بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسوله الكريم، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد..
فتلك هي أقل من مقالة، هي كلمات قليلة وددت بها لو سجلت تلك المتجولة في جنبات قلبي وعقلي، علها تفيد الإخوان في دعوتهم الناس إلى الرجوع للإسلام الصحيح، الإسلام الذي نتعلمه عن أئمتنا وسلفنا الصالح، لا الذي يخترعه المحدثون الجدد.
إن كل من يدرك باب التكليف يتفق على كون الإنسان العاقل البالغ لا ينفك عن نوع تكليف، فيتفاوت فبه الناس، ولكن التكليف لا ينفك بحال. وإن كثيرا من المناطق أو المواضع التي يظن فيها ارتفاع التكليف إنما هو ارتفاع نسبي لا ارتفاع كامل، فكل باب وجب على المسلم فيه نهايته فهو مكلف فيه برتبة من مراتبه.
ومن تلك الصور: (المقلد في الفروع) وهو الإنسان الذي لا يملك آلة الاجتهاد فيستفتي غيره من أهل العلم والفضل. إن المشتهر والمعهود في استعمالنا أن هذا نوع من الناس هو غير مكلف بخصوص باب الفتوى، ولكن الواقع غير ذلك؛ إنه مكلف بمعرفة الأورع ومن يعرف بالديانة والعلم ليقلده فروعه التي يتعبد بها لله رب العالمين، ومن هذه النقطة كان نكيرنا على من يقلدون بعض المفتين الموظفين لدى الحكومات في أكل الربا من إيداعات البنوك التقليدية فيقولون (علقها برقبة عالم واطلع سالم) حيث الدائرة لديهم متسعة في تقليد أي عالم حتى مع معرفتهم هم الشخصية بأن من قلدوه لا يمكنه أن يخالف الرغبة الحكومية في الفتوى، وأنه على غير درجة مرضية من الديانة.
فالإنسان لا ينفك عن التكليف بحال، وإنما هي درجات من التكليف، يراها بعض الناس ولا يراها آخرون.
والقاعدة تتضمن طالب العلم المبتدئ :
ربما يطرح أحدهم إلغازا فيقول: طالب العلم المبتدئ قبل بدايته في أول خطوة للطلب هو إنسان عامي لا يختلف عن المقلد شيئا، فممن يطلب وما هي معايير طلبه؟
الجواب : إنه لا ينفك عن التكليف بحال، حاله في ذلك حال من بقي مقلدا ولم يطلب العلم؛ إنه - أي من بقي مقلدا - مكلف بنظر الأورع والأدين. فكذلك من يبتدي طلبه للعلم هو مكلف بحد أدنى من النظر لا ينفك عنه، وبه تتحدد لديه الجهة التي يطلب بها علومه الإسلامية.
ومن هنا يتحدد ولابد الحد المعرفي الأدنى الذي يمثل الأرض الصلبة للعامي المبتدي، والذي هو مرتكز تكليفه. فمن يريد طلب أي علم من العلوم لا يمكن أن يقول إنني لا أعرف أن هذا العلم لا نأخذه من غير أهله. فالمعرفة الدنيا هي أن الأطباء لديهم علم الطب، وأن المهندسين لديهم علم الهندسة، وهكذا، وهذه معرفة مشتهرة لدى الناس يرتكزون إليها، فإن لم يكونوا محصلين لهذه المعرفة فتلك قضية أخرى تماما، فيجب عليهم تحصيل هذا العلم، وسوف يجدون أنفسهم كذلك مرتكزين على أدنى معرفة تحصل بالنظر والتأمل.
وإن من يطلب علم الفقه، فالعوام جميعا يعرفون أئمة الدنيا ومصابيح الدين؛ الأئمة الأربعة :
الإمام أبو حنيفة رضي الله عنه (ويزاد أن العوام لا يجهلون وصفه بالإمام الأعظم فالمعرفة الأساسية متحققة وزيادة)
الإمام الشافعي رضي الله عنه.
الإمام مالك رضي الله عنه.
الإمام أحمد بن حنبل رضي الله عنه.
وإن معرفة العوام بهؤلاء الأربعة تمثل مرتكز تكليفهم لمن يبتدي طلبه لعلم الفروع (الفقه) فعلم هؤلاء هو علم الإسلام، وهؤلاء متواترون في الأمة، وهم العلم الموصول بسلفنا الصالح، فعلمهم هو علم الدين لمن أرداه. فلو جاءني شخص معاصر وقال لي وأنا عامي - : هيا لنبدأ دراسة الفقه. فالسؤال المنطقي الذي أطرحه هنا هو: على أي مذهب من المذاهب الأربعة ستدرسني؟ هذا سؤال منطقي جدا، لأنه لا يمكن أن يقول لي هذا المعاصر: على مذهبي أنا وعليك أن تدرك أني فقيه، لأن الناس لا يحملون للشخص هذه المعرفة المتواترة، التي تجعله مقتدى به في هذا الباب، والتي تمثل (البوابة الشرعية) التي ينبغي الولوج منها وإلا فهو الطرد.
وإن من فضل الله تعالى على هذه الأمة أنها أمة مرحومة، فلم ينزع الله تعالى منها الخير كله، وإن كثيرا من العوام أو من المبتدئين في طلب العلوم لديهم هذا الحس التلقائي، ويرتكزون على هذا الأساس المعرفي كمعيار للمحق والمبطل، فمن نعم الله على هذا البعض معرفة مرتكز تكليفه.
فمما يذكر في ذلك أن طالبة فاضلة بدأت معنا دراسة مذهب الإمام أبي حنيفة رضي الله عنه، وأثناء دراستها للأصول قدر الله أن تحاول الاستفادة من أحد اللامذهبيين ممن يتبعون شيخا مغمورا، والشاهد أنه طلب منها وأكد عليها أن لا تخبرني بما سيقوم به و يدرسه لها، وكان العوض الذي يقابل ذلك هو (أنها ستعرف الخير العميم الذي ستجنيه لما تصل معه إلى تحصيل هذا بعد مدة!).. فكانت النتيجة أن الطالبة الموفقة ارتابت من فعله، واستمرت على النهج السوي بحمد الله تعالى. ولما أخبرتني بإشرافه عليها في بداية الأمر طلبت منها أن تحدد طريقها إما معنا على طريقنا أو معه على طريقته، حيث لا يلتقي النقيضان.
لماذا ارتابت تلك الطالبة من فعل هذا الشخص؟ ولماذا لم ترتب منّا من قبل لما عرضنا لها طريقتنا بكل وضوح وأننا ندرس مذاهب الأئمة ونسير على دربهم وأنه هو الطريق الوحيد الصحيح؟ بل لماذا لم ترتب لما خيرتها بكل حسم ووضوح ودون أدنى مرونة بين أن تكون معنا أو تكون معه؟
الجواب/ لأن كل إنسان يملك القدر المعرفي الأدنى الذي يكون مرتكز تكليفه. فنحن لم نقل للطالبة الموفقة (نحن) بل ما نقول لها إلا (الأئمة) و(أبو حنيفة) و(الشافعي).. وهي قبل وبعد الطلب تعرف أن هؤلاء هم أئمة الدنيا الذين يعرفهم العالم والجاهل والأمي والمثقف، فكان الرصيد لديها في صالحنا.. لم نقل لها كما المغمور: (اتبعيني وسوف تعرفين الخير لما تقطعي معني شوطا أو كما قال) لأن المنطقي هنا أن أعرف من الذي أترك له نفسي لأعلم الخير العائد في النهاية، وليس كل من هب ودب من المغمورين وأتباع المغمورين يقول لشخص ابتعني وسترى فيتبعه! إنه لابد من مرتكز. وهذا بخلاف دعوتنا السلفية الفقهية المباركة؛ حيث نقول للناس: نحن وأنتم نتبع سلفنا الصالح، أئمتنا الأربعة، أئمة الدنيا ونقلة الدين.. وما نحن إلا نقلة لعلومهم، ونحن وإياكم على دربهم، فهو السلف الصالح، وهم أصحاب الهداية السوية، حيث ما فسد الدين فيهم، وحيث كان الإسلام فيهم على صورته الصحيحة غضا طريا.
إن الإسلام هو أخطر قضية نعيشها في حياتنا الدنيا، فكيف يتم تسليم زمام الأمور لأناس وجودهم غير شرعي تحت دعوى (اتبعني وسوف ترى) دون مستند يثبت كون صاحب الدعوى قد تخرج من جيل شرعي يورث العلم الإسلامي الصحيح؟
إن أصحاب هذه الدعاوى هم في الحقيقة يحتقرون عوام المسلمين، ويسلبون منهم ما بقي لهم من مرتكزات التكليف، فيجعلونهم كالبهيمة يسوقونها فتنساق. فقد سلبوهم حتى حق استعمال معرفتهم الأساسية، فما فتئ الناس يقولون مذهب أبي حنيفة كذا والشافعي يقول كذا كما كنت أسمعهم بمصر وأنا صغير وفي الأرياف حتى صاروا بعد سلبهم هذا الحق يقولون في أيامنا الفضائية قال محمد حسان كذا وقال محمود المصري كذا وقال الحويني كذا!! أيترك أبو حنيفة والشافعي ومالك وأحمد لأجل هؤلاء الفضائيين؟! أهذا إصلاح يا أهل العقول؟!!! وهل نجدتموهم بذلك من التقليد؟ تنقذونهم من تقليد المناران الأربع والجبال الفحول الأفذاذ وعباقرة الدنيا، ليقلدوا هؤلاء!! نعوذ بالله حين تعمى القلوب والأبصار جميعا.
وإنني أهيب بدعاة الإسلام المصلحين أن ينبهوا الناس على الكل ولا يقتصروا على بيان الجزء استقلالا، فتلك الدعوة، دعوة اللامذهبية والتحرر، هي في حقيقتها كما لا يخفى على أكثر قارئي هذه الكلمات جزء من مخطط أكبر لهدم الدين، ويعمل هذا المخطط على نطاق واسع، وإن أقرب أجزاء ها المخطط إلى اللامذهبية هو جزء المذهب الحداثي الذي يتبناه أصحاب القراءة العصرية للنصوص أو القراءة (الجديدة) فهم في النهاية اللامذهبيون الذين يقطعون الأمة عن أئمتها والحداثيون أصحاب القراءة الجديدة صنوان يؤديان عملا واحدا، ولكن لكل من الفريقين لونه المختلف عن الفريق الآخر، ليتسنى للفريقين أن يؤديا المهمة المشتركة تحت مظلة أمان من خداع جماهير المسلمين.
والله تعالى ينجي المسلمين منهما جميعا، وهو المستعان وعليه التكلان.


رد مع اقتباس