الحمد لله رب العالمين ، أحمده على نعمه التي لا تحصى عددا ، وأعظمها نعمة بعثة سيد الأولين والآخرين للناس كافة ، ليخرجهم من الظلمات إلى النور ، ومن الجهل إلى العلم ، ومن الذل إلى العزة ، فلك الحمد يا رب العباد ، على أن جعلتنا من أمته ، وأشهد أن لا إله إلا الله له الأسماء الحسنى والصفات العلى ، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ، أشرف العالمين نسبا ، وأحسنهم خُلُقا ، وأجملهم خلقا ، وأطهرهم قلبا ، وأزكاهم نفسا ، وأفصحهم منطقا ، وأقربهم إلى الله مقاما ، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه صلاة يتجدد بها إيمان المؤمنين ، وتنشرح بها صدور المكروبين ، وتنقشع بها الغمة عن هذه الأمة يا رب العالمين . " يا أيها الناس اتقوا ربكم واخشوا يوما لا يجزي والد عن ولده ولا مولود هو جاز عن والده شيئا إن وعد الله حق فلا تغرنكم الحياة الدنيا ولا يغرنكم بالله الغرور " ( لقمان : 33 ) .
أما بعد : أيها المسلمون أمة الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم انتهت إحدى عشر سنة رأينا فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم يعاني من حياة لا راحة فيها ولا استقرار فيها تتربص قريش في كل دقيقة منها بقتله ،وتصب عليه ألواناً من المحن والشدائد ، فلا ينقص ذلك شيئاً من عزيمته ولا يضعف شيئاً من قوته وسعيه إحدى عشر سنة والرسول صلى الله عليه وسلم من غربة هائلة مظلمة بين قومه وجيرانه وكافة الجماعات والقبائل المحيطة به ، فلا ييأس ولا يضجر ، ولا يؤثر ذلك على شيء من أنسه بربه عز وجل ، وفي أواخر تلك السنوات يضيء بصيص من الأمل ويلتقي رسول الله صلى الله عليه وسلم في موسم الحج برجال من يثرب كلهم من الخزرج ، يشرح لهم حقيقة الإسلام ودعوته، ويدعوهم إلى الله عز وجل ويتلوا عليهم القرآن فيقول بعضهم لبعض : تعلمون والله يا قوم إنه للنبي الذي توعدكم به يهود ، فلا تسبقنكم إليه، فأسرعوا إلى إجابة دعوته وأسلموا وقالوا له : إنا قد تركنا قومنا ولا قوم بينهم من العداوة والشر ما بينهم، فعسى الله أن يجمعهم بك فسنقدم عليهم فندعوهم إلى أمرك، ونوصي عليهم الذي أجبناك إليه من هذا الدين، فإن يجمعهم الله عليك فلا رجل أعز منك ثم انصرفوا ووعدوه المقابلة بالموسم المقبل وينتشر الإسلام في المدينة ويأتي في العام التالي اثنا عشر رجلا يلقون رسول الله صلى الله عليه وسلم فيبايعونه على أن لا يشركوا بالله شيئا ولا يسرقوا ولا يزنوا ، ولا يقتلوا أولادهم ولا يأتوا ببهتان يفترونه ولا يعصون رسول الله صلى الله عليه وسلم في معروف أبدا . ويبعث معهم مصعب بن عمير السفير الأول في الإسلام ليعلمهم أحكام دينهم ويقرأ لهم القرآن .
أيها المسلمون لو كان الإسلام نطقا للشهادتين فقط لما طلب منهم رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه البيعة ، لقد أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يصبغ سلوكهم بالصبغة الإسلامية عن طريق التمسك بنظمه وأخلاقه وعامة مبادئه وهكذا الإسلام ليست مهمته يلقن الناس كلمة الشهادة ثم يتركهم يرددونها بأفواههم عاكفون على انحرافاتهم ومفاسدهم ، إن الإسلام دين ودولة أخلاق وعبادات معاملات وتشريعات، ومن يظن أن الإسلام فقط هو النطق بالشهادة بكلمة التوحيد دون التزام بإحكامه مخطئ وجاهل بطبيعة هذا الدين .
أيها المسلمون وينطلق مصعب معهم وينزل عند أسعد بن زرارة وكان قد حضر البيعة ويأخذان ببث الإسلام في أهل يثرب بجد وحماس : إنها وظيفة الدعاة إلى الله حيثما حلوا أينما كانوا ومن أروع مما يروى عن مصعب في دعوته إليهم أنه وأسعد بن زرارة خرجا يوما واجتمع إليهما رجال من المسلمين عند حائط من حوائط بني ظفر، وسمع بهما سعد بن معاذ وأسيد بن حضير وكانا سيدا قومهما بني عبد الأشهل وهما على الشرك ، فيقول سعد لأسيد : إذهب إلى هذين الذين قد أتيا ليسفها ضعفائنا فأزجرهما ، وأنههما أن يأتيا دارنا - فإن أسعد بن زرارة ابن خالتي لولا ذلك لكفيتك هذا، فيأخذ أسيد حربته ويقبل عليهما فلما رآه أسعد بن زرارة قال مصعب : هذا سيد قومه قد جاءك فاصدق الله فيه وقال مصعب : إن يجلس أكلمه، ويجئ أسيد ويقف عليهما متشمتا ويقول : ما جاء بكما إلينا، تسفهان ضعفاءنا اعتزلانا إن كانت لكما بأنفسكما حاجة، فيجيبه مصعب وهو الداعي الحكيم : أو تجلس فتسمع فإن رضيت أمرا قبلته وإن كرهته كف عنه ما تكره . وتدخل هذه الكلمات أعماقه وهو العربي الأصيل فيقول : أنصفت ثم ركز حربته وجلس ويكلمه مصعب بالإسلام ويتلوا عليه القرآن، فيدخل إلى أعماق قلبه، ويعرف ذلك مصعب في وجهه قبل أن يتكلم ، ثم تكلم فقال : ما أحسن هذا وأجمله فكيف تصنعون إذا أردتم أن تدخلوا في هذا الدين ؟ قالا له : تغتسل وتطهر ثوبك ، ثم تشهد شهادة الحق ثم تصلي ركعتين ، فقام فاغتسل ثم طره ثوبه وتشهد وصلى ركعتين ، ولم يكن بعد أن دخل في هذا الدين أن يترك أخاه سعد بن معاذ في شركه قال لهما إن ورائي رجلا إن تبعكما لن يتخلف عن أحد من قومه وسأرشده إليكما الآن ، ويأخذ حربته وينصرف إلى سعد في قومه وهم جلوس في ناديهم لكنه يريد وسيلة يذهب بها سعد إلى الرجلين وعندما رآه سعد قال لقومه : أحلف بالله لقد جاءكم بغير الوجه الذي ذهب به من عندكم .
ويصل إليهم فيقول له سعد : ما فعلت ، قال : كلمة الرجلين فو الله ما رأيت بهما بأسا وقد نهيتهما فقالا : نفعل ما أحببت لكني سمعت أن بني حارثة خرجوا إلى سعد بن زرارة ليقتلوه، وذلك أنهم عرفوا أنه ابن خالتك ليغدروا بك فقام سعد مغضبا لما ذكره وأخذ حربته وخرج إليهما فلما رآهما مطمئنين عرف أن أسيد إنما أراد منه أن يسمع منهما . فوقف عليهما متشمتا فقال له مصعب : أو تقعد فتسمع إن رضيت أمرا قبلته وإن كرهته عزلنا عنك ما تكره فقال : قد أنصفت ثم ركز حربته فجلس، فعرض عليه الإسلام وقرأ عليه القرآن، قال : فعرفنا والله في وجهه الإسلام قبل أن يتكلم ثم قال : كيف تصنعون إذا أسلمتم ؟ قالا تغتسل وتطهر ثوبك ثم تشهد شهادة الحق ثم تصلي ركعتين ، ففعل ذلك ثم أخذ حربته، فأقبل على قومه فلما رأوه قالوا : نحلف بالله لقد رجع بغير الوجه الذي ذهب به، فلما وقف عليهم قال : يا بني عبد الأشهل كيف تعلمون أمري فيكم، قالوا سيدنا وأفضلنا رأيا وقال : فإن كلام رجالكم ونساءكم علي حرام حتى تؤمنوا بالله ورسوله . فما أمسى فيهم رجل ولا امرأة إلا مسلما ومسلمة .
وهكذا نشر مصعب هذا الدين الحنيف في يثرب حتى لم تبق دار من دور الأنصار إلا وفيها رجال ونساء مسلمون ، ويرجع مصعب إلى حبيبه الأعظم رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل موسم الحج ، يحمل له بشائر الفوز، ويقص عليه خبر قبائل يثرب وما فيها من مواهب الخير، وما لها قوة ومنعة، ويأتي موسم الحج ويأتي معه أهل يثرب بينهم بضع وسبعون نفسا مؤمنة يتساءلون فيما بينهم، حتى متى نترك رسول الله صلى الله عليه وسلم يطوف ويطرد في جبال مكة ويخاف ؟ لقد دخل هذا الدين في قلوبهم ودخلت محبة النبي صلى الله عليه وسلم أعماقهم، ويواعدون رسول الله صلى الله عليه وسلم بالعقبة أوسط أيام التشريق . ويتسللون لمقابلته ويجتمعوا به معه عمه العباس بن عبد المطلب ولم يكن مسلما بعد إلا أنه أحب أن يحضر أمر ابن أخيه ويتوثق له ، وكان أول متكلم فحدثهم عن مكانة رسول الله صلى الله عليه وسلم عندهم، وأنه في قوة ومنعة في عشيرته وقال : فإن كنتم ترون أنكم توفون بعهده وتمنعوه ممن خالفه فأنتم وما تحملتم من ذلك، وإن كنتم ترون أنكم مسلموه وخاذلوه بعد الخروج به إليكم فمن الآن فدعوه ، فإنه في عز ومنعة من قومه وبلده .
ويتكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم فيتلوا القرآن ويدعو الله ويرغب في الإسلام ثم يقول : أبايعكم على أن تمنعوني مما تمنعونه به نساءكم وأبناؤكم فأخذ البراء بن معرور بيده ثم قال : نعم والذي بعثك بالحق نبيا لنمنعنك مما نمنع به أنفسنا منه، فبايعنا رسول الله فنحن والله أبناء الحرب وأهل الحلقة ورثناها كابرا عن كابر ، ويقاطعه أحدهم، قائلا : يا رسول الله إن بيننا وبين الرجال يعني اليهود حبالا، وإنا قاطعوها فهل عسيت إن نحن فعلنا ذلك : ثم أظهرك الله، أن ترجع إلى قومك وتدعنا، فيجيبه رسول الله صلى الله عليه وسلم مبتسما بل الدم الدم والهدم الهدم، أنا منكم، وأنتم مني أحارب من حاربتم وأسالم من سالمتم . ويريد العباس بن عبادة أن يؤكد للقوم خطورة هذه البيعة ويتأكد من استعدادهم للتضحية فيقول : هل تدرون علام تبايعون هذا الرجل، إنكم تبايعونه على حرب الأحمر والأسود من الناس، فإن كنتم ترون أنكم إذا نهكت أموالكم مصيبة، وأشرافكم قتلا، أسلمتمو، فهو والله أن فعلتم خزي الدنيا والآخرة، وإن كنتم ترون أنكم وافون بما دعوتموه إليه فخذوه، فهو والله خير الدنيا والآخرة ، قالوا : فإنا نأخذه على مصيبة الأموال وقتل الأشراف، فما لنا بذلك يا رسول الله إن نحن وفينا بذلك، قال : الجنة، قالوا أبسط يدك فبسط يده فبايعوه رواه الإمام أحمد .
وهكذا يتم حدث تاريخي في مصير الإسلام إنه يقضي بتحول الدعوة من مكة إلى يثرب، وبتغيير مسار تاريخ هذه الدعوة .
ويسمع المشركون بهذه المبايعة فيضطربون ويخافون فيصبحون على مخيم أهل يثرب ويقولون : يا معشر الخزرج إنه قد بلغنا أنكم قد جئتم إلى صاحبنا هنا تستخرجونه من بين أظهرنا وتبايعونه على حربنا، وإنه والله ما من حي من العرب، أبغض إلينا من أن تنشب الحرب بيننا وبينهم منكم . ولما كان مشركو الخزرج لا يعرفون عن أمر المبايعة شيئا انبعثوا يحلفون الإيمان أنه ما كان من شيء وما علمناه والمسلمون ينظر بعضهم إلى بعض لا ندين بالصمت فلم يتحدث أحد منهم بنفي أو إثبات . فصدقهم المشركين ورجعوا خائبين لكنهم دققوا النظر فيه، واكثروا البحث عنه فتأكد لديهم الخبر، لكن الحجاج قد نفروا إلى أوطانهم فسارعوا إلى مطاردة اليثربيين ، لكن بعد ما فات الأوان .
أيها المسلمون : ويريد الله أن يجعل للمسلمين وطن وأن تصبح لهم دولة ومنعة وتكون الهجرة . روى هذه القصة الإمام أحمد و الطبراني .
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم والتائب من الذنب كمن لا ذنب له .
*************أيها المسلمون مما نستفيده من خطبتنا لهذا اليوم : أن على المسلم أن يدعو إلى دين الله الصغير والكبير، والغني والفقير، الأمير والحقير، فليست دعوة الإسلام مقتصرة على صنف معين من البشر، ولعل في الصغير أو الفقير أو التافه ما لا يوجد في غيره، وتكون به نصرة الإسلام والمسلمين .