بينما أقرأ في موقف العقل والعلم لشيخ الإسلام مصطفى صبري، استوقفني تالمه من كون القراء لا يكشفون تناقض من يقرؤون له ولو كان التناقض على فترات متقاربة.. فجرى الذهن مع القلم حول ذلك، وبان لي من اللحظة - بل هو راسخ قديم - أن كرامة الإنسان كل لا يتجزأ يظهر من خلال تفاعلاته الحياتية كلها، وأن انحطاط التفكير وضياع القدرة على التأمل والجهل بالكرامة الإنسانية وحقوقها هو أسوأ صورة استطاع المفسدون أن يصلوا بالناس إليها.. فمن لا كرامة له عند نفسه ولا قدرة على التفكير والمحاسبة كيف يمكنه أن يذل وينزل له وهو حاله أصلا أنه نازل؟!!
إننا لما نقول لشخص (ذل لله) (انزل لله) فهذا يعني أن حاله الأول أنه عزيز لا ذليل، وأنه عال لا نازل.. وهذا أمر بديهي واضح.
لن يعرف المؤمن معنى العبادة إلا إن خرج أولا من (عبوديته المشاعية) فيعرف حينها الجهة الواحدة الوحيدة التي يذل عندها ويضع جبهته لديها..
ولن يتحقق ذلك إلا من خلال الكتاب الباقي الذي لا يزال المسلمون يجلونه ويعظمونه، وهو الأمل في بعث الكرامة والشعور بها في نفوس المسلمين مرة أخرى، إضافة إلى بعض من حديث النبي صلى الله عليه وسلم الذي يوافق ذلك.. وموهومون هم هؤلاء المغيببون المغفلون الذين يغرقون في تخصصاتهم ويظنونها أصولا للإصلاح.. فهذا يقول الفقه والأصول وذاك يقول علم الحديث وآخر يقول علم العقيدة أو الكلام.. موهومون مغفلون من يجعلون ذلك مناطا لإصلاح هذا الفساد المتجذر في نفوس المسلمين في زماننا.. فلا الناس تعرف الفقه ولا تريد ولا تسمع عن الأصول ولا يميزون بينها وبين فلسفة ولا ينبغي لهم الخوض أصلا في علم الكلام.. فهذه أمور يأتي دورها بعد وتظهر مكانتها بعد تحقق الإصلاح الرئيس الذي يبدأ بالتعقل في النفس والكون ولو تعقلا مبدئيا إجماليا ويبدأ الإنسان يعرف كرامته ومكانته التي انداست ودست في التراب، ولن يستنهضه لهذا التعقل وتلك المعرفة لنفسه وكرامته إلا النص الإلهي القرآني بقوته وتاثيره وقداسة مصدره.. هذا فضلا عن كون القرآن العظيم يحمل في آياته وكلماته أعظم وأجل النصوص في بيان مكانة الإنسان وكرامته لو استطعنا أن نفهم الناس القرآن ولو فهما ابتدائيا.. راقبوا عظماء الإسلام عبر التاريخ ومن أبلوا في الإسلام بلاء حسنا من الذين تبرز صورهم وحوادثهم من القدماء أو المتأخرين، تجدون الأبرز فيهم هو استقاؤهم التربوي القرآني الواضح والذي يأت كل أمر بعده فرعا عنه وتطبيقا وامتثالا له.. ثم انظروا للذين سقطوا في الخيانات والمداهنات ستجدونهم ممن استهوتهم العلوم لا غايات العلوم، فهذا يعش علمي الفقه والأصول لما فيهما من وفاق مع طبيعة عقله العاملة التي لا تكل ولا تمل، وذاك يتسهويه الكلام بمسائله الدقيقة ودقائقه العميقة التي لا يخوضها ولا ينتصر في نزالها إلا شرفاء العقول المتنزهون بعقولهم عن عقول عامة العقلاء، وثالث يستهويه علم الحديث بما فيه تاريخ ومعرفة رجال وتصحيح وتضعيف، ورابع تستهويه اللغة وعلومها بما فيها من ذوق وخلاوة ولطافة.. فهؤلاء ليسوا في حقيقتهم أصحاب رسالة.. هؤلاء يسقطون سقوطا مهينا، وقيد الإهانة مقصودة إضافته وليس جريا بالقلم.. يسقطون سقوطا مهينا يحط من كرامتهم ومكانتهم التي كانوا يرتسمونها، لأن المجتمعات والتجمعات الهمجية لا تبقي على كرامة حتى لو كانت قشرة خارجية مرسومة كالتي يرتسمها من استهوتهم العلوم والمسائل..
مخدوعون هم الذين يظنون أنفسهم علماء وهم يجهلون الأركان الموضوعة بالقرآن.. وإن من عجيب ما رأيت أن أرى أناسا فقهاء أجلاء ونقدر لهم علومهم ونتعلم منهم تتغير لديهم أركان منهجية كاملة في آخر حياتهم وبعد مرور ما يقارب القرن من أعمارهم، لأنهم قد اكتشفوا المنهج الواضح من القرآن، وليس هذا الاكتشاف من الدقائق التي تظهر بالتدبر ويفتح الله تعالى بها على البعض دون البعض، بل هي من أركان المنهج الإسلام الرئيسة التي عنى القرآن ببيانها. فعلام يشير ذلك؟ .. يشير ذلك بوضوح إلى وجود خلل كبير مستقر جرى عليه المسلمون السنوات الطوال، وهم واقعون تحت أثر التغريب عن اعتماد منهج القرآن العظيم وإن تفاوتت أنصبتهم من هذا الخلل وتفاوت استقاؤهم من القرآن العظيم. إن البدء والانطلاق لابد وأن يكون من القرآن؛ من خطاب الله تعالى أولا، فنعلم منه مكاننا من خطاب نبيه وتوجيهاته، ثم نعلم منه مكاننا من العلوم؛ من الكلام - أي كعلم - ومن الفقه والأصول ومن الحديث ومن غير ذلك من العلوم الإسلامية التي تأتي بعد تلك.. أما ما هو واقع في زماننا فهو قصور وخلل عظيمين، وإن وقع فيه جل شيوخنا من الأفاضل أصحاب العمائم الشريفة التي نجلها ونقدرها ولا نعصمها من الخطأ.
ولا يتعجب البعض من سقوط العظماء تحت تأثير هذا التغريب، فيستبعد وقوع الشيخ فلان أو فلان تحت وطأته؛ فالخطب عظيم، والتغريب عن كتاب الأمة الذي سيقيم دولتها هو مخطط عظيم كبير بطيء ومتأن، وهو أقوى تأريخا وتخطيطا وإعدادا من عقول كثير من الأجلة الأفاضل الذين ولدوا في زمان التغريب ولم تعرف عقولهم ومناهجهم المبادرة بالقرآن ونشره ككتاب منهجي للعالم كله، بل ولدوا في بيئة من المقاومة، فأنى لمن ولد مقاوما منافحا عن أجزاء ليستعيدها أن يدرك حجمه الأصلي إلا بتأمل طويل وفهم عميق لحقيقة جذوره؟!
أقيموا القرآن أولا كمصدر وقبل كل شيء يستقم لكم أمركم ويوضع كل شيء في خانته الصحيحة ومن ثم تقوم بكم دولتكم الأولى تارة أخرى..
هذا ما أدين لله تعالى به وأقوله وإن أغضب البعض ممن وجدوا حالهم كحال من ذكرت.. ويحضرني هنا قول ابن المقفع :
إذا أعطيت لكل مقام حقه، وقمت بالذي يجب من سياسة ذلك المقام، وأرضيت من يعرف حقوق الكلام، فلا تهتم لما فاتك من رضا الحاسد والعدو، فإنهما لا يرضيهما شيء، فأما الجاهل فلست منه وليس منك، ورضا جميع الناس شيء لا تناله، وقد كان يقال : رضا الناس شيء لا ينال.
والحمد لله رب العالمين




رد مع اقتباس