بسم الله الرحمن الرحيم
والصلاة والسلام على اشرف النبيين والمرسلين، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. وبعد..
فقد رزقت منذ طفولتي استماعا إلى الشيخ العجيب الحبيب محمود خليل الحصري، رحمه الله ورضي عنه.
فشببت عليه وشابت عليه روحي.
إن ورحي تحمل جانبا تأصيليا عميقا في كافة ما تتوجه إليه، فتصطبغ بها فعاليات حياتي، حتى أن أختي الكبرى حينما رأتني وأنا أتعلم اللغة الانجليزية قالت : يا محمد لا تجود الانجليزية، ولا تقف على كل حرف، بل كل الحروف أكلا، وفوتها وأسقط منها دون حرج.. تلك هي الانجليزية..!
فكانت النتيجة أن ذهبت أتعلم الانجليزية البريطانية لأنها أعمق وآصل..!
وكذلك ما أذنت له أذني من القرآن.. إنها لم ترتض تلك (العجميات) التي انتشرت بمصر وأعجب بها المصريون بعدما ضاع الدين وفسدت الأذواق وران على الأذن الصدأ.. فطلعت علينا (عجميات) واستوردها أهل بلاد كان يأتيها الناس من كل صوب لتلقي القرآن وجمع القراءات، ومنهم إمام الدنيا محمد بن الجزري رحمه الله ورضي عنه، فلما توطنت الآذات على العجميات انتهج اللسان نهج الآذان، وأنتج لنا أصواتا وكأننا نرفض ما رزقنا به من بقية عربية اللسان.
ببداية أمري أخذ الحصري بقلبي لإتقانه الأحكام، وكنت أعبر عن ذلك بقولي: إن الحصري حينما تستمع إليه فإنه يخرج لك الحرف من السماعة فتأخذه بين يديك وتقلبه وتنظر فيه من كل اتجاهاته، ثم ترجعه، وتأخذ حرفا غيره!
ثم استولى الحصري بقراءته على كافة أركاني لما أدركت رسالة القرآن، وجلالته، وبدأت في تأمله، فرأيت رجلا منعما عليه قد جمع بين جمال التلاوة وجلالتها، وبين إتقان الأحكام. بخلاف القراء الأعاجم، ممن يعطون ألحانهم حقها فيخلون بالأحكام، ولا ترى على قراءتهم جلالة القرآن ولا تبتل المتبتلين به، وإنما هو خداع النفس بإرواء الآذان عطشها للموسيقى والغناء.
ومن هنا فقد صعب علي وشق أن أستمع لغيره رحمه الله، ولكن لم يرقني ذلك، فالحصري لم يحجر الله تعالى عليه القرآن وجمال تلاوته. ولعل أبرز الأسماء التي تليه - على الأقل عندي - هو الشيخ المتبتل المنشاوي رحمه الله، فذهبت أستمع إليه، فإذا روح التبتل والخشوع والحزن هي المسيطرة على طول قراءته، في كافة الآيات، في حين أن الجلالة والعظمة للقرآن هي المسيطرة على قراءة الحصري. رحمهما الله تعالى ورضي عنها.
لم يأخذ المنشاوي مكانة الحصري في مشاعري وأذني، وإن صارت له المكانة في مقام التبتل والخشوع والحزن في مقام العبودية لله تعالى.
ولقد كتبت تلك الكلمات وأنا أستمع إلى سورة الرحمن من سيد القراءة، الحصري، ولا أحصي كم سمعتها منه، فهي تأخذ بالقلوب، وتذهب بك بعيدا، في عالم رباني قررآني، ما حولك فراغ، فلا تسمع إلا ربك، ولا يجمع قلبك إلا كلامه ... :
http://www.youtube.com/watch?v=CWlZX92mOWI
واستمعوا منه كذلك إلى سورة نوح :
http://www.youtube.com/watch?v=akOWt...eature=related
عجيبة حقا
رحمك الله يا سيدي يا سيد من قرأ في عصرنا. فكم لك من منة على كاتب هذه الكلمات.
والحمد لله رب العالمين.




رد مع اقتباس
