجاهلية التي ما أنزل الله بها من سلطان.
كان التهانوي رحمه الله قد أكرمه الله تعالی من المواهب والصلاحيات التي جعلته يتفوق علی أقرانه وزملائه في كل فن من الفنون. فقد وهبه الله تعالی لساناً طلقاً، وأسلوباً رشيقاً، وملكة قوية، وبراعة منقطعة النظير في مجال الخطابة والمناظرة، وقد أحسن رحمه الله في استخدام هذه المواهب الربانية في الدفاع عن حياض الشريعة الغراء...
اسمه ونسبه:
هو العلامة الأوحد، الحبر المفرد، شيخ المشايخ، المحدث الكبير، صاحب التصانيف النافعة المفيدة، حكيم الأمة، مجدد الملة، أشرف علي التهانوي بن عبدالحق بن الحافظ فيض علي، ويصل نسبه إلی سيدنا عمر الفاروق رضي الله عنه الخليفة الراشد الثاني.
وكان له أسرة كريمة كثير المآثر والمفاخر، معروفة بالعلم والأدب والفضل والإحسان، وكان أبوه السيد عبدالحق من كبار الأثرياء والسادة المعروفين في قرية "تهانه بهون" من مديرية "مظفر ناغر" بولاية "أترابراديش"، بارعاً في اللغة الفارسة وكاتباً قديراً، وقد فتح الله تعالی عليه من بركات السماء والأرض وأنعم الله عليه من النعم.
مولده وأيام طفولته:
ولد العلامة التهانوي صباح الخامس من شهر ربيع الثاني سنة 1280 من الهجرة النبوية علی صاحبها الصلاة والسلام، الموافق للعاشر من سبتمبر عام 1863 من الميلادية، في قرية "تهانه بهون" العامرة بالعلم والدين والورع والتقی، وترعرع في بيئة علمية ودينية خالصة، وجوّ من الصلاح والتقوی، وقد اختاره الشيخ عبدالحق رحمه الله من بداية أمره ليتعلم الدين والشريعة وربّاه تربية دينية، وكان منذ نعومة أظفاره مكباً علی العلم والعلماء، ميّالاً إلی الطاعات، بعيداً عن اللهو.
وكان رحمه الله من المحبوبين لدی الجميع أينما كان وحيثما كان، سواء لدی الأقارب أو الجيران أو غيرهم، وقد ألقی الله في روعه حب الوعظ والخطابة منذ صباه، فكان يصعد علی المنبر ويبدأ في تقليد الخطباء والواعظين وهو طفل صغير لم يبلغ من العمر ثماني سنوات، كما يحب الصلاة ويواظب عليها منذ باكورة عمره حتی تعوّد علی صلاة الليل وهو ابن اثنتي عشرة سنة، وكانت زوجة عمه تستيقظ أحياناً في منتصف الليل وتراه يصلي، فتحاول إشفاقاً عليه أن يقلل منها ولاسيما في فصل الشتاء حيث يكون البرد أقصی ما يمكن، فلايهمه البرد ولا الصيف، ولا يلتفت إلی كلامها، بل يمضي في صلاته.
حادثة وفاة الأم:
أصيب رحمه الله بحادثة مفجعة ومؤلمة، إذ توفيت أمه وهو ابن خمس سنوات، وقلما يتذكر الإنسان شيئاً حدث له في مثل هذا العمر، وهكذا كان شأن الشيخ التهانوي رحمه الله، وكان يقول: «أنا لا أذكر صورة أمي وشكلها أو هيئتها بالكامل، إلا أني عندما أتعمق في التأمل يصور لي أمام عيني منظر أنها جالسة في جانب السرير فقط لاغير».
وبعد حادثة وفاة الأم، كان أبوه هو الذي احتضنه وتولی أمر تربيته وتعليمه. يقول رحمه الله: «إن أبي هو الذي رباني أنا وشقيقي بعد وفاة أمي، وقد حظيت منه الحب والمودة والشفقة والعناية ما أنساني فقد الوالدة في هذا العمر الباكر، بل إنه ظل يحبنا أكثر من حب الوالدة. وفر لنا كل وسائل الراحة والنعم للعيش الهنيء الرغيد، وعشت في ظله الوارف وقضيت أغلی أوقات عمري تحت رعايته البالغة واهتمامه الفائق.
طلبه للعلم:
بدأ العلامة التهانوي رحمه الله دراسته في قريته العامرة بالعلم والدين، والتي كانت في ذاك الوقت موطن كبار العلماء الأجلاء والمهرة البارعين في مختلف الفنون، وحفظ فيها القرآن الكريم علی "آخون جي" الذي كان من مديرية "ميرت"، ثم أكمل حفظ القرآن علی الحافظ "حسين علي" الذي كان من سكان "دهلي" واستوطن مدينة "ميرت"، وتعلم اللغة الفارسية والكتب الإبتدائية من بعض العلماء، والكتب المتوسطة من الأستاذ "فتح محمد التهانوي" أحد فقهاء الصالحين في قريته "تهانه بهون"، ودرس عليه مبادئ اللغة العربية وقواعد النحو والصرف، ثم أكمل هذه الدراسة علی خاله الشيخ "واجد علي" الذي كان من البارعين الماهرين باللغة الفارسية وآدابها.
في جامعة دارالعلوم ديوبند:
ولما بلغ الخامس عشر من عمره سافر من قريته إلی "ديوبند" في نهاية ذي القعدة عام 1295 هـ والتحق بجامعة دارالعلوم هناك وبقي فيها خمس سنوات حتی تخرج فيها ونال الشهادة منها، وقد تلقی جميع العلوم العربية والأدبية والعقلية والنقلية لدي أساتذة قد جددوا ذكريات القدماء في سعة اطلاعهم وجودة إتقانهم.
كان الشيخ التهانوي عكوفاً علی الدراسة والاستزادة العلمية، ولم يكن له طوال دراسته أي شغل غير دراسة كتبه وخدمة أساتذته ومشايخه، وكان له في ديوبند عدة أقارب، كثيراً ما كانوا يوجهون إليه الدعوة لتناول الطعام عندهم ولكنه لايستجيب لهم ويعتذر إليهم قائلاً: إنه لم يدخل هذه البلدة إلا للتعلم والدراسة. فلم يذهب إليهم مدة خمس سنوات إلی أن فرغ من دراسته، وكان رحمه الله معروفاً أيام طلبه في دارالعلوم بالجدية والوقار والآداب والأخلاق والبعد عن الملاهي والملاعب.
كبار شيوخه:
لقد متع الله العلامة التهانوي بأساتذة أكفاء، كانو علی قمة البراعة والمهارة في زمنهم في مختلف العلوم وشتی الفنون، وقد قرأ رحمه الله علی شيوخ كثيرين، وكان من كبارهم:
1- الشيخ العالم الجليل، المحقق النبيل، "محمد يعقوب النانوتوي"، أحد الأساتذة المشهورين في الهند حيث قد ظهر تقدمه في الفنون، منها الفقه والأصول والحديث النبوي الشريف والأدب العربي، وكان يميل إلی الشعر أحياناً مع ما كان يتمتع به من الاشتغال بالذكر والطاعات. رحمه الله تعالی رحمة واسعة.
قرأ عليه الشيخ التهانوي كتب الحديث والتفسير.
2- الشيخ المحدث محمود الحسن الديوبندي، وهو نابغة الأنام، الإمام المحدث، المعروف بشيخ الهند، رائد النهضة العلمية والسياسية في شبه القارة الهندية. كان رحمه الله بطلاً مكافحاً عن مجد الإسلام، مجاهداً متحمساً ومربياً روحياً عظيماً، وفي مقدمة العلماء الغيورين الذين عاشوا في منتصف القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين وجاهدوا لاستعادة مجد الإسلام.
3- الشيخ العالم الفقيه "منفعت علي الديوبندي"، أحد الفقهاء المشهورين. ولد ونشأ في "ديوبند" وله رسالة بسيطة بالأردو في المواريث، وقد قرأ عليه الشيخ التهانوي المختصرات من العلوم العربية.
4- الشيخ الملا "محمود"، وقد قرأ عليه الشيخ التهانوي بعض كتب الحديث.
5- الشيخ السيد "أحمد"، وقد قرأ عليه الشيخ التهانوي الفنون الرياضية والمواريث.
