[دور مصر العربي الاسلامى بين التعطيل و التفعيل(1)
د. صبري محمد خليل / أستاذ فلسفه القيم الاسلاميه في جامعه الخرطوم

تمهيد: إن تفعيل دور مصر العربي الاسلامى ، يتوقف على جعل العلاقة بين دور مصر الخاص(الوطني) ودورها العام (القومي ، الديني) علاقة تحديد وتكامل، والعكس صحيح ، اى أن تعطيل هذا الدور مرتبط بجعل العلاقة بين دور مصر الخاص والعام علاقة تناقض وإلغاء. وبناء على هذا فان المواقف التي تجعل العلاقة بين دور مصر الخاص ودورها العام علاقة تناقض وإلغاء، يلزم منها " موضوعيا وبصرف النظر عن النوايا الذاتية لأصحابها " تعطيل دور مصر العربي الاسلامى ، كما أن المواقف التي تجعل العلاقة بين دور مصر الخاص ودورها العام علاقة تحديد وتكامل يلزم منها تفعيل دور مصر العربي الاسلامى :
اولا: المواقف التي يلزم منها تعطيل دور مصر العربى الاسلامى :
موقف إلغاء الدور العام ( العربي الاسلامى ) "التعدد المطلق ": من المواقف التي تجعل العلاقة بين دور مصر الخاص ودورها العام ، علاقة تناقض وإلغاء، وبالتالي يلزم منها تعطيل دور مصر العربي الاسلامى، الموقف الذي يؤكد على دور مصر الخاص " الوطني "، لكنه يتطرف في هذا التأكيد لدرجه إلغاء دورها العام " العربي الاسلامى "، وهو يستند إلى مذهب التعدد المطلق الذي يستند إلى فكره مضمونها - على المستوى الاجتماعي- محاوله تحويل الجزء(الوجود الخاص " الوطني") إلى كل قائم بذاته ومستقل عن غيره ، كما أن مضمونها - على المستوى الفردي- أن تقرير علاقة الانتماء إلى الوجود الخاص ، يقتضى إلغاء علاقات الانتماء الأخرى بما فيها علاقات الانتماء إلى الوجود العام (القومي أو الديني ..) ، فهذا المذهب يستند إلى أساس شعوبي ، ينكر تحويل الإسلام للوجود الحضاري الشعوبي المصري ، إلى جزء من الوجود الحضاري العربي الاسلامى ، يحده فيكمله ويغنيه ولكن لا يلغيه.
مذاهب مناهضه الانتماء العربي الاسلامى: على المستوى النظري نجد أن هذا الموقف يتمثل في العديد من المذاهب التي تناهض علاقات الانتماء العربية الاسلاميه لمصر، بعلاقات انتماء أخرى منها :علاقة الانتماء التاريخية الشعوبية "الفرعونية "، أو علاقة الانتماء الاقليميه الجغرافية "المتوسطية"، أو علاقة الانتماء العالمية "الامميه "، أو حتى علاقة الانتماء النخبوية اللغوية- الثقافية - "الفرانكفونية" .
التطبيع : وعلى المستوى الواقعي يمثل توقيع الرئيس أنور السادات اتفاقيات كامب ديفيد مع إسرائيل، تطبيقا عمليا لهذا الموقف الذى يلغى دور مصر العام "العربي"، لأنه باعترافه بإسرائيل- بتوقيعه لهذه الاتفاقيات - انحاز الى الصهيونية ضد العرب .
موقف الغاء الدور الخاص(الوطني) "الوحدة المطلقة": ومن المواقف التي تجعل العلاقة بين دور مصر الخاص ودورها العام ، علاقة تناقض وإلغاء ، وبالتالي يلزم منها تعطيل دور مصر العربي الاسلامى ، الموقف الذي يؤكد على دور مصر العام "القومي أو الديني أو العالمي..." ، لكنه يتطرف في هذا التأكيد لدرجه إلغاء دورها الخاص"الوطني" ، وهو يستند في ذلك إلى مذهب الوحدة المطلقة الذي يستند إلى فكره مضمونها - على المستوى الاجتماعي- أن الوجود العام يلغى الوجود الخاص، وبالتالي فان تقريره لوجود عام معين( قومي أو ديني أو عالمي...)، يترتب عليه إلغاء الوجود الخاص(الوطني)، كما أن مضمونها - على المستوى الفردي- أن تقرير علاقة الانتماء إلى هذا الوجود العام المعين ،يقتضى إلغاء علاقات الانتماء الأخرى بما فيها علاقة الانتماء إلى هذا الوجود الخاص(الوحدة المطلقة). :
مذهب مناهضه الانتماء الوطنى والقومي بالانتماء الديني: وعلى المستوى النظري فانه يلزم - منطقيا - من مذهب " مناهضه الانتماء الوطني والقومي بالانتماء الديني" تعطيل دور مصر العربى الاسلامى" بصرف النظر عن النوايا الذاتية لأصحابه " ، لأنه يجعل العلاقة بين دور مصر الخاص (الوطني) والعام (الديني - الاسلامى ) علاقة تناقض وإلغاء ، لان هذا المذهب يستند الى افتراض خاطئ مضمونه أن تقرير علاقة الانتماء الإسلامية يقتضى إلغاء علاقات الانتماء الأخرى بما فيها علاقة الانتماء الوطنية... وهذا المذهب يستند إلى مذهب إنكار وحدات وأطوار التكوين الاجتماعي ، وبالتالي يتعارض مع حقيقة إقرار الإسلام كدين لوحدات وأطوار التكوين الاجتماعي المتعددة وهى :الأسرة كما في قوله تعالى ﴿ وقلنا يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة﴾، وقوله تعالى ﴿ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة﴾.والعشيرة كما فى قوله تعالى ﴿ وانذر عشيرتك الأقربين﴾ .والقبيلة والشعب كما فى قوله تعالى ( وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا . والامه التي مناط الانتماء اليها هو اللسان وليس النسب لقول الرسول (صلى لله عليه وسلم)( ليست العربية بأحد من أب ولا أم إنما هي اللسان فمن تكلم العربية فهو عربي)، كما تتميز باستقرار الجماعات في الأرض، فتكون ديارها، قال تعالى ﴿ أنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من دياركم وظاهروا على إخراجكم أن تولوهم ومني تولهم فأولئك هم الظالمون﴾ ( الممتحنة:9) . كما أن مذهب إنكار وحدات وأطوار التكوين الاجتماعي يتعارض مع إقرار الإسلام كدين لعلاقات الانتماء إلى وحدات وأطوار التكوين الاجتماعي (كعلاقات الانتماء : الاسريه، والعشائرية والقبلية والوطنية والقومية ...) ومن أدله ذلك : قال تعالى (وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ )( الزخرف : 44)، وفى السنة النبوية وردت العديد من الأحاديث التي تشير إلى إقرار علاقات الانتماء المتعددة ما لم تقم على التعصب أو يترتب على الإقرار بها إثم: ورد في الحديث سأل واثلة قال: (يا رسول الله أمن العصبية أن يحب الرجل قومه) قال ( لا ولكن من العصبية أن ينصر الرجل قومه على الظلم) ( رواه أبن ماجه والإمام أحمد). وقال الرسول ( صلى الله عليه وسلم) ( اللهم حبب إلينا المدينة كحبنا لمكة أو أشد) ( رواه البخاري ومالك في الموطأ والإمام أحمد) , كما اقر علماء الإسلام- استنادا إلى النصوص- علاقة الانتماء الوطنية" كعلاقة انتماء إلى وطن" ،على وجه لا يتناقض مع اقرارعلاقة الانتماء الاسلاميه " كعلاقة انتماء إلى دين ، ففي معرض شرح الحديث :عن انس بن مالك (رضي الله تعالى عنه) قال ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أقدم من سفر فأبصر درجات المدينة أوضع ناقته أي أسرع بها وإذا كانت دابة حركها من حبها) (أخرجه البخاري)، قال ابن عبد البر ( وفيه بيان ما عليه أكثر الناس من حنينهم إلى أوطانهم ، وتلهفهم على فراق بلدانهم التي كان مولدهم بها ومنشأهم فيها)( الاستذكار)،وقال ابن حجر في الفتح والعيني في عمدة القارئ ( فيه دلاله على فضل المدينة وعلى مشروعية حب الوطن والحنين إليه). و يقرر الإمام حسن البنا علاقات الانتماء الوطنية والقومية ، بجانب إقراره لعلاقة الانتماء الاسلاميه ،حيث يقول (من أول يوم ارتفع صوت الإخوان هاتفا بتحية الجامعة الإسلامية ، أن الإخوة الإسلامية إلى جانب الرابطة القومية والحقوق الوطنية ، وكان الأخوان يرون أن الدنيا إلى التكتل والتجمع ، وان عصر الوحدات الصغيرة والدويلات المتناثرة قد زال وأوشك ، وكان الأخوان يشعرون بأنه ليس في الدنيا جامعة اقوي ولا اقرب من جامعة تجمع العربي بالعربي ، فاللغة واحدة والأرض واحدة والآمال واحدة والتاريخ واحد) (نقلا عن بيومي، إلاخوان المسلمين والجماعات إلاسلامية في الحياة السياسية المصرية، ص161-162)) ويقول الإمام البنا أيضا (أن تمسكنا بالقومية العربية يجعلنا أمة تمتد حدودها من المحيط للخليج بل لأبعد من ذلك ... أن من يحاول سلخ قطر عربي من الجسم العام للأمة العربية ، فإنه يعين الخصوم الغاصبين على خفض شوكة وطنة وإضعاف قوة بلاده ،و يصوب معهم رصاصة إلى مقتل ، هذه الأوطان المتحدة في قوميتها ولغتها ودينه وآدابها ومشعرها ومطامحها) (حسن عشماوي، قلب آخر لأجل الزعيم، ص 25)، ومن النصوص السابقة يتضح لنا خطاْ القول بان الإمام حسن البنا رتب على إقرار بالوجود العام " الديني - الاسلامى" لمصر ، إلغاء وجودها العام "القومي - العربي " أو وجودها الخاص "الوطني" ، وبناء على هذا فانه لا يجوز أن ينسب إلى الإمام حسن البنا الموقف السابق ذكره ، والذي يرتب على الإقرار بالدور العام (الديني الاسلامى) لمصر ، إلغاء دورها الخاص (الوطني) إلى الإمام حسن البنا ، وان جاز نسبه هذا الموقف إلى قطاع من المنتمين إلى جماعه الإخوان المسلمين ، ظهر في مراحل تاليه لوفاه الإمام المؤسس ، يرى أن السعي لتحقيق "الوحدة الاسلاميه" ، او العمل على اقامه "الخلافة " ، او حتى الانتماء إلى جماعه الإخوان المسلمين ، يلزم منه إلغاء الوجود الخاص لمصر، وإلغاء علاقة الانتماء إليه ، وبالتالي إلغاء دورها الخاص (الوطني).
الاستعمار: وعلى المستوى الواقعي فان الاستعمار بأشكاله المتعددة (كالاستعمار القديم القائم على الاحتلال العسكري ، والاستعمار الجديد " الامبريالي " القائم على التبعية ألاقتصاديه ) يلغى فعليا دور مصر الخاص (الوطني) والعام ( العربي والاسلامى) ، لتصبح مجرد أداه تؤدى الدور الذى يريده المستعمر ، وهو ما حدث خلال فتره الاستعمار البريطانى لمصر منذ عام 1882 والى قيام ثوره 23 يوليو 1952 ، حيث أصبحت مصر واقعيا ـ لا رسميا - اداة تؤدى بها بريطانيا الدور الذي تريده في العالم العربي أو فى تأمين مواصلاتها إلى مستعمراتها فيما يلي العالم العربي شرقا .
ثانيا:الموقف الذى يلزم منه تفعيل دور مصر العربي الاسلامى:
موقف تكامل الدور الخاص(الوطني )والعام(العربي الاسلامى )"الوحده والتعدد" : أما الموقف الذى يلزم منه تفعيل دور مصر العربي الاسلامى فهو الموقف الذي يجعل العلاقة بين دور مصر العام (العربي ، الاسلامى.) ودورها الخاص (الوطني) علاقة تحديد وتكامل ، وليست علاقة إلغاء وتناقض، اى يجعل الأول يحد كما يحد الكل الجزء فيكمله ويغنيه ولكن لا يلغيه. ويستند هذا الموقف الى مذهب الوحدة والتعدد الذي يستند إلى فكره مضمونها - على المستوى الاجتماعي- أن الوجود العام لا يلغى الوجود الخاص بل يحده فيكمله و يغنيه. كما أن مضمونها -على المستوى الفردي - أن العلاقة بين علاقات الانتماء المتعددة إلى الوجود الخاص والعام هي علاقة تحديد وتكامل وليست علاقة إلغاء وتناقض.
مصر جزء فى موقع القلب من الامه العربيه الاسلاميه : هذا الموقف يستند الى حقيقة موضوعيه غير متوقفة - وجودا او عدما - على وعى أو اراده احد ، هي أن مصر بعد الفتح العربي الاسلامى أصبحت جزءا فى موقع القلب من الامه العربية الاسلاميه . وطبقا لهذه الحقيقة الموضوعية فان مصر هى القاعدة لاية تعبئة، و القائدة لاية مسيرة ، و الرائدة لأية نهضة للامه العربية الاسلاميه ، وانه حينما تكف مصر عن أداء دور الجزء فى موقع القلب من الأمة العربية المسلمة تتقلص الى حد الشلل مقدرة بقية الأجزاء عن أداء أدوارها ، فتتقلص الى حد الشلل مقدرة مصر ذاتها على أن تؤدى الدور الذي اختارته ( دكتور / عصمت سيف الدولة/ المحددات الموضوعية لدور مصر فى الوطن العربي)
وهذه الحقيقة الموضوعية تؤكدها الجغرافيا والتاريخ والدين :
أولا: الجغرافيا: حيث ان اقليم مصر يتوسط جغرافيا الامه العربية المسلمة، ويربط بين جناحيها الافريقى والاسيوى .
ثانيا: التاريخ: كما ان التاريخ يخبرنا ان دور مصر سيتغير نوعيا ابتداء من الفتح العربي الاسلامى، فتصبح جزء فى موقع القلب من الدولة العربية الإسلامية، فطالما كانت القيادة المركزية فى دمشق أو فى بغداد قادرة على الدفاع عن حدود الدولة المشتركة كانت مصر تؤدى دور الشريك فى الدفاع عن هذه الدولة المشتركة ، أما حين تضعف السلطة المركزية ، فقد كانت مصر تعود الى دورها الدفاعى ، موحده مع أكثر من قطر عربى آخر ومع سورية على الدوام ، وليست منفردة بذاتها كما كانت قبل الفتح العربى الاسلامى.
لزيارة موقع د. صبري محمد خليل اضغط هنا
https://sites.google.com/site/sabriymkh
[/B]