بعد ما بعد الحداثة

كثيرا ما يلجأ الفلاسفة في مرحلة معينة للترويج لنهاية النظرية، أو ما بعد النظرية.
ولهذا يدور منذ مدة في أروقة الثقافة والفكر والفلسفة الغربية مراجعات لجدوى فلسفة ما بعد الحداثة، ومدى الإنجازات الموعودة التي تحققت من خلالها.
وكونها فلسفة قائمة بكل تفاصيلها على النسبية أدى إلى أثار فلسفية وأخلاقية اجتماعية خطيرة جداً؛ فعلى المجال الفلسفي أدت إلى التصادم مع كل ما من شأنه أن يكون ثابتاً في نفسه، كالأحكام العقلية والقوانين الطبيعية المؤثرة في السلوك الإنساني.
أما فيما يتعلق بالجانب الأخلاقي الاجتماعي فقد انسحبت النسبية فيما بعد الحداثة على الأخلاق أيضاً فصبغتها بالنسبية هي الأخرى، ونادت بإسقاط أي معيار ثابت من شأنه أن يكون مقياساً للخير والشر.
وكان لها أيضا أثر مدمر على الجانب الاجتماعي، حيث اتخذت من مقولة "إدجار آلان بو " "الفن لأجل الفن" منطلقا لها في الترويج للفن المنفلت من أي ضوابط اجتماعية، ولا يهدف إلا إلى الترفيه الخالي عن أي هدف نبيل.
لأجل ما سبق حاول بعض المفكرين الغربيين الترويج "لنهاية ما بعد الحداثة" أو "موت ما بعد الحداثة"، أو "بعد ما بعد الحداثة".
ما زالت فكرة بعد ما بعد الحداثة في مرحلة المخاض، بل ربما أنها لم تصل بعد لذلك، ففي مراحل "نهاية النظرية" تكون الأفكار مشتتة إلى أن تظهر فكرة يقدر لها أن تنتشر أكثر مما سواها، فتدور الدراسات والنقد حولها مما ينضجها ويساعد على انتشارها، وهذا إلى الآن لم يحدث ل بعد ما بعد الحداثة.
ولكن الخطوط العامة فيها تتركز حول ما يسمى "بالأدائية"، وهي ردة فعل سلبية لما بعد الحداثة التي كانت تحصر الحقيقة بالشخص المتعين دون غيره، وتسمح بتعدد الحقيقة الواحدة بعدد الذوات الموجودة، وبالتالي تتحد فيها الذات مع المعنى دون أي ضوابط أو مراجع معيارية مصححة.
أما بعد ما بعد الحداثة فترى أن أي معنى هو مجموع أمور ثلاثة:
1) نية المؤلف وقصده 2) والنص 3) والقارئ.
وينبغي التعامل مع هذه الثلاثة "ككل" بالمعنى المنطقي لهذه الكلمة، ولذا فإنها تعيد الاحترام لقصد المؤلف في نصه ،بخلاف ما بعد الحداثة التي اختزلت المسألة في القارئ، مع عدم إغفال أن الدور الأكبر في عملية الفكر في بعد ما بعد الحداثة يكون من نصيب القارئ، أو "بأدائه في عملية الفهم". وهنا بحسب رأيي تقع الإشكالية الكبرى لهذه الفلسفة الجديدة، حيث إنها تعتبر قصد المؤلف نوعاً ما، وتعلي من أداء القارئ في عملية الفهم، إلا أنها لم تحدد ما طبيعة دور النص، وهذه الإشكالية الكبرى، إذ إن تحديد دور النص كافٍ في تحديد دوري المؤلف والقارئ، فإن اعتبار النص رموز محتملة ما لا نهاية من المعاني ،كما في الهيرمينوطيقا الما بعد الحداثية، يلغي بلا شك أثر للمؤلف، ويجعل القارئ هو المؤلف الحقيقي للنص، فمشكلة بعد ما بعد الحداثة أنها لم تجب إلا الآن عن نظرتها لأثر النص في نفسه.
وعلى العموم فإن بعد ما بعد الحداثة تحاول نوعاً ما إثبات وجود الحقائق في نفسها مع جعل أداء الذات المفكرة مؤثراً في ذلك، أو بمعنى آخر يمكن أن نقول إنها محاولة توفيقية بين الحداثة وما بعدها.
والجدير بالذكر أن هذه الأفكار الجديدة يتم التنظير لها في الأعمال الفنية السينمائية الغربية أكثر من التنظير لها في المؤلفات الفلسفية التقليدية.
ويعد حاليا أبرز مفكريها الفيلسوف الأمريكي راؤول إيشلمان.