6- الشيخ العالم المقرئ "محمد عبدالله المهاجر المكي". كان من القراء المعروفين المشهورين في البلاد العربية، وكانوا ينظرون إليه بعين الاحترام والتوقير نظراً إلی ما رزقه الله من نعمة الصوت الحسن والبراعة في فن القراءة والتجويد، وقد قرأ عليه الشيخ التهانوي بعض رسائل التجويد، وتدرب عليه في قراءة القرآن الكريم بالترتيل، وذلك في المدرسة الصولتية بمكة المكرمة.
يقول الشيخ القاضي "محمد تقي العثماني" حفظه الله، متحدثاً عن دراسة الشيخ التهانوي في جامعة ديوبند:
«وبالجملة فقد عاش حكيم الأمة التهانوي رحمه الله في دارالعلوم بين هؤلاء الأساتذة وأمثالهم رحمهم الله، واستفاد من علومهم وخدمتهم وصحبتهم، ولم يكن له طوال دراسته أي شغل غير دراسة كتبه وخدمة أساتذته».
نشاطاته الدعوية أيام الدراسة:
كان التهانوي رحمه الله قد أكرمه الله تعالی من المواهب والصلاحيات التي جعلته يتفوق علی أقرانه وزملائه في كل فن من الفنون. فقد وهبه الله تعالی لساناً طلقاً، وأسلوباً رشيقاً، وملكة قوية، وبراعة منقطعة النظير في مجال الخطابة والمناظرة، وقد أحسن رحمه الله في استخدام هذه المواهب الربانية في الدفاع عن حياض الشريعة الغراء.
فكان من عادته رحمه الله أن يشارك أيام دراسته في جامعة ديوبند في المناظرات مع ممثلي المذاهب الأخری، وكان النصاری واليهود أيام دراسته في ديوبند قد نشروا بعثاتهم التبشيرية في جميع أنحاء الهند وكانوا يهددون المسلمين ويدعونهم إلی المناظرة والمباهلة، فكان رحمه الله إذا وجد فرصة ذهب إليهم وناظرهم وتغلب عليهم ببالغ حجة وقوة برهان حتی اشتهر بين الطلبة والعامة بقوة المناظرة وملكة الخطابة، ولكن هذا كله زمن دراسته بجامعة ديوبند، وأما بعد أن صار شيخاً محنكاً فكان أبعد الناس عن المناظرة والجدال.
يقول رحمه الله: «أنا اليوم أكره هذه المناظرات والمجادلات الكلامية وأبتعد عنها بقدر ما كنت أحبها وأشتاق لها أيام دراستي، وذلك لما يترتب عليها اليوم من المضار وتضييع الوقت والمجادلة بالباطل».
الذاكرة القوية النادرة والذكاء الباهرة:
كان رحمه الله تعالی آية باهرة في الذكاء والذاكرة القوية النادرة، وقد عرف رحمه لله بهذه الصفات العظيمة بين زملائه وأقرانه، ولذلك نجده سريعاً في الإجابة علی الأسئلة التي توجه إليه، وكانت له ملكة خاصة في التقاط المواد العلمية من الكتب الضخمة والمباحث وترتيبها علی أحسن المناهج وأحدت الأساليب ثم إلقائها بطريقة وافية وشافية دون زيادة أونقصان.
ولما عقدت حفلة التخرّج بجامعة دارالعلوم ديوبند في عام 1300 وحضرها العلامة الشيخ
"رشيد أحمد الكنكوهي" رحمه الله لتوزيع الشهادات والعمائم بين الطلاب، جاء الشيخ "محمود الحسن" رحمه الله وهو يمدح الشيخ التهانوي ويذكر ذكائه وذاكراته، فلم يلبث العلامة الكنكوهي إلا أن وجه بعض الأسئلة الصعبة إلی التهانوي يختبره فيها، فأجاب عليها الشيخ التهانوي بأجوبة مقنعة وبشكل ارتجالي، فسر بها الشيخ الكنكوهي رحمه الله كثيراً.
حبه للسنة وكراهيته للبدع:
فُطر العلامة التهانوي رحمه الله علی حب السنة وكراهية البدع، فكان حب السنة وأهلها منقوشة في قلبه وكراهية البدعة وأهلها متأصلة في نفسه، وذلك منذ نشأته وقراءته لكتب الشريعة ومبادئ الدين، ويتجلی لنا هذا الواقع في ضوء عدد من مؤلفاته رحمه لله التي ألفها خاصة في الرد علی البدع والخرافات وقمع الطقوس والتقاليد الجاهلية التي ما أنزل الله من سلطان، ومن تلك المؤلفات كتابه القيم المعروف المسمی بـ "إصلاح الرسوم" وكذلك "تعليم الدين"، فقد جمع واستوعب فيهما مثل هذه الأمور، وأرشد الناس فيهما إلی ما هو المحبوب المرضي عند الله تعالی والثابت عن النبي الكريم صلی الله عليه وسلم والسلف الصالح.
محاسن أخلاقه:
كان رحمه الله متحلياً بمحاسن الأخلاق من الرقة واللين والعفو والحلم والوقار والتواضع وانكسار النفس.
يقول الشيخ "عزيز الحسن مجذوب" رحمه الله: «كل من رآه بعين الإنصاف والعدل تبين له هذا الواقع كالشمس في رابعة النهار وهو أن ما يتمتع به الشيخ التهانوي رحمه الله من الرقة والليونة والعفو والحلم قلما يوجد في الآخرين، لكن صفاته هذه لاتظهر إلا في مواضع الحاجة وعند اقتضاء المصلحة الدعوية والإصلاحية لها».
كان الشيخ التهانوي يقول: «إني حرّ في طبيعتي ومزاجي، لكني لا أستطيع أن أری أحداً ولوكان عدوّي يصيبه الأذی أو يعاني من المصيبة، وكلما أری إنساناً أصابه نوع من الأذی أو شخصاً يعاني من المصائب والمشاكل أتمنی أن أشق له عن قلبي وأشاركه في همه وغمه».
وكان رحمه الله يقول: «إن رأس الخلق الحسن وأساسه أن يهتم الرجل بأن لايتأذی منه أحد، وهو الذي علمنا النبي صلی الله عليه وسلم بقوله الجامع: "المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده"، وكل من تسبب في إيذاء أحد فهو داخل في سوء الخلق».
حلمه وتواضعه:
كانت حياة العلامة التهانوي رحمه الله مثالاً رائعاً للتواضع والحلم، وتجدد ذكريات السلف الصالح في هذا الباب، وكل من عاشره أو صحبه في سفره وترحاله شاهد ذلك بعينه، ومن النماذج علی ذلك أنه كلما عرضت عليه مسألة أو وجه إليه سؤال حول معضلة علمية أو إشكال علمي سارع في إستشارة تلاميذه ومناقشتهم في الموضوع، وبعد الدراسة والبحث وعرض الأدلة كان يختار ما يراه مناسباً وموافقاً لروح الشريعة والمصلحة العامة.
كان من عادته رحمه الله أنه كلما احتاج إلی أن يكلم أحداً أو يأمره بأمر لم يطلبه إليه أبداً، بل يمشي إليه بنفسه، سواء كان تلميذه أو مسترشده أو من صغار أقاربه، وكان يقول: «ينبغي أن يذهب صاحب الحاجة إلی من يحتاجه لا العكس، حتی إن الطبيب الذي كان من أصحابه ومحبيه وخلص مسترشديه وكان يتردد إليه كثيراً، إذا احتاج إليه الشيخ رحمه الله كان يذهب إليه بنفسه لكي يصف له الأدوية، ولا يدعه يحضر إليه ما لم يتعذر ذلك لمرض، وهكذا الحال في الخدم الذين كانوا في بيته لا يأمرهم بشيء بأسلوب شديد بل يراعي في ذلك احترامهم وأدبهم.
المبايعة:
كان الشيخ التهانوي رحمه الله ولعاً بملازمة مشايخه، حريصاً علی خدمتهم، وبعد الفراغ من دراسته بايع العارف المتبحرالحاج إمداد الله المهاجر المكي بيعة السلوك ولازمه مدة واستفاد من صحبته.
علماً أن الشيخ التهانوي سبق وأن حصل له شرف المبايعة من الشيخ إمدادالله بالمراسلة وذلك أيام دراسته في جامعة دارالعلوم ديوبند في عام 1299 هـ وكان عمره آنئذٍ تسعة عشر عاماً، فذهب به والده إلی الحجاز للحج والزيارة سنة ألف وثلاثمئة للهجرة فارتحل في شوال وحج البيت وزار روضة النبي صلی الله عليه وسلم ومكث عند شيخه مدة، ثم حج مرة ثانية في 1310 هـ وبقي عند شيخه مدة ستة أشهر ولازمه ملازمة لا تفتر ولا تنقطع، وبقوة استعداده وكمال عناية الشيخ أصبح في هذه المدة اليسيرة كالمرآة تتجلی فيها سيرة شيخه وتترقرق فيه أخلاقه حتی أصبح معروفاً في دياره بعبادته وزهده وورعه وبحسن تعليمه وتربيته، فنظف طريق التصوف علی الخرافات المحدثة والبدع الشنيعة، وجدده تجديداً.
رحلته إلی الآخرة:
مما لاشك فيه أن البقاء لله الواحد القهار، وهذه هي الحقيقة التي لابد من الاعتراف بها، وكل نفس حية لها بدايتها ونهايتها إلا ذات الباري تعالی.
«كل من عليها فان ويبقی وجه ربك ذو الجلال والإكرام»
وتصديقاً لهذا الواقع الذي كتبه الله سبحانه وتعالی علی كل إنسان، جاء أوان رحلة هذا المصلح الكبير، حكيم الأمة الشيخ التهانوي رحمه الله إلی ربه العلي القدير، في النصف الأول من ليلة الأربعاء، لست عشر من شهر رجب سنة 1262 الموافق 20 يوليو 1943 م.
مات رحمه الله وترك مسلمي شبه القارة الهندية وشعوبها باكية بدموع دامية، وخلف من ورائه ملايين الألسنة تدعو له وتذكره بالحب والمواساة والتأسف، وصلی عليه ابن اخته، العلامة المحدث الكبير الفاضل الشيخ ظفر أحمد العثماني التهانوي، ودفن في المقبرة التي وقفها الشيخ رحمه الله بنفسه لدفن موتی المسلمين. رحمه الله رحمة واسعة ورفع درجاته في أعلی عليين. آمين .
من وصايا الشيخ رحمه الله:
لقد أوصی رحمه الله قبل رحيله إلی الرفيق الأعلی وأعلن من هذه الوصايا علی مرأی ومسمع من الناس، وهي جدير بأن تجل بماء من الذهب لما يحتوي من معان قيمة وتوجيهات رشيدة ونصائح نافعة لكل مسلم في الدنيا والآخرة.
وفيما يأتي نص بعض هذه الوصايا:
1- أرجو من جيمع إخواني وكل المسلمين أن يستغفروا لي الله تعالی من جميع المعاصي والخطايا، الصغيرة منها والكبيرة، سواء صدرت مني عمداً أو خطاً، أما بالنسبة لي فأعلن بكل صراحة أني قد عفوت عن الجميع من صميم خاطري عن كل ما صدر من أحد في حقي من هذا القبيل وذلك طلباً لرضی الله تعالی ونيل مرضاته وابتغاء وجهه وأملاً ورجاءً في العفو عما صدر مني في حقهم.
2- أوصي كل الإخوان والأحباء والزملاء خصوصاً وسائر المسلمين عموماً بضرورة الاهتمام بطلب العلم الديني، فإنه فرض عين علی كل مسلم سواء كان ذلك بالكتاب أو بملازمة العلماء وأصحاب المعرفة، وذلك لأنه لا سبيل لتجنب الفتن وما أكثرها في أيامنا هذه في أمور الدين والشريعة، ولا طريق للابتعاد عنها في أمور الدنيا إلا بتعلم الدين والاطلاع علی أحكام الشريعة الإسلامية وتطبيق ديننا الحنيف في الحياة.
3- أوصي طلبة العلم وعشاق المعرفة والسالكين طريقها أن لا يغتروا بما تعلموه من الكتاب، لأن الفائدة الحقيقية لهذا العلم هو العمل به وتطبيقه في الحياة، وذلك لا يمكن إلا بملازمة العلماء وأولياء الله الصالحين.