قال الإمام الرصاع رحمه الله، شرح حدود ابن عرفة:
(( قَوْلُهُ " عَقْدٌ " عَبَّرَ الشَّيْخُ فِي الْجِنْسِ هُنَا بِالْعَقْدِ لِأَنَّ النِّكَاحَ فِيهِ إيجَابٌ وَقَبُولٌ مِنْ جَانِبَيْنِ وَالْعَقْدُ فِيهِ لُزُومٌ لِلْعَاقِدِ عَلَى نَفْسِهِ أَمْرًا مِنْ الْأُمُورِ وَأَصْلُ الْعَقْدِ فِي اللُّغَةِ الرَّبْطُ وَمِنْهُ عَقَدَ إزَارَهُ وَقَدْ يُسْتَعَارُ وَيُسْتَعْمَلُ لِلْمَعَانِي كَمَا قَالَ الْحُطَيْئَةُ:
قَوْمٌ إذَا عَقَدُوا عَقْدًا لِجَارِهِمْ الْبَيْتَ
وَالنِّكَاحُ وَالْبَيْعُ وَغَيْرُ ذَلِكَ فِيهَا لُزُومٌ لِلنَّفْسِ فَلِذَا قَالَ عَقْدٌ لِأَنَّهُ مُوَافِقٌ لِلْمَقُولَةِ ثُمَّ قَالَ عَلَى مُجَرَّدِ هَذَا هُوَ الْمَعْقُودُ عَلَيْهِ.
قَوْلُهُ " على مُجَرَّدٌ " مُجَرَّدٌ اسْمُ مَفْعُولٍ مِنْ جَرَّدَ وَهُوَ صِفَةٌ قَبْلَ الْإِضَافَةِ لِلْمُتْعَةِ أَيْ الْمُتْعَةُ الْمُجَرَّدَةُ بِمَعْنَى أَنَّهَا الْمَقْصُودَةُ مِنْ غَيْرِ إضَافَةِ شَيْءٍ إلَيْهَا وَاحْتَرَزَ بِهِ مِنْ الْعَقْدِ عَلَى الْمَنَافِعِ وَالذَّوَاتِ وَالْمُتْعَةُ مَعْلُومَةٌ مَشْهُورَةٌ فَلِذَا عَرَّفَهُ بِهَا وَهِيَ التَّلَذُّذُ وَالتَّمَتُّعُ أَعَمُّ مِنْ التَّلَذُّذِ لِأَنَّ التَّمَتُّعَ يَكُونُ مَعْنَوِيًّا وَحِسِّيًّا كَتَمَتُّعِ الْجَاهِ وَالْوِلَايَةِ وَتَمَتُّعِ الرُّكُوبِ وَالْأَكْلِ وَالْمُقَدِّمَاتِ وَالتَّلَذُّذُ يَكُونُ فِي الْأُمُورِ الْحِسِّيَّةِ فَأَخْرَجَ بِمُجَرَّدِ الْمُتْعَةِ مَا ذَكَرْنَا مِمَّا لَمْ يَقْصِدْ وَدَخَلَ مَا قَصَدَ فِي أَصْلِهِ التَّمَتُّعُ فَقَطْ ثُمَّ أَخْرَجَ الْأُمُورَ الْمَعْنَوِيَّةَ بِقَوْلِهِ التَّلَذُّذُ ثُمَّ أَخْرَجَ مِنْ الْحِسِّيَّةِ التَّلَذُّذَ بِالطَّعَامِ وَالشَّرَابِ بِقَوْلِهِ بِآدَمِيَّةٍ هَذَا الَّذِي ظَهَرَ وَزَعَمَ بَعْضُ الْمَشَايِخِ أَنَّهُ أَخْرَجَ بِهِ الْعَقْدَ عَلَى الْجِنِّيَّةِ وَفِيهِ عِنْدِي بُعْدٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ثُمَّ قَالَ " غَيْرُ مُوجِبٍ قِيمَتَهَا " هَذَا الْقَيْدُ أَخْرَجَ بِهِ تَحْلِيلَ الْأَمَةِ إذَا وَقَعَ بِبَيِّنَةٍ فَإِنَّهُ يَصْدُقُ عَلَيْهِ أَنَّهُ عَقَدَ عَلَى مُجَرَّدِ التَّلَذُّذِ بِآدَمِيَّةٍ بِبَيِّنَةٍ لَكِنَّهُ عَقَدَ عَلَى تَلَذُّذٍ بِآدَمِيَّةٍ يُوجِبُ ذَلِكَ التَّلَذُّذُ قِيمَةَ الْآدَمِيَّةِ وَالْقِيمَةُ فِي الْمُحَلَّلَةِ تَجِبُ بِالتَّلَذُّذِ وَقِيلَ بِالْغِيبَةِ عَلَى الْمُحَلَّلَةِ وَإِطْلَاقُ مُتْعَةِ التَّلَذُّذِ يُوجِبُ إدْخَالَ نِكَاحِ الْخَصِيِّ وَالْمَجْبُوبِ وَهُوَ ظَاهِرٌ
قَوْلُهُ " بِبَيِّنَةٍ " حَالٌ مِنْ التَّلَذُّذِ مَعْنَاهُ فِي حَالِ كَوْنِ التَّلَذُّذِ يَكُونُ بِبَيِّنَةٍ قَبْلَ وُجُودِهِ أَخْرَجَ بِهِ صُورَةَ الزِّنَا.
قَوْلُهُ " غَيْرَ عَالِمٍ " يُحْتَمَلُ فِيهِ أَنْ يَكُونَ نَصْبًا عَلَى الْحَالِ مِنْ الْمُضَافِ إلَيْهِ وَهُوَ الْمُتْعَةُ وَهُوَ الْمَعْقُودُ عَلَيْهِ فَكَأَنَّهُ قَالَ عَقْدٌ عَلَى الْمُتْعَةِ الْمُجَرَّدَةِ فِي التَّلَذُّذِ بِآدَمِيَّةٍ حَالَ كَوْنِ الْمُتْعَةِ غَيْرَ عَالِمٍ عَاقِدُهَا حُرْمَتَهَا وَهِيَ حَالٌ جَرَتْ عَلَى غَيْرِ مَنْ هِيَ لَهُ بِمَعْنَى أَنَّ الْمُتْعَةَ الْمَذْكُورَةَ الْمُقَيَّدَةَ فِي حَالَةِ كَوْنِ الْعَاقِدِ عَلَيْهَا لَا يَعْلَمُ حُرْمَتَهَا وَلَمَّا حَذَفَ الْجَارَّ اتَّصَلَ الضَّمِيرُ وَيَحْتَمِلُ الرَّفْعَ عَلَى الصِّفَةِ وَهُوَ الَّذِي يَنْطِقُ بِهِ كَثِيرٌ مِنْ الشُّيُوخِ وَأَخْرَجَ بِذَلِكَ صُورَةَ الْعَقْدِ عَلَى آدَمِيَّةٍ بِالْقُيُودِ الْمَذْكُورَةِ كُلِّهَا وَالْعَاقِدُ عَالِمٌ بِتَحْرِيمِ الْمُتْعَةِ بِتِلْكَ الْآدَمِيَّةِ كَالْعَقْدِ عَلَى الْأُخْتِ وَالْعَمَّةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْمُحَرَّمَاتِ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى فَإِنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِنِكَاحٍ بَلْ حُكْمُهُ حُكْمُ الزِّنَا وَالسِّفَاحِ فَلَا يُلْحَقُ فِيهِ وَلَدٌ وَلَا يُدْرَأُ فِيهِ حَدٌّ لِقُوَّةِ الدَّلِيلِ عَلَى التَّحْرِيمِ هَذَا عَلَى الْقَوْلِ الْمَشْهُورِ فِي أَنَّ ذَلِكَ مَقْصُورٌ عَلَى مَا حُرِّمَتْ الْمُتْعَةُ فِيهِ بِكِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى وَلِذَا قَالَ " إنْ حَرَّمَهَا الْكِتَابُ عَلَى الْمَشْهُورِ "
وَجُمْلَةُ إنْ حَرَّمَهَا فِيهِ تَقْيِيدٌ وَقَعَ الْحَالُ مَوْقِعَهَا فَكَأَنَّهَا حَالٌ مُقَدَّرَةٌ كَمَا أَنَّ جُمْلَةَ الشَّرْطِ حَالٌ فِي قَوْلِهِ إنْ تَسْتَغِيثُوا بِنَا الْبَيْتَ
وَتَقَدَّمَ فِيهِ بَحْثٌ لِأَنَّ جُمْلَةَ الْحَالِ لَا تُصَدَّرُ بِاسْتِقْبَالٍ
