-
الجوهرة الخامسة والستون بعد المائة
سورة الأنفال
{ كَمَآ أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ بِٱلْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقاً مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ }
قال السمين:
قوله تعالى: { كَمَآ أَخْرَجَكَ }: فيه عشرون وجهاً: أحدها: أن الكافَ نعتٌ لمصدر محذوف تقديره: الأنفالُ ثابتةٌ لله ثبوتاً كما أخرجك أي: ثبوتاً بالحق كإخراجك من بيتك بالحق، يعني أنه لا مِرْيَةَ في ذلك. الثاني: أن تقديره: وأصلحوا ذاتَ بينكم إصلاحاً كما أخرجك. وقد التفت من خطابِ الجماعةِ إلى خطاب الواحد. الثالث: تقديرُه: وأطيعوا اللهَ ورسولَه طاعةً محققةً ثابتةً كما أخرجك أي: كما أن إخراج الله إياك لا مِرْيَةَ فيه ولا شبهة. الرابع: تقديرُه: يتوكلون توكلاً حقيقياً كما أخرجك ربك. الخامس: تقديره: هم: المؤمنون حقاً كما أخرجك فهو صفة لـ " حقاً ".
السادس: تقديره: استقرَّ لهم درجاتٌ وكذا استقراراً ثابتاً كاستقرار إخراجك. السابع: أنه متعلقٌ بما بعده تقديره: يجادلونك مجادلةً كما أخرجك ربك. الثامن: تقديرُه: لكارهون كراهيةً ثابتة كما أخرجك ربك أي: إن هذين الشيئين: الجدالَ والكراهيةَ ثابتان لا محالة، كما أن إخراجك ثابت لا محالة. التاسع: أن الكافَ بمعنى إذ، و " ما " مزيدة. التقدير: اذكر إذ أخرجك. وهذا فاسدٌ جداً إذ لم يَثْبُتْ في موضعٍ أن الكاف تكون بمعنى إذ، وأيضاً فإنَّ " ما " لا تُزادُ إلا في مواضعَ ليس هذا منها.
العاشر: أن الكاف بمعنى واو القسم و " ما " بمعنى الذي، واقعةٌ على ذي العلم مُقْسَماً به، وقد وقعت على ذي العلم في قوله:{ وَٱلسَّمَآءِ وَمَا بَنَاهَا } [الشمس: 5]{ وَمَا خَلَقَ ٱلذَّكَرَ وَٱلأُنثَىٰ } [الليل: 3] والتقدير: والذي أخرجك، ويكون قوله " يجادلونك " جوابَ القسم. وهذا قول أبي عبيدة. وقد ردَّ الناس عليه قاطبةً. وقالوا: كان ضعيفاً في النحو، ومتى ثبت كونُ الكافِ حرفَ قسمٍ بمعنى الواو؟ وأيضاً فإن " يجادلونك " لا يَصِحُّ كونُه جواباً؛ لأنه على مذهب البصريين متى كان مضارعاً مثبتاً وَجَب فيه شيئان: اللام وإحدى النونين، نحو{ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُوناً } [يوسف: 32]، وعند الكوفيين: إمَّا اللامُ وإمَّا إحدى النونين، و " يجادلونك " عارٍ عنهما.
الحادي عشر: أن الكاف بمعنى على، و " ما " بمعنى الذي والتقدير: امْضِ على الذي أخرجَك. وهو ضعيفٌ لأنه لم يثبتْ كونُ الكاف بمعنى " على " البتةَ إلا في موضعٍ يحتمل النزاع كقوله:{ وَٱذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ } [البقرة: 198] أي على هدايته إياكم. الثاني عشر: أن الكافَ في محل رفع، والتقدير: كما أخرجك ربك فاتقوا الله، كأنه ابتداءٌ وخبر. قال ابن عطية: " وهذا المعنى وَضَعه هذا المفسِّر، وليس من ألفاظ الآية في وِرْدٍ ولا صَدَر ".
الثالث عشر: أنها في موضعِ رفعٍ أيضاً والتقدير: لهم درجاتٌ عند ربهم ومغفرة ورزق كريم، هذا وعدٌ حقٌّ كما أخرجك. وهذا فيه حذفُ مبتدأ وخبر، ولو صَرَّح بذلك لم يلتئم التشبيهُ ولم يَحْسُنْ.
الرابع عشر: أنها في موضع رفعٍ أيضاً. والتقدير: وأصلِحوا ذاتَ بينكم ذلكم خيرٌ لكم كما أخرجك، فالكاف في الحقيقة نعتٌ لخبر مبتدأ محذوف. وهو ضعيف لطول الفصل بين قوله: " وأَصْلِحوا " وبين قوله " كما أَخْرَجَك ".
الخامس عشر: أنها في محل رفع أيضاً على خبر ابتداء مضمر والمعنى: أنه شبَّه كراهية أصحاب رسول الله عليه السلام لخروجه من المدينة حين تحققوا خروجَ قريشٍ للدفع عن أبي سفيان وحِفْظِ عِيره بكراهيتهم لنزع الغنائم مِنْ أيديهم وجَعْلِها لله ورسوله يَحْكم فيها ما يشاء. واختار الزمخشري هذا الوجهَ وحَسَّنه، فقال: " يرتفع محلُّ الكاف على أنه خبر ابتداء محذوف تقديره: هذه الحالُ كحالِ إخراجك. يعني أن حالَهم في كراهة ما رأيت من تَنْفيل الغزاة مثلُ حالهم في كراهة خروجهم للحرب " وهذا الذي حَسَّنه الزمخشري هو قول الفراء ـ وقد شرحه ابن عطية بنحو ما تقدَّم مِن الألفاظ ـ فإن الفراء قال: " هذه الكاف شَبَّهت هذه القصة التي هي إخراجه من بيته بالقصة المتقدمة التي هي سؤالهم عن الأنفال ".
السادس عشر: أنها صفةٌ لخبر مبتدأ أيضاً/ وقد حُذف ذلك المبتدأ وخبره. والتقدير: قِسْمتك الغنائمَ حقٌّ كما كان إخراجُك حقاً. السابع عشر: أنَّ التشبيه وقع بين إخراجين أي: إخراج ربك إياك من بيتك وهو مكة وأنت كارهٌ لخروجك، وكان عاقبة ذلك الإِخراج النصرَ والظفرَ كإخراجه إياك من المدينة وبعضُ المؤمنين كارهٌ، يكون عقيبَ ذلك الخروجِ الظفرُ والنصر والخير كما كانت عقيبَ ذلك الخروجِ الأول.
الثامن عشر: أن تتعلق الكاف بقوله " فاضربوا ". وبَسْطُ هذا على ما قاله صاحب هذا الوجه: الكاف للتشبيه على سبيل المجاز، كقول القائل لعبده: " كما رَجَعْتك إلى أعدائي فاستضعفوك وسألتَ مدداً فَأَمْدَدْتُك وأَزَحْتُ عِلَلك فَخُذْهم الآن وعاقِبْهم كما أَحْسَنْتُ إليك وأَجْرَيْتُ عليك الرزق فاعملْ كذا واشكرْني عليه، فتقدير الآية: كما أخرجك ربك من بيتك بالحق وغَشَّاكم النعاسَ أمَنَةً منه، وأنزل عليكم من السماء ماءً ليطَهِّرَكم به، وأنزل عليكم من السماء ملائكة مُرْدفين فاضربوا فوق الأعناق واضربوا منهم كلَّ بنان، كأنه يقول: قد أَزَحْتُ عِلَلكم وأَمْدَدْتكم بالملائكة فاضربوا منهم هذه المواضع وهو القتلُ لتبلغوا مرادَ الله في إحقاق الحق وإبطال الباطل. وهذا الوجه بَعْدَ طولِه لا طائل تحته لبُعْده من المعنى وكثرة الفواصل.
التاسع عشر: أن التقدير: كا أخرجك ربك مِنْ بيتك بالحق أي: بسبب إظهار دين الله وإعْزازِ شريعته وقد كرهوا خروجك تهيُّباً للقتال وخوفاً من الموت؛ إذ كانَ أُمِرَ عليه السلام بخروجهم بغتةً ولم يكونوا مستعدِّين للخروج وجادلوك في الحق بعد وضوحه نَصَرَكَ الله وأَمَدَّك بملائكته، ودلَّ على هذا المحذوفِ الكلامُ الذي بعده وهو قوله:
إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ } [الأنفال: 9] الآيات. وهذا الوجهُ استحسنه الشيخ، وزعم أنه لم يُسْبق به، ثم قال: " ويظهر أن الكافَ ليست لمحضِ التشبيه بل فيها معنى التعليل. وقد نصَّ النحويون على أنها للتعليل، وخرَّجوا عليه قولَه تعالى:{ وَٱذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ } [البقرة: 198]، وأنشدوا:
2382ـ لا تَشْتُمِ الناس كما لا تُشْتَمُ
أي: لانتفاء شتم الناس لك لا تشتمهم. ومن الكلام الشائع: " كما تطيع الله يدخلك الجنة " أي: لأجل طاعتك الله يدخلك، فكذا الآية، والمعنى: لأَنْ خرجت لإِعزاز دين الله وقَتْل أعدائه نَصَرك وأَمَدَّك بالملائكة ".
العشرون: تقديرُه: وأطيعوا الله ورسوله إن كنتم مؤمنين كما إخراجُك في الطاعة خيرٌ لكم، كما كان إخراجُك خيراً لهم. وهذه الأقوال ـ مع كثرتها ـ غالبُها ضعيف، وقد بَيَّنْت ذلك.
ملحوظة
نقل الاشمونى الوقف علي كريم ام لا حسب تعلق الكاف فان علقتها بما قبلها مثل يسالونك و... فلاوقف وان علقتها بما بعدها كيجادلونك فوقف وقال استيفاء الكلام علي هذا الوقف جدير بتأليف ونقل ابن الانباري لو كانت للقسم يحسن الوقف علي ماقبلها
-
الجوهرة السادسة والستون بعد المائة
{ ذٰلِكُمْ وَأَنَّ ٱللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ ٱلْكَافِرِينَ }
قال السمين
قوله تعالى: { ذٰلِكُمْ }: يجوز فيه الرفعُ على الابتداء أي: ذلكم الأمر، والخبرُ محذوف قاله الحوفي، والأحسنُ أن يُقَدَّر الخبر: ذلكم البلاءُ حقٌّ وَحَتْمٌ. وقيل: هو خبر مبتدأ، أي: الأمر ذلكم وهو تقدير سيبويه. وقيل: محلُّه نصب بإضمار فِعْلٍ أي: فَعَل ذلك. والإِشارةُ بـ " ذلكم " إلى القتل والرمي والإشبلاء. وقوله " بلاءً " يجوز أن يكونَ اسمَ مصدر أي إبلاء، ويجوز أن يكون أريد بالبلاء نفسُ الشيء المبلوِّ به.
قوله: { وَأَنَّ ٱللَّهَ } يجوز أن يكون معطوفاً على " ذلكم " فيُحكم على محلِّه بما يُحْكَمُ على محلِّ " ذلكم " وقد تقدَّم، وأن يكون في محلِّ نصبٍ بفعل مقدَّر أي: واعلموا أن الله، وقد تقدَّم ما في ذلك. وقال الزمخشري: " إنه معطوفٌ على " وليُبْلي " ، يعني أن الغرضَ إبلاء المؤمنين وتوهينُ كيد الكافرين
ملحوظة
نقل ابن الانباري ان رفعت ذلكم بمضمر حسن الوقف عليه
-
الجوهرة السابعة والستون بعد المائة
{ إِن تَسْتَفْتِحُواْ فَقَدْ جَآءَكُمُ ٱلْفَتْحُ وَإِن تَنتَهُواْ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَإِن تَعُودُواْ نَعُدْ وَلَن تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئاً وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلْمُؤْمِنِينَ }
قال السمين:
قوله: { وَأَنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلْمُؤْمِنِينَ } قرأ نافع وابن عامر وحفصٌ عن عاصم بالفتح والباقون بالكسر. فالفتح من أوجه أحدها: أنه على لام العلة تقديره: ولأن الله مع المؤمنين كان كيت وكيت. والثاني: أنَّ التقدير: ولأن الله مع المؤمنين امتنع عنادهم. والثالث: أنه خبرُ مبتدأ محذوف، أي: والأمر أن الله مع المؤمنين. وهذا الوجهُ الأخيرُ يَقْرُب في المعنى مِنْ قراءة الكسر لأنه استئناف.
ملحوظة
نقل ابن الانباري علي قراءة ان بالكسر يحسن الوقف علي كثرت
-
الجوهرة الثامنة والستون بعد المائة
{ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ }
قال ابن الجوزى
قوله تعالى: { وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم } في المشار إليه قولان.
أحدهما: أهل مكة. وفي معنى الكلام قولان. أحدهما: وما كان الله ليعذبهم وأنت مقيم بين أظهرهم. قال ابن عباس: لم تُعذَّب قرية حتى يخرج نبيُّها والمؤمنون معه. والثاني: وما كان الله ليعذِّبهم وأنت حي؛ قاله أبو سليمان.
والثاني: أن المشار إليهم المؤمنون، والمعنى: وما كان الله ليعذب المؤمنين بضرب من العذاب الذي أهلك به مَن قبلهم وأنت حي؛ ذكره أبو سليمان الدمشقي.
فصل
قال الحسن، وعكرمة: هذه الآية منسوخة بقوله:{ وما لهم ألاَّ يعذبَهم الله } [الأنفال: 34] وفيه بُعد لأن النسخ لا يدخل على الأخبار، وقال ابن أبزى: كان النبي صلى الله عليه وسلم بمكة، فأنزل الله عز وجل { وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم } فخرج إلى المدينة، فأنزل الله { وما كان الله مُعذِّبَهم وهم يستغفرون } وكان أولئك البقية من المسلمين بمكة يستغفرون، فلما خرجوا أنزل الله { وما لهم ألاَّ يعذِّبَهم الله }. وجميع أقوال المفسرين تدل على أن قوله: { وما كان الله معذِّبهم وهم يستغفرون } كلام مبتدأ من إخبار الله عز وجل. وقد روي عن محمد بن إسحاق أنه قال: هذه الآية من قول المشركين، قالوا: والله إنَّ الله لا يعذبنا ونحن نستغفر، فردَّ الله عليهم ذلك بقوله: { وما لهم ألاَّ يعذِّبَهم الله }.
