بسم الله الرحمن الرحيم
لا يخفى علي منصف جهود أهل السنة في الدفاع عن حرمات الله والذب عن أنبيائه صلوات الله وسلامه عليهم
وهذه الجهود لا تخفى على مبصر فهي تملأ الكتب من أم البراهين إلى نهاية العقول
غير أن بعض أئمتنا كان متفردا في تحقيق وبيان بعض المسائل
فمن ذلك بيان الإمام فخر الدين الرازي لقصة سيدنا يوسف عليه السلام وتقريره براءته مما نسبه إليه جهلة القصاص
فقد أطال الإمام في ذلك وبيّنه كما لم يبينه أحد من قبله ولا من بعده في كتابيه : التفسير الكبير ، وعصمة الأنبياء
ومن ذلك بيان الإمام تقي الدين السبكي لقصة سيدنا داود وتقريره نزاهته عما نسبه إليه جهلة القصاص فقد أطال في بيان ذلك في رسالته :" القول المحمود في تنزيه داود" وجاء بما لم يأت به غيره في بيان المسألة
وليس ذلك بغريب عن السبكي فهو فرد زمانه معقولا ومنقولا ، فقها وحديثا ولغة وتفسيرا
والآن نجيء إلى مسألة زواج النبي صلى الله عليه وسلم من زينب بنت جحش رضي الله عنها
وللأسف جاء في بعض كتب التفسير والتاريخ روايات بالغة الضعف لا تتناسب مع جلال منصب النبوة
وللأسف ثانية اعتمدها بعض المسلمين فمنهم من تأولها ومنهم من بنى عليها أحكاما
وهذه الروايات لا تثبت على محك النقد الحديثي فهي بالغة الضعف ساقطة الأسانيد
ومن فحول العلماء من تنبه لهذا و بين المقام أحسن تبيين ومن هؤلاء الإمام تقي الدين السبكي والإمام ابن فورك والإمام أبو بكر بن العربي في أحكام القرآن
وكلام ابن العربي مشهور في أحكام القرآن في سورة الأحزاب
أما كلام السبكي وكلام ابن فورك فعزيز الوجود قل من وقف عليه فأحببتُ إثباته ليستفاد وينتشر
أولا : كلام الشيخ الإمام تقي الدين السبكي رضي الله عنه
أما كلام السبكي في ذلك فقد ذكره ولده التاج في ترشيح التوشيح ولشدة إعجاب الشيخ حسن العطار بهذا الكلام نقله في حاشية جمع الجوامع مع عدم تعلقه بمسائل أصول الفقه ؛ لنفاسته وتفرد الشيخ به وعزة وجود كتاب ترشيح التوشيح
قال الإمام تاج الدين السبكي في الترشيح :
قال الغزالي في الوسيط : إن الفقهاء ذكروا من خصائص النبي صلى الله عليه وسلم أنه إذا وقع بصره على امرأة فوقعت منه موقعا وجب على الزوج تطليقها لقصة زيد ، ولعل السر فيه من جانب الزوج امتحان إيمانه بتكليفه النزول عن أهله ومن جانبه صلى الله عليه وسلم ابتلاؤه ببلية البشرية ومنعه من خائنة الأعين ومن إضمار ما يخالف الإظهار ولذلك قال تعالى { وتخفي في نفسك ما الله مبديه } ولا شيء أدعى إلى غض البصر وحفظه عن لمحاته الاتفاقية من هذا التكليف اهـ
ثم قال التاج :
قال لنا الشيخ الإمام يعني والده ــ مرات :
هذا منكر من القول ولم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم لتعجبه امرأة أحد من الناس
وقصة زيد إنما جعلها الله تعالى كما صرح به في سورة الأحزاب من أولها إلى آخر القصة قطعا لقول الناس إن زيدا ولد رسول الله صلى الله عليه وسلم وإبطالا للتبني في الإسلام
وإليه الإشارة بقوله تعالى : { ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه } أي :من أبوين في الإسلام
إلى قوله تعالى : { وما جعل أدعياءكم أبناءكم ذلكم قولكم بأفواهكم }
إلى أن قال : { ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله }
ثم ساق الله السورة إلى أن قال : { وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم } تحريض على امتثال أمره تعالى في طلاق امرأة زيد
ثم قال تعالى { وتخفي في نفسك ما الله مبديه } من أمر زيد بطلاق امرأته وتزوجك أنت إياها لا أمر محبتها معاذ الله ثم معاذ الله
ثم بين الله تعالى بالقول الصريح بعد التعريض الطويل أن السر في ذلك إبطال التبني ونسخه ورفعه بالقول والفعل ؛ ليعلم الناس أنه لو كان ولدا له لما تزوج امرأته فقال تعالى { لكي لا يكون على المؤمنين حرج في أزواج أدعيائهم }
ثم قال تعالى بعده { ما كان محمد أبا أحد من رجالكم }
فمن تأمل السورة وعرف شيئا من حال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تيقن بالعلم القاطع أن تزوج امرأة زيد إنما كان لذلك لا لغيره ، وأنه صلى الله عليه وسلم كان أكره الناس بالطباع البشرية لزواجها عكس ما توهمه الغزالي ، وكان يشق عليه ذلك وما كان ليمكنه أن يخفي شيئا مما أنزله الله وإليه الإشارة بقوله { وتخفي في نفسك ما الله مبديه } ؛ فنزلت الآية آمرة له صلى الله عليه وسلم بإظهار ما أمر الله من زواجها لإبطال التبني وإن كان زواجها أشق شيء عليه صلى الله عليه وسلم اهـ كلامه
أقول : يعني الشيخ رحمه الله أن الله عز وجل أعلم نبيه صلى الله عليه وسلم أنه سيتزوج زينب ولما جاءه زيد يريد طلاقها قال له النبي : اتق الله وامسك عليك زوجك فأبى زيد إلا الطلاق وأراد النبي أن يسمع من زيد ما الأمر فأبدى له زيد من النفرة عنها ما لم يكن علمه صلى الله عليه وسلم بالوحي فطلقها زيد وانقضت عدتها ثم تزوجها النبي صلى الله عليه وسلم بأمر الله عز وجل إبطالا للتبني قولا وفعلا
ثانيا : كلام الإمام العلامة المتكلم ابن فورك رضي الله عنه
وأما كلام ابن فورك فهو من جزء له شرح به حديث : حبب إلى من دنياكم الطيب والنساء وجعلت قرة عيني في الصلاة
وهذا الجزء نادر الوجود والذي وقف عليه هو الحافظ شمس الدين السخاوي فلخص مقاصده في كتابه في شرح الحديث نفسه وقد أسدى لنا السخاوي جميلا بهذا فجزاه الله خيرا
قال الإمام ابن فورك رحمه الله :
الله عز وجل أخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله :"وإذ تقول للذي أنعم الله عليه وأنعمتَ عليه " يعني أنعم الله عليه بالإيمان وأنعمتَ عليه بالعتق
" أمسك عليك زوجك واتق الله وتخفي في نفسك ما الله مبديه "
ومعناه عند المحققين من أهل التفسير أنك تخفي في نفسك من التزويج بها على ما أوحينا إليك به أنها زوجتك والله مظهر ذلك ومشيعه ومذيعه فهو يتولى تزويجها إياك في قوله تعالى : "زوجناكها " وقد كانت زينب تفتخر بذلك على سائر النساء وتقول :كان وليي الله تعالى ووليكن الرجال ،
ويزعم بعض المذكورين أنه صلى الله عليه وسلم استحسن امرأة زيد ومال إليها فقال زيد : أنزل عنها ويتزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : "أمسك عليك زوجك" وأظهر غير ما أبطن من ميله إليها فقال سبحانه وتعالى :"وتخفي في نفسك ما الله مبديه " من ميلك إليها !!
قال الإمام ابن فورك :
والمصطفى صلى الله عليه وسلم منزه عن هذه التهمة واستعمال النفاق في أمرها والله تعالى قد نزّه نبيه صلى الله عليه وسلم جملة وبرأه من كل عيب في قوله تعالى :" ما كان على النبي من حرج فيما فرض الله له " أي : ما كان عليه من ضيق وتهمة وخطأ فيما قدر الله له من التزويج له بامرأة زيد
ثم كشف عن العلة في ذلك فقال : "زوجناكها لكي لا يكون على المؤمنين حرج في أزواج أدعيائهم إذا قضوا منهن وطرا "
وذلك أنه كان يقال لزيد بن حارثة : ابنُ رسول الله صلى الله عليه وسلم من طريق التبني والدعوى ففرض الله لنبيه ولأمته أن التزويج بامرأة الابن من طريق التبني جائز فصار ذلك شرعا واضحا وفرقا بين زوج الابن من الدعوى وبين امرأة الابن من النسب ؛ فكل من ظن خلاف ذلك بالنبي صلى الله عليه وسلم فقد أخطأ وأساء
ومعنى قوله :" وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه " أي تستحي منهم والله أحق أن تستحي منه عنى تستحى ما أباح لك من ذلك
وليس معنى الخشية هنا الخوف فإنه تعالى يقول في وصف رسله :" الذين يبلغون رسالات ربهم و يخشونه ولا يخشون أحدا إلا الله " والقرآن لا يتناقض ،
وقد تكون الخشية بمعنى العلم كقوله تعالى : فخشينا أن يرهقهما طغيانا وكفرا ، ولها معان كثيرة ،
وقوله تعالى :" وكان أمر الله قدرا مقدورا " معناه أن تزوجه صلى الله عليه وسلم بامرأة زيد كان قدرا مقدورا وقضاء مقضيا وحكما ماضيا لم يكن عنه انصراف ولا إعراض
والأمر ههنا بمعنى البيان بالحكم ليس هو الكلام فإن كلامه سبحانه ليس بقدر مقدور ولا مجعول ولا مخلوق ولا محدث ؛
فقد علمتَ بما شرحناه لك ما يجب أن يحمل عليه تأويل الآية ويعتقد في قصة امرأة زيد من ذلك وأنه لم يكن إغفالا لواجب ولا سوء أدب حاشاه صلى الله عليه وسلم من ذلك اهـ كلام ابن فورك
رضي الله عن أئمة أهل السنة والجماعة


رد مع اقتباس
