بسم الله الرحمن الرحيم
يا هيثم،
إنك تلبس على الناس، وما هذا إلا لجهلك بمذهبك وبمذهب الأشعرية.
ولو تتبعتك في كلّ عبارة تقولها لبيّنت للناس مقدار تهافت كلامك وتخبط فهمك، ولكن ليس لدي الوقت الآن لأفعل ذلك، ولكني أعدك إن شاء الله بأن أتابع ما قلته في هذا المنتدى وأريك أنت نفسك وأري القراء مقدار ما أنت عليه من الجهل، والتناقض. ولي تعليق صغير ههنا حول آخر عبارة قلتها أنت وهي قولك:
(أما نحن فكل أصولنا وفروعنا مستقاة من النظر والاستقراء في القرآن والسنة وأقوال السلف الصالح، وإن لم تكن مذكورة بنصها فيها)
أريد منك أن تجيب عن أسئلتي من الكتاب والسنة وأقوال السلف الصالح وأن تبين لي كيفية استقرائك وفهمك لما تثبته لله تعالى من هذه المصادر......
أولاً: هات لي ما في القرآن والسنة وأقوال السلف ما يدلّ على قيام حوادث متسلسلة لا نهاية لها في ذات الإله؟
ثانياً: أين من القرآن والسنة وأقوال السلف أن الله تعالى يتكلم بحرف وصوت؟ ثم إذا كان معنى أنه تعالى ليس كمثله شيء أنه لا يشبه شيئاً من خلقه ولا يشبهه شيء من خلقه لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله. فقد صار الله يشبه خلقه حين يتكلم بحرف وصوت. ولا تقل لي إنه يتكلم بصوت وحرف يليق بذاته، لأن الحرف والصوت حادثان ولا يليق بالقديم أن يتصف بالحوادث. لأنه لو قامت به الحوادث لم يكن قديماً كما تقول أنت. ولا تقل لي إن الحادث غير المخلوق، والله يتصف بالحوادث ولا يتصف بالمخلوق، لأني سأسألك أن تبين لي الفرق بين الحادث والمخلوق. والذي تشدقت أنت به ولم تستطع أن تبينه.
ثالثاً: أنتم لا تثبتون اللفظ الوارد في الشرع ثم تنزهون الله تعالى عن الكيفية وعن مشابهة الحوادث كما تدّعي، بل أنتم تثبتون معنى اللفظ بحسب ظاهر اللغة وتفوضون الكيفية. وتفويض الكيفية فرع إثبات أن لله كيفاً. فلا معنى بعد ذلك لكلامكم بأن الله منزه عن الكيف. لأن مجرّد تفويضكم للكيف هو إثبات للكيف على الله سبحانه، ومجرّد إثبات الكيفية له تعالى، هو تشبيه لله تعالى بخلقه. فأنتم في الحقيقة تدلّسون وتكذبون حين تقولون بأن الله تعالى استوى على العرش أو تكلم بلا كيف لأنكم تثبتون هذه الكيفية، ولكنكم تقولون بأننا لا نعرف هذه الكيفية. وهذه طامة من الطامات فأين إثبات الكيف لله تعالى في كتاب الله وسنة رسوله وكلام السلف؟!!!
رابعاً: يقول الطحاويّ (لا تحويه الجهات الست كسائر المبتدعات). وأنتم تثبتون لله تعالى جهة العلوّ، والجهة مكان. فإثباتها لله تعالى إثبات كونه تعالى في مكان. ولا يكون الشيء في مكان إلا إذا كان جسماً ومتحيّزاً. فهذا تشبيه لله تعالى بخلقه. لأن الله تعالى قبل أن يخلق العالم لم يكن ثمة عرش ولا غيره من المخلوقات، فقولكم إن الله تعالى مستقر متمكن الآن على العرش، وجعلكم العلوّ صفة له، هذا إثبات لصفة جدّت على الله تعالى لم يكن الله تعالى متّصفاً بها قبل أن يخلق العالم. ويقول الطحاويّ رحمه الله تعالى: (لم يزدد بكونهم شيئاً لم يكنه قبلهم من صفته).
فماذا تقول في ذلك. وأنتم مجمعون معنا على أن عقيدة الطحاويّ صحيحة وتمثّل عقيدة أهل السنة والجماعة، وتمثل عقيدة السلف الصالح. إنك إما أن تقول إن عقيدة الطحاويّ لا تمثّل عقيدة أهل السنة والجماعة، وتحكم على الطحاويّ بتعطيل الإله، وإما أن تقرّ بأنكم أنتم من يخالف عقيدة أهل السنّة والجماعة. بإثباتكم الجهة عليه تعالى.
خامساً: الله تعالى يقول (استوى على العرش يدبر الأمر) وغير ذلك. فمن أين جئتم بعقيدة استقرار ذات الإله على العرش والتمكّن عليه. ولم يرد في ذلك آية ولا حديث ولا قال السلف إن الله متمكّن ومستقر على العرش. هل هذا هو إمرار اللفظ كما جاء، هل هذا معنى قولهم أمروها كما جاءت؟
إنكم يا أستاذ هيثم تتأولون الاستواء بالاستقرار والتمكّن. وفي إثباتكم لذلك إثبات للكيفية. وكذلك في إثباتكم لكل معنى من المعاني التي تأخذونها من ظاهر ألفاظ الشريعة. وأنتم حين تثبتون لله تعالى العين واليد والساق والقدم والوجه وغير ذلك فلا علم لكم بذلك إلا اتباع الظنّ. لأنه يحتمل أن هذه الألفاظ لا يراد بها ظاهرها كما هو معلوم من اللغة العربيّة. فبأي حقّ تقولون على الله تعالى ما لا تعلمون؟ وبأي حقّ تبدّعون من نفى كون هذه الألفاظ دالّة على صفات لله تعالى وتصفونهم بالتعطيل؟ وليس لكم في ذلك إلا دليل احتمال أن تكون هذه الألفاظ دالّة على صفات لله تعالى؟ وليتكم تقفون عند هذا الحدّ، إنكم تثبتون لله أيضاً كيفاً، بقولكم إننا نفوّض معرفة الكيف، ولا نعلم كيفية اليد والقدم والعين والوجه.... إلخ. فأين الدليل من القرآن والسنة وكلام السلف على هذه المعتقدات، التي يصرح ابن تيمية بأنها أركان وأعضاء.
وأخيراً، إن الأخ محبّ الدين بيّن لك بأنه يقصد بالجسم المتحيّز الممتدّ في الأبعاد. فهل تثبت هذا المعنى لله تعالى أو تنفيه؟ هذا سؤال واضح ليس بحاجة لأن تلف وتدور. إذا كنت تثبته فقد شبهت الله تعالى بخلقه وابتدعت في دين الله. وإذا كنت تنفيه فبيّن ذلك. وقل إن لفظ الجسم لا يليق أن يطلق على الله تعالى بهذا المعنى لأن الله تعالى ليس كمثله شيء. أما أن تقول لا أثبته ولا أنفيه إلا بورود الشرع بنفيه أو إثباته فهذا كلام فارغ، وهو ما يدور عليه ابن تيميّة كثيراً ويحاول تمريره على الجهلة الذين لا يحققون في معنى الكلام ولا يفهمونه من أمثالك. وأسألك سؤالاً واضحاً صريحاً كما سألته للأخ محمد يوسف رشيد من قبلك وأجاب عليه بكل وضوح وصراحة: هل فعلاً يتوقف نفينا للفظ له معنى اصطلاحي معيّن عن كونه صادقاً على الله تعالى على ورود الشرع بنفي هذا اللفظ عنه بمعناه الاصطلاحي؟
إن قلت نعم فقد خالفت مذهب أهل السنة والجماعة الذين ينفون عن الله تعالى ما لا يحصى من الألفاظ والمعاني دون ورود الشرع بهذا النفي إلا في عمومات وكليّات الشريعة دون ورودها في نصوص على كل معنى معنى. وإن قلت لا، فقد خطأت السلفيّة وابن تيمية بكل صراحة. فأيّ الجوابين تختار؟
وسأرجع إليك قريباً. فيبدو أنك لم تتعلم بعد من كلّ النقاشات التي خضتها معي أنك جاهل تتكلم فيما لا تفهم فيه. ووالله لولا انشغالي الشديد هذه الأيام لتابعتك في كل كلمة قلتها. وإنك في الحقيقة لتهرب من النقاشات التي يتبين فيها تخبطك وجهلك، وخير دليل على ذلك ما قلته عن الأشاعرة من أن قول ابن حزم بجواز وقوع مستحيلات عقليّة أصوب من قولهم بالعادة، والتي لا زلنا ننتظر منك رداً عليها وتوضيحاً لها. ولا تحسب أني نسيت كلامك الخطير والمتخبط ذاك. ولكني انشغلت عن متابعتك وحدث أن أسعفك من إكمال ذلك النقاش تعطل المنتدى فترة من الزمان. وإن كنت طالب حق وعلم ولا تتشبع بما لا تملك ولا تقول كلاماً لا تفهم معناه فعد لذلك النقاش وبيّن لنا كيف يكون قول ابن حزم أصوب من قول الأشعريّة في العادة.
هذا ما سمح به وقتي الآن. ولكني سأعود إن شاء الله تعالى.
ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحقّ وأنت خير الفاتحين