ملاحظات على تفسير المنار لسورة البقرة
ملاحظات على تفسير المنار لسورة البقرة
استكمالاً لما بدأناه من إبداء الملاحظات النقدية، وإرشادا لطلاب العلم إلى كيفية إعادة النظر في الكتب التي ألفها بعض المشهورين، وقد خالفوا فيها من بعض الجهات طريقة أهل السنة، نشرع بتوفيق الله تعالى وعونه في كتابة بعض ما لاحظناه على تفسير المنار.
المؤمنون بمجرد الفطرة:
ذكر محمد رشيد رضا أن أقسام الناس التي ذكرها الله تعالى في بداية سورة البقرة ثلاثة، منها كما قال(1/105):"المؤمنون وهم قسمان : اللذين يؤمنون بالغيب بمجرد سلامة الفطرة ويقيمون ركني الدين؛ البدني والروحي والمالي الاجتماعي، والذين يؤمنون به بتأثير إيمانهم بما أنزل من قبله من كتب الرسل..الخ"
ثم ذكر القسمين الآخرين وهما الكافرون الراسخون في الكفر، والمنافقون. ونلاحظ على ما ذكره محمد رشيد رضا أنه في القسم الأول ذكر أن المؤمنون إما يؤمنون بالفطرة أو بتأثير بما أنزل من قبل، ونحن نعجب من هذا القول الذي يهمل فيه المؤمنون عن طريق النظر والعقل، وهو يعلم أن القرآن أصلا نزل يخاط الناس ليؤمنوا بالله تعالى وبرسالاته عن طريق النظر والتدبر العقلي.
ويبدو لي أن حصر المؤمنين في ما ذكر تقليدا للوهابية وابن تيمية، وقد لجأ محمد رشيد رضا إلى تفسير قوله تعالى (أفلا تعقلون) في(1/111) بقوله"وهي صريحة في أن هذا مخالف في المنقول الشرعي وهو الكتاب، وللمعقول الفطري إذ لا يخفى على عاقل قبح عمل من يأمر غيره بالخير وهو يتركه...الخ"اهـ. فسمى هذا المعقول بالمعقول الفطري، وكان ينبغي أن يقتصر على تسميته بالمعقول كما أطلقه القرآن، وأما تقييده بالفطري، فإن كان المقصود منه أن مخلوق مع الإنسان ذلك الإدراك، فهو غلط محض، وإلا فهو معقول مطلقا ولا وجه لتسميته بالفطري.
استعماله لمصطلح غربي(القرون الوسطى)
من المعلوم أن مصطلح القرون الوسطى مصطلح غربي أطلق على فترة معينة مر فيها أهل أوروبا، وفي هذه القرون انتشر الجهل والخرافات والهزات الفكرية، واشتد فيها تسلط رجال الدين عندهم على الحياة الاجتماعية والسياسية بزعم أنهم يتكلمون باسم الرب. ومن العجيب أن نرى واحدا يفسر القرآن ويزعم أنه يجدد للناس دينهم يستعمل هذا المصطلح ويطلقه على علمائنا المتقدمين فقد قال مثلا في (1/114):" وإن في إطلاق مقلدة المصنفين من خلف القرون الوسطى القول بإيجاب تقليد المجتهدين في أمور الدين وتحريم الأخذ بالدليل فيه.... خلاصة تحريم العلم وإيجاب الجهل، وهذا منتهى الإفساد للفطرة والعقل ، وهو أقطع المدى لأوصال الإسلام وأفعل المعاول في هدم قواعد الإيمان...الخ"اهـ.
ومن الواضح تأثره بالغربيين لا في المصطلح فقط، بل إنه استحضر أيضا روحهم في مخاطبهم الرهبان والبابوات، فتراه يخاطب علماء الدين بنفس تلك الروح التي تسلطت على ما يسمون بعلماء التنوير أو مفكري التنوير.
وتأمل كيف يعتبر تقليد المجتهدين كالفقهاء الأربعة سببا في خراب الدين وفساده
وقال في أثناء نقده لكتب كان الأزهر قد اعتمدها كشرح التلخيص وحواشيه ونحوهما في تفسير المنار (1/202) وحض على قراءة كتب عبد القاهر الجرجاني وقراءة كثير من منظوم العرب ومنثورهم :" فهذا هو الأصل في تحصيل ملكة البلاغة فهما وأداء، والقوانين الموضوعة لها مستنبطة من الكلام البليغ وليس هو مستنبطا منها، وقد عكست القضية منذ القرون الوسطى حتى ساغ لمستقل الفكر أن يقول في الكتب التي أشار إليها وهي التي تقرأ في مدرسة الجامع الأزهر وأمثالها إن قواعدها تقليدية لا يمكن أن يعلم بها تفاضل الكلام..."اهـ
ونحن لا نريد الآن إلا التنبيه على استعماله لمصطلح القرون الوسطى بنفس الإيحاءات التي أشرنا إليها سابقا، وليس قصدنا أن ننقد ما قاله من رأي ضعيف حقا في كتب الإمام السعد وغيره، وسوف نتكلم على رأيه هذا في موضعه إن شاء الله تعالى، وعند ذاك سيتبين لك مدى فهاهة قوله وتفاهة رأيه؛ وإن بدا للعديد من كتاب هذا العصر الغريب العجيب قويا رشيدا.
ولا بد من ملاحظة أننا لا نستقل من فائدة كتب الإمام عبد القاهر بل نقول إنها العمدة والأساس، ولكنا نخالفه في رأي أبداه في مصنفات علماء البلاغة الأخرى على ما سيظهر لك في موضعه.