النتائج 1 إلى 2 من 2

الموضوع: المحكمة الدستورية تضع العدالة والتنمية أمام الامتحان الأصعب

  1. #1

    المحكمة الدستورية تضع العدالة والتنمية أمام الامتحان الأصعب

    المحكمة الدستورية تضع العدالة والتنمية أمام الامتحان الأصعب
    د. بشير موسى نافع
    07/08/2008
    أقل ما يمكن أن يقال في القرار الذي أصدرته المحكمة الدستورية التركية بخصوص قضية حظر حزب العدالة والتنمية التركي أنه حمال أوجه. بعد أسابيع من الترقب والتوتر، أعلنت المحكمة عزمها عدم الموافقة على طلب المدعي العام حظر الحزب؛ وأنها قررت بدلاً من ذلك حرمانه من نصف الدعم الحكومي السنوي، الذي تقدمه الدولة التركية تقليدياً للأحزاب السياسية، طبقاً لحجم تمثيلها البرلماني. مثل هذه العقوبة لن تؤثر على إمكانات حزب العدالة والتنمية المالية، سيما وهو يتمتع بدعم شعبي كبير، بما في ذلك دعم بعض من أبرز رجال الأعمال الأتراك الجدد. بيد أن مجرد حكم العقوبة يعني بالضرورة أن هيئة المحكمة اقتنعت بالاتهامات التي وجهها النائب العام، والتي تتمحور حول أن العدالة والتنمية تحول إلى بؤرة للنشاطات الإسلامية، وأنه بات مصدر تهديد للأسس العلمانية التي ترتكز إليها الجمهورية؛ وأن الخلاف بين القضاة تعلق بطبيعة العقوبة فقط. وهذا ما وقع فعلاً؛ فقد أفاد رئيس المحكمة الدستورية في مؤتمره الصحافي أن ستة بين القضاة الأحد عشر أقروا الاتهامات الموجهة للحزب وطالبوا بحظره، بينما رفض أربعة آخرون عقوبة الحظر، وقرروا حرمان الحزب من التمويل. واحد فقط بين قضاة المحكمة رفض دعوى النائب العام كلية.

    لا بد من الانتظار قليلاً قبل أن تنشر المحكمة حيثيات قرارها بالكامل، وتتضح بالتالي الكيفية التي نظر بها القضاة إلى الدعوى والمنطق الذي حدد تقييمهم للأدلة التي ضمها ملف النائب العام، وهي الأدلة التي وصفها عدد واسع من المراقبين الاتراك بأنها في جلها مجرد تفسيرات من وجهة نظر واحدة لعدد من الحوادث. ولكن من الممكن ربما رؤية عدد من المؤشرات الهامة التي حملها قرار المحكمة. فبخلاف معظم التوقعات بانقسام القضاة تسعة إلى اثنين، على اعتبار أن تسعة من أعضاء المحكمة معروفون بعلمانيتهم الراديكالية وأن الاثنين الآخرين يعود تعيينهما إلى عهد الرئيس المعتدل تورغوت أوزال، انقسم قضاة المحكمة هذه المرة في صورة لا تنسجم بالضرورة مع هذه الخارطة. القول بأن القرار جاء نتيجة لصفقة تم التوصل إليها بين رئيس الوزراء اردوغان وأركان الطبقة الحاكمة التقليدية، سيما جنرالات الجيش، لا يستند إلى أدلة كافية. فبالرغم من التقارير الصحافية التي حملت تكهنات حول مثل هذه الصفقة خلال الأسابيع السابقة على صدور قرار المحكمة، إلا أن الواضح أن قيادة العدالة والتنمية ظلت حتى صباح صدور القرار تتوقع الأسوأ؛ وقد أعدت بالفعل الإجراءات الضرورية لتأسيس حزب جديد. الأرجح، أن قضاة المحكمة الخمسة الذين عارضوا عقوبة الحل (وهو القرار الذي يحتاج أكثرية من سبعة اصوات لا ستة)، أخذوا في الحسبان ما يمكن أن يوقعه قرار الحل من اضطراب سياسي واقتصادي كبير، ما يمكن أن يتركه من أثر في المنطقة الكردية وعلى وتيرة العنف الذي تتعرض له تركيا من هجمات حزب العمال الكردستاني، وعلى دور تركيا ووضعها الإقليمي. ثمة اعتباران آخران لا يقلان أهمية: الأول، يتعلق باحتمال تبلور فراغ في القيادة العسكرية للبلاد، التي تشهد هذا الأسبوع اختيار رئيس جديد للأركان، ما كان يمكن لعملية اختياره أن تتم في حال حل الحزب الحاكم واستقالة إردوغان من رئاسة الحكومة؛ والثاني، أن ليس هناك في الحقيقة من بديل سياسي جدي لحزب العدالة والتنمية، بعد أن تحولت الأحزاب العلمانية التقليدية إلى ما يشبه التحف التاريخية أكثر منها إلى أحزاب معارضة يمكن أن تشكل حكومة تلتف حولها قطاعات شعبية ملموسة وتتمتع بمصداقية انتخابية كافية لإدارة شؤون الدولة. العدالة والتنمية هو حتى إشعار آخر الحزب المهيمن على تركيا السياسية. بهذا المعنى، كان قرار المحكمة الدستورية انتصاراً للعقل وللسلم الأهلي وللاستقرار، ولكنه لم يضع حداً للصراع المحتدم حول روح تركيا، بأبعاده الاجتماعية السياسية والثقافية.

    نظر إلى قرار المحكمة الدستورية، من جهة، بأنه جاء لصالح حزب العدالة والتنمية وقياداته الرئيسية. فالسيناريو الأسوأ لم يكن سيقتصر على حل الحزب (الذي كان من السهل تشكيل حزب بديل له مباشرة)، بل منع قادة الحزب الرئيسيين من العمل السياسي المنظم، بما في ذلك رئيس الجمهورية غول ورئيس الوزراء إردوغان. في مثل هذه الحالة، ما كان يمكن إطاحة رئيس الجمهورية (الذي لا يقال من منصه إلا بإدانته بالخيانة العظمى)، ولكن موقعه كان سيتعرض لاهتزازات معنوية. أما إردوغان فكان سيخسر منصبه، ويحاول من ثم العودة إلى البرلمان في انتخابات مبكرة كنائب مستقل؛ وهو ما قد يدخل حزبه وكل المشهد السياسي التركي في دوامة من الاحتمالات. لهذا، على الأقل، لا يجب التقليل من حجم الأثر الإيجابي الذي تركه قرار المحكمة على وضع ومستقبل حزب العدالة والتنمية، وعلى ملايين الأتراك الذين منحوه أصواتهم في انتخابات العام الماضي.

    من جهة أخرى، ينبغي رؤية الضغوط الهائلة التي فرضها قرار المحكمة على العدالة والتنمية. في مؤتمره الصحافي، قال رئيس المحكمة الدستورية أن قرار المحكمة رفض مطلب حل الحزب لا يعني أن النائب العام لا يمكنه التقدم بدعوى جديدة ضد العدالة والتنمية في المستقبل. والأرجح، بالطبع، أن الحزب لن يواجه مثل هذه الدعوى في المدى القريب، ولكن الواضح أن المحكمة أرادت أن ترسخ لدى العدالة والتنمية الشعور بأنه إن أفلت هذه المرة فإنه سيبقى تحت رقابة دائمة في كل ما يتعلق بسياساته وخطابه وتشريعاته. وكون المحكمة أصلاً قد أقتنعت بأكثرية عشرة إلى واحد بحيثيات الدعوى، فإن حل الحزب في حال واجه ادعاء ثانياً مشابهاً يصبح أقرب احتمالاً. وقد كان رئيس المحكمة محدداً في قوله ان القرار يمثل إنذاراً شديداً يستوجب أن يؤخذ في الحسبان من قبل العدالة والتنمية. المسألة الثانية، أن اختيار المجلس العسكري الأعلى هذا الأسبوع قائد القوات البرية، الجنرال إلكر باشبوغ، رئيساً لهيئة الأركان للعامين القادمين، يعني أن رئيس الوزراء سيواجه في قيادة المؤسسة العسكرية التركية خصماً عنيداً، يتمتع بسمعة عسكرية أسطورية في أوساط الجيش، وبحنكة سياسية تكتيكية تفوق بكثير حنكة رئيس الأركان المنتهية ولايته بيوك - أنيت. المسألة الثالثة، أنه بالرغم من الدعم الأوروبي والأمريكي المعنوي لحزب العدالة والتنمية خلال الأزمة الأخيرة، على أساس أن حل الأحزاب السياسية من قبل القضاء هو تصرف غير ديمقراطي، فإن مؤشرات دلت على أن مواقف الدول الأوروبية الرئيسية لم تكن متفقة على معارضة حل العدالة والتنمية، وأن الموقف الأمريكي شابه مستوى ملموس من الغموض.

    مثل هذه الأجواء قد تؤدي إلى إخافة العدالة والتنمية، وثنيه بالتالي عن مواصلة سياساته الإصلاحية. إن كان كل مشروع قانون قد يتقدم به الحزب للبرلمان، وكل تصريح يطلقه أحد نوابه أو قادته، وكل نشاط يتعهده هذا الفرع أو ذاك من فروع الحزب، سيكون موضع رقابة وعرضة لتفسيرات جامحة من سياسيين أو قضاة يحملون وجهة نظر مسبقة من الحزب، فإن قدرات حكومة العدالة والتنمية على مواصلة برنامج الإصلاحي ستحبط إلى حد كبير. والمعروف أن الحزب الحاكم، وهو الذي يتمتع باكثرية برلمانية كبيرة ويقبض على منصبي رئاسة الجمهورية ورئاسة الوزراء، هو في طريقه لمواجهة عدد من الاستحقاقات الكبرى، المتعلقة ببنية الدولة التركية وعلاقة الدولة بالمجتمع. أولها، بالتأكيد، التعهد الذي تضمنه برنامج العدالة والتنمية الانتخابي بصياغة دستور جديد كلية للبلاد، بعد أن حكمت تركيا منذ مطلع الثمانينات بدستور أشرف على صياغته الضباط الانقلابيون ليحمل تصورهم للدولة والحكم، ونظراً لطبيعته التحكمية فقد تعرض الدستور لعشرات التعديلات خلال ربع القرن الماضي. إضافة إلى الملف الدستوري، فإن كلاً من مجلس التعليم الأعلى، الذي يتحكم في كافة جوانب العملية التعليمية من المدرسة الابتدائية وحتى الجامعة، والمحكمة الدستورية نفسها، سيعاد تشكيلهما. تعيين أعضاء مجلس التعليم الأعلى وقضاة المحكمة الدستورية يعود إلى رئيس الجمهورية، ويخضع لأنظمة معقدة.

    كان ينبغي على حكومة العدالة والتنمية أن تسارع إلى الوفاء بتعهدها الدستوري منذ فوزها الثاني في الانتخابات البرلمانية. ولكن الحكومة، ولأسباب غير واضحة تماماً، ذهبت إلى إقرار التشريع الخاص بالتعليم الجامعي، الذي أطلق عليه قانون الحجاب، والذي سرعان ما تعرض للنقض من المحكمة الدستورية، واعتبره كثيرون الشرارة التي أطلقت الأزمة الأخيرة. منع الفتيات المحجبات من التعليم الجامعي هو بالتأكيد مشكلة ملحة في الحياة التركية، تمس قطاعاً واسعاً من المجتمع التركي، سيما أولئك الذين يشكلون جزءاً هاماً من قاعدة العدالة والتنمية الانتخابية؛ ولكن الأبعاد الرمزية الثقيلة لمسألة الحجاب تثير حساسيات عميقة، مما سمح بسهولة لتوظيفها في صراع القوة بين الطبقة التقليدية الحاكمة والقوى الاجتماعية الجديدة التي حملت العدالة والتنمية إلى الحكم. مشكلة تركيا الحقيقية هي أبعد من مسألة الحجاب والجامعة، وتتعلق ببنية النظام الجمهوري ذاته، بنيته الدستورية، التعليمية، القضائية، وبيروقراطية الدولة المدنية والعسكرية على السواء. بدون إجراء إصلاحيات حقيقية في هذه الدوائر، بهدف تخفيف وطأة الدولة على المجتمع وإضعاف قبضتها المحكمة على الحياة، فكل محاولات الإصلاح الأخرى ستنتهي إلى أزمة من هذا المستوى أو ذاك. بعض العمل الإصلاحي يتطلب سنوات طويلة قبل أن يؤتي ثماره، مثل ذلك المتعلق بالمؤسسة العسكرية هائلة الحجم وبيروقراطية الدولة. بعضه الآخر، مثل إصلاح المؤسسة التعليمية، يمكن إنجازه على المدى المتوسط. ولكن الإصلاح الدستوري، بما في ذلك رفع يد القضاء عن الحياة السياسية، ومثل إعادة تشكيل المحكمة الدستورية لتصبح أكثر تمثيلاً للخارطة الاجتماعية التركية الجديدة، لا يجب أن ينتظر طويلاً.

    المؤكد، أن العدالة والتنمية، وحكومته وزعيمه، يقف الآن أمام الامتحان الأصعب، امتحان مراعاة الشك الذي يثيره بين عموم الجمهوريين العلمانيين الأتراك، من ناحية، وامتحان عدم الخضوع للضغوط المستبطنة في قرار المحكمة الدستورية، من ناحية أخرى. بدون المضي في مشروع الإصلاح، فإن تركيا لن تتحرر من حالة الانقسام والتأزم وعدم الاستقرار، التي تعيشها منذ ولادة الجمهورية.

    ' كاتب وباحث عربي في التاريخ الحديث
    [الاسرى يمتشقون عبق الحرية..

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Jun 2007
    المشاركات
    95
    حول انتصار النموذج الإسلامي العلماني التركي
    ياسر الزعاترة

    لا شك في أننا فرحنا، خلافا لما يعتقده البعض، بنجاة حزب العدالة والتنمية من قرار الحل الذي كان مرجحا بحسب المحللين والمراقبين الأتراك وغير الأتراك في الداخل والخارج.

    وهذا الأمر الذي لا صلة له بالحماسة لما يسمونه النموذج الإسلامي التركي الذي يجسده حزب العدالة والتنمية، بقدر صلته بالحرص على تركيا كدولة مسلمة لها دورها في هذا المحيط الإقليمي المضطرب، وبالضرورة الحرص على الحد الأدنى من الهوية الإسلامية لتركيا في وقت يريد فيه جحافل العلمانيين المتطرفين نزع ما تبقى من معالم تلك الهوية.

    الذين يتحمسون لتجربة العدالة والتنمية ليسوا سواء من حيث الدوافع والخلفيات، فهم يتوزعون على طيف واسع من البرامج والأفكار، يتصدرهم إسلاميون يعتقدون أن قادة الحزب يمارسون "التقية"، وأنهم مقيمون على برنامجهم الإسلامي، لكنهم يناورون من أجل التخلص التدريجي من سطوة العسكر والنخبة السياسية العلمانية المتطرفة.

    ويشمل هذا الفريق؛ إلى جانب عدد من الإسلاميين، الكثير من جماهير الشارع العربي والإسلامي التي تتعاطف مع مفردات الظاهرة الإسلامية بكل تلاوينها، لا سيما تلك التي تتعرض لهجمات من أطراف خارجية وداخلية مناهضة للإسلام.

    "
    الذين يتحمسون لتجربة العدالة والتنمية ليسوا سواءً من حيث الدوافع والخلفيات، فهم يتوزعون على طيف واسع من البرامج والأفكار، يتصدرهم إسلاميون متحمسون للتجربة, وعلمانيون يريدون جر الحركات الإسلامية إلى لغة جديدة
    "
    الطرف الآخر المتحمس للتجربة يمثله فريق كان يتبنى الرؤية الإسلامية للدولة والمجتمع، وهو سليل التجارب الإسلامية الحركية في العالم العربي، لكنه ما لبث أن ارتد عنها، أو راجعها، بحسب تعبير البعض، معللا ذلك بعدم وجود شيء اسمه دولة إسلامية، وباكتشافه لعبثية فكرة تطبيق الشريعة التي قامت على أساسها الحركات الإسلامية أو ما يعرف بقوى الإسلام السياسي.

    وهذا فريق يستحق التوقف لأنه عمليا وواقعيا يطالب الحركات الإسلامية بتغيير طبيعتها وهويتها من جماعات تنادي باستعادة المرجعية الإسلامية للدولة والمجتمع إلى مجموعات من السياسيين الشطار الذين لا يحللون ولا يحرمون، لا في السياسة (الاعتراف بالكيان الصهيوني والارتماء في حضن أميركا، والتحالف مع الأنظمة الفاسدة)، ولا في القضايا الأخرى ذات الصلة بالمنظومة الاجتماعية والاقتصادية.

    ويبقى أن عناصر هذا الفريق ليسوا سواءً في دوافعهم، إذ منهم مجتهدون لم يغادروا مربعات التدين الحقيقي، ومنهم دون ذلك ممن استقطبتهم الأنظمة فداروا في فلكها.

    الفريق الثالث المؤيد للتجربة هو فريق علماني حقيقي بصرف النظر عن خلفيته الأيديولوجية السابقة، وأحيانا يساري ما زال على فكره، كما أن من عناصره من ليسوا مسلمين، وأكثر هؤلاء لا يحبون الإسلام ولا الإسلاميين، ويريدون جر الحركات الإسلامية إلى لغة جديدة ليس فيها أية نكهة دينية إسلامية، لا في الاجتماع ولا في الاقتصاد ولا السياسة، وهم يفعلون ذلك تبعا للاعتقاد بأن هذا المسار هو الذي سينهي الحركات الإسلامية من الوجود، ومعها منظومة التدين التي تسيّدت الساحة العربية والإسلامية، بخاصة في العشرين سنة الأخيرة.

    والخلاصة أن هذا الفريق يمارس عمليا الاستدراج للحركات الإسلامية أكثر مما يمارس النصيحة التي تؤدي بتلك الحركات إلى تحقيق النجاح في الوصول إلى السلطة، لا سيما أنه يدرك تمام الإدراك أن مشكلة الإسلاميين مع الأنظمة العربية القائمة لا صلة لها بالأيديولوجيا، بقدر صلتها بالمعارضة ومنافسة النخب الحاكمة التي استأثرت بالسلطة والثروة.

    وهي منافسة لن تكون مقبولة من أي أحد حتى لو تنازل عن كل ثوابته الأيديولوجية، بل حتى لو كان من أبناء المؤسسة الحاكمة وأقرب المقربين إليها.

    والحال أن وضع تركيا لا يتوفر بذات التفاصيل في الحالة العربية والإسلامية، حيث لا وجود لعلمنة قسرية أو إقصاء للدين على الصعيد الشخصي، وربما المجتمعي إلى حد ما، وإن توفر على صعيد بناء الدولة، وثمة رؤساء وزارات وحكام متدينون أكثر من أردوغان، كما كان حال عبد العزيز بلخادم في الجزائر على سبيل المثال، إلى جانب بعض أركان الحكم في دول أخرى.

    كما أن المثال التركي لا يتوفر كذلك على صعيد البناء الديمقراطي، إذ إن ما يتوفر من معالم ديمقراطية في العالم العربي لا يتعدى ديمقراطية ديكورية لا تسمح لحزب من خارج اللعبة بالفوز حتى لو تزعمه قديس لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.

    "
    مشكلة الإسلاميين مع الأنظمة العربية القائمة لا صلة لها بالأيديولوجيا بقدر صلتها بالمعارضة ومنافسة النخب الحاكمة التي استأثرت بالسلطة والثروة
    "
    في تركيا، ثمة حزب علماني اسمه العدالة والتنمية، وآخر إسلامي اسمه السعادة يتبع شيخ الحركة الإسلامية التركية نجم الدين أربكان، وإذا كان العدالة هو صاحب الصدارة هذه الأيام، وبالطبع لأن قطاعا من الأتراك يتبنون اعتقاد الفئة الأولى التي أشرنا إليها، أعني تلك التي تؤمن بأن قادته إسلاميون يمارسون التقية، فإن ذلك قد يتغير في المستقبل، وقد يأتي يوم يتصدر فيه السعادة المشهد، أو ربما حزب آخر يستعيد فكرة المرجعية الإسلامية للدولة والمجتمع على ذات النسق المعروف.

    وتكفي الإشارة هنا إلى الاستطلاع الأخير لمعهد غالوب حول موقف الناس من تطبيق الشريعة، وأجري في مصر وإيران وتركيا، فكانت النتيجة أن أكثرية الأتراك لهم موقف إيجابي من تطبيق الشريعة (كانت النسبة تتفاوت بحسب السؤال).

    إن ما ينبغي قوله هنا هو إنه إذا لم يكن ثمة نموذج إسلامي للدولة والمجتمع تتبناه الحركات الإسلامية، فلا داعي لإطلاق هذه الصفة عليها، ولتسمي نفسها بأي اسم آخر، ولتطرح برامج مختلفة يحاكمها الناس على أساسها، وليعلن هؤلاء وهؤلاء من "الإسلاميين السابقين" أنهم يقودون أحزابا هدفها السلطة وليس شيئا آخر.

    أما أن يجري استقطاب الناس على أساس برنامج معين ثم يجري التنكر له بعد ذلك، فتلك لعبة لا تليق بالشرفاء.

    وهنا تحديدا كان قادة العدالة والتنمية منسجمين مع أنفسهم حين أعلنوا أنهم حزب علماني، ورفضوا ولا يزالون يرفضون بعنف مقولات البعض بأنهم حزب إسلامي، حتى لو أضيفت إليه عبارات مثل معتدل أو متنور أو ما شابه، كما ذهب أردوغان في أحد تصريحاته.

    نحن بدورنا نحترم هؤلاء ولذلك نصدقهم، فضلا عن أن ما يفعلون يؤكد تصريحاتهم، حيث لا صلة لبرامجهم بالرؤية الإسلامية، لا في الاجتماع ولا الاقتصاد ولا السياسة، بما في ذلك موضوع الحجاب الذي جاء على أساس من احترام الحريات وليس تطبيق الشريعة، كما جاء استجابة للجماهير.

    والخلاصة أننا نتعامل معهم على هذا النحو، بينما نصر على أن استعادة المرجعية الإسلامية للدولة والمجتمع ليست برنامجا عبثيا أو سخيفا، بل هي حقيقة سيطاردها أناس آخرون، وإذا كان الكثير من الأحزاب الغربية ما زال يضع كلمة المسيحي في اسمه، ويتبنى المرجعية المسيحية للدولة، فأين العجب في حدوث ذلك في الساحة الإسلامية؟!

    "
    إذا لم يكن ثمة نموذج إسلامي للدولة والمجتمع تتبناه الحركات الإسلامية، فلا داعي لإطلاق هذه الصفة عليها، ولتسمي نفسها بأي اسم آخر، ولتطرح برامج مختلفة يحاكمها الناس على أساسها, أما أن يجري استقطاب الناس على أساس برنامج يجري التنكر له بعد ذلك، فتلك لعبة لا تليق بالشرفاء
    "
    الفرق بيننا وبين الكثير من أولئك أننا ما زلنا، تماما مثل الكثير من الإسلاميين والعلماء، نصر على وجود نموذج إسلامي للدولة والمجتمع، وإذا كان ذلك النموذج لم يتبلور بعد بصورته الأفضل، أقله في سياق الدولة، فإن ذلك لا ينفي وجوده، فهذا النص الإسلامي المقدس والخالد (القرآن الكريم) والكثير من التطبيقات في السنة المطهرة، ليس كلاما يتلى في المآتم، وإنما تعاليم كانت وستبقى صالحة للتطبيق، يمكن تنزيلها على حياة البشر بحسب ظروف الزمان والمكان.

    وإذا كان الغرب قد استهلك قرونا من المساومات والحروب الأهلية حتى استقر (نسبيا) على نموذح معين، فلا عجب أن يستغرق المسلمون بعض الوقت لكي يستقروا على نموذج يستلهم رؤيتهم الخاصة.

    هذا الكلام قد يعجب البعض، وقد لا يعجب البعض الآخر، لكنه الرأي الذي نعتقده ونتبناه، ولم نكتشف عبثيته كما اكتشف آخرون، بصرف النظر عما إذا كان اكتشافهم تعبيرا عن قناعة عقلية بالفعل، أم تبعا لتحولات من آخر، أو ربما بسبب وطأة الهزيمة التي يعاني منها العالم الإسلامي، وكذلك فشل الحركات الإسلامية، مع أننا نعتقد أن هذه الظاهرة الإسلامية بكل مسمياتها هي التي تتصدى لهذه الحالة البائسة وتسعى للخروج منها.

    لقد كسبت الحركات الإسلامية كل هذه الشعبية بسبب تبنيها للمنهج الذي يلتقي مع توجهات الغالبية من أبناء الأمة، ليس من زاوية الدين والتدين فقط، ولكن من زاوية رفضها للفساد والاستبداد، وسعيها لاستعادة أمجاد الأمة ومقاومة الهجمة الصهيونية والغربية عليها، وإذا كان ذلك كله سينتهي لحساب البحث عن السلطة في دولة قطرية بائسة، مع تصالح مع الصهاينة وتبعية للغرب، فلماذا ستتبعهم الجماهير إذن؟!ـــــــــــ
    كاتب فلسطيني




    المصدر: الجزيرة
    http://www.aljazeera.net/NR/exeres/6...8BF802A179.htm
    ( ولا تقف ما ليس لك به علم
    إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولا )


ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •