تأليف
أبي أيمن محمد بن علي بن الهاشمي السوفي
قال ابن قيم الجوزية في كتاب الروح (108) :
( سوء الفهم عن الله ورسوله أصل كل بدعة و ضلالة نشأت في الإسلام ) اهـ
بسم الله الرحمن الرحيم
اللهم صل على محمد وآل محمد ، كما صليت على إبراهيم و آل إبراهيم ، وبارك على محمد وآل محمد كما باركت على إبراهيم و آل إبراهيم إنك حميد مجيد .
أما بعد :
فقد وقفت على ورقات تحوي تنفير المؤمنين عن درس الجمعة المتقدم على الخطبتين بدعوى كونه بدعة وجاء النص بالمنع منها !! .لذا قررت أن أبين هذا الخلل الفقهي في هذه الأبحاث :
وقد وقفت على تبديع هذا الدرس في مظان عدة :
1- فتاوى اللجنة الدائمة رقم الفتوى (2015) بتاريخ (8/07/1398) ونشرت بالعدد (17) من مجلة البحوث صفحة (71-72) .
2 موسوعة المناهي الشرعية في السنة النبوية لسليم الهلالي (1/376) حيث صرح قائلا : ( و بخاصة تلك البدعة التي فشت في بعض ديار المسلمين وهو ما يسمى بـ درس الجمعة الديني فإنه يدخل في عموم النهي ناهيك أنه أمر محدث لم يعمله السلف الأول ) .
3- اللمعة في حكم الإجتماع للدرس قبل صلاة الجمعة لـ د موسى نصر .وفي هذا الكتيب برهن تطبيقيا مدى مخالفة تأصيله للوحي و اللغة و الإعتبار .
وقد يشفع له قوله آخر الكتيب (90) ( ولا أدعي في هذه الرسالة - مع اعتقادي أنه لم يؤلف في بابها من قبل- بلوغ الكمال فأبى الله أن يتم إلا كتابه ...) اهـ
تنبيه : قال أحمد شاكر في تحقيق الرسالة للشافعي ص (12) حول لفظة الرسالة :
( وقد غلبت عليها هذه التسمية ، ثم غلبت كلمة رسالة في عرف المتأخرين في كل كتاب صغير الحجم ، مما كان يسميه المتقدمون جزءا . فهذا العرف الأخير غير جيد ، لأن الرسالة من الإرسال ) اهـ
ولكن لا يشفع له جزمه في المسألة ، وتهجمه الواضح على المخالف ، و تناقضه في الحكم ، و تفسيره للنصوص على غير ما ورد عن السلف .
فقد قال في تعريف الحلقة (09): ( التحلق في الشرع : هو الإجتماع لمذاكرة العلم و في المسجد و غيره ، و لو على غير هيئة الحلقة ) تأمل الحلقة على غير هيئة الحلقة !!.
وقال في (18) ( وهو المعنى الشرعي : وهو الإجتماع لمدارسة العلم ) !! وهو تقييد بلا دليل .
ثم اضطرب في الحكم على الإجتماع بعدما وضع الأصل الفاسد في تعريف التحلق :
فقال مرة ( وقد نهانا ربنا على لسان نبيه عن الإجتماع للدرس قبل الجمعة ) ص (15) .
وقال مرة ( ما لا أصل له فضلا عن استحبابه كدرس الجمعة الديني زعموا ) ص (17) .
ثم قال ص (26) ( فعل صحابي خالف غيره من الصحابة ) . فظهر أن له أصلا ، ثم لم يأت بمن خالف من الصحابة !!.
ومرة ص (72) ( ولكي نجمع بين ما صح في السنة من نهي النبي صلى الله عليه وسلم وفعل أبي هريرة لابد من القول بجواز فعله أحيانا إذا اضطر إلى ذلك ) . و كأنه أخبر أن أبا هريرة قد أكره على الدرس ليحتج به .
فتحصل لدينا أن للشيخ خمس روايات في المسالة :
1- محرم .
2- لا أصل له و بدعة .
وكان عليه ضبط الأثر المترتب على النهي أهو المعصية أم البدعة ؟ فهناك بون شاسع .
3- فيه خلاف بين الصحابة .
4- يجوز للضرورة .
5- يجوز أحيانا فقط من غير أن يتخذ سنة راتبة .
فصل : في استقصاء الحديث المحتج به وضبط النقول فيه
1) أبو داود في سننه ح (911)
حدثنا مسدد ثنا يحي عن ابن عجلان عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده : ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن الشراء و البيع في المسجد و أن تنشد فيه ضالة ، وأن ينشد فيه شعر ، ونهى عن الحلق قبل الصلاة يوم الجمعة ) . وسكت عنه أبو داود ، وقال بدر الدين العيني في شرح سنن أبي داود (4/412)وحسنه الحافظان الطوسي و الترمذي ) .
2) الترمذي في سننه ح (321)
حدثنا قتيبة أخبرنا الليث عن ابن عجلان عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ( أنه نهى عن تناشد الأشعار في المسجد ، وعن البيع و الشراء فيه ، و أن يتحلق الناس فيه يوم الجمعة قبل الصلاة ) . قال الترمذي في سننه (2/273) : ( حديث عبد الله بن عمرو بن العاص حديث حسن ) وصحح إسناده الحافظ في فتح الباري (1/722) وابن العربي في عارضة الأحوذي (2/119) .
3) ابن خزيمة في صحيحه (1304)
أنا ابو طاهر، نا أبو بكر ، نا بندار و يعقوب بن ابراهيم ، قالا ثنا يحي بن سعيد عن ابن عجلان عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ، أن النبي صلى الله عليه وسلم ( نهى عن الشري و البيع في المسجد ، و أن ينشد فيه الشعر ، وأن ينشد فيه الضالة ،و عن الحلق يوم الجمعة قبل الصلاة ) .
وأخرجه من طريق أخرى ح (1306)
أنا ابو طاهر، نا أبو بكر، نا عبد الله بن سعيد بن الأشج ، ثنا ابو خالد عن ابن عجلان عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده
قالنهى النبي صلى الله عليه وسلم عن البيع و الإبتياع ، و أن ينشد فيه الضوال وعن تناشد الأشعار و عن التحلق للحديث يوم الجمعة قبل الصلاة _ يعني في المسجد _ ) .
4) النسائي في السنن الكبرى ح (793)
أخبرنا إسحاق بن ابراهيم قال أخبرني يحي بن سعيد عن ابن عجلان عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم ( نهى عن التحلق يوم الجمعة قبل الصلاة ، وعن الشراء و البيع في المسجد ) .
5) أحمد في المسند ح (6676)
حدثنا يحي عن ابن عجلان حدثنا عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال (نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الشراء و البيع في المسجد ، و أن تنشد فيه الأشعار و أن تنشد فيه الضالة ، و عن الحلق يوم الجمعة قبل الصلاة ) .
6) البغوي في شرح السنة ح (485)
أخبرنا أبو عثمان سعيد بن إسماعيل الضبي ، أنا أبو محمد عبد الجبار بن محمد الجراحي حدثنا أبو العباس المحجوبي ، ثنا أبو عيسى الترمذي نا قتيبة أخبرنا الليث عن ابن عجلان عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ( نهى عن تناشد الأشعار في المسجد ، وعن البيع الإشتراء فيه و أن يتحلق الناس يوم الجمعة قبل الصلاة ) .
7) الفاكهي في أخبار مكة ح (1267)
حدثنا أبو بشر ، قال ثنا صفوان بن عيسى عن ابن عجلان عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده _ رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم ( أنه نهى عن البيع و الشراء في المسجد ، و أن تنشد الضالة في المسجد و عن التحلق يوم الجمعة قبل الصلاة ، وأن تناشد فيه الأشعار ) .
8) ابن أبي شيبة في المصنف ح (5447)
حدثنا أبو بكر قال حدثنا أبو خالد الأحمر عن محمد بن عجلان عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال ( نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن التحلق للحديث يوم الجمعة قبل الصلاة ) .
9) الطبراني في المعجم الأوسط ح (6609)
حدثنا محمد بن جعفر بن الإمام قال حدثنا أبو حفص عمرو بن علي ، قال : سمعت معتمر بن سليمان يقول : حدثنا يحي بن سعيد القطان ، عن محمد بن عجلان عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ( أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن التحلق يوم الجمعة قبل خروج الإمام ) .
قلت لأبي حفص : سمعت هذا من يحي ؟
قال : أكثر من مئة مرة .
قال أبو حفص : رأيت عبد الرحمن بن مهدي جاء إلى حلقة يحي بن سعيد و معاذ بن جبل فقعد خارجا من الحلقة يوم الجمعة قبل الصلاة ،فقال له عبد الرحمن : أنت حدثتني عن محمد بن عجلان عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ( أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن التحلق يوم الجمعة قبل خروج الإمام ) .
فقال له يحي : أنت رأيت حبيب بن الشهيد و هشام بن حسان و سعيد بن أبي عروبة يتحلقون قبل الجمعة قبل خروج الإمام ، فقال عبد الرحمن : هؤلاء بلغهم أن رسول الله صلى عليه وسلم نهى عن التحلق قبل الجمعة ثم تحلقوا ؟ فسكت يحي .
لم يرو هذا الحديث عن معتمر و الرحمن بن مهدي عن يحي بن سعيد القطان إلا أبو حفص .اهـ
قلت :جاء في تحرير تقريب التهذيب ( 5081 عمرو بن علي بن بحر بن كنيز ، بنون و زاي ، أبو خفص الفلاس الصيرفي ، الباهلي ، البصري ، ثقة حافظ ) . روى له الستة في كتبهم و قد ثبتت روايته ليحي . راجع ترجمة (120) في تهذيب التهذيب (8/70) . فالحديث إسناده صحيح .
غاية ما في الحديث :
1- النهي عن التحلق -وهو اتخاذ شكل دائري كحلقة الباب مطلقا لعلم أو لغيره .وهذا قيد الهيئة .
2- في المسجد وهذا قيد المكان .
3- يوم الجمعة قبل الصلاة أو قبل خروج الإمام وهذا قيد الزمان .
فلا يوجد فيه أي إشارة للنهي عن الدرس من قريب ولا من بعيد .
وأما من حمل النص فوق ما يدل عليه ، وقال بأن مراد النص النهي عن الدرس أو الموعظة قبل الصلاة يوم الجمعة ، فما جاء بما يؤيد قوله من كتاب أو سنة أو إجماع أو قياس أو قول صاحب .ودليل صحة قولنا :




وحسنه الحافظان الطوسي و الترمذي ) .
رد مع اقتباس