و قال تعالى : {هُنَالِكَ تَبْلُو كُلُّ نَفْسٍ مَا أَسْلَفَتْ وَرُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ}
قال الطبري: {فإنه يقول: ورجع هؤلاء المشركون يومئذٍ إلى الله الذي هو ربهم ومالكهم الحقّ لا شك فيه ، دون ما كانوا يزعمون أنهم لهم أرباب من الآلهة والأنداد..} اهـ
أي أن الله -أيها المشركون- هو ربكم الحق الحقيقي وحده و ليست أصنامكم أربابا و أندادا كما تزعمون ..بل هي أرباب باطلة لا قيمة لها و لا نفع و لا تضر ..فظهر أنهم يعتقدون أصنامهم أربابا مع الله تعالى توالي و تنصر و تنفع و تضر و تقرب إلى الله و تشفع عنده استقلالا من دون إذن الله و مشيئته و رضاه.. و هذا هو الشرك في الربوبية لا محالة..
و قال الألوسي:
{{ مولاهم } أي ربهم { الحق } أي المتحقق الصادق في ربوبيته لا ما اتخذوه ربا باطلا } اهـ.
و بالتالي صدق كلام الشيخ سعيد حفظه الله في قوله:
{ويتحصل من هذا أيضا غلط ابن باز الهائل في تعليقاته على العقيدة الطحاوية ..} اهـ
و أدلة بطلان التقسيم المبتدع كثيرة جدا ..
ثم هؤلاء المشركون لو كانوا موحدين الله بربوبيبته هل كانوا يسبونه إذا سبت آلهتهم ؟؟؟ حتى قال الله تعالى للمؤمنين:
{وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}..
قال ابن كثير: {يقول تعالى ناهيا لرسوله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين عن سب آلهة المشركين، وإن كان فيه مصلحة، إلا أنه يترتب عليه مفسدة أعظم منها، وهي مقابلة المشركين بسب إله المؤمنين، وهو الله لا إله إلا هو.
كما قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في هذه الآية: قالوا: يا محمد، لتنتهين عن سبك آلهتنا، أو لنهجون ربك، فنهاهم الله أن يسبوا أوثانهم، { فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ }
وقال عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة: كان المسلمون يسبون أصنام الكفار، فيسب الكفار الله عدوا بغير علم، فأنزل الله: { وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ } اهـ
هل هذه حال من يعظم الله تعالى و يعتقد أنه متفرد بربوبية العالم و رزقه و تدبيره و ملكه ؟؟؟؟ كيف و سبّ المسلمين لآلهتهم أعظم جرما عندهم من سبهم هم لله تعالى رب العالمين ؟؟؟؟ ..فأيهما أعظم عندهم: الله أم آلهتهم ؟؟؟
و قد قال الله تعالى أيضا: {وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلَا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَائِهِمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ}
قال الطبري رحمه الله:
{عن ابن عباس(فما كان لشركائهم فلا يصل إلى الله)، الآية، قال: كانوا إذا أدخلوا الطعام فجعلوه حُزَمًا، جعلوا منها لله سَهْمًا، وسهمًا لآلهتهم. وكان إذا هبت الريح من نحو الذي جعلوه لآلهتهم إلى الذي جعلوه لله، ردُّوه إلى الذي جعلوه لآلهتهم. وإذا هبت الريح من نحو الذي جعلوه لله إلى الذي جعلوه لآلهتهم، أقرُّوه ولم يردُّوه. فذلك قوله:(سَاءَ ما يحكمون). وإنما عنى بذلك تعالى ذكره الخبرَ عن جهلهم وضلالتهم، وذهابهم عن سبيل الحق، بأنهم لم يرضوا أن عدلوا بمن خلقهم وغذاهم، وأنعم عليهم بالنعم التي لا تحصى، ما لا يضرهم ولا ينفعهم، حتى فضّلوهم في أقسامهم عند أنفسهم بالقَسْم عليه.}اهـ
فهذا واضح في أن آلهتهم أعظم عندهم من الله و قد فضلوها عليه سبحانه ..فكيف يكون قوم كهؤلاء موحدين لله في ربوبيته كتوحيد المسلمين له ؟؟؟؟؟
دليل آخر..قال الله تعالى: {قَالَ بَلْ رَبُّكُمْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا عَلَى ذَلِكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ (56) وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا إِلَّا كَبِيرًا لَهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ (58) قَالُوا مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآَلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ (59) قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ (60) قَالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ قَالُوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآَلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ (62) قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ (63) فَرَجَعُوا إِلَى أَنْفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ (64) ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُءُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلَاءِ يَنْطِقُونَ (65)..}
قال الامام الطبري:
القول في تأويل قوله تعالى: { قَالَ بَل رَبُّكُمْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا عَلَى ذَلِكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ (56)}
يقول تعالى ذكره: قال إبراهيم لهم: بل جئتكم بالحق لا اللعب، ربكم ربّ السماوات والأرض الذي خلقهنّ، وأنا على ذلكم من أن ربكم هو ربّ السماوات والأرض الذي فطرهنّ، دون التماثيل التي أنتم لها عاكفون، ودون كلّ أحد سواه شاهد من الشاهدين، يقول: فإياه فاعبدوا لا هذه التماثيل التي هي خلقه التي لا تضرّ ولا تنفع.}اهـ
و هذا صريح في أن المشركين كانوا يعتقدون أن التماثيل أرباب مع الله تعالى فأنكر الله عليهم ذلك على لسان إبراهيم عليه السلام و قال ما معناه: لا ليست تلك الأصنام أربابا حقاا كما تزعمون و تعتقدون بل ربكم الحق وحده هو الله تعالى..
و هو معنى قول الطبري: و ربّ السماوات والأرض الذي فطرهنّ، دون التماثيل التي أنتم لها عاكفون،..
ثم قال رحمه الله: {وقوله( لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ ) يقول: فعل ذلك إبراهيم بآلهتهم ليعتبروا ويعلموا أنها إذا لم تدفع عن نفسها ما فعل بها إبراهيم، فهي من أن تدفع عن غيرها من أرادها بسوء أبعد، فيرجعوا عما هم عليه مقيمون من عبادتها إلى ما هو عليه من دينه وتوحيد الله، والبراءة من الأوثان.} اهـ
أي أن ابراهيم عليه السلام كسر الأصنام ليعلموا أنها لم تنقذ نفسها من الضرر و بالتالي فهي أعجز من أن تدفع عن عبادها الضرر و السوء كما يعتقدون ..فإذا غيّر اعتقادهم هذا فيها فسيمتنعون عن عبادتها مع الله تعالى..إذ هم لم يعبدوها إلا لأنهم يعتقدون أنها تدفع عنهم السوء و تجلب لهم النفع استقلالا عن الله تعالى ..فإذا كسر اعتقادهم هذا بذلك الفعل فقد هدم عبادتهم لها بالضرورة .. و هذا ظاهر أيضا في أن المشركين كانوا يشركون آلهتهم في الربوبية مع الله تعالى حيث يعتقدون أنها تدفع عنهم السوء من دون الله تعالى ..و هو ما جعل سيدنا ابراهيم يكسر آلهتهم ليقنعهم أنها لا تدفع السوء و لا تجلب النفع من دون الله تعالى كما يظنون ..
قال الطبري:
{كما حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق( قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكُمْ شَيْئًا وَلا يَضُرُّكُمْ )... الآية، يقول يرحمه الله: ألا ترون أنهم لم يدفعوا عن أنفسهم الضرّ الذي أصابهم، وأنهم لا ينطقون فيخبرونكم من صنع ذلك بهم، فكيف ينفعونكم أو يضرّون...} اهـ
أي فكيف تعتقدون أنها تضر و تنفع من دون الله تعالى و هي لم تقدر على نفع نفسها و دفع الضر عنها ؟؟
و قال الألوسي:
{وقال شيخ الإسلام: إن قوله: { بَل رَّبُّكُمْ } الخ إضراب عما بنوا عليه مقالهم من اعتقاد كون تلك التماثيل أرباباً لهم كأنه قيل ليس الأمر كذلك بل ربكم الخ..} اهـ
و قال أبو حيان في البحر المحيط:
{فإذا رجعوا إلى الصنم بمكابرتهم لعقولهم ورسوخ الإشراك في أعراقهم فأي فائدة دينية في رجوعهم إليه حتى يجعله إبراهيم صلوات الله عليه غرضاً ؟ قلت: إذا رجعوا إليه تبين أنه عاجز لا ينفع ولا يضر وظهر أنهم في عبادته على أمرعظيم..} اهـ
و قال الشوكاني:
{لعلهم إلى الصنم الكبير يرجعون فيسألونه عن الكاسر ، لأن من شأن المعبود أن يرجع إليه في المهمات ، فإذا رجعوا إليه لم يجدوا عنده خبراً ، فيعلمون حينئذٍ أنها لا تجلب نفعاً ولا تدفع ضرراً ، ولا تعلم بخير ولا شرّ ، ولا تخبر عن الذي ينوبها؛ من الأمر } اهـ
فالمشركون إنما يعلمون أنها لا تنفع و لا تضر من دون الله شيئا إلا بعد أن يكسر أصنامهم تلك ليريهم انها لا تملك لنفسها فضلا عن غيرها شيئا لا كما يعتقدون من ربوبيتها في النفع و الضر من دون الله تعالى..و لو لا ذلك ما كان لكسر سيدنا ابراهيم للأصنام أية فائدة ..
اقتباس:
وبهذا بطل قول الشيخ سعيد: (فيستحيل أن يكون واحد موحدا توحيد ربوبية ومشركا في العبادة) بطلاناً بيناً ، وسيتضح لنا بطلان كلامه أكثر من خلال الأدلة الكثيرة التالية مع فهم العلماء لها .
بل لم يبطل إلا إبطالك المزعوم كما هو واضح مما مر من كلام الأئمة ..
و قولك:
اقتباس:
قال أبو العالية ونقله الطبري في تفسيره : (كلُّ آدمي قد أقر على نفسه بأن الله ربي وأنا عبده ، فمن أشرك في عبادته فهذا الذي أسلم كرهاً ومن أخلص له العبودية فهو الذي أسلم طوعاً)
فليس نصا فيما تريد..لأننا نقول أيضا ان المشركين معتقدون أن الله ربهم و خالقهم و أنهم عباده، و لكنهم ما أشركوا معه غيره في العبادة إلا لأنهم يعتقدون أن ذلك الغير له من الربوبية ما يجعله مستحقا للعبادة..فأين في كلام أبي العالية أن المشركين لم يعتقدون ربا لهم سوى الله تعالى؟؟؟ و أين في كلامه أن ما عبدوه من دون الله لم يعتقدوا فيه الربوبية مع اعتقادهم الربوبية لله تعالى ؟؟؟ ..فلا تقوّله ما لم يقله رحمه الله تعالى ..
ثم كلامه رحمه الله لا يصح بإطلاقه لأنه قال: (كل آدمي يقر بأن الله ربه ) مع أنه من المعلوم أن كثيرا من بني آدم لا يقر بوجود رب و خالق للعالم أصلا كالدهرية و نحوهم من الملاحدة ..فلا يصح قول أبي العالية رحمه الله ..
و كيف يكون المشركون موحدين الله في ربوبيته و هم يعتقدون أن الدهر أي الزمن هو الذي يفنيهم و يهلكهم ؟؟؟
قال الطبري:
{وقوله( وَمَا يُهْلِكُنَا إِلا الدَّهْرُ ) يقول تعالى ذكره مخبرًا عن هؤلاء المشركين أنهم قالوا: وما يهلكنا فيفنينا إلا مرّ الليالي والأيام وطول العمر، إنكارًا منهم أن يكون لهم ربّ يفنيهم ويهلكهم.
* ذكر من قال ذلك:
حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد( وَمَا يُهْلِكُنَا إِلا الدَّهْرُ ) قال: الزمان.
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، في قوله( وَمَا يُهْلِكُنَا إِلا الدَّهْرُ ) قال ذلك مشركو قريش( وَمَا يُهْلِكُنَا إِلا الدَّهْرُ ) : إلا العمر...وذُكر أن هذه الآية نزلت من أجل أن أهل الشرك كانوا يقولون: الذي يهلكنا ويفنينا الدهر والزمان، ثم يسبون ما يفنيهم ويهلكهم، وهم يرون أنهم سبون بذلك الدهر والزمان، فقال الله عزّ وجلّ لهم: أنا الذي أفنيكم وأهلككم، لا الدهر والزمان، ولا علم لكم بذلك.
* ذكر الرواية بذلك عمن قاله:
حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا ابن عيينة، عن الزهريّ، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم، قال: "كانَ أهْلُ الجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ: إنَّمَا يُهْلِكُنَا اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ، وَهُوَ الَّذِي يُهْلِكُنَا وَيُمِيتُنَا وَيُحْيِينا، فقال الله في كتابه:( وَقَالُوا مَا هِيَ إِلا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلا الدَّهْرُ ) قال: فَيَسُبُّونَ الدَّهْرَ، فَقَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: يُؤْذِينِي ابْنُ آدَمَ يَسُبُّ الدَّهْرَ وأنا الدَّهْرُ، بِيَدِي الأمْرُ، أُقَلِّبُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ"..؛ اهـ
و قال ابن كثير: {يخبر تعالى عن قول الدهرية من الكفار ومن وافقهم من مشركي العرب في إنكار المعاد: { وَقَالُوا مَا هِيَ إِلا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا } أي: ما ثم إلا هذه الدار، يموت قوم ويعيش آخرون وما ثم معاد ولا قيامة وهذا يقوله مشركو العرب المنكرون للمعاد، ويقوله الفلاسفة الإلهيون منهم، وهم ينكرون البداءة والرجعة، ويقوله الفلاسفة الدهرية الدورية المنكرون للصانع المعتقدون أن في كل ستة وثلاثين ألف سنة يعود كل شيء إلى ما كان عليه.
[...] قال الشافعي وأبو عبيدة وغيرهما من الأئمة في تفسير قوله، عليه الصلاة والسلام: "لا تسبوا الدهر؛ فإن الله هو الدهر": كانت العرب في جاهليتها إذا أصابهم شدة أو بلاء أو نكبة، قالوا: يا خيبة الدهر. فيسندون تلك الأفعال إلى الدهر ويسبونه، وإنما فاعلها هو الله [عز وجل] فكأنهم إنما سبوا، الله عز وجل؛ لأنه فاعل ذلك في الحقيقة، فلهذا نُهي عن سب الدهر بهذا الاعتبار؛ لأن الله هو الدهر الذي يعنونه، ويسندون إليه تلك الأفعال.
هذا أحسن ما قيل في تفسيره، وهو المراد، والله أعلم.} اهـ
و هذا قاطع أيضا في أن مشركي العرب كانوا ينسبون الفعل و النفع و الضر و الإفناء و الهلاك من دون الله تعالى استقلالا عنه إلى غير الله تعالى كالدهر هنا و الأصنام و نحوها من معبوداتهم ..فكيف يقال عن هؤلاء إنهم موحدون في الربوبية ؟؟؟
اقتباس:
وقال تعالى : (وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون) قال الطبري في تفسيره : (يقول تعالى ذكره : وما يقرُّ أكثر هؤلاء الذين وصف عز وجل صفتهم بقوله : (وكأين من آية في السماوات والأرض يمرون عليها وهم عنها معرضون) أنه خالقه ورازقه وخالق كل شيء إلا وهم به مشركون في عبادتهم الأوثان والأصنام واتخاذهم من دونه أرباباً وزعمهم أنه له ولداً تعالى الله عما يقولون) .
و هذا عجيب استدلالك به و هو رحمه الله يقول: {..واتخاذهم من دونه أربابا..} ؟؟؟ ..فهو مصرح بأن تلك الأصنام أرباب عند عابديها فهي تضرهم و تنفعهم و تنصرهم و ترزقهم و تشفع لهم دون إذن من الله تعالى و استقلالا عن مشيئته
كما مر قبل ..و هذه صفات للرب فهم مشركون في الربوبية ..و ما أشركوا في عبادتها إلا لذلك ..
و قولك بعده:
اقتباس:
فنجد في عبارة الطبري التفريق بين الإقرار بأن الله خالقهم ورازقهم أي بربوبية الله وبين الشرك في العبادة ، فهم مقرون بالربوبية ومشركون في الألوهية .
نعم هذا صحيح فالمشركون مقرون بالربوبية لله تعالى و عبدوا معه غيره فأشركوا في ألوهيته..لكن هل يعني ذلك أنهم موحدون في الربوبية ؟؟؟ لا و الدليل ما مر مرارا..فلا دليل في كلامه أصلا ..لأنك لا تميز بين الاقرار بالربوبية و بين توحيد الربوبية ..من أجل ذلك قلت:
{ثم قال الطبري : (وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل : ذكر من قال ذلك :حدثنا بن وكيع قال ثنا عمران بن عيينة عن عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس وما يؤمن أكثرهم بالله ...)الآية ، قال : من إيمانهم إذا قيل لهم من خلق السماء ومن خلق الأرض ومن خلق الجبال قالوا الله وهم مشركون.}اهـ
و هذا لا دليل فيه على ما تريد لأن المشركين مؤمنون بالله ربا و خالقا..نعم و لكنهم لا يعتقدونه الرب الوحيد الذي لا ينفع و لا يضر و لا ينصر و لا تنفذ مشيئته إلا الله ..فحاول أن تفهم هذا ..
اقتباس:
فالعبادة كما قال العلماء هي كمال الذل والخضوع ، ثم وضح رحمه الله سبب هذه الاستكانة والخشوع والذل وهو الإقرار بالربوبية . أي نحن نعبدك يا الله لإقرارنا بربوبيتك
إن كانت العبادة هي كمال الذل و الخضوع، و الذل و الخضوع أمور قلبية بالأصالة و ان كانت تظهر على الجوارح..
و لكن كيف تفرق بين الذل و الخضوع الذي يكون عبادة للمخضوع له و بين الذل و الخضوع الذي لا يكون عبادة؟؟ ..إلا إن كنت تعتقد أن كل ذل و خضوع فهو عبادة للمخضوع له فيلزمك تكفير المسلمين جميعا..
فلو رأيت مسلما في غاية التذلل و الخضوع لشخص كوالديه أو حاكمه أو عدوه فهل تحكم عليه بأنه يعبده ؟؟؟
فإن قلت: غاية الخضوع له تعني أن يسجد له و يركع فلا يمكن أن يسجد له من غير أن يكون عابدا له ..
قلنا: يلزمك أن مجرد السجود لغير الله و لو لبشر فهو عبادة له و شرك ..و ما هو شرك و عبادة لغير الله فهو محارب و مذموم من جميع الشرائع و الرسالات، فيلزم أن سجود إخوة يوسف ليوسف كفر و شرك و عبادة له..و هذا فيه تكفير للنبي يوسف عليه السلام لأنه رضي بذلك ..فظهر أنه ليس كل سجود لغير الله كفرا و شركا و عبادة للمسجود له..
فكيف تحكم على أن من ذل و خضع لشيء أنه عابد له مشرك به ؟؟؟
فتعريفك للعبادة غير سليم ..بل الحق أن العبادة غاية الخضوع و إرادة التقرب ممن يعتقد فيه الربوبية أي الاستقلال بالفعل و نفاذ المشيئة..
اقتباس:
وأما حكم السلفيين على أعمال بعض المتصوفة بالشرك أو الكفر لأن أعمالهم تتنافى مع التوحيد الذي بعث الله به رسوله صلى الله عليه وسلم منافاة واضحة مثل استغاثتهم بالأنبياء والصالحين وسؤالهم فيما لا يقدر عليه إلا الله تعالى
لم يحكموا بذلك على بعض الصوفية كما تقول و إنما حكموا على الجزيرة العربية و الشام و اليمن و مصر و العراق بأن أغلب اهلها (حتى لا نقول كلهم) مشركون عباد قبور ..و راجع مثلا تاريخ نجد لابن غنام تلميذ ابن عبد الوهاب و اقرأ سطوره الأولى ثم أخبرنا ماذا يقول الوهابية الأولون عن عامة المسلمين وقتئذ..
أما كون الاستعانة بالأنبياء و الأولياء الأحياء في قبورهم - شركا و مناف للتوحيد منافاة واضحة..
فهذا رأيك تقليدا لابن تيمية و ابن عبد الوهاب و من تبعهم..أما الكثير (حتى لا أقول الجمهور) من الأئمة فلا يرون ذلك كفرا و شركا و عبادة لغير الله تعالى ..و نصوصهم لا تعد و لا تحصى في ذلك ..
فإن كنت تعتقد أن ابن تيمية و ابن عبد الوهاب معصومان و كلامهما حجة على الخلق لا يحق لأحد مخالفتهما في أفهامهما فهنيئا لك اعتقاد العصمة في الأئمة تشبها بالرافضة ..و إن كنت لا تعتقد عصمتهما و أن كلامهما ليس حجة على الخلق يلزمهم اتباعه دون غيرهم من الأئمة ..فبارك الله فيك ..لكن يلزمك أن لا تنكر على مخالفيهم في المسائل الخلافية كهذه المسألة و نحوها من مسائل الفروع لا أصول العقيدة ..(و ربما تتساأل كيف تكون تكون من الفروع العملية ..فأجيبك اذا سألت)..
اقتباس:
وأما إذا كان المطلوب منه ميتاً أو غائباً فلا يستريب عالم أنه غير جائز وأنه من البدع التى لم يفعلها أحد من السلف)
هذا ما نسبته إلى الإمام الألوسي - و بالمناسبة هو أشعري العقيدة -..و تفسيره قد أدخل فيه ابنه ما لم يقله أبوه كما هو واضح من التناقضات التي فيه ..و ليس هذا محل الكلام في ذلك..
و لكن نقول: هذا رأي الالوسي رحمه الله جدلا ..فماذا نفعل بسائر الأئمة الفقهاء ؟؟؟؟ نرمي بكلامهم في البحر لان الألوسي قال غير ما قالوه أم ماذا ؟؟؟؟؟؟
و جزم الكاتب هنا بقوله: (فلا يستريب عالم أنه غير جائز وأنه من البدع )..فهذا ظاهره ادعاء الاجماع على الحرمة و البدعية، بينما يعرف من له ذرة اطلاع على كتب المذاهب الأربعة و غيرها أن طلب الذعاء من النبي صلى الله عليه و سلم في قبره عند زيارته مطلوب عند الجمهور ..
و هذا نص واحد من كبار أئمة السادة الأحناف و هو الإمام الكمال بن الهمام الحنفي رحمه الله تعالى في "فتح القدير بشرح الهداية":
{[ الْمَقْصِدُ الثَّالِثُ : فِي زِيَارَةِ قَبْرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ]: قَالَ مَشَايِخُنَا رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى : مِنْ أَفْضَلِ الْمَنْدُوبَاتِ؛ وَفِي مَنَاسِكِ الْفَارِسِيِّ وَشَرْحِ الْمُخْتَارِ: أَنَّهَا قَرِيبَةٌ مِنْ الْوُجُوبِ لِمَنْ لَهُ سِعَةٌ .
وَإِذَا تَوَجَّهَ إلَى الزِّيَارَةِ يُكْثِرُ مِنْ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُدَّةَ الطَّرِيقِ ، وَالْأَوْلَى فِيمَا يَقَعُ عِنْدَ الْعَبْدِ الضَّعِيفِ تَجْرِيدُ النِّيَّةِ لِزِيَارَةِ قَبْرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ إذَا حَصَلَ لَهُ إذَا قَدَّمَ زِيَارَةَ الْمَسْجِدِ أَوْ يَسْتَفْتِحُ فَضْلَ اللَّهِ سُبْحَانَهُ فِي مَرَّةٍ أُخْرَى يَنْوِيهِمَا فِيهَا لِأَنَّ فِي ذَلِكَ زِيَادَةَ تَعْظِيمِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَإِجْلَالِهِ ،[...] وَعَلَى مَا ذَكَرْنَا يَكُونُ الْوَاقِفُ مُسْتَقْبِلًا وَجْهَهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ وَبَصَرَهُ فَيَكُونُ أَوْلَى . ثُمَّ يَقُولُ فِي مَوْقِفِهِ :
السَّلَامُ عَلَيْك يَا رَسُولَ اللَّهِ ، السَّلَامُ عَلَيْك يَا خَيْرَ خَلْقِ اللَّهِ [..].. إلى أن قال:
وَيَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى حَاجَتَهُ مُتَوَسِّلًا إلَى اللَّهِ بِحَضْرَةِ نَبِيِّهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ .وَأَعْظَمُ الْمَسَائِلِ وَأَهَمُّهَا سُؤَالُ حُسْنِ الْخَاتِمَةِ وَالرِّضْوَانِ وَالْمَغْفِرَةِ . ثُمَّ يَسْأَلُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الشَّفَاعَةَ فَيَقُولُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ أَسْأَلُك الشَّفَاعَةَ ، يَا رَسُولَ اللَّهِ أَسْأَلُك الشَّفَاعَةَ وَأَتَوَسَّلُ بِك إلَى اللَّهِ فِي أَنْ أَمُوتَ مُسْلِمًا عَلَى مِلَّتِك وَسُنَّتِك ، وَيَذْكُرُ كُلَّ مَا كَانَ مِنْ قَبِيلِ الِاسْتِعْطَافِ وَالرِّفْقِ بِهِ ، وَيَجْتَنِبُ الْأَلْفَاظَ الدَّالَّةَ عَلَى الْإِدْلَالِ وَالْقُرْبِ مِنْ الْمُخَاطَب فَإِنَّهُ سُوءُ أَدَبٍ..} اهـ.
اقتباس:
لماذا جاز لكم تقسيم التوحيد إلى واجب ، وجائز ، وممتنع ؟
ومنعتمونا تقسيمه إلى ربوبية ، وإلهية ، وأسماء وصفات ؟ وكلاهما استقرائي
يا هذا حاول أن تفهم أننا لا ننكر الربوبية و الألوهية و الأسماء و الصفات، و لا كون الله تعالى يجب توحيده في ربوبيته
(أي بأن تعتقد أن لا فاعل تنفذ مشيئته استقلالا إلا الله تعالى وحده و أنه لا معبود و لا يستحق العبادة إلا هو سبحانه و أنه وحده موصوف بصفات الكمال ..و لكننا لا نقول ان أحدا من البشر موحد في الربوبية مشرك في الألوهية ..
بل إذا كان موحدا في الربوبية فهو آليا و بالضرورة موحد في الألوهية و العكس صحيح ..و من لم يوحد الله في العبادة فهو مشرك في الربوبية أيضا لأنه ما عبد غير الله إلا لأنه يعتقد الربوبية فيه أيضا...
و النصوص التي جئت بها لا تدل إلا على أن المشركين كانوا يعتقدون بربوبية الله تعالى ..و نحن مقرون بذلك..و لكن ليس فيها أن المشركين موحدون في الربوبية ..ففرق بين اعتقاد الربوبية في الله تعالى و بين اعتقاد توحده بالربوبية.
فافهم ذلك ..و لا تظن أن كل نص فيه لفظ الألوهية و لفظ الربوبية فصاحبه يعني المعنى الذي يقوله الوهابية ..
ثم أقول: أين قرأت هذه الخرافة الجديدة أن التوحيد عندنا ينقسم إلى واجب و ممكن و ممتنع؟؟؟؟؟؟؟؟؟
فظاهر أنك لا تعرف ما معنى واجب و ممتنع و ممكن .. هداك الله و علّمك ..
و لكن قل لمن علّمك هذه الخرافة: إذا كان تقيمنا (الخرافي الجديد هذا!!) استقرائيا مثل تقسيمكم ..فلماذا تجعلون تقسيمكم
موافقا للسنة غير مبتدع - مع أنه محدث بعد النبي صلى الله عليه و سلم-بينما تجعلون تقسيمنا مبتدعا مع أنه محدث مثل تقسيمكم ؟؟؟؟؟
و لا أطيل أكثر من هذا ..و الله تعالى أعلم و أحكم و الحمد لله رب العالمين ..