النتائج 1 إلى 9 من 9

الموضوع: سؤال حول قوله تعالى (لا تدركه الأبصار..)

العرض المتطور

المشاركة السابقة المشاركة السابقة   المشاركة التالية المشاركة التالية
  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Sep 2010
    الدولة
    الجزائر العاصمة
    المشاركات
    37

    سؤال حول قوله تعالى (لا تدركه الأبصار..)

    السلام عليكم و رحمة الله..
    أساتذي و إخوتي الكرام إستشكل عندي الأمر التالي:

    لقد علمنا من كلام العلماء أن الرؤية لا تكون بإدراك حقيقة المرئي بل بإدراك الشعاع المنعكس على المرئي و الذي يحمل بعض خصائصه و عوارضه لا حقيقته..
    فحاصل هذا الكلام أن الإبصار لا يحيط بحقيقة المبصرات جميعا.. فما المعنى الجديد الذي تحمله الآية في حقه تعالى إذن؟؟ إذا علمنا سلفا أن عملية الإبصار قاصرة عن إدراك حقيقة المبصرات..

    ملاحظة:كون الرؤية يوم القيامة لا تكون أو لا تكون بالعين المجردة لا يرفع الإشكال.

    وجزاكم الله كل خير..

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Oct 2011
    المشاركات
    116
    أخي هشام السلام عليكم و رحمة الله و بركاته .

    أعتقد أن جواب مسألتك موجود في تفسير الشيخ الشعراوي - رضي الله عنه - لهذه الآية ، و إليك بيانه :

    يقول الشيخ - رحمه الله - :

    ولماذا لا تدركه الأبصار؟ لأن البصر آلة إدراك لها قانونها بأن ينعكس الشعاع من المرئي إلى الرائي ويحدده، فلو أن الأبصار تدركه لحددته، وأصبح من يراه قادراً عليه، ولصار مقدوراً لكم؛ لأنه دخل في إدارككم. فلو أنك أدركت الله لكان الله مقدوراً لبصرك، والقادر لا ينقلب مقدوراً ابداً، إذن فمن عظمته انه لا يُدْرَك: أنت قد ترى الشمس، ولكن أتدعي أنك أدركتها؟! لا، لأن الإدراك معناه الإحاطة، وحين يقال " أدركه " أي لم يفلت منه، ولذلك عندما سار قوم فرعون وراء موسى وقومه قال أصحاب موسى: { ٰ إِنَّا لَمُدْرَكُونَ }.

    أي لا فائدة؛ لأن البحر أمامنا، إن تقدمنا نغرق، وإن تأخرنا أهلكونا وقتلونا. إذن " مُدرك " يعني محاطا به. فإذا أحاطت الأبصار بالله انقلب البصر قادرا، وصار الله مقدورا عليه. والقادر بذاته - كما قلنا - لا ينقلب مقدورا لخلقه أبدا.

    { لاَّ تُدْرِكُهُ ٱلأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ ٱلأَبْصَارَ وَهُوَ ٱللَّطِيفُ ٱلْخَبِيرُ } [الأنعام: 103].

    وكل ما عدا الله محتاج إلى الله لبقاء كينونته، وكينونته سبحانه ليست عند أحد؛ لذلك { لاَّ تُدْرِكُهُ ٱلأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ ٱلأَبْصَارَ } لأنه إن قدر على الأبصار كلها فهو قادر بذاته، والباقي مقدور له؛ لأنه مخلوق له، ومادام مخلوقا له يكون مقدورا عليه ولم يطرأ على المخلوقين شيء جديد يجعلهم قادرين بذواتهم { لاَّ تُدْرِكُهُ ٱلأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ ٱلأَبْصَارَ }.

    وقد وقف العلماء وقفة كبيرة واختلفوا: هل الإنسان يرى ربه أو لا يراه سواء في الدنيا أم في الآخرة؟ بعضهم قال: لا أحد يرى الله بنص الآية: { لاَّ تُدْرِكُهُ ٱلأَبْصَارُ } ونقول: لكن هناك آيات في القرآن تقول:
    { وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ * إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٌ }
    [القيامة: 22-23].

    و " ناظرة " تضمن الرؤية وتفيدها، وأيضاً فالله يعاقب من كفر به بأن يحتجب عنه؛ لأنه القائل:
    { كَلاَّ إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ }
    [المطففين: 15].

    فالكافرون محجوبون عن رؤية الله عقاباً لهم. ولو اشتركنا معهم وحجبنا كما حجبوا فما ميزتنا كمؤمنين؟، إذن فالعلماء لم ينتبهوا إلى أن هناك فرقا بين الأداء القرآني وما يقولون؟ وحين يحتج عالم منهم بأن رؤية الله غير ممكنة لأن ربنا سبحانه قال لموسى:
    { لَن تَرَانِي وَلَـٰكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي }
    [الأعراف: 143].

    فلماذا لم يلتفت هذا العالم إلى قول الحق:
    { فَلَمَّا تَجَلَّىٰ رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكّاً وَخَرَّ موسَىٰ صَعِقاً }
    [الأعراف: 143].

    إذن فالله تجلى لبعض خلقه، أما أن يراه الخلق في الدنيا فلا؛ لأن تكويننا غير مؤهل لأن يرى الحق، بدليل أن الأصلب والأقوى منا وهو الجبل حينما تجلى ربه عليه اندك. فلما اندك الجبل خر موسى صعقا، فإذا كان موسى قد خر صعقا لرؤية المتَجلَّى عليه وهو الجبل فكيف لو رآه؟! إن فهو غير معد له.

    لقد اختلف العلماء عند هذه الآية، وتجلَّى خلافهم إلى أبعد حد؛ فمنهم مجيز للرؤية، ومنهم منكر لها، وأرى أن خلافهم في غير محل نزاع؛ لأنهم تكلموا عن الرؤية، والكلام هنا عن نفي الإدراك، والإدراك إحاطة؛ والرؤية تكون إجمالاً، إنما الإحاطة ليست ممكنة، وعلى تقدير أن الرؤية والإدراك متحدان في المفهوم نقول: لماذا يكون الخلاف في أمر الآخرة؟ لو أن الخلاف في أمر الرؤية في الدنيا لكان هذا كلاماً جميلاً، ولكن الخلاف جعلتموه في الآخرة.

    إن آيات القرآن صريحة في أن رؤية الحق سبحانه وتعالى من نعم الله على المؤمنين، وهي زيادة في الحسنى عليهم، وحجبه سبحانه عن الكفار لون من العقوبة لهم ونقول - أيضاً -: لماذا لا تقولون إن الإدراك سيوجد في الآخرة بكيفية ليست موجودة في دنيانا؟ لأننا في هذه الدنيا معدُّون إعداد أسباب - وفي الآخرة سنكون معدين إعداداً لغير أسباب.

    أنت هنا إذا أحببت أن تشرب تطلب الماء أو تذهب للماء وتشرب، وحين تريد أن تأكل الشيء الفلاني، تقول لأهل البيت: اصنعوا لي كذا أو تشتري ما تريده، إنما هناك في الآخرة بمجرد أن يخطر ببالك ما تشتهيه تجده أمامك، وهذا قانون جديد لا ارتباط له بقانون الدنيا، فلماذا لا يكون في تكويننا في الآخرة أيضاً قانون يمكن به أن نرى الله وفي إطار ليس كمثله شيء؟

    إن في الآخرة قضايا يتفق الجميع على انها تخالف قوانين الدنيا ونواميس العالم المعاصر لنا الآن في الأكل والشرب، والتخلص من الفضلات، لكن في الآخرة سنأكل ونشرب ولكن لن توجد فضلات؛ لأنك أنت الان تطهى وتهضم، وفي الهضم أنت تأخذ بعض الطعام ويبقى منه فضلات لابد أن تخرج، لكن الطهي والهضم في الآخرة بـ " كن " وليس له فضلات، إنه طعام بقدرة القادر، في الجنة كل ما تريده ستناله دون أن ينفد، وفي الدنيا أي شيء يؤخذ منه ينقص، أما في الآخرة فلا شيء ينقص لأن له مدداً من القيومية."

    انتهى كلام الشيخ - نفعنا الله بعلمه -
    خلق الناس للبقاء فضلــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــت أمــــــة يحسبـــــــونهم للنفــــــــاد

    إنما ينقلون من دار أعمــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ال إلى دار شــــقــــــوة أو رشــــــــاد

    ضجعة الموت رقدة يستريــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــح الجسم فيها و العيش مثل السهاد

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Oct 2011
    المشاركات
    116
    و زيادة على ما سبق ، فإن قولك إن الإبصار لا يحيط بحقيقة المبصر فيما يتعلق بمدركات الإنسان ، أقول : إذا كان البصر العادي المجرد لا يدرك حقيقة الشيء ، فيمكن للإنسان أن يستعين بالأجهزة المتطورة ليرى الشيء على حقيقته الفيزيائية ، فيبدو عبارة عن إلكترونات . و الجهاز المستعان به في هذه الحالة هو امتداد للبصر لإدراك العالم الدقيق . و بالتالي ، فإذا استطاع الإنسان أن يدرك موجودات العالم الفيزيائي و يسيطر بمعرفته على الأشياء ، فإن خالق هذا العالم ليس جسما حتى يدرك فيزيائيا و يحاط به ، فهو ليس كمثله شيء ، فثبت أن الخالق - جل و علا - لا يشبه مخلوقاته و لا يماثلها ، و بالتالي لا يمكن إدراكه ،و لا الإحاطة به .
    خلق الناس للبقاء فضلــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــت أمــــــة يحسبـــــــونهم للنفــــــــاد

    إنما ينقلون من دار أعمــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ال إلى دار شــــقــــــوة أو رشــــــــاد

    ضجعة الموت رقدة يستريــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــح الجسم فيها و العيش مثل السهاد

  4. #4
    تاريخ التسجيل
    Jun 2006
    الدولة
    عمان- الأردن
    المشاركات
    3,723
    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته...

    بعد إذنكما أخويَّ...

    يمكن تلخيص الفرق بأنَّ الرؤية العاديَّة هي باتِّصال الشُّعاع بين المرئيِّ والرائي بغضِّ النَّظر عن كونها "معبِّرة" عن حقيقة ما بالخارج أو عن الكيفية الحاصلة بالنَّفس الدالة على ما بالخارج.

    وعليه يقال إنَّ رؤيتي للكتاب مثلاً لا تفيدني معرفة حقيقة مادَّة الكتاب، ولكنِّي بالرؤية أدرك حدود الكتاب وتمايز أجزائه، فأنا مدرك لكلِّ الكتاب...

    أمَّا الله تعالى فـ "لا يحيطون به علماً"، ومن عدم الإحاطة تلك أنَّه لا يدركه عبد من عباده لا بالنَّظر ولا بطريق الرُّؤية ولا بأيِّ طريق.

    والله تعالى أعلم.

    والسلام عليكم...
    فالله أحقّ أن تخشوه إن كنتم مؤمنين

  5. #5
    تاريخ التسجيل
    Sep 2010
    الدولة
    الجزائر العاصمة
    المشاركات
    37
    السلام عليكم و رجمة الله و بركاته
    إخوتي الأفاضل بارك الله فيكم على توضيحاتكم و مجهوداتكم في الإجابة عن سؤالي..
    أستسمحكم مرة أخرى تعقيبا على جوابكم
    -أخي سعيد مكرم.. على ما بدى لي من كلام الشيخ الشعراي المنقول أنه رحمه الله تعالى يجعل من النفي في قوله تعالى (لاتدركه الأبصار..) متعلقا بالإحاطة فالله تعالى نفى الإدراك أي الإحاطة به علما و لكن الرؤية التي تكون إجمالا متحققة ...
    فهل معنى هذا أننا يمكننا من إدراك بعض حقيقته سبحانه من غير إحاطة؟؟؟
    أقول ثم أن هذا أن هذا لا يرفع الإشكال في كل الأحوال إذا إنتهينا أن الإدراك غير متحقق بالنسبة إليه بالرؤية..
    أما بالنسبة للإنسان فحتى الأجهزة الأكثر تطورا لا تمكننا من بلوغ ماهيات المادة و كوامنها بل أعراضها و صفاتها و بعض من خصائصها و ميزاتها.. و ليكن في علمك أخي الغالي أن الذرات مثلا لم يستطيع أحد أن يراها أو يصورها فضلا أن يبلغ شأو كنهها بل حتى بنيتها مبنية على فرضيات أيدتها التجارب فقط و لا ندري ما سيكون في المستقبل من مستجدات..
    فالحاصل أن الإدراك غير متحقق أصلا بحواسنا الخمس المحدودة لذلك قد يقول لنا قائل أن النفي في الآية تحصيل حاصل فبدهي عندنا أن الحواس بما فبها الأبصار محدودة و غير قادرة على الإدراك الحقيقي

  6. #6
    تاريخ التسجيل
    Jan 2011
    المشاركات
    159
    الإدراك لغة: هو اللحوق أو اللحاق

    وتفسيره بالإحاطة غريب

    فلا يقال مثلا: الغرفة مدركة لما فيها، أي: محيطة

    جاء في مختار الصحاح:
    (([ درك ] د ر ك : الإدْرَاكُ اللحوق قلت صوابه اللحاق يقال مشى حتى أدركه وعاش حتى أدرك زمانه و أدْرَكَهُ ببصره أي رآه و أدْرَكَ الغلام والثمر أي بلغ و اسْتَدْرَك ما فات و تَدَارَكَهُ بمعنى و تَدَارَكَ القوم تلاحقوا أي لحق آخرهم أولهم)).

    على أن أخذ الإحاطة في معنى الإدراك في قوله سبحانه: {لا تدركه الأبصار}= غير متصور، سواء أريد الإحاطة بحقيقة المرئي وماهيته، أم بجوانبه وباطنه

    إذ ليس من شأن الأبصار إحدى هاتين الإحاطتين حتى يتمدح تعالى بنفي إحاطة الأبصار به هذه الإحاطة

    ماذا لو قيل إن المنفي في هذه الآية هو الرؤية البصرية فقط دون غيرها؟

  7. #7
    تاريخ التسجيل
    Oct 2011
    المشاركات
    116
    أخي هشام ، السلام عليكم و رحمة الله و بركاته .

    إن رؤيته - سبحانه - في الدنيا ممتنعة ، بدليل قوله - صلى الله عليه و سلم - :" و إنكم لن تروا ربكم حتى تموتوا " . أما في الآخرة ، فيجوز الرؤية على مذهب الجمهور ، لكنها عندهم رؤية بلا كيف . و هناك من تحدث أن الله يخلق في المؤمن حاسة سادسة يراه بها و يدركه . و إذا كان الله مبصرا لذاته ، فيجوز أن يكون مبصرا - بفتح الصاد - لغيره ممن يشاء من عباده على نحو أن يخلق الله فينا حاسة سادسة . أما الإدراك بمعنى الإحاطة فلا أحد يحيط بحقيقته تعالى حتى الملائكة المقربون . يقول الإمام الرازي :" { لاَّ تُدْرِكُهُ ٱلأَبْصَـٰرُ } هو أن شيئاً من القوى المدركة لا تحيط بحقيقته، وأن عقلاً من العقول لا يقف على كنه صمديته، فكلت الأبصار عن إدراكه، وارتدعت العقول عن الوصول إلى ميادين عزته، وكما أن شيئاً لا يحيط به، فعلمه محيط بالكل، وإدراكه متناول للكل " .
    خلق الناس للبقاء فضلــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــت أمــــــة يحسبـــــــونهم للنفــــــــاد

    إنما ينقلون من دار أعمــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ال إلى دار شــــقــــــوة أو رشــــــــاد

    ضجعة الموت رقدة يستريــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــح الجسم فيها و العيش مثل السهاد

  8. #8
    تاريخ التسجيل
    Sep 2010
    الدولة
    الجزائر العاصمة
    المشاركات
    37
    أشكر إخوتي الأكارم على تبسطهم في النقاش و أسأله سبحانه أن يبارك لنا في العلم النافع و ينفعنا به سبحانه..
    توسعا في الموضوع و محاولة في التفكير في سؤال أخي عبد الله جودة أقول :
    ما معنى رؤية الله تعالى يوم القيامة هل هي
    1- رؤية ذاته و الإحاطة بحقيقة (و هو ممتنع لما تقدم)
    2- رؤية الشعاع الحامل لبعض الأعراض و خصائص المرئي (تعالى و تقدس سبحانه عن ذلك)
    3- بأن يخلق سبحانه الرؤية في ذواتنا من دون إتصال شعاع، فتكون الرؤية زيادة العلم به كما قال كثير من العلماء..

    فعلى القول الأخير تكون الرؤية أشبه برؤية النائم في المنام من دون وسيلة أو جارحة فضلا عن الشعاع.. الإشكال هنا أن الرؤية تكون نوع من التخيل أو زيادة في العلم يخلقه الله في الرائي.. و هذا إحالة للبصر إلى العلم الأمر الذي يقربنا من مذهب المعتزلة..

    رجوعا إلى قول أخي سعيد بن عبد القادر مكرم أنه يجدر بنا إلتزام مذهب السلف بتفويض معنى الرؤية أصلا و إمرار أمرها كما جاءت من غير خوض.. أما عن الحاسة السادسة فهذه معضلة أخرى لأنه تغيير في الحاسة أصلا و تجاوزا لموضوع الرؤية الذي هو مراد النقاش فكأنك نفيت الرؤية و تجاوزتها إلى حاسة أخرى..

    بقي أن أعتذر من إخوتي إن كان في كلامي و أسئلتي شيء من اللجاجة..

  9. #9
    تاريخ التسجيل
    Jan 2011
    المشاركات
    159
    قال الإمام الرازي في "المطالب العالية" 2 / 81 :
    ((الفصل العاشر في أنه هل يصح أن نرى واجب الوجود لذاته؟
    اعلم: أنه قد عظم الشغب فيه بين المتكلمين. ويجب قبل الخوض فيه تقديم مقدمات، لا يتم الكلام إلا بتقديمها.
    المقدمة الأولى: في تفسير الرؤية. فنقول: إدراك الشيء يقع على ثلاث مراتب. فالمرتبة الأولى: إنا إذا رأينا البناء، علمنا أنه لا بد له من باني.
    وهاهنا المعلوم ليس إلا كونه بانيا فأما حقيقته المخصوصة، وذاته المعينة من حيث هي هي، فإنها لا تصير معلومة البتة. والمرتبة الثانية: إنا إذا علمنا الماهية المخصوصة المسماة باللون عن طريق الإبصار، وعلمنا الماهية المخصوصة المسماة بالصوت عن طريق السماع، ثم أغمضنا العين، وسددنا الأذن، فإنا نكون عالمين بحقيقة اللون من حيث إنه هو، وبحقيقة الصوت من حيث إنه هو، ولا شك أن هذه المرتبة أقوى في كونه معلوما متصورا مدركا من المرتبة الأولى. فإنا في المرتبة الأولى ما علمنا الشيء إلا بحسب صفة عرضية من صفاته، وأما في هذه المرتبة فقد علمنا الماهية المخصوصة من حيث إنها هي، فهذه المرتبة أقوى في المعلومية وفي المتصورية من المرتبة الأولى. وأما المرتبة الثالثة في الإدراك: فهو أن ننظر بالعين إلى اللون، وأن نسمع بالأذن ذلك الصوت فإنا حال ما غمضنا العين، كنا عالمين بماهية اللون المخصوص، علما لا شك لنا فيه، ثم لما فتحنا العين ونظرنا إليه حصلت حالة زائدة على الحالة الأولى في الخلاء والكشف. وصريح العقل حاكم بأن هذه المرتبة الثالثة أكمل وأقوى من المرتبة الثانية، كما أن المرتبة الثانية كانت أقوى وأكمل من المرتبة الأولى.
    إذا عرفت هذا فنقول: إنا إذا علمنا أن العالم ممكن، علمنا أن كل ممكن فلا بد له من سبب، وعلمنا أن الدور والتسلسل باطلان، فحينئذ نعلم أن هذه الممكنات يجب انتهاؤها إلى موجود واجب الوجود لذاته. فههنا المعلوم:
    إثبات موجود، يستند غيره إليه ولا يستند هو إلى غيره، والمعلوم هاهنا أمور ثلاثة: أحدها: الوجود المطلق. والثاني: وجوب استناد غيره إليه، وهذا نفس الإضافة. والثالث: امتناع استناده إلى غيره وهذا سلب. فيثبت أن المعلوم هاهنا وجود مقيد، يفيد إضافة ويفيد سلبا، وكل ذلك مغاير للحقيقة المخصوصة التي لواجب الوجود.
    فيثبت: أن الحاصل عندنا من معرفة الله تعالى ليس إلا المرتبة الأولى.
    وأما المرتبة الثانية فهل هي حاصلة لأحد من الخلق؟ وبتقدير أن لا تكون حاصلة لأحد، فهل هي ممكنة الحصول للملائكة فقط، أو لهم وللأنبياء، أو هي ممكنة الحصول للكل؟ وهذه المباحث لا بد فيها من البحث. أما المرتبة الثالثة فهل هي ممكنة الحصول لأحد من الخلق أم لا؟ هذا هو المراد من قولنا:
    إن رؤية الله تعالى هل هي ممكنة الحصول أم لا؟ فهذا تمام البحث عن قولنا:
    إنه هل تصح رؤية الله تعالى أم لا؟.
    وأما المقدمة الثانية: فهي في بيان أن رؤية الموجود الذي لا يكون مختصا بالمكان أو الحيز، هل هو معلوم الامتناع في بديهة العقل أم لا؟ فنقول: القول الصحيح: إن الرؤية بالتفسير الذي ذكرناه ليست معلومة الامتناع في بديهة العقل، وذلك لأنا في هذه الحياة علمنا الله تعالى علما واقعا في المرتبة الأولى، وعلمنا أنه منزه عن الجسمية والمكان. فهل يمكن أن نعلم الله تعالى علما واقعا في المرتبة الثانية مع العلم بكونه منزها عن الجسمية والمكان؟ وإذا ثبت هذا فهل يمكن إدراكه على الوجه الواقع في المرتبة الثالثة، مع كونه منزها عن الجسمية والجهة؟ ومن المعلوم بالضرورة أن امتناع ذلك غير معلوم بالضرورة، لأنا قد ذكرنا أن المراد بالرؤية نوع من الانكشاف، نسبته إلى المرتبة الثانية كنسبة رؤية اللون إلى تصور ماهية اللون ولا شك أن الحكم بجواز حصول هذه الحالة، وبامتناع حصولها، مما يتوقف العقل فيه، ولا يمكنه الجزم به، لا بالنفي ولا بالإثبات، إلا بالدليل المنفصل.
    والتحقيق فيه: إن محض الاستبعاد إن كان حجة في العدم، كان القول بإثبات موجود لا يكون في الجهة والحيز محالا، وهذا باطل عند المعتزلة والفلاسفة، وإن لم يكن حجة، وجب أن لا يكون محض الاستبعاد هاهنا أيضا حجة، فالقول بأنه حجة هاهنا وليس حجة هناك: متناقض فاسد.
    المقدمة الثالثة: إن رؤية الله تعالى بالتفسير المذكور بتقدير أن تحصل فمحلها هو هذه العين والحدقة أم جوهر النفس؟ والأول كالمستبعد جدا وأما أن محل ذلك الإدراك الشريف هو جوهر النفس الناطقة فهذا أقرب إلى العقل.)).

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •