النتائج 1 إلى 2 من 2

الموضوع: الجزء الثانى والثالث من حوار فضيلة المفتى

العرض المتطور

المشاركة السابقة المشاركة السابقة   المشاركة التالية المشاركة التالية
  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Mar 2011
    المشاركات
    207

    الجزء الثانى والثالث من حوار فضيلة المفتى

    حوار د/ علي جمعة.. نقلت دار الإفتاء من الشخصانية إلي المؤسساتية .. الجزء الثانى

    حاوره د/ ناجح إبراهيم

    استلم د/ علي جمعة دار الإفتاء المصرية وهي في أسوأ حالاتها وكانت تابعة لوزارة العدل التي لم تهتم بها رغم أنها من أغنى الوزارات.. لأنها تعتبر دار الإفتاء يتيمة ألصقت بها.. وكانت تولي اهتمامها الكبير بقضاتها ومستشاريها سواء في القضاء أو في النيابة العامة حتى أن مبنى دار الإفتاء القديم كان مزريا ً إلي أبعد حد .. وإذا أرادت دار الإفتاء أي طلبات إدارية تافهة مثل اللمبة أو السكر أو الشاي أو الأقلام أو الأوراق استغرق ذلك أسبوعا ً أو أكثر......

    أما أجهزة الكمبيوتر فكانت عتيقة جدا ً وتتعطل بين الحين والآخر .. وكان مرتب أمين الفتوى الحاصل على الدكتوراة أو الماجستير في الفقه الإسلامي والمتجر في علومه لا يتجاوز 700 جنيها ً .. حتى كادت كل الكفاءات العلمية أن تطفش منها .

    فجاء د/ علي جمعة فاستقل بدار الإفتاء عن وزارة العدل وأصر مع الشيخ طنطاوي على بناء مبنى جديد لها .. ورفع مرتبات كل العاملين بالدار .. وخاصة الفقهاء الكبار منهم .. لأنه يعتبر أن هؤلاء عملة نادرة لا ينبغي التفريط فيهم .. وأقام نقابة خاصة لدار الإفتاء ترعى موظفيها وعلمائها وفقهائها وتهتم بأمورهم .

    وحينما كانت دار الإفتاء تابعة لوزارة العدل حرص د/ على جمعة ضيفنا على كل فقيه في الدار حتى لا يذهب الفقهاء وأمناء الفتوى إلي بلاد الخليج أو إلي أي مكان .. فكان ينفق على كل من في الدار ويهتم بعلاجه وأسرته .. حتى أنه كان يخرج كل عام 20 شخصا ً من الدار وخارجها للحج على نفقته .

    وقد ذكر لي د/ أشرف فهمي أمين الفتوى بالدار أن كل العاملين والفراشين فضلا ً عن الفقهاء وأمناء الفتوى بالدار حجوا على نفقة د/ علي جمعة .. وكان يقيم يوما ً رياضيا ً للعاملين في دار الإفتاء.

    وقد ذكر لي د/ أشرف فهمي أن د/ علي جمعة أنفق على دار الإفتاء منذ عام 2004 إلي عام 2007م .. وأنه سد حاجات كل من يعمل في دار الإفتاء .. فمن كان عليه دين تكفل به .. ومن احتاج إلي عملية جراحية عالية التكلفة تكفل بها .. حيث لم يكن هناك تأمين صحي للفقهاء أو العاملين في الدار .. فلما استقلت الدار جعل هناك تأمينا ً صحيا ً جيدا ً لهم.

    أما الأجهزة الالكترونية والحاسبات فقد تم تطويرها .. بحيث تستقبل كل آلاف الفتوى من كل مكان في العالم وترد عليها .. فضلا ً عن إنشاء موقع دار الإفتاء .. وأهم من ذلك كله أنه نقل دار الإفتاء من الشخصانية إلي المؤسساتية.

    مرحبا ً بكم فضيلة الشيخ في الجزء الثاني من حوارنا معكم ؟

    أهلا ً بكم وسهلا ً ..

    والدكم رحمه الله كان محاميا ً.. فكيف أحببتم الفقه بالذات مع أنه علم صعب جدا ً؟

    والدي رحمه الله كان محاميا ً وتخصص في الجانب الشرعي من القانون وهو الأحوال الشخصية وبرع في فقه الأحوال الشخصية .. حتى صار حجة يرجع إليه في دقائقها واشتهر بذلك .

    وقد أكرمني والدي رحمه الله بأن جعلني حفظت القرآن كل في سن العاشرة وأتممت قراءته على يد المشايخ .. ووجدت مكتبته عامرة بأمهات الكتب فنهلت منها على قدر استطاعتي .. ومازالت بعض هذه الكتب لدي حتى الآن.

    كيف بدأتم دراستكم للعلوم الشرعية بعد تخرجكم من كلية تجارة عين شمس؟

    عندما التحقت بالأزهر اهتممت بدراسة المتون الفقهية .. وحفظت كل المتون المعروفة في كل العلوم الشرعية .. حتى تخرجت من جامعة الأزهر 1979 م .. ثم حصلت على الماجستير في أصول الفقه في كلية الشريعة والقانون بامتياز 1985 .. ثم حصلت على الدكتوراة بمرتبة الشرف 1988 .. وبذلك جمعت بين العلوم الشرعية والأزهرية والعلوم التجارية والاقتصادية.

    سمعنا أن رسالتكم للدكتوراة كانت متميزة جدا ً؟

    نعم .. فقد قال أستاذي د/ عبد الحميد ميهوب أستاذ الشريعة بكلية الحقوق والذي ناقش رسالتي :

    لقد خلصت في حياتي بثلاث رسائل استوفت المنهج العلمي منها رسالتي ورسالة د/ أسامة كحيل.. والثالثة رسالة الدكتور علي بن سعد الضويحي .

    من أهم شيوخك؟

    أهم شيوخي العلامة عبد الله الغماري وهو من محدثي العصر .. وقد قرأت عليه صحيح البخاري كله وكتب أخرى كثيرة يصعب حصرها الآن .

    ومنهم الشيخ العلامة عبد الفتاح أبو غدة الذي ملأ الأرض علما ً وتحقيقا ً وتدقيقا ً وخلقا ً كريما ً .. وقد أجازني رحمه الله في علوم وأجزته في كتاب أصول الفقه للشيخ/ زهير .. وهذا يعرف عند علماء الحديث بالتدبيج .. وأنا أفخر بذلك واعتبره أعظم من شهادة الدكتوراة.. وخاصة عندما قال لي الشيخ/ أبو غدة: "قبلنا الإجازة منك" .

    ومنهم العلامة محمد أبو النور زهير أستاذ أصول الفقه بكلية الشريعة .. ومن أعلام الأصول في مصر .. وقد أجازني بالتدريس والإفتاء .

    والشيخ/ جاد الرب رمضان عميد كلية الشريعة والقانون بالقاهرة الأسبق وكان من الفقهاء العظام .. وكانوا يطلقون عليه لقب " الشافعي الصغير " .. وذلك لتبحره في الفقه الشافعي بصورة لم ير تلامذته مثلها في عصره.

    هل هناك عالم لازمته طويلاً.. وما أثره عليك ؟

    نعم .. لقد لازمت العلامة الشيخ/ أحمد مرسي ملازمة تامة لعامين متتاليين كل يوم وتأثرت به وبأخلاقه وعلمه .. وهذا الرجل هو تجسيد للحب والرحمة والجمال والخلق القويم الذي يمشي على رجلين.

    ومن أهم أساتذتك في الاقتصاد خاصة الإسلامي ؟

    تعلمت الاقتصاد الإسلامي على يد د/ عيسى عبده .. أما الاقتصاد الغربي فقد تعلمته على يد د/ يحيى عويس ود/ علي لطفي.

    كيف بدأت علاقتكم بشيخ الأزهر الراحل د/ جاد الحق على جاد الحق الفقيه المتميز والقاضي الشرعي السابق ؟

    شيخ الأزهر الأسبق جاد الحق كان له فضل كبير في تعليمنا أشياء كثيرة جدا

    وكان له فضل كبير جدًّا علينا في تعليمنا أشياء كثيرة جدًّا، من ضمنها أنه كان يبحث عن قرار مجمعي عن تحديد قيمة الدرهم والدينار ليتوصل بها إلى تحديد قيم الزكاة وقيم الدية التي ينبغي دفعها في القتل الخطأ وغيره .

    فقالوا له إن هناك شخصًا في كلية الدراسات الإسلامية اسمه علي جمعة، وهذا الرجل قدمًا بحثًا معتبرًا في هذه المسألة.

    فقال: أحضروه، فذهبت إليه.

    فقلت له: "نعم يا سيدي، أي خدمة".

    قال: "أنت فين يا سي علي؟.. أين بحثك عن الدرهم والدينار؟ .

    قلت له: موجود يا سيدي سأحضره لك غدًا.

    قال: أحضره من أجل كذا.. وأمسك بورقة وكتبني باحثًا في مجمع البحوث، فحضرت مجمع البحوث الإسلامية منذ سنة 1990 تقريبًا.. وكان عمري وقتها 23 عاما ً

    أظن أن فضيلتكم كنت أصغر عضو في مجمع البحوث الإسلامية ؟

    نعم .. فمنذ أن كان عمري 38 عاما ً وأنا أحضر اجتماعات مجمع البحوث وأعرف كيف يدار .. واشتركت في كل اللجان باعتباري باحثا ً وضمني الشيخ عبد الرزاق ناصر إلي لجنة الفتوى بالأزهر.. وقال : لأن علي جمعة يفهم في الاقتصاد بدرجة كبيرة وله خبرة بهذه المنطقة جيدة جدا ًوقال شيخ الأزهر لا مانع من تعيينه فعينني في لجنة الفتوى وأنا عمري 40 عاما ً .. مع أن من شروط هذه العضوية أن يكون عمره 45 عاما ً .. فأنا قلت لمولانا شيخ الأزهر جاد الحق : يا مولانا أنا صغير وعمري 40 عاما ً وهذا مخالف اللائحة .. فامسك بالورقة ووقع عليها ولم يرد علي َّ .. وقال اللائحة إرشادية وليست واجبة .

    هل استفدت من لجنة الفتوى بالأزهر ؟

    نعم.. هذه أعطتني خبرة عجيبة في التفاهم مع الناس.. وفي معرفة كيف يعرض الرجل الفتوى من وجهة نظره هو ليس كذابًا.. لكنها وجهة نظره.. لكن ليس من الضروري أن تكون وجهة نظره هي الصواب فكان لا بد عليَّ سماع الطرف الآخر، ولا بد أن أتحلى بالصبر ولا أتهمه بالكذب، ولا أنظر إليه على أنه كذَّاب، هو ليس كذابًا .. لقد تعلمت الكثير جدًّا من مشايخنا هناك.
    من أكثر من استفدت منه ؟

    أكثر من استفدت منه هو الشيخ مسلم رحمة الله عليه- وكان عضوا ً كبيراً فوق الثمانين، وعضوا ً أيضا ً بمجمع البحوث .. وكان يأتي ويجلس بجواري، فلما يأتي السؤال يحيله إليَّ، ويجلس مسندًا رأسه على ذراعه مستمعًا إليَّ، يستمع إلى السؤال وينظر إلى إجابتي دون تدخل منه، كان يراقبني كيف أصنع.. وبعد أن أنتهي من الإجابة يقول لي صح في كل مرة أجيب عنها لعدة مرات.

    بعدها يدعو لي بعد ذلك بقوله: ربنا يفتح عليك يا بني، وهذا الرجل كان يكبرني بسبعة وأربعين عامًا.

    ووقتها تعلَّمت من هؤلاء المشايخ الكثير والكثير جدًّا، في الحقيقة كان الأزهر مليئًا بعلمائه، وعلَّمونا أيضًا كيفية فهم السؤال، وكيفية الإجابة، والتعمق في المسائل، هناك حالات كثيرة جدًّا لا يقع بها الطلاق .. وبعض الناس تظن أنه قد وقع الطلاق وانتهى.. والعكس غير ذلك .

    فلا بد أن نفتش وأن نسأل مرة واثنين وثلاثة، وهذا ما يغضبني من بعض الإخوة من خريجي الآداب الذين لا يدرسون في الأزهر .. أو شخص يعمل في السيراميك ولم يدرس في الأزهر أو من يبيع الدراجات ولم يدرس بالأزهر ولكنه يفتي الناس.

    الأزهر فاتح قلبه لكل الناس، لا يفرق بين رجل ولا امرأة، ولا أبيض ولا أسود، لكن لا بد أن تتعلم؛ لأنه ليس من المعقول أن تكون طبيبًا وأنت لم تتعلم الطب، لأن أبوك كان طبيبًا أو لأنك تحب الطب .. هذا لا يجوز.

    ماذا أضفت لدار الإفتاء بعد أن أصبحت على رأس هذه المؤسسة الدينية الهامة ؟

    أنا حرصت على أن أحول دار الإفتاء من مجموعة شيوخ تفتي لطالبي الفتوى إلي مؤسسة لها نظام إداري ثابت .. وأن أحولها من الشخصانية إلي المؤسساتية .

    فحرصت على وجود نظام في الهيكل الإداري والهيكل المالي المستقل وأن يوجد نظام للفتوى وترتيب لها في كيف يفكر المفتي في كيفية إصدار الفتاوى وترتبها وتنظمها.

    كل هذا كان عملية شخصية قبل ذلك.. وهذا لا يعني أن هذا لم يكن موجودًا.. كل هذا كان موجودًا وينطبع بطابع الشخص الموجود.

    كل المفتين الذين أتوا من أكابر العلماء ومن أفاضل الناس ومن أتقياء القوم.. إلا أنهم كانوا يعملون بصورة شخصية.

    ولذلك يعترض عليَّ بعض الناس بأنني لا أوقع على الفتاوى.

    أنا أنشأت لجنة للإفتاء داخل الدار تبحث وتأتي بالنصوص وتعرض الفتوى بالحكم وبالمذاهب المختلفة وبإقامة الأدلة.. وبمناقشة هذه الأدلة وبيان جهة الدلالة وبالترجيح.. ثم في النهاية بالإفتاء الذي يكون واضحًا وجليًّا وصريحًا لا لف فيه ولا دوران.

    هذه اللجنة عندما تقوم بعملها لا بد من وجود عين واثنين وثلاثة وأربعة وخمسة من أجل أن يروها وبعدها يوقعوا .

    لماذا لا يوقع فضيلة المفتي على الفتاوى؟

    لقد تعلمت هذا الأمر من الشيخ/ المهدي العباسي الذي ظل مفتيًا أكثر من خمسين سنة.. تولى الإفتاء وهو في الحادية والعشرين من عمره وظل خمسين عاما مفتيًا، وتولى شياخة الأزهر مرتين وتركها، ولكنه ما ترك الإفتاء.

    وهذا المفتي العظيم أنشأ لجنة فتوى في القرن التاسع عشر.. وقد رجعت إلى الأصل من مائتي سنة.

    قد اتجهت بدار الإفتاء إلي المؤسسية سواء أكان من الناحية الإدارية، أم من الناحية التاريخية، أو في غيرها من هذه النواحي.

    ولذلك اتفقت مع دار الكتب المصرية أن تؤلف كتابًا عن دار الإفتاء المصرية وعن تاريخ الإفتاء في مصر ثلاثة مجلدات.. وانتهوا من المجلد الأول وصدر.. وهم الآن يعملون في المجلد الثاني.

    أما المجلد الثالث سيكون التجربة التي صارت فيها هذه الدار مؤسسة وهذه من الأشياء التي كنت أتمنى أن أراها في بلدنا بالكامل.

    ملحوظة: أهداني فضيلة المفتي نسخة من تاريخ دار الإفتاء الذي أخرجته الدار بالتعاون مع دار الكتب المصرية .

    كيف انتهيتم من هذا العمل الوثائقي الكبير ؟

    لقد أحضرنا كل السجلات الخاصة بدار الإفتاء المصرية منذ نشأتها وقمنا بتجليدها وتصويرها على جهاز الكمبيوتر.. ثم بعد ذلك أدخلناها (وورد) على الكمبيوتر من أجل أن تكون قابلة للبحث، وقمنا بإتاحة ذلك للباحثين فأخرجوا من هذا الـ(وورد) خمس رسائل دكتوراة.

    البعض يقول أن دار الإفتاء عادة تكون مع الحكومة .. فما ردكم؟

    أحضروا لنا أي فتوى وقفت مع الحكومة.. الفتاوى موجودة ومتاحة لأن لدينا شفافية لأنها مؤسسة وليست عملية شخصية.. وهي ليست مع أو ضد .. والحكومات لا تحتاج إلي فتوانا لتصنع ما تشاء.

    وقريبا ً نلتقي مع الجزء الثالث من هذا الحوار العميق مع فضيلة المفتي .. شاكرين له كرم الضيافة وحسن الاستقبال.

    الخميس الموافق:

    24-3-1433هـ

    16/2/2012م

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Mar 2011
    المشاركات
    207
    الجزء الثالث
    د/ علي جمعة : لماذا أفتينا بجواز تهنئة المسيحيين بأعيادهم؟ الجزء الثالث

    حاوره وقدم له د/ ناجح إبراهيم

    ألح علينا بعض القراء أن نسأل فضيلة المفتي د/ على جمعة عن فتاوى وقضايا بعينها أثارت جدلا ً واسعا ً في الشارع المصري حول آراء وفتاوي د/ علي جمعة .

    ما بين مؤيد ومعارض .. وبين من يرى أن هذه الآراء تواكب العصر وبين من يرى أنها تصطدم مع ثوابت الشريعة .

    وما بين من يرى أن المفتي ودار الإفتاء يصدرون فتاواهم دون ضغوط أو قيود .. وبين من يرى أن فتاوى المفتي وخاصة السياسية تجامل الحكومة وتتم دوما ً تحت ضغوط منها .

    ففتوى جواز تهنئة الأقباط بأعيادهم لاقت هجوما ً كبيرا ً من بعض التيارات الإسلامية المصرية التي تحرم ذلك .

    وفتوى جواز التعامل مع البنوك الربوية إقراضا ً واقتراضا ً.. وأخذ وردا ً أثارت أيضا ً ردود فعل سلبية لدى التيارات الإسلامية.

    يضاف إلي ذلك ما أثير في أوساط الحركات الإسلامية حول رأي فضيلة المفتي في العلامة ابن حجر العسقلاني .

    وقد حملت كل هذه التساؤلات وغيرها إلي فضيلة المفتي للإجابة عليها.. فتكرم بذلك دون حرج ولا ضيق .. بل إنه رحب بهذه الأسئلة .. لتكون إجاباتها هي الجزء الثالث من حوارنا اليوم مع فضيلة المفتي .. فإلي الحوار:

    مرحبا ً بكم فضيلة المفتي في الجزء الثالث من حوارنا ؟

    أهلا ً بكم وسهلا ً.. وشرفتم دار الإفتاء.

    البعض يردد أنكم أفتيتم بجواز أن يقوم الرجل بتدليك المرأة .. أو العكس .. أليس في هذه الفتوى جواز الاطلاع علي العورات بغير ضرورة؟

    هذا محض افتراء .. ولم أفتِ بمثل هذه الأمور.

    ينسب لكم البعض أنكم طعنتم في العلامة ابن حجر العسقلاني.. وذكرتم أنه كان يتعاطى أو يبيع الحشيش خارج المسجد ؟

    لم أقل هذا أبدًا.. ونحن نقدر لابن حجر جهوده العظيمة في خدمة السنة والإسلام والمسلمين.. فهو عالم واسع الاطلاع قوي الحفظ أفاد الإسلام بالكثير من مؤلفاته وتصانيفه.

    ما رأيكم في فوائد البنوك .. وهل هي من الربا المحرم.. أم ماذا ؟ .. وإذا كانت حلالاً.. فما هو المستند الفقهي لذلك ؟

    هذه مسألة خلافية بين العلماء.. والمسألة الخلافية عادة ما تدور حولها التساؤلات هل هذا فيه حلال أم حرام.. خصوصًا أن الفوائد البنكية على ما يجري عليه العمل الآن مختلف فيها اختلافًا ً واسعًا منذ أكثر من مائة عام.. والخلاف يجري فيها.

    كيف كان هذا الخلاف .. وما هو مستنده الفقهي؟

    بعض العلماء أكدوا على أنها حرام.. وآخرون اعتبروها ربا ومضاربة فاسدة.

    والقاعدة تقول: "إن المذاهب إذا اختلفت في شيء ما فإنه تكتنف هذا المال شبهة " .. "وتسمى شبهة المذهب" .. وشبهة المذهب يستحب الخروج منها.. ولا يجب الخروج منه.

    وما الذي يجب الخروج منه .. ولا يستحب ؟

    الذي يجب الخروج منه هو شبهة المحل.. وشبهة المحل تعني أنه عندما يأتيني طعام لا أعرف إن كان ذبح على الشريعة الإسلامية أم لم يذبح.. فيجب ألا آكل منه.

    فالخروج من شبهة المحل واجبة.. والخروج من شبهة المذهب والطريق مستحبة.

    وهل هناك آراء أخرى في فوائد البنوك؟

    بعض العلماء ذهب إلى أنها معاملة جديدة وعقد جديد غير مسمى في الفقه الإسلامي الموروث.. فاجتهـد فيه اجتهادًا جديدًا كما اجتهد فقهاء سمرقند في عقد بيع الوفاء باعتباره عقدًا جديدًا.

    وما رأيكم في هذا الاختلاف على هذه المسألة ؟

    الحاصل أن الخلاف قد وقع في تصور مسألة التعامل في البنوك ومع البنوك وفي تكييفها وفي الحكم عليها وفي الإفتاء بشأنها.

    ومن القواعد المقررة شرعًا :

    " أنه إنما يُنكَر ترك المتفق على فعله أو فعل المتفق على حرمته، ولا يُنكَر المختلف فيه، وأن الخروج من الخلاف مستحب، وأن مَن ابتلي بشيء من المختلف فيه فليقلد من أجاز".

    وماذا ينبني على هذه القواعد التي ذكرتها فضيلتكم؟

    بناء ً على ما سبق فإنه يجب على كل مسلم أن يدرك أن الربا قد حرمه الله وتعالى.. وأنه متفق على حرمته.. ويجب عليه أن يدرك أن أعمال البنوك اختلف في تصويرها، وتكييفها، والحكم عليها، والإفتاء بشأنها.

    وأن يدرك أن الخروج من الخلاف مستحب.. ومع ذلك فله أن يقلد من أجاز، ولا حرمة عليه حينئذ في التعامل مع البنك بصوره كاملة أخذًا وإعطاءً وعملاً وتعاملاً ونحوها.

    هل هناك مشكلة في الفتوى في مصر ؟.. وهل من ضوابط لها؟

    تتبعت دار الإفتاء المصرية في الفترة الأخيرة بعض الفتاوى التي صدرت مؤخرًا والتي أحدثت حالة من البلبلة لدى الرأي العام.. فوجدنا أنها لم تصدر عن شخص أو هيئة ولكنها صدرت عن بعض الناس الذين ليست لهم مؤهلات شرعية تؤهلهم للإفتاء.

    لذا فقد طالبت جميع وسائل الإعلام المرئية والمسموعة والمقروءة بضرورة وضع ميثاق شرف لضبط هذه الظاهرة والتي تصدر عن غير المتخصصين في مجال الإفتاء.

    هل تعيش مصر حالة فوضى في الفتوى الدينية ؟

    نحن لا نعيش في فوضى الفتاوى.. بل نعيش حالة من الفوضى في الخطاب الديني.. وذلك ناتج عن لجوء المواطنين إلى غير المتخصصين الذين يعتمدون المذهب الواحد عكس الأزهر الشريف الذي يعتمد في دراسته على جميع المذاهب الفقهية.

    وأيضًا دار الإفتاء المصرية التي تحرص دائماً على اختيار الآراء الوسطية المعتدلة التي تعبر عن الإسلام الذي هو دين الاعتدال والوسطية البعيد عن التطرف والتشدد بجميع أشكاله وألوانه.

    ونحن لم ولن نحاب أحدًا على حساب الدين وتاريخ الدار خير شاهد.

    لذا فأنا أدعو الجميع إلى ضرورة لجوء المواطنين إلى المتخصصين والعلماء عند الحصول على الفتاوى.

    ونحن في دار الإفتاء المصرية نرحب بأي تعاون مثمر.. فقد عقدنا أكثر من 20 بروتوكول تعاون من أجل أن تكون الفتوى صحيحة مائة بالمائة بعد عرضها على أهل التخصص في كل المجالات.

    وأخيرًا نحن بصدد الإعلان عن دار الإفتاء العالمية كل ذلك هدفه خدمة الإسلام والمسلمين.

    أفتيتم بجواز تهنئة الأقباط بأعيادهم.. في حين أن ابن تيمية حرم تهنئتهم واستدل بأدلة كثيرة منها قوله تعالى: " وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ " .. فما الدليل على رأيكم الذي ذهبتم؟

    نحن أجزنا تهنئة غير المسلمين بأعيادهم.. شريطة ‏ألا تكون بألفاظ تتعارض مع العقيدة الإسلامية.. لأن هذا الفعل يندرج تحت باب الإحسان الذي أمرنا الله عز وجل به مع الناس جميعًا دون ‏تفريق، انطلاقًا من قوله تعالى: "وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً".

    وقوله تعالى: "إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ"‎.. وكان دليلنا الذي اتكأنا عليه في هذه الفتوى النص القرآني الصريح الذي يؤكد أن الله تبارك وتعالى لم ينهنا عن بر غير المسلمين، ووصلهم، وإهدائهم، وقبول الهدية منهم، وما إلى ذلك من أشكال السير.

    فقال تعالى:

    " لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ".

    ثم إن كل الأدلة التي ساقها ابن تيمية في التحريم كلها ظنية الدلالة .. وليست قطعية الدلالة في الأمر نفسه .. وفيها عموم ولا تختص بالمسألة تحديدا ً وذلك مثل قوله تعالى " وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ "

    هل هناك بعض الضغوط علي فضيلتكم لإصدار بعض الفتاوى كما يزعم البعض؟

    لا توجد ضغوط ولم نحابِ أحدًا على حساب الشرع.. ودار الإفتاء المصرية مؤسسة راسخة منذ أن أنشئت لم يثبت أنها انحازت لغير الشرع.. وكل المفتين يشهدون بهذا.

    ونحن لدينا أكثر من 120 ألف فتوى أصدرتها دار الإفتاء المصرية منذ عام 1895 إلى يومنا هذا.. ولا توجد فتوى واحدة فيها أيدت ورسخت شيئًا تحت ضغط من أي أحد حاكمًا كان أو الحكومة.

    والحقيقة أنه لم يحدث مطلقًا على مدى 112 عامًا أي تأثير أو ضغوط على الدار أو علمائها، وإن كان الشائع غير هذا.

    ثم إن الحكام في الدول الديكتاتورية لا يحتاجون ولا ينتظرون فتوى المفتين ولا لآراء أهل الدين حتى يفعلوا ما يشاءون من مظالم أو مفاسد .
    لماذا لا يتعرض المفتي لمنكرات الحكام والوزراء ورجال الدولة ؟.. وكذلك المنكرات العامة في المجتمع ؟

    نحن بالفعل تعرضنا لمثل هذه المنكرات.. وأصدرنا فتاوى كثيرة منها حرمة توريث الحكم.. وأيضًا عدم جواز تصدير الغاز إلى إسرائيل.

    كما أصدرنا العديد من الفتاوى التي حرمت الغش والرشاوى والاحتكار كان آخرها الفتوى التي حرمنا فيها احتكار البعض لأنابيب البوتاجاز وبيعها بأسعار مضاعفة على الناس مما يثقل كواهلهم.

    كما أصدرنا فتاوى عدة عن حرمة التعذيب والتنكيل والفساد بكل أنواعه.. وقد نشرت كل هذه الفتاوى في وسائل الإعلام المرئية والمسموعة والمقروءة وتوجد أيضًا على الموقع الرسمي لدار الإفتاء المصرية.

    هل هناك نية للنظر في بعض القوانين سيئة السمعة التي صدرت في ظل النظام السابق ؟

    لسنا جهة تشريع.. وإنما المنوط بهذا الأمر المجالس التشريعية.. ولكن إذا سُئلنا سوف نجيب ولن نحابي أحدًا على حساب الشرع كما أكدت لك.. بل سنجيب بما يتفق والشرع الحنيف بما يحقق المصالح والمقاصد والمآلات.

    متى نرى الفتوى المؤسسية؟.. وهل من مشروع لتطوير عمل الفتوى في مصر؟

    هذا الأمر موجود بالفعل في دار الإفتاء.. فدار الإفتاء مؤسسة بالفعل لها فكرها المؤسسي منذ أن استقلت عن وزارة العدل في العام 2007م.

    وتمثل هذا الفكر من خلال أمانة الفتوى التي أنشأناها في دار الإفتاء المصرية.. وهي لجنة تضم الهيئة العليا لكبار علماء دار الإفتاء المصرية وهي أشبه بالمجمع الفقهي المتكامل.

    وهي تضم نخبة من علماء الشريعة الإسلامية يعاونهم فريق من الباحثين الشرعيين من قسم الأبحاث الشرعية.

    وجاء إنشاؤها نتيجة للتطور الحادث في كل مناحي الحياة، والحاجة إلى الاجتهاد الجماعي الذي هو أبعد عن الخطأ من الاجتهاد الفردي وتلبية لما أحدثته ثورة التكنولوجيا من كثرة الفتاوى التي ترد إلى الدار عن طريق الحضور الشخصي أو الاتصال الهاتفي أو عبر شبكة الإنترنت أو بالبريد أو الفاكس أو أي وسيلة أخرى.. علاوة على انتشار الفتوى من غير المتخصصين التي أحدثت كثيرًا من البلبلة بين الناس.

    هل هناك تنسيق بينكم وبين المجامع الفقهية المصرية والإسلامية خارج مصر؟

    دار الإفتاء تلتزم بما ذهبت إليه المجامع الفقهية الكبرى في العالم الإسلامي وأهمها مجمع البحوث الإسلامية الذي يوجد تنسيق دائم ومستمر بين الدار وبينه.

    كما وقعنا العديد من البروتوكولات مع العديد من الجهات المتخصصات في مجالات شتى من أجل أن يشرف على خروج الفتوى العلماء الشرعيين والعلماء المتخصصين في شتى المجالات.

    هل يتم مراجعة الفتوى بين الحين والآخر؟

    نعم.. فالفتاوى تتغير بتغير الجهات الأربع (الزمان والمكان والأحوال والأشخاص).. لأنه توجد هناك ضوابط للفتوى لا بد أن تراعى.

    وهذه الضوابط تراعي التغير في الفتوى.. وتغير الفتوى يكون بتغير هذه الجهات الأربع.. وهذا التغير يتعلق بالأحكام المبنية على الأعراف والعادات والأحكام الاجتهادية فقط .. والتي استنبطت بدليل القياس أو المصالح المرسلة أو الاستحسان أو غيرها من الأدلة الفرعية.

    هل هذا التغير له ضوابط وشروط .. أم أن الواقع يفرضه فرضا ً ؟

    موضوع التغير له شروط وقواعد وليس مجرد استجابة أو إذعان لضغط الواقع .. وإنما هو عملية تتسم بعدة صفات منها أن عملية تغير الفتوى بتغير ما هي مترتبة عليه.. حيث إنها عملية تهدف إلى إبقاء الأمور تحت حكم الشريعة وإن تغيرت صورها الظاهرة.. وهي ليست خروجًا على الشريعة واستحداثًا لأحكام جديدة.

    فالتغير في الفتوى هو تغير خاص من حيث الزمان والمكان والأشخاص والأحوال.

    تعرضتم ودار الإفتاء لهجوم كثير من أطراف عدة .. فهل تذكر بعضها ؟

    ذات مرة في إحدى المؤتمرات العلمية بالخارج قام أحد الحضور وقال: نعم دار الإفتاء تجامل الحكام وتسير في هواهم .

    فقلت له: أعطني مثالا ً واحدًا.

    فقال: الشيخ الببلاوي أعطى للملك فاروق ما يفيد بأنه من آل البيت.

    قلت له: هل كان الشيخ الببلاوي مفتيًا؟!.. الشيخ الببلاوي كان نقيبا ً للأشراف.

    وعلى فرض أنه عمل هذا.. فهل هذه فتوى؟!.. هذا خطأ .

    فقال: إن دار الإفتاء أفتت بجواز الصلح مع إسرائيل.

    فقلت له: هل هذه فتوى؟! إنها ليست فتوى.. ولا وقوف مع الحكومة أو غيرها، إنما هذه قناعات موجودة في تقويم المصالح التي تتغير بتغير الزمان والمكان والأشخاص والأحوال.. وهذا موقف سياسة مصر الحكيمة التي تولاها المرحوم أنور السادات، التي أعز بها المصريين والتي أرجع بها الأرض، والتي جعلت شعور المصريين عزيزا ً وليس منكسرًا، ومحا آثار هزيمة 67.

    نعلم أن هناك تنسيقا ً مستمرا ً بينكم وبين الأزهر الشريف .. فهل تنسقون مع بعض المؤسسات العلمية في الفتاوى التي تخصها أو تطلبون منها عرضا ً فنيا ً للمسائل محل الفتوى ؟

    نعم .. فقد قمنا- بمفهوم المؤسسية- بعمل بروتوكول بيننا وبين المرصد الفكي من أجل التنسيق بيننا في المسائل الفلكية.. وبيننا وبين جامعة عين شمس برتوكول أيضًا،.

    ونفس الأمر بيننا وبين البنك المركزي من أجل المسائل الاقتصادية.. وبيننا وبين المركز القومي للبحوث من أجل المسائل الأخلاقية المتعلقة بالعلم.

    وذلك من أجل أننا عندما نفتي في مسائل تتعلق بالكيمياء أو غيرها لا بد علينا من معرفة الشيء، مثل هل هذه خمر أم لا، أم هذا يحل أو لا يحل.. لقد قمنا بعمل بروتوكولات كثيرة جدًّا بالداخل والخارج من أجل أداء هذا المعنى وهو الاستعانة بالتخصصات المختلفة.

    ما هي أحدث الإضافات التي أضفتموها إلي دار الإفتاء ؟

    لقد أنشأنا إدارة جديدة وهي إدارة الحساب الشرعي.. وهذه الإدارة تضم تخصصات فلكية، وتخصصات للفرز والتقسيم، وتخصصات في الأوقاف، وتخصصات في الزكاة، وتخصصات في اقتصاديات التنمية.

    وهكذا ينتهي الجزء الثالث من حوارنا الفقهي مع فضيلة المفتي د/ على جمعة مع وعد باللقاء قريبا ً بإذن الله مع الجزء الرابع من هذا الحوار .

    الثلاثاء الموافق

    29-3-1433هـ

    21-2-2012م

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •