المحكمة الدستورية تضع العدالة والتنمية أمام الامتحان الأصعب
د. بشير موسى نافع
07/08/2008
أقل ما يمكن أن يقال في القرار الذي أصدرته المحكمة الدستورية التركية بخصوص قضية حظر حزب العدالة والتنمية التركي أنه حمال أوجه. بعد أسابيع من الترقب والتوتر، أعلنت المحكمة عزمها عدم الموافقة على طلب المدعي العام حظر الحزب؛ وأنها قررت بدلاً من ذلك حرمانه من نصف الدعم الحكومي السنوي، الذي تقدمه الدولة التركية تقليدياً للأحزاب السياسية، طبقاً لحجم تمثيلها البرلماني. مثل هذه العقوبة لن تؤثر على إمكانات حزب العدالة والتنمية المالية، سيما وهو يتمتع بدعم شعبي كبير، بما في ذلك دعم بعض من أبرز رجال الأعمال الأتراك الجدد. بيد أن مجرد حكم العقوبة يعني بالضرورة أن هيئة المحكمة اقتنعت بالاتهامات التي وجهها النائب العام، والتي تتمحور حول أن العدالة والتنمية تحول إلى بؤرة للنشاطات الإسلامية، وأنه بات مصدر تهديد للأسس العلمانية التي ترتكز إليها الجمهورية؛ وأن الخلاف بين القضاة تعلق بطبيعة العقوبة فقط. وهذا ما وقع فعلاً؛ فقد أفاد رئيس المحكمة الدستورية في مؤتمره الصحافي أن ستة بين القضاة الأحد عشر أقروا الاتهامات الموجهة للحزب وطالبوا بحظره، بينما رفض أربعة آخرون عقوبة الحظر، وقرروا حرمان الحزب من التمويل. واحد فقط بين قضاة المحكمة رفض دعوى النائب العام كلية.
لا بد من الانتظار قليلاً قبل أن تنشر المحكمة حيثيات قرارها بالكامل، وتتضح بالتالي الكيفية التي نظر بها القضاة إلى الدعوى والمنطق الذي حدد تقييمهم للأدلة التي ضمها ملف النائب العام، وهي الأدلة التي وصفها عدد واسع من المراقبين الاتراك بأنها في جلها مجرد تفسيرات من وجهة نظر واحدة لعدد من الحوادث. ولكن من الممكن ربما رؤية عدد من المؤشرات الهامة التي حملها قرار المحكمة. فبخلاف معظم التوقعات بانقسام القضاة تسعة إلى اثنين، على اعتبار أن تسعة من أعضاء المحكمة معروفون بعلمانيتهم الراديكالية وأن الاثنين الآخرين يعود تعيينهما إلى عهد الرئيس المعتدل تورغوت أوزال، انقسم قضاة المحكمة هذه المرة في صورة لا تنسجم بالضرورة مع هذه الخارطة. القول بأن القرار جاء نتيجة لصفقة تم التوصل إليها بين رئيس الوزراء اردوغان وأركان الطبقة الحاكمة التقليدية، سيما جنرالات الجيش، لا يستند إلى أدلة كافية. فبالرغم من التقارير الصحافية التي حملت تكهنات حول مثل هذه الصفقة خلال الأسابيع السابقة على صدور قرار المحكمة، إلا أن الواضح أن قيادة العدالة والتنمية ظلت حتى صباح صدور القرار تتوقع الأسوأ؛ وقد أعدت بالفعل الإجراءات الضرورية لتأسيس حزب جديد. الأرجح، أن قضاة المحكمة الخمسة الذين عارضوا عقوبة الحل (وهو القرار الذي يحتاج أكثرية من سبعة اصوات لا ستة)، أخذوا في الحسبان ما يمكن أن يوقعه قرار الحل من اضطراب سياسي واقتصادي كبير، ما يمكن أن يتركه من أثر في المنطقة الكردية وعلى وتيرة العنف الذي تتعرض له تركيا من هجمات حزب العمال الكردستاني، وعلى دور تركيا ووضعها الإقليمي. ثمة اعتباران آخران لا يقلان أهمية: الأول، يتعلق باحتمال تبلور فراغ في القيادة العسكرية للبلاد، التي تشهد هذا الأسبوع اختيار رئيس جديد للأركان، ما كان يمكن لعملية اختياره أن تتم في حال حل الحزب الحاكم واستقالة إردوغان من رئاسة الحكومة؛ والثاني، أن ليس هناك في الحقيقة من بديل سياسي جدي لحزب العدالة والتنمية، بعد أن تحولت الأحزاب العلمانية التقليدية إلى ما يشبه التحف التاريخية أكثر منها إلى أحزاب معارضة يمكن أن تشكل حكومة تلتف حولها قطاعات شعبية ملموسة وتتمتع بمصداقية انتخابية كافية لإدارة شؤون الدولة. العدالة والتنمية هو حتى إشعار آخر الحزب المهيمن على تركيا السياسية. بهذا المعنى، كان قرار المحكمة الدستورية انتصاراً للعقل وللسلم الأهلي وللاستقرار، ولكنه لم يضع حداً للصراع المحتدم حول روح تركيا، بأبعاده الاجتماعية السياسية والثقافية.
نظر إلى قرار المحكمة الدستورية، من جهة، بأنه جاء لصالح حزب العدالة والتنمية وقياداته الرئيسية. فالسيناريو الأسوأ لم يكن سيقتصر على حل الحزب (الذي كان من السهل تشكيل حزب بديل له مباشرة)، بل منع قادة الحزب الرئيسيين من العمل السياسي المنظم، بما في ذلك رئيس الجمهورية غول ورئيس الوزراء إردوغان. في مثل هذه الحالة، ما كان يمكن إطاحة رئيس الجمهورية (الذي لا يقال من منصه إلا بإدانته بالخيانة العظمى)، ولكن موقعه كان سيتعرض لاهتزازات معنوية. أما إردوغان فكان سيخسر منصبه، ويحاول من ثم العودة إلى البرلمان في انتخابات مبكرة كنائب مستقل؛ وهو ما قد يدخل حزبه وكل المشهد السياسي التركي في دوامة من الاحتمالات. لهذا، على الأقل، لا يجب التقليل من حجم الأثر الإيجابي الذي تركه قرار المحكمة على وضع ومستقبل حزب العدالة والتنمية، وعلى ملايين الأتراك الذين منحوه أصواتهم في انتخابات العام الماضي.
من جهة أخرى، ينبغي رؤية الضغوط الهائلة التي فرضها قرار المحكمة على العدالة والتنمية. في مؤتمره الصحافي، قال رئيس المحكمة الدستورية أن قرار المحكمة رفض مطلب حل الحزب لا يعني أن النائب العام لا يمكنه التقدم بدعوى جديدة ضد العدالة والتنمية في المستقبل. والأرجح، بالطبع، أن الحزب لن يواجه مثل هذه الدعوى في المدى القريب، ولكن الواضح أن المحكمة أرادت أن ترسخ لدى العدالة والتنمية الشعور بأنه إن أفلت هذه المرة فإنه سيبقى تحت رقابة دائمة في كل ما يتعلق بسياساته وخطابه وتشريعاته. وكون المحكمة أصلاً قد أقتنعت بأكثرية عشرة إلى واحد بحيثيات الدعوى، فإن حل الحزب في حال واجه ادعاء ثانياً مشابهاً يصبح أقرب احتمالاً. وقد كان رئيس المحكمة محدداً في قوله ان القرار يمثل إنذاراً شديداً يستوجب أن يؤخذ في الحسبان من قبل العدالة والتنمية. المسألة الثانية، أن اختيار المجلس العسكري الأعلى هذا الأسبوع قائد القوات البرية، الجنرال إلكر باشبوغ، رئيساً لهيئة الأركان للعامين القادمين، يعني أن رئيس الوزراء سيواجه في قيادة المؤسسة العسكرية التركية خصماً عنيداً، يتمتع بسمعة عسكرية أسطورية في أوساط الجيش، وبحنكة سياسية تكتيكية تفوق بكثير حنكة رئيس الأركان المنتهية ولايته بيوك - أنيت. المسألة الثالثة، أنه بالرغم من الدعم الأوروبي والأمريكي المعنوي لحزب العدالة والتنمية خلال الأزمة الأخيرة، على أساس أن حل الأحزاب السياسية من قبل القضاء هو تصرف غير ديمقراطي، فإن مؤشرات دلت على أن مواقف الدول الأوروبية الرئيسية لم تكن متفقة على معارضة حل العدالة والتنمية، وأن الموقف الأمريكي شابه مستوى ملموس من الغموض.
مثل هذه الأجواء قد تؤدي إلى إخافة العدالة والتنمية، وثنيه بالتالي عن مواصلة سياساته الإصلاحية. إن كان كل مشروع قانون قد يتقدم به الحزب للبرلمان، وكل تصريح يطلقه أحد نوابه أو قادته، وكل نشاط يتعهده هذا الفرع أو ذاك من فروع الحزب، سيكون موضع رقابة وعرضة لتفسيرات جامحة من سياسيين أو قضاة يحملون وجهة نظر مسبقة من الحزب، فإن قدرات حكومة العدالة والتنمية على مواصلة برنامج الإصلاحي ستحبط إلى حد كبير. والمعروف أن الحزب الحاكم، وهو الذي يتمتع باكثرية برلمانية كبيرة ويقبض على منصبي رئاسة الجمهورية ورئاسة الوزراء، هو في طريقه لمواجهة عدد من الاستحقاقات الكبرى، المتعلقة ببنية الدولة التركية وعلاقة الدولة بالمجتمع. أولها، بالتأكيد، التعهد الذي تضمنه برنامج العدالة والتنمية الانتخابي بصياغة دستور جديد كلية للبلاد، بعد أن حكمت تركيا منذ مطلع الثمانينات بدستور أشرف على صياغته الضباط الانقلابيون ليحمل تصورهم للدولة والحكم، ونظراً لطبيعته التحكمية فقد تعرض الدستور لعشرات التعديلات خلال ربع القرن الماضي. إضافة إلى الملف الدستوري، فإن كلاً من مجلس التعليم الأعلى، الذي يتحكم في كافة جوانب العملية التعليمية من المدرسة الابتدائية وحتى الجامعة، والمحكمة الدستورية نفسها، سيعاد تشكيلهما. تعيين أعضاء مجلس التعليم الأعلى وقضاة المحكمة الدستورية يعود إلى رئيس الجمهورية، ويخضع لأنظمة معقدة.
كان ينبغي على حكومة العدالة والتنمية أن تسارع إلى الوفاء بتعهدها الدستوري منذ فوزها الثاني في الانتخابات البرلمانية. ولكن الحكومة، ولأسباب غير واضحة تماماً، ذهبت إلى إقرار التشريع الخاص بالتعليم الجامعي، الذي أطلق عليه قانون الحجاب، والذي سرعان ما تعرض للنقض من المحكمة الدستورية، واعتبره كثيرون الشرارة التي أطلقت الأزمة الأخيرة. منع الفتيات المحجبات من التعليم الجامعي هو بالتأكيد مشكلة ملحة في الحياة التركية، تمس قطاعاً واسعاً من المجتمع التركي، سيما أولئك الذين يشكلون جزءاً هاماً من قاعدة العدالة والتنمية الانتخابية؛ ولكن الأبعاد الرمزية الثقيلة لمسألة الحجاب تثير حساسيات عميقة، مما سمح بسهولة لتوظيفها في صراع القوة بين الطبقة التقليدية الحاكمة والقوى الاجتماعية الجديدة التي حملت العدالة والتنمية إلى الحكم. مشكلة تركيا الحقيقية هي أبعد من مسألة الحجاب والجامعة، وتتعلق ببنية النظام الجمهوري ذاته، بنيته الدستورية، التعليمية، القضائية، وبيروقراطية الدولة المدنية والعسكرية على السواء. بدون إجراء إصلاحيات حقيقية في هذه الدوائر، بهدف تخفيف وطأة الدولة على المجتمع وإضعاف قبضتها المحكمة على الحياة، فكل محاولات الإصلاح الأخرى ستنتهي إلى أزمة من هذا المستوى أو ذاك. بعض العمل الإصلاحي يتطلب سنوات طويلة قبل أن يؤتي ثماره، مثل ذلك المتعلق بالمؤسسة العسكرية هائلة الحجم وبيروقراطية الدولة. بعضه الآخر، مثل إصلاح المؤسسة التعليمية، يمكن إنجازه على المدى المتوسط. ولكن الإصلاح الدستوري، بما في ذلك رفع يد القضاء عن الحياة السياسية، ومثل إعادة تشكيل المحكمة الدستورية لتصبح أكثر تمثيلاً للخارطة الاجتماعية التركية الجديدة، لا يجب أن ينتظر طويلاً.
المؤكد، أن العدالة والتنمية، وحكومته وزعيمه، يقف الآن أمام الامتحان الأصعب، امتحان مراعاة الشك الذي يثيره بين عموم الجمهوريين العلمانيين الأتراك، من ناحية، وامتحان عدم الخضوع للضغوط المستبطنة في قرار المحكمة الدستورية، من ناحية أخرى. بدون المضي في مشروع الإصلاح، فإن تركيا لن تتحرر من حالة الانقسام والتأزم وعدم الاستقرار، التي تعيشها منذ ولادة الجمهورية.
' كاتب وباحث عربي في التاريخ الحديث