النتائج 1 إلى 4 من 4

الموضوع: اللامذهبية قنطرة اللادينية

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Jun 2003
    المشاركات
    4,020

    اللامذهبية قنطرة اللادينية

    اللامذهبية قنطرة اللادينية

    كان هذا عنوان مقالة للإمام محمد زاهد الكوثري رحمه الله تعالى، حول بدعة كانت بداياتها قد بدأت بالانتشار في أوساط الحواضر الإسلامية، قبل حوالي قرن من الزمان.
    وكان من بدايات ما قرأت في زمن الطلب، مقالات الكوثري رحمه الله، وعندما قرأت هذه المقالة ظننت أن فيها نوعاً من المبالغة، في الطعن في الوهابيين الذين كانوا ينكرون على أتباع المذاهب الفقهية، وكنت أظن حينها أنه رحمه الله قد جانبه الصواب في ذلك، حيث قال: (وليست هذه الدعوة المنكرة سوى قنطرة لللادينية السائدة في بلاد أخرى منيت بالإلحاد وكتبت لها التعاسة..).

    ولكن مع مرور الزمان، وبقاء دولة أهل البدع والأهواء من أتباع النحلة الضالة التي ذكرها العلامة الكوثري رحمه الله تعالى، رأيتُ مدى صدق فراسته في ذلك، وبُعد نظره في فهم الأمور على حقيقتها.

    ولا يزال الأمر يزداد وضوحاً يوماً بعد يوم، فإن بدعة الطعن في الأئمة ومذاهب الفقهاء المتَّبَعين، أثرت في واقع الناس اليوم بآثار جد خطيرة، جعلت هذا الفكر قنطرة إلى العلمانية متظاهرة بانتمائها إلى الإسلام.

    فأولاً: تسببت هذه الدعوة التي -ظاهرها براق، وباطنها جهل وضلال- في تصدع الرابط بين الأمة في العصر الحاضر وموروثها العلمي الديني عبر العصور، تظاهر ذلك في أول أمره بالدعوة إلى الأخذ من الكتاب والسنة مباشرة، والعودة بالناس إلى الصورة الحقيقة للدين التي كان عليها الصحابة الكرام ومن اتبعهم، فتسببت هذه الدعوة بقطع الأمة عن تاريخها العلمي المشرف الذي لا يمكن الحديث عن مكانته العالية. وهذا يعني أن الثوابت التي يقوم عليها الجانب الثقافي والحضاري للأمة قد ذهب وتلاشى، وأن الفوضى قد عمت العلوم والثقافة الإسلامية منذ القرن الرابع الهجري، أو منذ القرن العاشر الهجري، أو منذ القرن الثاني الهجري!! كأن الأمة قد ضلت الطريق منذ زمن ليس بقريب! فكيف ستكون قيمة العلوم الدينية في نفوس الناس الذين انتشر فيهم هذا الفكر الفاسد؟

    وثانياً: تسببت هذه الدعوة الخطيرة في جرأة الناس على الاجتهاد الفقهي دون أي هيبة لهذا المقام، ودون أي احتراز أو حياء من العلم والعلماء، ضاربين بالقواعد والأصول المقررة عرض الحائط؛ لأنها جاءت من زمن التخلف الفقهي والجمود المذهبي والتعصب للباطل المذموم.
    ولم يبق ذلك الأمر مقتصراً على من درس في المدارس الدينية الحديثة، التي هي نتيجة من نتائج هذه الدعوة الأثيمة، بل توسع الأمر ليكون لكل من يعرف معاني بعض كلمات العرب العرباء، الحق في إبداء رأيه في معاني القرآن الكريم ومعاني السنة الشريفة، ويجعل رأيه موازياً لفهم الأئمة الأعلام لأحكام الشريعة من النصوص الثابتة!!

    وثالثاً: وهو لا يقل خطورة عن سابقيه، بل لعله أخطر منهما أثراً، ذلك هو جعل الأحكام الشرعية التي توارثتها الأمة المسلمة عبر العصور عبارة عن آراء أصحابها، وليس لها أي علاقة بالنصوص، فهي لا تعدو أن تكون فهوماً لهم، يمكن الأخذ بها ويمكن تركها!! وعلى ذلك فإننا لسنا ملزمين بأي حكم من الأحكام التي قررها الفقهاء والمجتهدون، ولو كان من الصحابة فإن رأيهم ليس بحجة في الشريعة!! وليس هناك أدنى حرجٍ من أن يكون رأياً يزعمه صاحبه فقهاً، في مصاف الآراء التي ينبغي الأخذ بها والعمل بها في هذا الزمان! في رتبة واحدة مع ما هو مقرر عبر القرون الماضية من أحكام شرعية عملت بها الأمة على اختلاف أصقاعها وأزمانها.

    فكانت هذه الآثار أحد الأسباب التي بني عليها الفكر القومي العلماني، المتمثل في اتجاهات دعا أصحابها إلى علمانية مبطنة لا تحارب الإسلام في نظرهم!! وإنما تسعى إلى نقلة نوعية حضارية!! جديدة!! وفقه للواقع والأولويات يقابل فقه الفقهاء التقليدي!!
    ومن أعجب ما تسمع هو احتجاج بعض المستشرقين في الجامعات الغربية الملحدة، بهذه الدعوى الفكرية خطيرة الأثر (الدعوة لنبذ المذاهب الإسلامية)، لتوجيه الباحثين إلى التحرر وتجديد القراءة والرؤية والمنهج للتراث والعلوم الدينية بمختلف أنواعها!! ومن طريف ما حصل لي في مناقشة أحد المستشرقين الهولنديين في مسألة تتعلق باستعمال المنطق في دحض شبهات النصارى في عقائدهم الفاسدة، احتجاج ذلك المستشرق بآراء ابن تيمية في تحريم المنطق، وأنه هو الرأي الذي يمثل الفكر الإسلامي المتنور!!
    وما ترى من آثار ذلك في من ظهر نجمهم في الوقت الحاضر وقدموا للناس على أنهم مفكرون وباحثون وعلماء دين وعلماء بحث وفكر ومنهج، ليس إلا صورة من الصور الخطيرة على الأمة الإسلامية، غذاها الاستعمار الغربي الذي مازال يعيش في الوسط الفكري في بلاد المسلمين!!

    وكم لهذه الدعوة من أثر على نشأة تيار التجديد الديني الذي ما زال نجمه ظاهراً وإن بدأ بالضمور شيئاً فشيئاً مع حركة الأمة وإن ببطء- في طريق استعادة الدفة من أيدي جميع هؤلاء المنحرفين إلى ربطها بالمنهج الذي امتد وسيمتد في هذه الأمة إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، ببشارة الحبيب المصطفى صلوات ربي وسلامه عليه: (لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين..).
    ومن المضحكات المبكيات المؤسِفات، مشروع أحد الحاصلين على رتبة التخصص في أصول الفقه، بعد سؤالي له عن موضوع بحثه العميق!! في الأصول، قوله: إنه صاحب مشروع لبناء أصول الفقه على الأصول الفطرية للإسلام!! بعيداً عن الضلالات التي كانت سبباً لحصوله على درجة التخصص في أحد أشرف وأهم علوم الإسلام (أصول الفقه)...

    وكم لذلك من آلاف الأشباه والأمثال، تستطيع الوقوف عليها بإلقاء نظرة في صفحات الانترنت الخاصة بطوائف أهل الضلالة من العلمانيين والمجددين والوهابيين والتيميين والسلفيين الجهاديين!! نسأل الله السلامة والعافية. آمين.
    إلهنا واجبٌ لولاه ما انقطعت
    آحاد سلسلة حفَّــت بإمكـانِ



    كتاب أنصح بقراءته: سنن المهتدين في مقامات الدين للإمام المواق
    حمله من هنا

  2. #2
    موسى البلوشي Guest
    جزاك الله خيرا ‏..‏ سيدي جلال ‏..

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Sep 2003
    المشاركات
    601
    قوله: إنه صاحب مشروع لبناء أصول الفقه على الأصول الفطرية للإسلام!!
    مما يلاحظ على فرقة الوهابية عدم مرجعيتهم الابتداعية؛ بمعنى أن الابتداع لديهم (ممنهج) ولا تنحصر البدعة في رؤوسهم، بل ترى حتى من سمات المنتسبين إليهم ولو صغرت أدوارهم أو كانوا نكرات تجد من سماتهم الكلام بما لم يأت به أهل الإسلام أو لم يعرف بينهم ويشتهر، وتكثر استنكاراتهم بعضهم على البعض أفرادا أو جيوبا وهم في الحقيقة على منهج متفق مخالف لما كان عليه السلف الصالحون وما كان عليه أئمة الإسلام من أهل السنة وهم معروفون مشهورون بشهرة الإسلام والحمد لله. وذلك بخلاف الفرق التي ينحصر الابتداع في مرجعياتهم، فيمكننا حصر عناصر البدعة، ذلك أن لهم أصولا تنبثق عن المرجعيات المبتدعة يرجعون إليها، بخلاف الوهابية فهم يتيحون تلك الأصول لكل الناس ويمنحونهم صكوك استعمالها، فنلاحظ تعدد جيوبهم واشتهار أقوالهم عن كل جيب أو شيخ أو طريقة هي من تأملات هذا الشيخ الفرد. وهم يتفاوتون في ذلك شدة وخفة وينكر بعضهم على بعض في ذلك ويرمون بعضهم بالتشدد والتسيب، وإنهم لو رجعوا في كل ذلك إلى ما كان عليه أئمتنا وعلماؤنا من أهل السنة الذين يعرفونهم هم أنفسهم ويضللونهم في عقائدهم، لو رجعوا أولا إلى الاستقامة في الاعتفاد ومن ثمّ المنهج، وتورثوا علم هذه الأمة قبل أن ينقطع هذا التوارث بالفساد الأخير الذي أصاب مدارس المسلمين السنية من جراء التغريب والعلمنة والتسطيح.. لو فعلوا لأراحوا واستراحوا ولحفظ عليهم دينهم الذي ارتضاه الله تعالى لهم، وماذا يضيرهم لو درسوا ما درسه عظماء الإسلام وأئمته وشيوخه من أصول الفقه ومن فقه المذاهب الأربعة العظيمة المباركة والتي تمثل - حصرا - مدارس المسلمين الفروعية الباقية، بدلا عن هذه المئات من المناهج والتوجهات والافكار الشقيمة، فيمكننا عد عشرات المناهج الوهابية في مصر وحدها، والقاهرة يمكن أن نصل في العد إلى ما دون عشرة مناهج!... ماذا يضيرهم لو كانوا مع المسلمين؟.. والله لعمتهم البركات ولقرب الله تعالى التمكين.

  4. #4
    جزاكم الله خيرا شيخ جلال

    أعتقد أن فتنة اللامذهبية و "فقه التجديد" هي أخطر فتنة تمر على هذه الأمة في العصر الحديث ، وهي تفوق فتنة الوهابية خطرا وأثرا ، واللامذهبية لا تنحصر في المدرسة الوهابية ، بل لا أبالغ إن قلت إن الوهابية إنما كان فيها بعض بذور اللامذهبية في دورها الأول وكان الغالب عليهم الرجوع إلى مذهب الحنابلة وإن كان بفتسير ابن تيمية وابن القيم ، وإنما فشت اللامذهبية فيهم وانتشرت لاحقا بسبب اتصالهم بمؤثرات مختلفة تنادي باللامذهبية وتجديد الفقه في شبه القارة الهندية واليمن ومصر ، فحصل نوع تأثير متبادل بين هذه المكونات واندمجت في كثير من الأحيان ، ثم تولى كبر نشر هذه الدعوى والبدعة رؤوس بعض الحركات الإسلاموية في أرجاء العالم الإسلامي ووجدوا فيها فرصة للتفلت من قيد الفقه الموروث وفقهاءه الذين أصبحوا في عرف هؤلاء وم يتبعهم من العوام "فقهاء الحيض والنفاس والسلطان" .

    ولا يمكن أن نعفي جانبنا من التقصير ، فما كان لمثل هذه البدعة أن تنمو وينتشر شرها إلا بسبب ما في جانب أهل السنة من ضعف علمي واجتماعي وسياسي وجماهيري ، فنحن لا يمكن أن نزعم أن الأمة أنجبت علماء بقامة من سبق من العلماء ، ولا يمكن بحال أن نزعم بقاء المستوى العلمي لأهل السنة على ما كان عليه في القرن الثامن والتاسع والعاشر ، فقد حصل هبوط حاد في مستوى العلماء والمتلقين ، وهذا أنتج فقها عقيما في كثير من الأحيان لم يستطع أربابه تجميع الناس حوله او التأثير في الأحداث حولهم ، فتحولوا من مؤثرين إلى متأثرين ومن فاعلين إلى منفعلين ، واستلم نتيجة لذلك غيرهم زمام المبادرة وقيادة الأمور .

    وإني أعتقد أن ما يحصل ويجري من المهم جدا وقوعه ، إذ إنه قد ساهم في لفت الإنتباه إلى خطورة ما جرى وإلى ما آلت إليه الأمور وبعث في القلوب همة البحث عن أسباب السقوط ليليه النهوض ، فصرنا نرى اليوم نشاطا - وإن كان محدود التأثير - لم يكن له وجود قبل نصف قرن ، وصرنا نسمع دعوات للعودة إلى الفقه المذهبي وصارت اللامذهبية وصمة في كثير من الاحيان .
    صل يا قديم الذات عدد الحوادث .. على المصطفى المعصوم سيد كل حادث

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •