في الواقع روي عن بعض السلف فقط تكفيرهم ومنهم الإمام أحمد بن حنبل الذي روي عنه أيضا عدم تكفيرهم وهي الرواية الأصح في ظني ، ولو كفرهم لكان داعية خروج عليهم وهم من سجنوه وعذبوه لكفرهم الموجب الخروج عليهم عنده .
والجمهور على عدم كفرهم لا بقولهم في القرآن ولا بقولهم في أفعال العباد .
والمعتزلة عند أهل السنة السادة الأشاعرة مبتدعة فسقة لقولهم بخلق القرآن ، وشتان بين قولهم وبين قول أهل السنة الأشاعرة .
وباختصار فإن الأشاعرة أثبتوا لله كلاما هو صفة قديمة تقوم بذاته سبحانه وتعالى .
وكلام الله يتعلق بكل معلومات الله تعالى تعلق دلالة عليها .
وكون الكلام صفة قديمة فإن هذا يعني أن لا أول له ولا آخر ضرورة قدمه إذ ما له أول يبتدئ عنده أو نهاية ينتهي عندها يكون حادثا لا قديما .
فعليه فإن كلام الله تعالى لا أول له ولا آخر ، فوجب أن لا يكون بحروف كما هو كلامنا لأنه إن كان بحروف لم يكن قديما ، فإنك لا تنطق السين من (بسم الله) إلا بعد أن تنتهي من نطق الباء منها ، فلو كان كلامه بحروف لكان للباء بداية ونهاية وللسين كذلك ولبقية حروف كلماته ولكان كلامه مرتبا متتابعا بحيث لا يأتي آخره إلا بعد انتهاء أوله والقديم لا ينتهي ولا بداية له ، فهذا ينافي قدمها وكونها أزلية ، فوجب أن لا يكون كلامه بحرف .
ثم إن القرآن الذي بين أيدينا اليوم بحروف مرتبة متتابعة له أول وآخر ، ولكنه كلام الله أيضا فكيف يكون الفهم الصحيح لهذا الأمر بما يتوافق مع اعتقادنا كون كلام الله صفة قديمة أزلية تقوم بذاته سبحانه وتعالى .
لا فهم صحيح لهذا إلا فهم السادة الأشاعرة ، وهو أن الألفاظ التي تكتب في المصحف وتنطق بالألسنة وتسمع بالأذن والتي اسمها القرآن إنما هي عبارة عن القرآن القديم الذي هو كلام الله تعالى وصفته القائمة بنفسه .
فللقرآن إذن اعتباران :
1- اعتبار صفة قديمة : فهنا القرآن هو كلام الله القديم القائم بذاته ، ومن السخف اعتقاد أن هذا الذي في المصحف والملفوظ بأفواهنا والمسموع بآذاننا هو ذات صفة الله القديمة وإلا وجب أن تكون صفة الله قد حلت في المصحف والورق والآذان والألسنة ، ولاقتضى أن الكافر يدوس بقدمه صفة من صفات الله إن هو أهان المصحف وداسه ، ولا عاقل يقول بهذا - إلا بعض سفهاء الحشوية الوهابية ربما - وفيه مشابهة لاعتقاد النصارى حلول صفة علم الله في جسد المسيح ، بل النصارى خير من هؤلاء إذ جعلوا الصفة حالة في جسد واحد ، وهؤلاء السفهاء جعلو صفة الله حالة في كل شيء والعياذ بالله !!
2- اعتبار نظم ملفوظ وهو ما نقرأه ونسمعه ويسمى قرآنا أيضا ، وهو الألفاظ الحادثة - ضرورة أن لها بداية ونهاية - التي هي عبارة عن القرآن القديم القائم بذات الله تعالى .
فالملفوظ حادث لا يشك في ذلك عاقل ، وهو عبارة عن الصفة القديمة القائمة بذات الله .
وكلا من الملفوظ والقديم يسمى (قرآنا) ، وهل هذا اشتراك لفظي أو أن اسم (القرآن) حقيقة في أحدهما مجاز في الآخر : اختلف في ذلك العلماء ، وخلافهم لا يضر فيه .
وكلاهما يسمى كلام الله تعالى باعتبار أن القديم كلامه وصفته القائمة بذاته وباعتبار أن اللفظ الحادث خلقه الله تعالى وأنزله للتعبير عن كلامه القديم فاللفظ والنظم منه سبحانه وتعالى فينسب إليه بهذا الاعتبار فهو كلامه أيضا سبحانه وتعالى .
ونحن نؤمن بأن كلام الله لا أول له ولا آخر ، ونؤمن بقدمه ، وبهذا الاعتبار فإن الله لا ينشيء كلاما حادثا يتكلم به لم يكن موجودا ، بل كلامه قديم لا يتغير ولا يتجدد ولا يحدث بعد عدم ، والوهابية الحشوية لجهلهم وضعف عقولهم لا يستطيعون تصور هذه المسألة ، فيستغربون ويقولن على هذا فإن الله قال كل القرآن قبل أن ينزله منجما على سيدنا محمد حسب الوقائع ، فإن أجبناهم بالموافقة وصحة ذلك ، ضحكوا وقالوا إذن الله عندكم قد قال : { قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي إلى الله } قبل أن يسمع ذلك منها !!
فهم يستبعدون هذا ولا يتصورونه لضعف عقولهم ، وإلا فإن كلام الله من علم الله كما قال الإمام أحمد بن حنبل فيما نقله عنه ابن كثير في البداية والنهاية ، وكما أن الله تعالى علم قول خولة بنت الأزور قبل أن تشتكي إلى رسول الله فإن كلامه تعلق تعلق دلالة على ما علمه سبحانه من ذلك قبل وقوعه .
ويشهد لصحة فهمنا وعقيدتنا هذه ما صح عن ابن عباس رضي الله عنهما فيما رواه عنه الحاكم وغيره قال :
[عن ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما - قال:
أنزل القرآن في ليلة القدر، من السماء العليا إلى السماء الدنيا جملة واحدة، ثم فرق في السنين.
قال: وتلا هذه الآية: {فلا أقسم بمواقع النجوم}.
قال: نزل متفرقا.
هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه. ] مستدرك الحاكم
فإذا وفق قول ترجمان القرآن رضي الله عنهما فإن كل آيات القرآن نزلت في ليلة القدر إلى السماء الدنيا ، ثم نزل مفرقا على ثلاث وعشرين سنة هي مدة نزول الوحي ، فإذا قوله تعالى { قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها } كان موجودا مكتوبا في السماء الدنيا قبل شكوى خولة زوجها إلى رسول الله بسنين عددا ، فبان خطل وتهافت ما تمسكت به الحشوية في هذا المقام .
وهذا العنى زيادة على ما سبق بيانه موجود بكثرة ومبثوث في كلام السلف الصالح رضي الله عنهم ، فكلهم قد نصوا وقالوا بأن (القرآن كلام الله قديم غير مخلوق) ، وتراهم يؤكدون جملة (كلام الله) ولا يسقطونها أبدا للتأكيد على أنهم لا يقصدون بالقرآن القديم غير الصفة التي تقوم بذات الله والتي تنكرها المعتزلة والتي كان الخلاف عليها قائما بينهم والمعتزلة لا في غيرها .
ولكن شيخ الحشوية والوهابية ابن تيمية في فتاواه - على ما أذكر - وغيرها يصر على عدم قول جملة (كلام الله) كما يفعل السلف ويحذر من قول ذلك رغم ثبوته عن السلف ويصر على أن يقول : (القرآن قديم غير مخلوق) لأن جملة (كلام الله) تسند قول الأشاعرة وتبطل قوله .
والعجيب أن الوهابية والحشوية المعاصرين أتباع ابن تيمية قد وافقوا المعتزلة في قولهم بخلق القرآن من حيث لا يشعرون ، إذ إن ابن تيمية وتلميذه شارح الطحاوية "ابن أبي العز" والوهابية اليوم كلهم لما تسألهم عن كلام الله يقولون لك كما في شرح الطحاوية :
(كلام الله قديم النوع حادث الآحاد) !!
فلما تسألهم ماذا يقصدون بهذا الكلام يقولون لك :
قديم النوع : أي أن لله صفة قديمة تقوم بذاته تسمى صفة الكلام .
وأما حادث الآحاد فيعني أن آحاد ذلك الكلام حادثة ، أي أنه كائنة بعد أن لم تكن ، فيتكلم الله عندهم بكلام ينشؤه وفقا للمتجددات والحوادث والمعطيات المتغيرة ليخاطب به خلقه ، فهذا الكلام متجدد متغير وجد بعد أن كان معدوما وتكلم به بعد أن كان ساكتا عنه والعياذ بالله .
فلما تسألهم ماهي هذه الآحاد الحادثة ؟؟
فإنهم يجيبونك بأنها مثل القرآن المحتوي على وصف وقائع وحوادث متجددة كالغزاوت والاحداث التي مر بها النبي وسجلها القرآن ، وكالتوراة والإنجيل والزبور ، فهذه كلها آحاد حادثة لكلام الله .
ومعنى هذا لو أن القوم يفقهون ويعقلون أن القرآن حادث أي مخلوق فإن المخلوق الحادث هو الذي يوجد بعد العدم ، وهو عين مذهب المعتزلة الذي وافقوهم فيه بجهلهم وهم لا يشعرون ثم رمونا نحن بموافقة المعتزلة والله المستعان .
فلما تسألهم هذا الكلام والقرآن الحادث أين أوجده الله وهل يقوم بذاته ، فإنهم يقولون : أوجده في ذاته ويقوم بذاته ، فجوزوا قيام الحوادث بذات الله تعالى والعياذ بالله وهو قول عظيم لم يسبقهم إليه أحد من المسلمين غير طائفة الكرامية التي أجمع أهل السنة على تكفيرها إذ قد استقر في وجدان الكل حتى الأطفال أن الله يغير ولا يتغير فكيف يقوم بذاته متغير مخلوق وجد بعد عدم والعياذ بالله وكيف تزداد ذاته وتكتسب صفة وشيئا لم يكن فيها لو أن القوم يعقلون !!
وهو أفظع وأشنع من قول المعتزلة الذين وافقوهم في خلق القرآن ، فإن المعتزلة يمنعون قيام شيء بذات الله وينفون الصفات جميعا ، وكلام الله عندهم الذي هو القرآن وغيره خلقه الله سبحانه وتعالى لا في ذاته بل في شيء آخر خلقا بإرادته وقدرته ، فلا يقوم بذاته مخلوق حادث بخلاف قول الوهابية الحشوية الشنيع .
فالخلاصة أن المعتزلة أخي ينفون صفة الكلام جملة وتفصيلا ، وكلام الله عندهم حروف وأصوات خلقها الله في شيء من خلقه بقدرته ليوصل بها معنى لخلقه ، فالله عندما كلم موسى خلق كلاما في الشجرة فسمعه موسى على أنه كلام الله ، ولما أراد أن يخاطبنا خلق القرآن في اللوح المحفوظ وعلمه جبريل ليوحيه إلى سيدنا محمد دون أن يكون له سبحانه وتعالى كلام يقوم بذاته من غير جنس كلامنا .
بينما أهل السنة الأشاعرة يثبتون لله صفة الكلام ويقولون ان كلام الله قديم يقوم بذاته وان الألفاظ الحادثة عبارة عن تلك الصفة لا أن تلك الصفة في نفسها معدومة كما يقول المعتزلة ، وأن الله سبحانه وتعالى لما كلم موسى كلمه بكلامه القديم وان موسى سمع كلامه القديم سبحانه وتعالى وبهذا اختص على كل الناس إذ لو سمع شيئا مخلوقا لما كان له اختصاص على أي منا وهو يسمع تلاوة للقرآن .
والله الموفق .
صل يا قديم الذات عدد الحوادث .. على المصطفى المعصوم سيد كل حادث