ثُمَّ أَشَارَ رَحِمَهُ اللَّهُ إلَى الْقَوْلِ الْآخَرِ فِي أَنَّ ذَلِكَ لَا يُقْتَصَرُ فِيهِ عَلَى تَحْرِيمِ الْكِتَابِ بَلْ ذَلِكَ عَامٌّ فِيمَا وَقَعَ تَحْرِيمُهُ بِالْكِتَابِ أَوْ بِغَيْرِهِ وَهُوَ أَعَمُّ وَأَشْمَلُ مِمَّا حَرَّمَهُ الْكِتَابُ وَحْدَهُ مِمَّا عُدَّ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى فَلِذَا قَالَ " أَوْ الْإِجْمَاعُ عَلَى الْآخَرِ " وَهُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى الْكِتَابِ أَيْ مَا حَرَّمَهُ الْإِجْمَاعُ عَلَى الْقَوْلِ الْآخَرِ وَهُمَا طَرِيقَانِ مَشْهُورَانِ فِي الْمَذْهَبِ بَنَوْا عَلَيْهِمَا مَسَائِلَ فِي النِّكَاحِ وَالزِّنَا كَمَا هُوَ مُقَرَّرٌ فِي مَحِلِّهِ وَنَذْكُرُ مَا تَمَسُّ الْحَاجَةُ إلَيْهِ فِي فَهْمِ رَسْمِهِ وَمِثَالُ ذَلِكَ إذَا جَمَعَ بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَعَمَّتِهَا أَوْ نَكَحَ نِكَاحَ مُتْعَةٍ عَالِمًا بِتَحْرِيمِ ذَلِكَ فَهَلْ يَصْدُقُ عَلَيْهِ أَنَّهُ نِكَاحٌ يَثْبُتُ فِيهِ لَوَازِمُ النِّكَاحِ أَوْ لَا يَصْدُقُ عَلَيْهِ ذَلِكَ وَيَكُونُ حُكْمُهُ حُكْمَ الزِّنَا قَوْلَانِ الْمَشْهُورُ أَنَّ حُكْمَهُ حُكْمُ النِّكَاحِ وَالْقَوْلُ الْآخَرُ أَنَّ حُكْمَهُ حُكْمُ الزِّنَا فَالْأَوَّلُ يَقُولُ بِعَدَمِ حَدِّهِ وَبِإِلْحَاقِ الْوَلَدِ بِهِ وَالثَّانِي عَكْسُهُ فَالْأَوَّلُ يُرَاعِي الْمُحَرَّمَاتِ بِكِتَابِ اللَّهِ فَقَطْ وَمَا حُرِّمَ بِالسُّنَّةِ لَا يَكُونُ حُكْمُهُ حُكْمَ ذَلِكَ وَالثَّانِي يُرَاعِي مَا يَعُمُّ ذَلِكَ فَإِذَا صَحَّ هَذَا وَجَبَ أَنْ يَقُولَ الشَّيْخُ رَحِمَهُ اللَّهُ كَمَا رَأَيْته فِي لَفْظِهِ أَوْ الْإِجْمَاعُ بِغَيْرِ وَاوٍ بَعْدَ أَوْ وَكَانَ يَمُرُّ لِبَعْضِهِمْ وَذَكَرَهُ بَعْضُ مَشَايِخِنَا فِي الرَّدِّ عَلَيْهِ أَنَّ صَوَابَهُ بِإِثْبَاتِ الْوَاوِ وَيَقُولُ فِي بَعْضِ مَجَالِسِهِ إنَّ صَوَابَهُ أَوْ وَالْإِجْمَاعُ بِزِيَادَةِ وَاوٍ بَعْدَ أَوْ لِأَنَّ الْأَوَّلَ لَا يَقُولُ بِالثَّانِي وَالثَّانِي يَقُولُ بِالْأَوَّلِ وَيَزِيدُ عَلَيْهِ وَذَلِكَ إنَّمَا يَكُونُ مَعَ الْوَاوِ وَعَلَى مَا قَرَّرْته يَتَعَيَّنُ أَنْ يَكُونَ بِغَيْرِ وَاوٍ وَلِأَنَّا قَرَّرْنَا أَنَّ أَحَدَهُمَا عَلَّلَ التَّحْرِيمَ بِأَمْرٍ خَاصٍّ وَالْآخَرَ عَلَّلَهُ بِأَمْرٍ عَامٍّ فَلَا يَصِحُّ إلَّا كَمَا ذَكَرَهُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى فَالدَّلِيلُ الثَّانِي أَعَمُّ وَأَشْمَلُ وَالْأَوَّلُ أَخَصُّ وَأَقَلُّ أَفْرَادًا فَيَتَعَيَّنُ حَرْفُ أَوْ فَتَأَمَّلْهُ.
( فَإِنْ قُلْتَ ) كَيْفَ قَالَ الشَّيْخُ رَحِمَهُ اللَّهُ إنْ حَرَّمَهَا الْكِتَابُ عَلَى الْمَشْهُورِ فَظَاهِرُهُ الْعُمُومُ فِي كُلِّ مَا حَرَّمَ الْكِتَابُ وَأَنَّهُ يُحَدُّ وَلَا يُلْحَقُ بِهِ وَلَدٌ وَقَدْ قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ فِيمَنْ تَزَوَّجَ الْمُعْتَدَّةَ وَهُوَ عَالِمٌ بِتَحْرِيمِهَا لَا يُحَدُّ وَقَدْ حُرِّمَ ذَلِكَ بِالْكِتَابِ
( قُلْتُ ) النَّصُّ فِيهِ كَمَا ذَكَرَهُ السَّائِلُ لَكِنَّ الْمَسْأَلَةَ قَالُوا إنَّهَا خَرَجَتْ عَلَى خِلَافِ الْأَصْلِ وَلِذَا عَارَضُوهَا بِمَنْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً خَامِسَةً قَالَ اللَّخْمِيُّ وَلَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا وَالْأَصْلُ مَا أَشَارَ إلَيْهِ الشَّيْخُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَمَا خَرَجَ عَنْ الْأَصْلِ فَهُوَ نَادِرٌ لَا يَقَعُ النَّقْضُ بِهِ
( فَإِنْ قُلْتَ ) كَلَامُ الشَّيْخِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ هُنَا فِي حَدِّهِ دَلَّ عَلَى أَنَّهُ مَهْمَا كَانَ عَالِمًا بِتَحْرِيمِ مَا حَرَّمَهُ الْكِتَابُ فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ عِنْدَهُ نِكَاحًا وَيُحَدُّ وَلَا يُلْحَقُ بِهِ وَلَدٌ وَذَلِكَ لَازِمُ الزِّنَا وَقَدْ عَدَّ الْفُقَهَاءُ مَسَائِلَ يَقَعُ فِيهَا الْحَدُّ وَيُلْحَقُ فِيهَا النَّسَبُ فَعَدُّوا مِنْ ذَلِكَ مَا إذَا عَقَدَ عَلَى مَا عَلِمَ تَحْرِيمَهُ وَوَطِئَ وَأَقَرَّ بِذَلِكَ فَإِنَّهُ يُحَدُّ وَيُلْحَقُ بِهِ الْوَلَدُ.
( قُلْتُ ) أَشَارَ إلَى اسْتِشْكَالِ ذَلِكَ الشَّيْخُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ فِي كِتَابِ النِّكَاحِ وَتَأَوَّلَ ذَلِكَ بِأَنَّهُ إنَّمَا عَلِمَ بَعْدَ الْعَقْدِ وَمَا أَشَارَ إلَيْهِ صَوَابٌ وَلِذَلِكَ ذَكَرَ ابْنُ رُشْدٍ رَحِمَهُ اللَّهُ ضَابِطًا فِي مِثْلِ هَذِهِ الْمَسَائِلِ وَهُوَ أَنَّ كُلَّ حَدٍّ يَثْبُتُ بِالْإِقْرَارِ وَيَسْقُطُ بِالرُّجُوعِ فَالنَّسَبُ فِيهِ ثَابِتٌ وَكُلُّ حَدٍّ لَا يَسْقُطُ بِالرُّجُوعِ فَالْوَلَدُ فِيهِ مَنْفِيٌّ وَعَلَى هَذَا يُحْمَلُ مَا وَقَعَ فِي الْمُدَوَّنَةِ حَيْثُ قَالَ إنَّ الْحَدَّ إذَا ثَبَتَ انْتَفَى الْوَلَدُ.
( فَإِنْ قُلْتَ ) رَأَيْتُ عَنْ بَعْضِ مَشَايِخِنَا رَحِمَهُمُ اللَّهُ سُؤَالًا أَظُنُّهُ لَمْ يَرَ كَلَامَ الشَّيْخِ وَهُوَ فِيهِ وَأَجَابَ عَنْهُ وَحَاصِلُهُ أَنَّ حَدَّ الشَّيْخِ يَرِدُ عَلَيْهِ عَدَمُ الِانْعِكَاسِ بِصُورَةٍ إذَا دَخَلَ الزَّوْجُ بِزَوْجِهِ دُونَ إشْهَادٍ فُرِّقَ بَيْنَهُمَا وَإِنْ طَالَ الزَّمَانُ بِطَلَاقٍ لِإِقْرَارِهِمَا وَإِذَا كَانَ الدُّخُولُ فَاشِيًّا أَوْ بِشَاهِدٍ وَاحِدٍ فَلَا حَدَّ لِلشُّبْهَةِ فَهَذِهِ صُورَةٌ مِنْ صُوَرِ النِّكَاحِ وَلَيْسَ فِيهَا بَيِّنَةٌ قَبْلَهُ لِأَنَّ الْفُشُوَّ لَيْسَ بِبَيِّنَةٍ وَالشَّاهِدَ كَذَلِكَ وَأَجَابَ عَنْ ذَلِكَ بِأَنَّ الْقَصْدَ إخْرَاجُ هَذِهِ الصُّورَةِ لِأَنَّ ابْنَ رُشْدٍ عَلَّلَ دَرْءَ الْحَدِّ بِالشُّبْهَةِ لَا بِثُبُوتِ النِّكَاحِ فَهَلْ هَذَا الْجَوَابُ صَحِيحٌ.
( قُلْتُ ) حَاصِلُهُ الْتَزَمَ أَنَّهُ سِفَاحٌ لَا نِكَاحٌ وَدُرِئَ الْحَدُّ فِيهِ لِمَا ذَكَرَ وَفِيهِ بَحْثٌ وَقَدْ أُورِدَتْ عَلَى رَسْمِ الشَّيْخُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَسْئِلَةٌ مِنْهَا خُرُوجُ نِكَاحِ الْمُتْعَةِ وَهُوَ لَا يَرِدُ بَلْ يَدْخُلُ لِأَنَّهُ لِلْأَعَمِّ مِنْ الْفَاسِدِ وَالصَّحِيحِ وَكَذَلِكَ الْمُسْلِمَةُ تَتَزَوَّجُ كَافِرًا وَكَذَلِكَ أَنْكِحَةُ الْمُشْرِكِينَ وَكَذَلِكَ إذَا وَكَّلَ رَجُلٌ رَجُلًا عَلَى عَقْدِ النِّكَاحِ وَالْوَكِيلُ غَيْرُ عَالِمٍ بِالتَّحْرِيمِ وَالْمُوَكِّلُ عَالِمٌ وَلَك النَّظَرُ فِي الْجَوَابِ عَنْ هَذِهِ الِاعْتِرَاضَاتِ وَهَلْ يُقَالُ فِيهَا أَنْكِحَةٌ فَاسِدَةٌ وَأُورِدَ عَلَى الْحَدِّ مَنْ حَلَّلَ أُمَّ وَلَدِهِ فَإِنَّهُ لَا يُوجِبُ الْقِيمَةَ وَكَذَا إذَا حَلَّلَ أَمَتَهُ لِخَصِيٍّ أَوْ لِمَقْطُوعِ الذَّكَرِ بِبَيِّنَةٍ فِي كُلِّ ذَلِكَ فَإِنَّهُ لَا يُوجِبُ الْقِيمَةَ وَلَيْسَ بِنِكَاحٍ ( فَإِنْ قُلْتَ ) تَعْرِيفُ الشَّيْخِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى هَلْ الْمُرَادُ مِنْهُ الصَّحِيحُ وَالْفَاسِدُ أَوْ الصَّحِيحُ وَحْدَهُ
( قُلْتُ ) أَرَادَ عُمُومَ النِّكَاحِ سَوَاءً كَانَ صَحِيحًا أَوْ فَاسِدًا وَهَذَا هُوَ الْمُخْتَارُ عِنْدَ جَمَاعَةٍ وَذَكَرَهُ الشَّيْخُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ فِي مَوَاضِعَ مِنْ كِتَابِهِ وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ
( فَإِنْ قُلْتَ ) إنْ صَحَّ مَا أَشَرْتُمْ إلَيْهِ فَلَا فَائِدَةَ لِزِيَادَةِ قَوْلِهِ إنْ حَرَّمَهَا إلَخْ لِأَنَّ الْفَاسِدَ عَلَى قِسْمَيْنِ قِسْمٍ يُوجِبُ الْحَدَّ وَقِسْمٍ لَا يُوجِبُهُ لِقُوَّةِ الشُّبْهَةِ
( قُلْتُ ) لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الَّذِي وَقَعَ تَحْرِيمُهُ بِالْكِتَابِ وَالنَّاكِحُ عَالِمٌ بِالتَّحْرِيمِ أَنَّهُ يَصْدُقُ عَلَيْهِ أَنَّهُ نِكَاحٌ بَلْ يَصْدُقُ عَلَيْهِ سِفَاحٌ لِأَنَّ النِّكَاحَ وَالسِّفَاحَ مُتَنَافِيَانِ لِتَنَافِي خَاصَّتِهِمَا لِأَنَّ تَنَافِي اللَّازِمِ يَدُلُّ عَلَى تَنَافِي الْمَلْزُومِ وَإِنْ أُطْلِقَ عَلَى مِثْلِ بَعْضِ الصُّوَرِ نِكَاحٌ بِاعْتِبَارِ قَصْدِ النَّاكِحِ فَذَلِكَ لَا يُخِلُّ بِمَا ذَكَرْنَا فَقَوْلُكُمْ إنَّهُ يَصْدُقُ عَلَى ذَلِكَ نِكَاحٌ فَاسِدٌ بَاطِلٌ فَلِذَا زَادَ رَحِمَهُ اللَّهُ مَا رَأَيْته
( فَإِنْ قُلْتَ ) وَقَعَ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَغَيْرِهَا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ اجْتِمَاعُ الْبَيْعِ وَالنِّكَاحِ فَإِنْ وَقَعَ كَانَ نِكَاحًا فَاسِدًا لِصَدَاقِهِ وَصُورَتُهُ إذَا عَقَدَ عَلَى الْمُتْعَةِ بِامْرَأَةٍ بِعَشْرَةِ دَنَانِيرَ مَثَلًا وَاشْتَرَطَ عَلَيْهَا أَنْ تَبِيعَهُ عَبْدَهَا فَهَذَا كَيْفَ يَصْدُقُ عَلَيْهِ أَنَّهُ عَقْدٌ عَلَى مُجَرَّدِ الْمُتْعَةِ وَقَدْ قَارَنَ الْعَقْدَ هُنَا مُعَاوَضَةٌ بِمَالٍ فَالْعَقْدُ قَدْ وَقَعَ عَلَى مَجْمُوعِ الْمُتْعَةِ مَعَ الَّذِي انْضَافَ إلَيْهَا فَيَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ هَذَا نَقْضًا عَلَى الْعَكْسِ لِأَنَّ هَذِهِ الصُّورَةَ مِنْ النِّكَاحِ الْفَاسِدِ وَلَمْ يَقَعْ فِيهَا عَقْدٌ عَلَى مُجَرَّدِ الْمُتْعَةِ
( قُلْتُ ) يُمْكِنُ الْجَوَابُ بِأَنْ نَقُولَ إنَّ الْقَصْدَ الْأَصْلِيَّ إنَّمَا هُوَ الْمُتْعَةُ وَمَا كَانَ بِالْعَرْضِ وَالتَّبَعِيَّةِ فَلَيْسَ بِمَقْصُودٍ فَجُعِلَ التَّبَعُ كَأَنَّهُ عَدَمٌ فَلِذَا كَانَ ذَلِكَ نِكَاحًا وَيَصْدُقُ عَلَيْهِ النِّكَاحُ وَفِيهِ بَحْثٌ لَا يَخْفَى عَلَيْك وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ
( فَإِنْ قُلْتَ ) عَادَةُ الشَّيْخِ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي حَدِّهِ إذَا كَانَتْ أَوْصَافٌ حِسِّيَّةٌ لِلْحَقِيقَةِ الشَّرْعِيَّةِ وَلَا يَصِحُّ حَمْلُهَا يَذْكُرُ مَا يَصِحُّ حَمْلُهُ وَيُضِيفُهُ إلَى الْأَرْكَانِ مِثْلَ قَوْلِهِ الصَّلَاةُ ذَاتُ إحْرَامٍ إلَخْ وَهُنَا لَمْ يَذْكُرْ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ
( قُلْتُ ) يَظْهَرُ أَنَّ هَذَا رَسْمٌ لِلنِّكَاحِ ذَكَرَ فِيهِ لَوَازِمَ خَاصَّةً بِهِ تُخْرِجُهُ عَنْ الزِّنَا وَمَا شَابَهَهُ مِنْ التَّحْلِيلِ وَلَمْ يَحْتَجْ إلَى ذِكْرِ أَجْزَائِهِ مِنْ صَدَاقٍ وَصِيغَةٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ الشَّيْخَ رَحِمَهُ اللَّهُ اخْتَارَ فِي الصَّدَاقِ أَنَّهُ غَيْرُ رُكْنٍ فِي صَحِيحِ النِّكَاحِ لَكِنَّ إسْقَاطَهُ مُنَافٍ وَلِذَا قَالَ إنَّ إمْكَانَ لُزُومِ الصَّدَاقِ شَرْطٌ فِي النِّكَاحِ الصَّحِيحِ وَاعْتَرَضَ هُنَاكَ عَلَى شَيْخِهِ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ بِأَنَّ فِي كَلَامِهِ تَنَافِيًا حَيْثُ صَرَّحَ بِأَنَّ النِّكَاحَ الصَّدَاقُ فِي مُطْلَقِهِ رُكْنٌ وَأَنَّهُ فِي نِكَاحِ التَّفْوِيضِ غَيْرُ رُكْنٍ
( فَإِنْ قُلْتَ ) النِّكَاحُ الْمُسَمَّى بِالْجَفْنَةِ إمَّا صَحِيحٌ إذَا عُدِمَ الْكَتْبُ أَوْ فَاسِدٌ وَعَلَى كُلٍّ فَهُوَ نِكَاحٌ وَلَيْسَ فِيهِ بَيِّنَةٌ قَبْلَ التَّلَذُّذِ فَهُوَ غَيْرُ مُنْعَكِسٍ .
( قُلْتُ ) الْجَوَابُ أَنَّا نَقُولُ إنَّ الْوَلِيمَةَ فِيهِ الْمَقْصِدُ مِنْهَا إظْهَارُ النِّكَاحِ فَهِيَ كَالْبَيِّنَةِ وَفِيهِ بَحْثٌ لِأَنَّهُ يَلْزَمُ أَنْ يَقُولَ أَوْ مَا يَقُومُ مَقَامَهَا وَانْظُرْ الشَّيْخَ فِي الْوَلِيمَةِ فَإِنَّ لَهُ بَحْثًا يُنَاسِبُ مَا هُنَا .