قوله تعالى: { وما كان الله معذِّبَهم وهم يستغفرون } وفي معنى هذا الكلام خمسة أقوال.
أحدها: وما كان الله معذِّب المشركين، وفيهم من قد سبق له أن يؤمن؛ رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس، واختاره الزجاج.
والثاني: وما كان الله معذِّبَهم وهم يستغفرون الله، فانهم كانوا يلّبون ويقولون: غفرانك؛ وهذا مروي عن ابن عباس أيضاً، وفيه ضعف، لأن استغفار المشرك لا أثر له في القبول.
والثالث: وما كان الله معذِّبَهم، يعني: المشركين، وهم ـ يعني المؤمنين الذين بينهم ـ يستغفرون؛ روي عن ابن عباس أيضاً، وبه قال الضحاك، وأبو مالك: قال ابن الأنباري وُصفوا بصفة بعضهم، لأن المؤمنين بين أظهرهم، فأوقع العموم على الخصوص، كما يقال: قتل أهل المسجد رجلاً، وأخذ أهل البصرة فلاناً، ولعله لم يفعل ذلك إلا رجل واحد.
والرابع: وما كان الله معذِّبهم وفي أصلابهم مَن يستغفر الله، قاله مجاهد. قال ابن الأنباري: فيكون معنى تعذيبهم: إهلاكهم؛ فالمعنى: وما كان الله مهلكهم، وقد سبق في علمه أنه يكون لهم أولاد يؤمنون به ويستغفرونه؛ فوصفهم بصفة ذراريهم، وغُلِّبوا عليهم كما غُلِّب بعضهم على كلهم في الجواب الذي قبله.
والخامس: أن المعنى لو استغفروا لما عذَّبهم الله، ولكنهم لم يستغفروا فاستحقُّوا العذاب، وهذا كما تقول العرب: ما كنت لأهينَك وأنت تكرمني؛ يريدون: ما كنت لأهينك لو أكرمتني، فأما إذ لست تكرمني، فانك مستحقٌّ لإهانتي، وإلى هذا القول ذهب قتادة والسدي. قال ابن الأنباري: وهو اختيار اللغويين. وذكر المفسرون في معنى هذا الاستغفار ثلاثة أقوال.
أحدها: أنه الاستغفار المعروف، وقد ذكرناه عن ابن عباس.
والثاني: أنه بمعنى الصلاة، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس، ومنصور عن مجاهد، وبه قال الضحاك.
والثالث: أنه بمعنى الإِسلام، رواه ابن أبي نجيح عن مجاهد وبه قال عكرمة.
ملحوظة
نقل ابن الانباري لو كان الضمير فى وماكان الله معذبهم وهم يستغفرون للمؤمنين وماقبلها للكفار فالوقف علي فيهم ولو كانت الضمائر كلها للمشركين فلاوقف
انتهي
(استدراك)
{ إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِّنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ }
قال السمين:
قوله تعالى: { إِذْ تَسْتَغِيثُونَ }: فيه خمسة أوجه، أحدها: أنه منصوب باذكر مضمراً، ولذلك سمَّاه الحوفي مستأنفاً أي: إنه مقتطعٌ عما قبله. الثاني: أنه منصوب بيحقُّ أي: يحقُّ الحق وقت استغاثتكم. وهو قول ابن جرير. وهو غلط، لأنَّ " ليحقَّ " مستقبل لأنه منصوب بإضمار " أَنْ " ، و " إذ " ظرف لما مضى، فكيف يعمل المستقبل في الماضي؟ الثالث: أنه بدلٌ من " إذ " الأولى، قاله الزمخشري وابن عطية وأبو البقاء. وكان قد قَدَّموا أن العامل في " إذا " الأولى " اذكر " مقدراً. الرابع: أنه منصوب بـ " يعدكم " قاله الحوفي وقَبْلَه الطبري. الخامس: أنه منصوب بقوله " تَوَدُّون " قاله أبو البقاء. وفيه بُعْدٌ لطولِ الفصل
ملحوظة
نقل الاشمونى المجرمون كاف لو علقت اذ تستغيثون بما قبلها وهو قول الطبري
-
الجوهرة التاسعة والستون بعد المائة
{ وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِن كُنتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَمَآ أَنزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الجَمْعَانِ وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ }
قال السمين
قوله: { إِن كُنتُمْ } شرطٌ جوابه مقدرٌ عند الجمهور لا متقدمٌ، أي: إن كنتم آمنتم فاعلموا أن حكمَ الخُمْس ما تقدَّم، أو فاقبلوا ما أُمِرتم به.
ملحوظة
علي قول السمين فالوقف علي السبيل وان كان جواب الشرط متقدم اعلموا هذه الاقسام فلاوقف كما نقل الاشمونى
-
استدراك علي سورة الأعراف
الوقف وعلم التوحيد
{ فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُواْ ٱلْكِتَٰبَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَـٰذَا ٱلأَدْنَىٰ وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِن يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِّثْلُهُ يَأْخُذُوهُ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِّيثَٰقُ ٱلْكِتَٰبِ أَن لاَّ يِقُولُواْ عَلَى ٱللَّهِ إِلاَّ ٱلْحَقَّ وَدَرَسُواْ مَا فِيهِ وَٱلدَّارُ ٱلآخِرَةُ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ }
قال السمين:
قوله: { وَإِن يَأْتِهِمْ عَرَضٌ } هذه الجملةُ الشرطية فيها وجهان، أحدهما: ـ وهو الظاهر ـ أنها مستأنفةٌ لا محلَّ لها من الإِعراب، والثاني: أن الواوَ للحال، وما بعدها منصوبٌ عليها. قال الزمخشري: " الواو للحال، أي: يرجون المغفرة وهم مُصِرُّون عائدون إلى فعلهم غير تائبين، وغفرانُ الذنوبِ لا يَصِحُّ إلا بالتوبة، والمُصِرُّ لا غفران له " انتهى. وإنما جَعَل الواو للحال لهذا الغرض الذي ذكره من أن الغفران شرطُه التوبة، وهو رأي المعتزلة، وأمَّا أهل السنة فيجوز مع عدم التوبة لأنَّ الفاعلَ مختار
ملحوظة
الظاهر علي جعلها للحال لاوقف علي سيغفر لنا
-
الجوهرة السبعون بعد المائة
{ إِذْ يُرِيكَهُمُ ٱللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلاً وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيراً لَّفَشِلْتُمْ وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي ٱلأَمْرِ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ سَلَّمَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ }
قال السمين:
قوله تعالى: { إِذْ يُرِيكَهُمُ ٱللَّهُ }: الناصب لـ " إذ " يجوز أن يكون مضمراً أي: اذكر، ويجوز أن يكون " عليم " وفيه بُعْدٌ من حيث تقييدُ هذه الصفةِ بهذا الوقت. ويجوز أن تكون " إذ " هذه بدلاً من " إذ " قبلها
ملحوظة
نقل الاشمونى عدم الوقف علي عليم لو كانت ناصبة لما بعدها
{ وَلَوْ تَرَىٰ إِذْ يَتَوَفَّى ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلْمَلاۤئِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُواْ عَذَابَ ٱلْحَرِيقِ }
قال الالوسي
{ وَلَوْ تَرَى } خطاب للنبـي صلى الله عليه وسلم أو لكل أحد ممن له حظ من الخطاب، والمضارع هنا بمعنى الماضي لأن { لَوْ } الامتناعية ترد المضارع ماضياً كما أن إن ترد الماضي مضارعاً، أي ولو رأيت { إِذْ يَتَوَفَّى ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلْمَلَـٰئِكَةُ } الخ لرأيت أمراً فظيعاً، ولا بد عند العلامة من حمل معنى المضي هنا على الفرض والتقدير، وليس المعنى على حقيقة المضي، قيل: والقصد إلى استمرار امتناع الرؤية وتجدده وفيه بحث، وإذ ظرف لترى والمفعول محذوف، أي ولو ترى الكفرة أو حالهم حينئذٍ، و { ٱلْمَلَـٰئِكَةُ } فاعل { يَتَوَفَّى } ، وتقديم المفعول للاهتمام به، ولم يؤنث الفعل لأن الفاعل غير حقيقي التأنيث، وحسن ذلك الفصل / بينهما، ويؤيد هذا الوجه قراءة ابن عامر { تتوقى } بالتاء. وجوز أبو البقاء أن يكون الفاعل ضمير الله تعالى، والملائكة على هذا مبتدأ خبره جملة:
{ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ } والجملة الإسمية مستأنفة، وعند أبـي البقاء في موضع الحال، ولم يحتج إلى الواو لأجل الضمير، ومن يرى أنه لا بد فيها من الواو وتركها ضعيف يلتزم الأول، وعلى الأول يحتمل أن يكون جملة { يَضْرِبُونَ } مستأنفة وأن تكون حالاً من الفاعل أو المفعول أو منهما لاشتمالها على ضميريهما وهي مضارعية يكتفي فيها بالضمير كما لا يخفى. والمراد من وجوههم ما أقبل منهم
وقال ابن عطية
هذه الآية تتضمن التعجيب مما حل بالكفار يوم بدر، قاله مجاهد وغيره، وفي ذلك وعيد لمن بقي منهم، وحذف جواب، { لو } إبهام بليغ، وقرأ جمهور السبعة والناس " يتوفى " بالياء فعل فيه علامة التذكير إلى مؤنث في اللفظ، وساغ ذلك أن التأنيث غير حقيقي، وارتفعت { الملائكة } بـ { يتوفى } ، وقال بعض من قرأ هذه القراءة إن المعنى إذ يتوفى الله الذين كفروا و { الملائكة } رفع بالابتداء، و { يضربون } خبره والجملة في موضع الحال.
قال القاضي أبو محمد: ويضعف هذا التأويل سقوط واو الحال فإنها في الأغلب تلزم مثل هذا، وقرأ ابن عامر من السبعة والأعرج " تتوفى " بالتاء على الإسناد إلى لفظ " الملائكة " ، و { يضربون } في موضع الحال، وقوله { وأدبارهم } قال جمهور المفسرين يريد أستاههم، ولكن الله كريم كنى، وقال ابن عباس أراد ظهورهم وما أدبر منهم، ومعنى هذا أن الملائكة كانت تلحقهم في حال الإدبار فتضرب أدبارهم، فأما في حال الإقبال فبين تمكن ضرب الوجوه، وروى الحسن " أن رجلاً قال: يا رسول الله رأيت في ظهر أبي جهل مثل الشراك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ذلك ضرب الملائكة " ، وعبر بجمع الملائكة، وملك الموت واحد إذ له على ذلك أعوان من الملائكة
ملحوظة
نقل الاشمونى من قرا يتوفى بالياء والفاعل الذين كفروا والمفعول اعمالهم اى يستوفون اعمالهم او الفاعل الله فالوقف علي كفروا ثم تبديء الملائكة ومن قرأ بالتاء فلاوقف والفاعل الملائكة
-
الجوهرة الواحدة والسبعون بعد المائة
{ وَلاَ يَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ سَبَقُوۤاْ إِنَّهُمْ لاَ يُعْجِزُونَ }
قال السمين
قولهم: { إِنَّهُمْ لاَ يُعْجِزُونَ } قرأ ابن عامر بالفتح، والباقون بالكسر. فالفتح: إمَّا على حَذْفِ لام العلة، أي: لأنهم. واستبعد أبو عبيد وأبو حاتم قراءة ابن عامر. ووجهُ الاستبعادِ أنها تعليل للنهي أي: لا تَحْسَبَنَّهم فائتين لأنهم لا يُعْجزون، أي: لا يقع منك حسبانٌ لقولهم لأنهم لا يُعْجزون، وإمَّا على أنها بدلٌ من مفعول الحسبان.
ملحوظة
نقل الاشمونى لاوقف علي سبقوا علي قراءة الفتح اى لانهم
-
الجوهرة الثانية والسبعون بعد المائة
{ يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ حَسْبُكَ ٱللَّهُ وَمَنِ ٱتَّبَعَكَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ }
قال القرطبي
قوله تعالىٰ: { وَمَنِ ٱتَّبَعَكَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ } قيل: المعنى حسبك الله، وحسبك المهاجرون والأنصار. وقيل: المعنى كافيك الله، وكافي من تبعك قاله الشَّعْبِيّ وابن زيد. والأوّل عن الحسن. وٱختاره النحاس وغيره. فـ «مَن» على القول الأوّل في موضع رفع، عطفاً على ٱسم الله تعالىٰ. على معنى: فإن حسبك الله وأتباعك من المؤمنين. وعلى الثاني على إضمار. ومثلُه قوله صلى الله عليه وسلم: " يَكْفِينِيه اللَّهُ وأبناء قَيْلة " وقيل: يجوز أن يكون المعنى { وَمَنِ ٱتَّبَعَكَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ } حسبهم الله فيضمر الخبر. ويجوز أن يكون «مَن» في موضع نصب، على معنى: يكفيك الله ويكفي من ٱتبعك.
وقال السمين
قوله تعالى: { وَمَنِ ٱتَّبَعَكَ }: فيه أوجهٌ، أحدها: أن يكون " مَنْ " مرفوعَ المحلِّ عطفاً على الجلالة، أي: يكفيك الله والمؤمنون، وبهذا فسَّر الحسن البصري وجماعة، وهو الظاهر، ولا مَحْذورَ في ذلك من حيث المعنى، وإن كان بعضُ الناسِ استَصْعَبَ كونَ المؤمنين يكونون كافِين النبي صلى الله عليه وسلم وتأوَّل الآيةَ على ما سنذكره.
الثاني: أن " مَنْ " مجرورةُ المحلِّ عطفاً على الكاف في " حَسْبُك " وهو رأيُ الكوفيين، وبهذا فسَّر الشعبي وابن زيد، قالا: معناه: وحسبُ مَن اتَّبعك. الثالث: أن محلَّه نصبٌ على المعيَّة. قال الزمخشري: " ومَن اتبعك ": الواو بمعنى مع، وما بعده منصوبٌ. تقول: " حَسْبُك وزيداً درهمٌ " ولا تَجُرُّ؛ لأن عطفَ الظاهرِ المجرورِ على المُكْنى ممتنعٌ. وقال:
2442ـ.................. فَحَسْبَكَ والضحاكَ سيفٌ مُهَنَّدُ
والمعنى: كفاك وكفى تُبَّاعَك المؤمنين [اللهُ] ناصراً " ، وقال الشيخ: " وهذا مخالف كلامَ سيبويه فإنه قال: " حَسْبُك وزيداً درهمٌ " لَمَّا كان فيه معنى كفاك، وقَبُح أن يَحْملوه على المضمر نَوَوا الفعل كأنه قال: بحسبك ويُحْسِب أخاك [درهمٌ] " ، ثم قال: " وفي ذلك الفعل المضمرِ ضميرٌ يعودُ على الدرهمِ، و النيةُ بالدرهم التقديمُ، فيكون مِنْ عطفِ الجمل. ولا يجوزُ أن يكونَ من باب الإِعمال، لأنَّ طلبَ المبتدأ للخبر وعملَه فيه ليس من قبيل طلب الفعل أو ما جرى مَجْراه ولا عمله فلا يُتَوَّهم ذلك فيه ". قلت: وقد سبق الزمخشري إلى كونه مفعولاً معه الزجاج، إلا أنه جَعَل " حسب " اسمَ فعلٍ فإنه قال: " حسبُ: اسمُ فعلٍ، والكافُ نصبٌ، والواو بمعنى مع " وعلى هذا يكون " اللهُ " فاعلاً، وعلى هذا التقدير يجوز في " ومَنْ " أن يكونَ معطوفاً على الكاف؛ لأنها مفعول باسم الفعل لا مجرورةٌ؛ لأن اسم الفعل لا يُضاف. ثم قال الشيخ: " إلا أن مذهب الزجاج خطأٌ لدخولِ العواملِ على " حَسْب " نحو: بحَسْبك درهم " ، وقال تعالى:{ فَإِنَّ حَسْبَكَ ٱللَّهُ } [الأنفال: 62]، ولم يَثْبُتْ في موضعٍ كونُه اسمَ فعلٍ فيُحْمل هذا عليه ".
وقال ابن عطية بعدما حكى عن الشعبي وابن زيد ما قَدَّمْتُ عنهما من المعنى: " فـ " مَنْ " في هذا التأويل في محلِّ نصب عطفاً على موضع الكاف؛ لأن موضعَها نصبٌ على المعنى بـ " يكفيك " الذي سَدَّتْ " حَسبك " مَسَدَّه ". قال الشيخ: " هذا ليس بجيد؛ لأن " حَسْبك " ليس ممَّا تكونُ الكافُ فيه في موضع نصب بل هذه إضافة صحيحة ليست مِنْ نصب، و " حسبك " مبتدأ مضافٌ إلى الضمير، وليس مصدراً ولا اسم فاعل، إلا إنْ قيل إنه عطف على التوهم، كأنه تَوَهَّم أنه قيل: يكفيك الله أو كفاك الله، لكن العطفَ على التوهُّم لا ينقاسُ، والذي ينبغي أن يُحمل عليه كلامُ الشعبي وابنِ زيد أن تكون " مَنْ " مجرورةً بـ " حَسْب " محذوفةً لدلالة " حَسْبك " عليها كقوله:
2443ـ أكلَّ امرئ تحسبين أمرأً ونارٍ توقَّدُ بالليل ناراً
أي: وكلَّ نارٍ، فلا يكونُ من العطف على الضمير المجرور ". قال ابن عطية: " وهذا الوجهُ مِنْ حَذْفِ المضاف مكروهٌ، بابُه ضرورةُ الشعر ". قال الشيخ: " وليس بمكروهٍ ولا ضرورة، بل أجازه سيبويه وخَرَّج عليه البيتَ وغيرَه من الكلام " ، قلت: قوله: " بل إضافةٌ صحيحة ليست من نصب " فيه نظر لأن النحويين على أنَّ إضافةَ " حسب " وأخواتِها إضافةٌ غيرُ محضة، وعَلَّلوا ذلك بأنها في قوةِ اسمِ فاعلٍ ناصبٍ لمفعولٍ به، فإن " حَسْبك " بمعنى كافيك وغيرك بمعنى مُغايرك، وقيد الأوابد بمعنى مقيِّدها قالوا: ويدل على ذلك أنها تُوصف بها النكرات فقال: " مررت برجلٍ حَسْبِك من رجلٍ ".
وجَوَّز أبو البقاء فيه الرفعَ من ثلاثة أوجه أحدها: أنه نسقٌ على الجلالةِ كما تقدَّم، إلا أنه قال: فيكون خبراً آخر كقولِك: " القائمان/ زيد وعمرو، ولم يُثَنِّ " حَسْبك " لأنه مصدرٌ. وقال قوم: هذا ضعيفٌ؛ لأن الواوَ للجمع ولا يَحْسُن ههنا، كما لا يَحْسُن في قولهم: " ما شاء الله وشئت ". و " ثم " هنا أولى " ، قلت: يعني أنه من طريق الأدب لا يؤتى بالواو التي تقتضي الجمع، بل تأتي بـ " ثم " التي تقتضي التراخي، والحديثُ دالٌّ على ذلك. الثاني: أن يكونَ خبرَ مبتدأ محذوف تقديرُه: وحسب مَنْ اتبعك. والثالث: هو مبتدأ والخبر محذوف تقديره: ومَن اتبعك كذلك أي: حسبهم الله.
ملحوظة
نقل الاشمونى الوقف علي الله لو كان المعنى ومن اتبعك حسبهم الله ولاوقف لو كانت من فى محل رفع عطفا علي الله او جر عطفا علي كاف حسبك
-
سورة التوبه
الجوهرة الثالثة والسبعون بعد المائة
{ وَأَذَانٌ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى ٱلنَّاسِ يَوْمَ ٱلْحَجِّ ٱلأَكْبَرِ أَنَّ ٱللَّهَ بَرِيۤءٌ مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ فَإِن تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي ٱللَّهِ وَبَشِّرِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ }
قال السمين
وقرأ العامَّةُ: " أنَّ الله " بفتح الهمزة على أحدِ وجهين: إمَّا كونِه خبراً لـ " أذان " أي: الإِعلامُ من الله براءتُه من المشركين ـ وضعَّف الشيخُ هذا الوجهَ ولم يذكر تضعيفَه ـ وإمَّا على حَذْفِ حرفِ الجر أي: بأن الله. ويتعلَّقُ هذا الجارُّ إمَّا بنفس المصدرِ، وإمَّا بمحذوفٍ على أنه صفتُه. و " يومَ " منصوبٌ بما تعلَّق به الجارُّ في قوله: " إلى الناس ". وزعم بعضُهم أنه منصوبٌ بـ " أذانٌ " وهو فاسدٌ من وجهين: أحدهما: وصفُ المصدرِ قبل عمله. الثاني: الفَصْلُ بينه وبين معمولِه بأجنبيّ وهو الخبرُ.
وقرأ الحسن والأعرج بكسر الهمزة، وفيه المذهبان المشهوران: مذهبُ البصريين إضمارُ القول، ومذهبُ الكوفيين إجراءُ/ الأذانِ مُجْرىٰ القول.
ملحوظة
نقل الاشمونى علي قراءة الكسر الوقف حسن علي الاكبر
وقال السمين:
قوله: { وَرَسُولِهِ } الجمهورُ على رَفْعِه، وفيه ثلاثة أوجه، أحدها: أنه مبتدأٌ والخبرُ محذوفٌ أي: ورسولُه بريءٌ منهم، وإنما حُذِفَ للدلالةِ عليه. والثاني: أنه معطوفٌ على الضميرِ المستتر في الخبر، وجاز ذلك للفصلِ المسوِّغ للعطف فرفعُه على هذا بالفاعلية. الثالث: أنه معطوفٌ على محل اسم " أنَّ " ، وهذا عند مَنْ يُجيز ذلك في المفتوحةِ قياساً على المكسورة. قال ابن عطية: " ومذهبُ الأستاذ ـ يعني ابن الباذش ـ على مقتضى كلامِ سيبويهِ أن لا موضعَ لِما دخلَتْ عليه " أنَّ "؛ إذ هو مُعْرَبٌ قد ظهر فيه عملُ العامل، وأنه لا فرقَ بين " أَنَّ " وبين " ليت " ، والإِجماعُ على أن لا موضعَ لِما دَخَلَتْ عليه هذه ". قال الشيخ: " وفيه تعقُّبٌ؛ لأن علةَ كونِ " أنَّ " لا موضعَ لِما دَخَلَتْ عليه ليس ظهورَ عملِ العامل بدليل: " ليس زيد بقائم " و " ما في الدار مِنْ رجل " فإنه ظهر عملُ العامل ولهما موضع، وقولُه: " بالإِجماع " ـ يريد أن " ليت " لا موضعَ لِما دَخَلَتْ عليه بالإِجماع ـ ليس كذلك؛ لأن الفراءَ خالَفَ، وجعل حكمَ " ليت " وأخواتِها جميعِها حكمَ " إنَّ " بالكسر ".
قلت: قوله: " بدليل ليس زيدٌ بقائم " إلى آخره قد يَظْهر الفرق بينهما فإن هذا العاملَ وإنْ ظهر عملُه فهو في حكمِ المعدوم؛ إذ هو زائد فلذلك اعتبرنا الموضعَ معه بخلاف " أنَّ " بالفتح فإنه عاملٌ غيرُ زائد، وكان ينبغي أن يُرَدَّ عليه قولُه: " وأن لا فرقَ بين " أنَّ " وبين " ليت " ، فإنَّ الفرقَ قائمٌ، وذلك أن حكمَ الابتداء قد انتسخ مع ليت ولعل وكأن لفظاً ومعنىً بخلافه مع إنَّ وأنَّ فإن معناه معهما باقٍ.
وقرأ عيسى بن عمر وزيد بن علي وابن أبي إسحاق " ورسولَه " بالنصب. وفيه وجهان، أظهرُهما: أنه عطفٌ على لفظ الجلالة. والثاني: أنه مفعولٌ معه، قاله الزمخشري. وقرأ الحسن " ورسولِه " بالجر وفيها وجهان، أحدهما: أنه مقسمٌ به أي: ورسولِه إن الأمر كذلك، وحُذِفَ جوابُه لفهم المعنىٰ. والثاني: أنه على الجِوار، كما أنهم نَعَتوا وأكَّدوا على الجِوار، وقد تقدَّم تحقيقُه. وهذه القراءةُ يَبْعُد صحتُها عن الحسن للإِبهام، حتى يحكى أن أعرابياً سمع رجلاً يقرأ " ورسولِه " بالجر. فقال الأعرابي: إن كان الله قد بَرِىء مِنْ رسوله فأنا بريء منه، فَلَبَّبه القارىء إلى عمر رضي الله عنه، فحكى الأعرابيُّ الواقعةَ، فحينئذ أَمَرَ عمرُ بتعليم العربية. ويُحكى أيضاً هذه عن أمير المؤمنين عليّ وأبي الأسود الدؤلي. قال أبو البقاء: " ولا يكون عطفاً على المشركين لأنه يؤدي إلى الكفر ". وهذا من الوضحات.
ملحوظة
نقل الاشمونى علي قراءة ورسوله بالجر اقسم بالرسول فالوقف علي المشركين
-
الجوهرة الرابعة والسبعون بعد المائة
{ أَلاَ تُقَاتِلُونَ قَوْماً نَّكَثُوۤاْ أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّواْ بِإِخْرَاجِ ٱلرَّسُولِ وَهُم بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَتَخْشَوْنَهُمْ فَٱللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَوْهُ إِن كُنتُمْ مُّؤُمِنِينَ }
قال السمين:
قوله: { فَٱللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَوْهُ } الجلالةُ مبتدأ، وفي الخبر أوجهٌ، أحدها: أنه " أحقُّ " و " أن تَخْشَوه " على هذا بدلٌ من الجلالة بدلُ اشتمال، والمفضَّلُ عليه محذوفٌ؛/ فخشية الله أحقُّ مِنْ خشيتهم. الثاني: أَنَّ " أحقُّ " خبرٌ مقدمٌ و " أَن تَخْشَوه " مبتدأ مؤخر، والجملةُ خبرُ الجلالة. الثالث: أن " أحقُّ " مبتدأ و " أن تَخْشَوه " خبرُه، والجملةُ أيضاً خبر الجلالة. قاله ابن عطية. وحَسُنَ الابتداءُ بالنكرة لأنها أفعلُ تفضيل. وقد أجاز سيبويه أن تكون المعرفةُ خبراً للنكرة في نحو: اقصدْ رجلاً خيرٌ منه أبوه. الرابع: أن " أنْ تَخْشَوه " في محلِّ نصبٍ، أو جر بعد إسقاطِ حرفِ الخفض، إذ التقدير: أحقُّ بأن تَخْشَوه
ملحوظة
الوقف علي اتخشونهم ظاهر
{ وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ وَيَتُوبُ ٱللَّهُ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ }
قال السمين:
قوله تعالى: { وَيُذْهِبْ }: الجمهورُ على ضم الياء وكسرِ الهاء مِنْ أَذْهب. و " غَيْظ " مفعول به. وقرأت طائفةٌ: " ويَذْهَبْ " بفتح الياء والهاء، جَعَله مضارعاً لذهب، " غيظ " فاعل به. وقرأ زيد بن علي كذلك، إلا أنه رفع الفعل مستأنفاً ولم ينسقْه على المجزومِ قبلَه، كما قرؤوا: " ويتوبُ " بالرفع عند الجمهور. وقرأ زيد بن علي والأعرج وابن أبي إسحاق وعمرو بن عبيد، وعمرو بن فائد، وعيسى الثقفي، وأبو عمرو ـ في رواية ـ ويعقوب: " ويتوبَ " بالنصب.
فأمَّا قراءةُ الجمهورِ فإنها استئنافُ إخبارٍ، وكذلك وقع فإنه قد أَسْلَمَ ناسٌ كثيرون. قال الزجاج وأبو الفتح: " وهذا أمرٌ موجودٌ سواءً قوتلوا أم يُقاتَلوا، ولا وجهَ لإِدخال التوبة في جوابِ الشرط الذي في " قاتِلوهم ". يَعْنيان بالشرط ما فُهِمَ من الجملةِ الأمرية.
وأمَّا قراءةُ زيد وَمَنْ ذُكِر معه، فإنَّ التوبةَ تكونُ داخلةً في جوابِ الأمر من طريقِ المعنى. وفي توجيهِ ذلك غموضٌ: فقال بعضهم: إنَّه لمَّا أَمَرَهُمْ بالمقاتلة شَقَّ ذلك على بعضِهم، فإذا أقدموا على المقاتلةِ، صار ذلك العملُ جارياً مَجْرى التوبة من تلك الكراهة. قلت: فيصير المعنى: إن تقاتلوهم يُعَذِّبْهم ويتبْ عليكم من تلك الكراهة لقتالهم. وقال آخرون في توجيه ذلك: إنَّ حصولَ الظفر وكثرةَ الأموال لذَّةٌ تُطلب بطريقٍ حرامٍ، فلمَّا حَصَلَتْ لهم بطريقٍ حلالٍ، كان ذلك داعياً لهم إلى التوبة ممَّا تقدم، فصارت التوبةُ معلقةً على المقاتلة.
وقال ابن عطية في توجيهِ ذلك أيضاً: " يتوجَّه ذلك عندي إذا ذُهِب إلى أن التوبةَ يُراد بها هنا [أنَّ] قَتْلَ الكافرين والجهاد في سبيل الله هو توبةٌ لكم أيُّها المؤمنون وكمالٌ لإِيمانكم، فتدخلُ التوبة على هذا في شرطِ القتال ". قال الشيخ: " وهذا الذي قدَّره من كونِ التوبة تدخل تحت جوابِ الأمر، وهو بالنسبة للمؤمنين الذين أُمِرُوا بقتال الكفار. والذي يظهر أنَّ ذلك بالنسبة إلى الكفار، والمعنى: على مَنْ يشاء من الكفار، لأنَّ قتالَ الكفارِ وغلبةَ المسلمين إياهم، قد يكونُ سبباً لإِسلام كثير. ألا ترى إلى فتح مكة كيف أسلم لأجله ناسٌ كثيرون، وحَسُن إسلامُ بعضِهم جداً، كابن أبي سرح وغيره ". قلت: فيكون هذا توجيهاً رابعاً، ويصيرُ المعنى: إن تقاتلوهم يتب الله على مَنْ يشاء من الكفار أي: يُسْلِمُ مَنْ شاء منهم.
ملحوظة
نقل الاشمونى لاوقف علي قلوبهم علي قراءة يتوب بالنصب والوقف حسن علي قراءة الرفع
-
الجوهرة الخامسة والسبعون بعد المائة
{ لَقَدْ نَصَرَكُمُ ٱللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئاً وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ ٱلأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ }
قال السمين
قوله تعالى: { وَيَوْمَ حُنَيْنٍ }: فيه أوجهٌ: أحدُها: أنه عطفٌ على محلِّ قوله " في مواطنَ " ، عَطَفَ ظرف الزمان من غير واسطة " في " على ظرفِ المكان المجرورِ بها. ولا غَرْو في نسق ظرف زمان على مكان أو العكسِ تقول: " سرت أمامك يوم الجمعة " إلا أنَّ الأحسنَ أن يُتْركَ العاطفُ مثله.
الثاني: زعم ابن عطية أنه يجوز أن يُعْطَفَ على لفظ " مواطن " بتقدير: وفي، فحذف حرفَ الخفض. وهذا لا حاجةَ إليه.
الثالث: قال الزمخشري: " فإن قلت: كيف عطفَ الزمانَ على المكان، وهو " يوم حنين " على " مواطن "؟، قلت: معناه: وموطن يوم حنين أو في أيام مواطنَ كثيرة ويوم حنين ".
الرابع: أن يُراد بالمواطن الأوقاتُ، فحينئذٍ إنما عُطِف زمانٌ على زمان. قال الزمخشري بعدما قَدَّمْتُه عنه: " ويجوز أن/ يُراد بالمواطن الوقت كمقتل الحسين، على أن الواجب أن يكون " يومَ حنين " منصوباً بفعل مضمر لا بهذا الظاهر. ومُوْجِبُ ذلك أن قولَه: " إذا أعجبتكم " بدلٌ من " يوم حنين " ، فلو جَعَلْتَ ناصبَه هذا الظاهرَ لم يصحَّ؛ لأنَّ كثرتَهم لم تُعْجبهم في جميع تلك المواطن، ولم يكونوا كثيرين في جميعها، فبقي أن يكونَ ناصبُه فعلاً خاصاً به ". قلت: لا أدري ما حَمَله على تقدير أحد المضافين أو على تأويل الموطن بالوقت ليصحَّ عَطْفُ زمانٍ على زمان، أو مكان على مكان، إذ يصحُّ عَطْفُ أحدُ الظرفين على الآخر؟
وأمَّا قولُه: " على أن الواجبَ أن يكون إلى آخره " كلامٌ حسن، وتقديره أن الفعلَ مقيدٌ بظرفِ المكان، فإذا جعلنا " إذ " بدلاً من " يوم " كان معمولاً له؛ لأنَّ البدلَ يَحُلُّ مَحَلَّ المبدل منه، فيلزم أنه نصرهم إذا أعجبتهم كثرتُهم في مواطن كثيرة، والفرض أنهم في بعض هذه المواطن لم يكونوا بهذه الصفة. إلا أنه قد ينقدح فإنه تعالى لم يقل: في جميع المواطن حتى يلزم ما قال، ويمكن أن يكونَ أراد بالكثرة الجميعَ، كما يُراد بالقلة العدمُ
ملحوظة
نقل الاشمونى لاوقف علي كثيره لو جعل حنين عطف علي مواطن
-
الجوهرة السادسة والسبعون بعد المائة
{ إِنَّمَا ٱلنَّسِيۤءُ زِيَادَةٌ فِي ٱلْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يُحِلُّونَهُ عَاماً وَيُحَرِّمُونَهُ عَاماً لِّيُوَاطِئُواْ عِدَّةَ مَا حَرَّمَ ٱللَّهُ فَيُحِلُّواْ مَا حَرَّمَ ٱللَّهُ زُيِّنَ لَهُمْ سُوۤءُ أَعْمَالِهِمْ وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلْكَافِرِينَ }
قال القرطبي:
قرأ أهل الحَرَمين وأبو عمرو «يَضِل» وقرأ الكوفيون «يُضَل» على الفعل المجهول. وقرأ الحسن وأبو رجاء «يُضِل». والقراءات الثلاث كل واحدة منها تؤدّي عن معنى إلا أن القراءة الثالثة حذف منها المفعول. والتقدير: ويضِل به الذين كفروا مَن يقبل منهم. و { ٱلَّذِينَ } في محل رفع. ويجوز أن يكون الضمير راجعاً إلى الله عز وجل. التقدير: يضل الله به الذين كفروا كقوله تعالى:{ يُضِلُّ مَن يَشَآءُ } [الرعد: 27]، وكقوله في آخر الآية: { وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلْكَافِرِينَ }. والقراءة الثانية «يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا» يعني المحسوب لهم واختار هذه القراءة أبو عبيد لقوله تعالى: «زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ». والقراءة الأُولى اختارها أبو حاتم لأنهم كانوا ضالين به، أي بالنسيء لأنهم كانوا يحسبونه فيضِلون به.
ملحوظة
نقل الاشمونى علي قراءة الضم بالبناء للمفعول فالوقف علي الكفر
-
الجوهرة السابعة والسبعون بعد المائة
{ إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ ٱللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ثَانِيَ ٱثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي ٱلْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ ٱللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلسُّفْلَىٰ وَكَلِمَةُ ٱللَّهِ هِيَ ٱلْعُلْيَا وَٱللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ }
قال القرطبي
وقرأ الأعمش ويعقوب «وكلِمة اللَّهِ» بالنصب حملاً على «جعل». والباقون بالرفع على الاستئناف. وزعم الفراء أن قراءة النصب بعيدة قال: لأنك تقول أعتق فلان غلام أبيه، ولا تقول غلام أبي فلان. وقال أبو حاتم: نحواً من هذا. قال: كان يجب أن يُقال وكلمته هي العليا. قال النحاس: الذي ذكره الفرّاء لا يشبه الآية، ولكن يشبهها ما أنشد سيبويه:
لا أرى الموتَ يسبِق الموتَ شيءٌ نغّص الموت ذا الغِنَى والفقِيرَا
فهذا حسن جيّد لا إشكال فيه، بل يقول النحويون الحذاق: في إعادة الذكر في مثل هذا فائدة، وهي أن فيه معنى التعظيم قال الله تعالىٰ:{ إِذَا زُلْزِلَتِ ٱلأَرْضُ زِلْزَالَهَا * وَأَخْرَجَتِ ٱلأَرْضُ أَثْقَالَهَا } [الزلزلة: 1 ـ 2] فهذا لا إشكال فيه. وجمع الكلِمة كَلِم. وتميم تقول: هي كِلمة بكسر الكاف. وحكى الفرّاء فيها ثلاث لغات: كَلِمة وكِلْمة وكَلْمة مثل كَبِد وكِبْد وكَبْد، ووَرِق ووِرْق ووَرْق. والكلْمة أيضاً القصيدة بطولها قاله الجوهريّ.
ملحوظة
علي القراءة المشهور فالوقف علي السفلي ونقل الاشمونى الوقف علي سكينته عليه لو الضمير للصديق وللرازى كلام رائع فى تفسيره فى العطف فى الاية فليراجع
-
الجوهرة الثامنة والسبعون بعد المائة
{ عَفَا ٱللَّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكَ ٱلَّذِينَ صَدَقُواْ وَتَعْلَمَ ٱلْكَاذِبِينَ }
قال القرطبي
قوله تعالىٰ: { عَفَا ٱللَّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ } قيل: هو افتتاح كلام كما تقول: أصلحك الله وأعزك ورحمك! كان كذا وكذا. وعلى هذا التأويل يحسن الوقف على قوله: { عَفَا ٱللَّهُ عَنكَ } حكاه مكيّ والمهدوِيّ والنحاس. وأخبره بالعفو قبل الذنب لئلا يطير قلبه فَرَقاً. وقيل: المعنىٰ عفا الله عنك ما كان من ذنبك في أن أذِنت لهم فلا يحسن الوقف على قوله: «عَفَا الله عَنْكَ» على هذا التقدير حكاه المهدوِيّ واختاره النحاس. ثم قيل: في الإذن قولان: الأوّل ـ «لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ» في الخروج معك، وفي خروجهم بلا عُدّة ونية صادقة فسادٌ. الثاني ـ «لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ» في القعود لما اعتلّوا بأعذار ذكرهما القشيري قال: وهذا عتاب تلطف إذ قال: «عَفَا اللَّهُ عَنْكَ». وكان عليه السلام أذن من غير وحَيْ نزل فيه. قال قتادة وعمرو بن ميمون: ثنتان فعلهما النبيّ صلى الله عليه وسلم و لم يؤمر بهما: إذنُه لطائفة من المنافقين في التخلف عنه ولم يكن له أن يمضي شيئاً إلا بوحي، وأخذهُ من الأسارىٰ الفِدية فعاتبه الله كما تسمعون. قال بعض العلماء إنما بدر منه ترك الأوْلىٰ، فقدّم الله له العفو على الخطاب الذي هو في صورة العتاب
وقال السمين
قوله: { حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ } " حتى " يجوز أن تكون للغاية، ويجوزُ أن تكونَ للتعليل، وعلى كلا التقديرين فهي جارَّةٌ: إمَّا بمعنىٰ إلى وإمَّا اللام، و " أَنْ " مضمرةٌ بعدها ناصبة للفعل، وهي متعلقة بمحذوفٍ. قال أبو البقاء " تقديره: هلاَّ أخَّرْتَهم إلى أن يتبيَّنَ أو ليتبيَّن. وقوله: { لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ } يدلُّ على المحذوف، ولا يجوزُ أن تتعلَّقَ " حتى " بـ " أَذِنْتَ " لأن ذلك يوجب أن يكونَ أَذِن لهم إلى هذه الغاية أو لأجل التبيين، وذلك لا يُعاتَبُ عليه ". وقال الحوفي " حتى غاية لِمَا تضمَّنه الاستفهامُ، أي: ما كان له أن يأذن لهم حتى يتبيَّنَ له العُذْر ". قلت: وفي هذه العبارةِ بعَضُ غضاضة.
وقال ابن عطية
قوله تعالى: { عفا الله عنك لم أذنت لهم } كان صلى الله عليه وسلم قد أذن لقوم من المنافقين في التخلُّف لمَّا خرج إلى تبوك، قال ابن عباس: ولم يكن يومئذ يعرف المنافقين. قال عمرو بن ميمون: اثنتان فعلهما رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يؤمر بهما: إذنه للمنافقين، وأخذه الفداء من الأسارى؛ فعاتبه الله كما تسمعون. قال مورِّق: عاتبه ربُّه بهذا. وقال سفيان بن عيينة: انظر إلى هذا اللطف، بدأه بالعفو قبل أن يعيِّره بالذَّنْب. وقال ابن الأنباري: لم يخاطَب بهذا لجرم أجرمه، لكنَّ الله وقَّره ورفع من شأنه حين افتتح الكلام بقوله: { عفا الله عنك } كما يقول الرجل لمخاطبه إذا كان كريماً عليه: عفا الله عنك، ما صنعت في حاجتي؟ ورضي الله عنك هلاَّ زرتني