ما الفرق بين (اليد والعلم)
**************
سؤالٌ يكثر طرحه، لماذا فرَّقَ أهل السنة الأشاعرة في تعاملهم مع نصوص الصفات بين (العلم والسمع والبصر ...) فأثبتوها بدون تأويل، وصفات (اليد والوجه والعين...) فأثبتوها ولكن مع التأويل.
ويقول من يطرح هذا السؤال: إذا كنتم تثبتون صفة (العلم) بمعناها اللغوي الحقيقي، وتنسبونها لله على ما يليق بجلال الله، فلماذا لا تقولون نفس القول في صفة (اليد) وأنها بمعناها اللغوي الحقيقي على ما يليق بالله ..
والحقيقة أنَّ اختلافاً كبيراً بين:
1- (صفات المعاني) القدرة والإرادة والعلم والسمع والبصر، و(صفات الأفعال) الرحمة والرضا والغضب ... الخ
2- و(الصفات الخبرية) اليد والعين والوجه والساق ... الخ
وهذا الاعتراض متكرر، ويظن قائلوه أنهم قد أقاموا الحجة القاطعة، وأقول بكل إنصاف وتأمل إن هذا الاعتراض الذي ذكره الشيخ تقي الدين ابن تيمية رحمه الله في التدمرية تحت عنوان (القول في بعض الصفات كالقول في البعض الآخر) ويكرره أتباعه ليس قوياً ولا سديداً، وقبل أن أبدأ برد هذا الاعتراض أرى من حق القارئ عليَّ أن أورد له بعضاً من كلام الشيخ ابن تيمية رحمه الله.
فقد قال مجموع الفتاوى (3/17) : (فأما الأصلان فأحدهما أن يقال "القول في بعض الصفات كالقول في بعضٍ" فإن كان المخاطب ممن يقول بأن الله حيٌّ بحياة، عليمٌ بعلم، قديرٌ بقدرة، سميعٌ بسمع، بصيرٌ ببصر، متكلمٌ بكلام، مريدٌ بإرادة، ويجعل ذلك كله حقيقة وينازع فى محبته ورضاه وغضبه وكراهته، فيجعل ذلك مجازاً، ويفسره إما بالإرادة وإما ببعض المخلوقات من النعم والعقوبات.
فيقال له: لا فرق بين ما نفيته وبين ما أثبته بل القول في أحدهما كالقول في الآخر، فان قلت: إن إرادته مثل إرادة المخلوقين فكذلك محبته ورضاه وغضبه وهذا هو التمثيل.
وإن قلت: إن له إرادة تليق به، كما أن للمخلوق إرادة تليق به، قيل لك: وكذلك له محبة تليق به وللمخلوق محبة تليق به، وله رضا وغضب يليق به، وللمخلوق رضا وغضب يليق به).
هذا كلام ابن تيمية رحمه الله، وقد بناه على أن الصفات متساوية، وهذا ليس صحيحاً، وإليك تفصيل ذلك:
1ـ أن الصفات العقلية (أي: التي يقطع العقل بثبوتها) ككونه سبحانه وتعالى حياً قادراً عالماً قد ثبتت بدلائل العقل القطعية التي يكفر منكرها، فلا يمكن أن يقبل العقل مثلاً أن يخلو خالق العالم من أنْ يكون قادراً .. فالعاجز ليس إلهاً أصلاً .. وقل مثل ذلك في (الحي العليم) ونحوها من الصفات.
فطريق إثبات هذه الصفات هو (العقل والوحي) معاً .. ولو لم يرد الوحي بوصف خالق هذا العالم العجيب بأفلاكه ومجراته بأنه قادر لكانت آثار قدرته قاضية بوصفه بذلك، ولم لم يرد وصفه بالعلم لكانت آثر علمه قاضية بوصفه بذلك، وهكذا يقال في بقية الصفات العقلية (صفات المعاني).
بخلاف الصفات الخبرية فأدلتها منها ما هو قطعي الورود ظني الدلالة، ومنها ما هو ظني الورود والدلالة معاً؛ ولذا فلا يكفر منكرها، وعليه فمن نفى أن تكون اليد والساق والرجل والرحمة والغضب على ظواهرها كالنووي والبيهقي وابن حجر وغيرهم فلا يلزم أن يكون مخطئاً فضلاً عن أن يكون كافراً، بخلاف من ينفي عن الرب القدرة والعلم والسمع والبصر فإنه يكفر.
فالطرفان المتنازعان في أمر الصفات الخبرية اتفقوا على أن (اليد والوجه والعين ونحوها) لا تُدرك بالعقل، وإنما جاء بها الوحي، فأثبت الأشاعرة هذه الصفات، وقالوا في معناها إن النظر العقلي يقطع بكون (اليد) يستحيل أن تكون بمعنى الجارحة والعضو والبعض، لأن العقل يقضي بأن الجارحة صفة المخلوق يستعين بها على أداء أعماله، فهي دليل عجزه، بدليل أن الأشل أو الأقطع لا يستطيع أداء عمله كما يريد، فاليد جاءت لتكمل نقصا ذاتياً في الحيوان، فهي دليل الافتقار والضعف والتركيب في الذات، وهذا أمارة الحدث، لافتقاره إلى المركِّب أو المخصِّص.
فإن قيل: إن اليد ليست هي العضو المعروف في الحيوان، ولكنها يد تليق بالله.
قيل له: العقل لا يعرف غير هذه اليد بمعناها المعروف في الحيوان، وأما اليد التي تقولون عنها: تليق بذات الله، فإن كانت تفيد التركيب فعلى أي صفة كانت فهي لا تليق بالله، لأننا لم ننف اليد المعروفة إلا لأنها تفيد التركيب
فمن اعتقد أن (اليد - الوجه - العين) المنسوبة إلى الله تعالى في كتابه تفسر بمعناها الحقيقي الظاهر المتبادر إلى الأذهان، وحصر الاختلاف في كيفياتها فقط فهو مشبه.
ومما روَّج التجسيم عند هؤلاء أنهم اعتبروا أن الاختلاف في شكل اليد الحاصل بين يد الفيل والنملة والإنسان كافياً في نفي التشابه، فإذا كان كافياً في نفي التشابه بين هذه الثلاثة وكلها مخلوقة، فكيف بالخالق، وخفي عليهم أن اليد عند أن نُسِبَت إلى الفيل والنملة والإنسان متفقة من حيث إنها جسم وبعض وعضو، وإنما اختلفت من حيث الحجم والشكل واللون.
2ـ الفارق الثاني بين الصفات العقلية (صفات المعاني) والصفات الخبرية أن الصفات العقلية جاءت في القرآن والسنة مقصودة لذاتها،
ومقترنة بصيغة الأمر بالإيمان بها، كقوله سبحانه: [وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ] {البقرة:231}، فالمطلوب منك أن تعلم أن الله بكل شيء ((عليم)).
وقوله سبحانه: [وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ] {البقرة:233}، فالمطلوب منك أن تعلم أن الله ((بصير)) .. وهكذا في الإرادة والسمع والقدرة ونحوها، ويلحق بهذا (صفات الأفعال) كـ (الرحمة والرضى والغضب).
وأما النصوص الخبرية (التي تفيد الأعضاء) فلم تأت لتقرير صفةٍ لله، ولا جاء الأمر بالإيمان بها، وإنما جاءت هذه الألفاظ (اليد والوجه والعين) ضمن تراكيب وجُمَل تجعل المنزه لله بعد جزمه بعدم جواز حملها على معنى الأعضاء والأبعاض يفسرها بما تتسع له لغة العرب، ولذا وبكل اطمئنان وإقرار ينقل الإمام الطبري والإمام البغوي تفسير سفيان لقول الواحد الديان[تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ] {القمر:14}، (بأعيننا) أي: (بأمرنا) .. وهذا أسلوب عربي معروف، تقول: اذهب فأنت في وجهي أو في عيني.
وقول المولى عز وجل: [بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ] {المائدة:64}، فسره الصحابي الجليل عبد الله ابن عباس (اليد) بـ (العطاء)، ونقل هذا التفسير أئمة التفسير وعلى رأسهم الإمام ابن جرير الطبري، وهذا أسلوب العرب في التعبير عن المعاني التي يريدونها.
ولم يأت أبداً نصٌ يقول: آمنوا أن الله له عينٌ أو اعلموا أن الله متصف باليدين.
وقد تتبعت طائفة من تأويلات السلف في كتابي (القول التمام بإثبات التفويض مذهباً للسلف الكرام)، فمن وقف على ذلك وأنصف علم أن مسلك التأويل ليس بعيداً ولا غريباً عن السلف.
3ـ الفارق الثالث: أن صفات المعاني (كالقدرة)، وصفات الأفعال (كالرحمة) أكد القرآن التنصيص عليها، وكان من أسلوب القرآن أن يختم آياته بتقرير تلك الصفات، [وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ] {المائدة:120} [وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ] {الشُّورى:11} } [وَهُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ] {إبراهيم:4}، [وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ] {البقرة:29}، {وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ} [سبأ: 2].
بينما لم يرد وهو الذي له يدان ونحوها، بل لم ترد (اليد والعين والوجه) إلا في طيات جُمَلٍ وتركيبات ترشد إلى أنَّ المراد ليس هو العضو والجسم كما سبق.
4ـ الفارق الرابع: اشتقاق الأسماء الحسنى من صفات المعاني (كالقدرة)، وصفات الأفعال (كالرحمة) يعطيها قوة ليست في (الصفات الخبرية)، وعلى سبيل المثال: الله قدير وهو متصف بالقدرة، وعليم وهو متصف بالعلم، وسميع وهو متصف بالسمع، وهكذا
بينما أغلب الصفات الخبرية لم تشتق منها أسماء الله، فلم يسم الله نفسه ماكرا أو مستهزئا أو مخادعا أو مترددا أو مستويا أو النازل أو الآتي ونحوها، وهذا فارق مهم.
وأما {خَيْرُ الْمَاكِرِينَ} [آل عمران: 54] ونحوها .. فإنما هي على المقابلة ولم ترد في غير المقابلة، ولذا قال ابن جرير الطبري في تفسيره: (والمعنى أن المكر والهزء حاق بهم... وقال آخرون: ... إخبار من الله أنه مجازيهم جزاء الاستهزاء، ومعاقبهم عقوبة الخداع، فأخرج خبره عن جزائه إياهم وعقابه لهم، مخرج خبره عن فعلهم الذي عليه استحقوا العقاب في اللفظ، وإن اختلف المعنيان).
5- الفارق الخامس: شيوع الخلاف في الصفات الخبرية عند أهل السنة والجماعة بين (التفويض: وهو تأويلٌ إجمالي) و (التأويل التفصيلي) .. مع عدم وجود أي خلاف يذكر في (صفات المعاني).
6- الفارق السادس: أن صفات (المعاني: كالعليم والقدير) يصلح أن تثبتها لله تعالى، وكذا (صفات الأفعال كالرضى والغضب والرحمة) ونفسرها بنهاياتها، فإن من رضي أثاب، ومن غضب عاقب، ونحو ذلك ... فيصح أن نثبت هذه الصفات لله تعالى مع نفي ما يوهمه اللفظ من التغير والانفعال الذي هو على الله تعالى محال، فتعود صفة الرحمة مثلاً إلى صفة الإرادة، فيكون الكلام في (الرحمة) كالكلام في (العلم) إذْ يصح أن نقول: لله علم لا كعلمنا، فنكون قد أثبتنا لله تعالى العلم، ونفينا أن يكون العلم على وجه النقص البشري الذي هو في حقه تعالى محال، كما يصح أن نقول: "ليس كرضانا" بعد قولنا: "لله تعالى رضا"، فيفيد النفي (ليس كرضانا) أن يكون الرضا على وجه التغير والانفعال الذي هو على الله محال، وهكذا.
7- الفارق السابع: أن الله تعالى قد أسند الرحمة والرضى والغضب ونحوها إلى نفسه في كتابه وعلى لسان رسوله على وجه الإسناد التام الذي هو بين الفعل وفاعله والمبتدأ وخبره ونحوها، حيث وصف الله تعالى نفسه بالغفور الرحيم والرحمن الرحيم، قال سبحانه: {إِلَّا مَنْ رَحِمَ اللَّهُ} [الدخان: 42].
وقال تعالى: {رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ} المائدة: 119
وقال سبحانه: {وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ} الفتح: 6
وأما ما يفيد موضوع للأعضاء والجوارح ونحوها فلم يرد في كلام الله تعالى وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم إسنادها إلى الله تعالى على هذا الوجه، وإنما ورد نسبتها إلى الله تعالى على وجه الإضافة فقط كقوله تعالى: {تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وهو على كل شىء قدير} [الملك: 1]، وقوله جلَّ جلاله: {يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وإن كنت لمن الساخرين} الزمر: 56].
منقـــــــــــول (سيف بن على العصرى )


رد مع اقتباس