بسم الله الرحمن الرحيم
نجد أحياناً الكثير من السلفية الوهابية يشبِّه ما لقيه الشيخ ابن تيمية من تعزير الحاكم له وفتاوى علماء الدين فيه بما لقيه الانبياء والرسل عليهم السلام من صنوف الابتلاء وعداوة الناس، ليتوهم السامع بذلك أن ابن تيمية كان على الحق في مخالفته جمهور أهل السنة والجماعة في معظم ما كتبه في مسائل العقيدة . وأن مصيره الذي لقيه كان بسبب حسد العلماء له كما يزعم المجسمة في هذا الزمن.
ونحن نقول لأمثال هؤلاء إن الذين كانوا في زمن ابن تيمية كانوا أكابر العلماء وأكرمهم عند الناس والسلاطين الذين كانوا يحكمون بكتاب الله ويهتمون لأمر الاسلام، كأمثال الامام تقي الدين السبكي وابن الزملكان وغيرهما، الذين لم يكونوا ليلتفتوا الى امثال ابن تيمية لولا واجبهم في حفظ عقيدة العامة من تشغيبات هذا الرجل الذي لم يكن لكلامه رواج الا عند العوام كما يلاحظ ذلك بوضوح كل من يقرأ في التاريخ عما يتعلق بابن تيمية. بينما الذين ردّوا على ابن تيمية وكشفوا أباطيله لهم رفعة المقام والشهرة بين علماء الاسلام شرقاً وغرباً في ذلك الوقت. فكيف يتصور عاقل أن من كان في مقام السبكي مثلاً كان حاسداً لابن تيمية؟ هذا طعن صريح في علماء المسلمين وتقواهم وافتراء عليهم وتشكيك في نواياهم في سبيل الانتصار الى الرأي.
بل إن علماء الاصول ناظروا ابن تيمية وألزموه الحجة، ثم لما أصر ابن تيمية على ضلاله كان لا بد للحاكم أن يسجنه ليحفظ وحدة المسلمين في عقيدتهم. ويلاحظ في كتب التاريخ أن ابن تيمية عندما كان يحاقق كان يعمد الى اسلوب الخطابة والتهرب من الاجابة الصريحة.
وسعياً الى وحدة المسلمين، فإنه ينبغي أن لا يعننيا تاريخ ابن تيمية المشكل في تشغيبه على العلماء والعامة بقدر ما يعنينا منه عقيدته المتفشية بين فئة من الناس هم أقلية في المسلمين يحاولون فرضها على جمهور المسلمين مما يؤدي الى تبديد انسجامهم العقدي وزرع الكراهة والفرقة والبغضاء بينهم، وبقدر ما يعنينا كذلك كتبه التي بين أيدينا التي تتعارض نصوصها مع كل من يزعم ان ابن تيمية وافق أهل السنة فضلاً عمن يجعله شيخاً للإسلام.
فخلاف علماء الاسلام قديماً وحديثاً مع ابن تيمية ليس خلافاً شخصياً أو مسألة تاريخية حتى يدعي البعض أن سبب الخلاف هو الحسد والحقد. وإلا لصح لنا أيضاً أن نزعم أن ابن تيمية هو من كان يحسد العلماء ويحقد عليهم كما هو واضح من طريقته في عرض كلامهم وتحريف مرادهم في كتبه للتشنيع عليهم وتنفير الناس منهم وكذلك تضليل بعضهم وتكفيره وافتراء أنه أشرك وعبد الاوثان وهذا زور وبهتان منه- كما فعل مع إمام أهل زمانه فخر الدين الرازي رحمه الله تعالى.
فكما أن علماء الكلام من أهل السنة ردوا على ابن تيمية وناظروه وضللوه في اعتقاده وأظهروا خطأه للناس فإن ابن تيمية أيضاً قد كان شغله الشاغل الرد عليهم وتضليل أئمتهم واتهام بعض أعيانهم بالكفر والشرك كما فعل مع الرازي وبعض أئمة أهل السنة الاشاعرة، فإذا كان الرد على المخالف يلزم عنه كون الراد حاسداً وحاقداً، فلم لا يكون ابن تيمية هو الذي أضمر لعلماء أهل السنة الاشاعرة الحقد والحسد؟
بناء على ذلك فالخلاف مع ابن تيمية ليس لشخصه بل هو لمحض ما كان يقوله في كتبه ويشيعه بين عوام المسلمين.
وطالما أن العلماء يتتبعون أقواله ويدققون في كلامه وكتبه لتمحيصها ونقدها نقداً موضوعياً، فلا يهمنا بعد ذلك تهويلات المخالف ولمزه للعلماء الرادين على ابن تيمية واتهامهم بالحقد والحسد، فكل ذلك ليس بشيء ولا قيمة له في البحث العلمي.
وحتى يكون البحث علمياً ندعوا المتحمسين لابن تيمية للنظر في كتبه هو نفسه وأقواله هو نفسه ومن ثم عرضها على الكتاب والسنة واجماع المسلمين حيث لا يخالف شيء من ذلك نظر العقل الصحيح، لأن الدين الاسلامي متوافق مع العقل ولا يعارضه لأنه دين صحيح في نفس الامر مطابق للواقع. وذلك بدلاً من اتباع العاطفة والتأئر بهتاف المتحمسين أو سخط الساخطين. عند ذلك فقط يمكن أن نصل الى نقاط مشتركة في البحث، وليس ضرورياً بعد ذلك اختفاء الاعتقاد الباطل بالكلية بل يكفي أن يظهر الحق لجمهور المسلمين ليلتئم شملهم وتتحد كلمتهم، ويكفي أن ينزوي الفكر الباطل وينحصر ويتضح بطلانه لعامة المسلمين.
وأخيراً نقول أن الرد على المخالفين هو من مقاصد علم أصول الدين المسمى أيضاً بعلم الكلام، والهدف منه هو حفظ العقيدة الاسلامية من التشويه والتحريف، فلذلك فإن الرد على من يخالف هذه العقيدة إنما يتناول أفكار المخالف لا شخصه، ورد العلماء على ابن تيمية انما هو لكلامه لا لشخصه وان تناول ذلك بعض شخصه فإن هذا قد يكون بسبب شناعة بعض الافكار التي تُنسب اليه، ولا ينبغي أن يقال بأن العلماء حسدوه، فإن هؤلاء العلماء الذين يتهمهم السلفية الوهابية إنما هم علماء الدين ونبراس الأمة الذين نقولوا لنا الشرع الحنيف، وليسوا رعاع الناس كما يصورهم أتباع ابن تيمية للعوام.




رد مع اقتباس