بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ المسترشد،
وعليكم السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،
سؤالك: (ما هي أقوال الأئمة الأعلام، من اتباع المذاهب المشهورة، من الأصوليين، والفقهاء في حكم التزام مذهب من المذاهب الأربعة بعينه وعدم الخروج، عنه مطلقاً؟ وما قولهم في حكم خروج المقلد عن قول مذهب إمامه أحياناً؟)
التقليد قبول قول الغير بلا دليل. فيدخل فيه قبول العامي لقول عامي مثله وهو من الكوارث الشائعة في هذا الزمان، وكذا يدخل فيه قبول المجتهد لقول مجتهد آخر سواء كان أعلى منه أو مساو له أو أدنى منه رتبة. وليس قبول قول الرسول صلى الله عليه وسلم تقليداً، وذكروا أن قبول الإجماع، وقبول القاضي قول العدول من الشهداء، وقبول العامي قول المفتي كله ليس بتقليد. وهو قول ابن الحاجب في مختصر المنتهى الأصولي ولم يعترض عليه شارحه العلامة الإيجي. وللقاضي الباقلاني القول بأن قبول العامي قول مفتيه ليس بتقليد أصلاً، فإن قول العالم حجة في حق المستفتي نصبه الله تعالى عَلَماً في حق العامي وأوجب عليه العمل به.
والتقليد متصور في الاعتقاديات والعمليات. أما في الاعتقاد فالأصح عند الشيخ الأشعري وغيره من أئمة المذهب الاكتفاء بالتقليد الصحيح الجازم للحكم بصحة الإيمان. وتفصيله في كتب الكلام في مسألة المقلد مشهور.
وأما في العمليات فهذه بعض أقوال الأصوليين فيما سألت عنه:
قال سيف الدين الآمدي رحمه الله في الإحكام:
أولاً: (إذا اتبع العامي بعض المجتهدين في حكم حادثة من الحوادث، وعمل بقوله فيها، اتفقوا على أنه ليس له الرجوع عنه في ذلك الحكم بعد ذلك إلى غيره. وهل له اتباعُ غير ذلك المجتهد في حكمٍ آخر؟ اختلفوا:
- فمنهم من منع منه
- ومنهم من أجازه
- والحق نظراً إلى ما وقع عليه إجماع الصحابة من تسويغ استفتاء العامي لكل عالم في مسألة، وأنه لم ينقل عن أحد من السلف الحجر على العامة في ذلك، ولو كان ذلك ممتنعاً لما جاز من الصحابة إهماله والسكوت عن الإنكار عليه، ولأن كل مسألة لها حكم، فكما لم يتعين الأول للاتباع في المسألة الأولى إلا بعد سؤاله فكذلك في المسألة الأخرى.)
ثانياً: (إذا عين مذهباً، كمذهب الشافعي وأبي حنيفة، وقال: أنا على مذهبه، وملتزم له. فهل له الرجوع إلى الأخذ بقول غيره في مسألة من المسائل؟ اختلفوا فيه:
- جوزه قوم نظراً إلى أن التزامه لمذهب معين غير ملزم له.
- ومنع ذلك آخرون، لأنه بالتزامه المذهب صار لازماً له، كما لو التزم مذهبه في حكم حادثة معينة.
- والمختار إنما هو التفصيل، وهو أن كل مسألة من مذهب الأول اتصل عمله بها، فليس له تقليد الغير فيها، وما لم يتصل عمله بها، فلا مانع من اتباع غيره فيها.)
هذا قوله بالنص في المسألة الثامنة، وهي آخر مسائل باب التقليد والمفتي والمستفتي وما فيه الاستفتاء. وكلام الآمدي في لطيف دقيق رائق في هذا الباب، فارجع إلى هذه الصفحات العشرة الجامعة لمسائل هذا الباب في كتاب الإحكام في أصول الأحكام.
قال الكمال ابن الهمام في التحرير:
(مسألة: لا يرجع المقلّد) غير الملتزم بمذهب معين (فيما قلّد فيه -أي عمل به- اتفاقاً. (وهل يقلّد) العامي الذي لا مذهب له (غيره) أي غير العالم الذي يقلّده ويسأله عادة (في غيره) من المسائل. أي هل يقلّد عالماً آخر في مسألة أخرى عرضت له؟ (المختار: نعم.) وذلك (للقطع بأنهم) أي الصحابة والتابعون (كانوا يستفتون مرّة واحداً) من علمائهم (ومرّة) أخرى يستفتون (غيره) من العلماء (غير ملتزمين مفتياً واحداً) بعينه (فلو التزم) المقلّد (مذهباً معيّناً كـ) مذهب (أبي حنيفة أو) مذهب (الشافعي؟) فهل يجوز له أن يخرج عن هذا المذهب إلى أقوال غيره من أصحاب المذاهب؟
(فقيل: يلزم) مذهبه ولا يأخذ من غيره من المذاهب.
(وقيل لا) يلزمه أن يلتزم بمذهبه وله أن يأخذ من أقوال علماء المذاهب الأخرى.
(وقيل) حاله في هذه المسألة (كـ) حال (مَن لم يلتزم) مذهباً. في أنه (إن عمل بحكمٍ تقليداً) منه لمفتٍ أفتاه فـ(لا) يجوز له أن (يرجع عنه) بالاتفاق. ومعنى هذا الرأي أن صاحب المذهب لا يجوز له أن يعمل بقول مجتهد آخر غير الذي يقلده إن اتصل عمله به على حكم المجتهد الأول (و) يجوز له (في غيره) من الأحكام والمسائل التي لم يتصل عمله بها. أي أن (له تقليد غيره) أي غير إمامه المجتهد في مسائل أخرى. قال ابن الهمام رحمه الله: (وهو الغالب على الظن لعدم ما يوجبه شرعاً).
ثم قال: (نقل الإمام) فخر الدين الرازي أعلى الله درجته في دار السلام (إجماعَ المحققين على منع العوام من تقليد أعيان الصحابة، بل) يقلّدون (من بعدهم) من العلماء (الذين سبروا) العلوم (ووضعوا) القواعد (ودوّنوا) المسائل والدلائل (وعلى هذا) الإجماع، يتخرّج (ما ذكر بعض المتأخرين) أعني (منعَ تقليد غير الأربعة لانضباط مذاهبهم، وتقييد مسائلهم، وتخصيص عمومها، ولم يُدرَ مثله في غيرهم) من العلماء (الآن) وذلك (لانقراض أتباعهم. وهو الصحيح) اهـ كلامه رحمه الله. وما بين قوسين من متن التحرير في أصول الفقه، وما دونه من الكلام من توضيحي.
مسألة: إذا بلغ المكلف رتبة الاجتهاد، فإن كان قد اجتهد في مسألة ووضح في ظنه الصواب لم يقلّد غيره بالاتفاق. وإن لم يكن قد اجتهد فيها بعد فاختلفوا على أقوال:
الأول: المنع من التقليد. وذهب إليه أكثر الفقهاء وجمع من الأصوليين منهم القاضي واختاره القاضي البيضاوي تبعاً للإمام الرازي وهو ما اختاره الآمدي والإمام ابن الحاجب المالكي.
الثاني: التجويز مطلقاً، وهو قول سفيان الثوري والإمام أحمد وإسحاق.
الثالث: يجوز تقليد الصحابة فقط.
الرابع: يجوز تقليد الصحابة والتابعين دون غيرهم.
الخامس: يجوز تقليد العالم لأعلم منه، ولا يجوز لمساويه ودونه، وهو قول محمد بن الحسن.
السادس: يجوز له التقليد فيما يخصّه دون ما يفتي به
السابع: أنه يجوز له التقليد فيما يخصّه إذا خشي فوات الوقت وهو يشتغل بالحادثة ليحصل فيها حكماً وهو رأي أبي العباس ابن سريج.
والثامن: أنه يجوز للقاضي دون غيره.
انظر الإبهاج شرح المنهاج للسبكي على البيضاوي. ومناقشة الاستدلالات هناك.
الأكثرون على أن المقلد إن تبحر في مذهب المجتهد واطلع على ما أخذه، وكان أهلاً للنظر والتفريع على قواعده جاز له الفتوى، وإلا فلا. انظر الإبهاج.
فائدة:
مثل ابن الهمام في التحرير على تقليد المقلد لإمام في مسألة ما ثم تقليد آخر في مسألة متصلة بالأولى، وذكر أن هذا من تقييد بعض المتأخرين، وهكذا فهمت المثال: إن الدلك في الوضوء غير واجب عند الشافعي رضي الله عنه، واللمس بلا شهوة غير ناقض للوضوء عند مالك رضي الله عنه. والعكس صحيح عندهما. فإذا توضّاً مقلّد الشافعي ولمس بلا شهوة ولم يتوضّأ فصلّى مقلّداً مالكاً؛ فإن كان الوضوء بدلك أي أنه كان مقلّداً لمالك في وضوئه صحّت صلاته لأنه تمم ما اتصل بالوضوء من العمل وهو الصلاة على مذهب مالك أي المذهب الذي بدأ عمله به، وإلاّ أي وإن لم يكن قد قلد مالكاً في الوضوء أي توضّأ بلا دلك كما أجازه الشافعي بطلت صلاته عندهما. أي على المذهبين. أما عند الشافعي فلأن المقلّد صلى بلا وضوء لأن وضوءه انتقض باللمس. وكذا عند مالك لأنه توضّأ ولم يدلك فوضوؤه غير صحيح. هذا ما فهمته من المثال.
أرجو أن يكون ما نقلته في الجواب عمّا سألت مفيداً، والعذر إن تأخرت في المشاركة لانشغالي، وقد قصدتني للجواب في رسالة خاصة وأنا غير أهل لذلك لا تواضعاً بل على الحقيقة. ولعل الشيخ جلال والإخوة ذوي الاطلاع والبحث يدققون ويحققون المسألة أكثر ويثرون الإجابة بأقوال العلماء.
والسلام عليكم ورحمة الله
ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحقّ وأنت خير الفاتحين