رسالة إلى كل أب يأبى على ابنته تغطية وجهها
بسم الله الرحمن الرحيم
والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:
فهذه الرسالة كتبتها بلسان بعض البنات اللاتي يأبى آباؤهم عليهم أن يتحلين بالستر، وقد كنت كتبتها موجهة للأمهات أولا، ثم طلب مني البعض أن أجعلها للآباء ففعلت ذلك:
بسم الله الرحمن الرحيم
السيدة فاطمة عليها السلام -يا أبتي- هي قدوتي، وهي من أريد أن أحشرَ معها، وأكونَ من أول من يكسى معها يوم القيامة، ولكن أنى لي ذلك وأنا لم أسِر على خطاها..
خطا الستر والعفاف، خطا الترفع عن الدنيا وزينتها ابتغاء رضوان الله..
فها أنا أعقدُ العزمَ على الاقتداءِ بها، وأبدأُ في السير بهذا الطريق، فكن عونا لي على الدنيا وفِتنها، ولا تكن عونا علي..
أبتاه، كم سهرتُ من ليالٍ ابتغاء النجاح في امتحان الدنيا، ومنعتُ نفسي من ملذات، وجاهدتها على ذلك، وأعنتني أنت، وشجعتني، ثم فرحتَ بتميزي بين الناس ونجاحي، وتفاخرتَ به بين أصحابك..
فما بالك اليوم تمنعني من المجاهدة في سبيل النجاح بامتحان الآخرة، تحزن لتميزي بديني بين الناس، تمنعني من الفوز بمنزلة ظل عرش الرحمن، التي ينالها شابٌ نشأ في عبادة الله، هذه المنزلةُ العظيمة التي لا تُنال بالأماني، بل بالقبض على الدين، والتمسك به، والشعور بالغربة بين أناس انغمسوا في الدنيا، واغتروا بها، فصارت أكبر همهم، ومبلغ علمهم..
أأحزنك قولهم بأني بت غريبة بلباسي، وأفعالي، واهتماماتي؟!
فلا تحزن يا أبتاه..
لا تحزن عندما ترى أقراني متلفعات بالزينة، مغترات بشبابهن، يشغلن باطنهن بالاهتمام بنظرات الناس من حولهن، يعشن أوهاما بعد كل نظرة رجل يشعرن بها قد وقعت عليهن، يسعين لسراب الشهرة والتميز بالجمال، نسين أنهن مسلمات، فاستسلمن للمجتمع والأهواء بدل استسلامهن لأوامر الله.. ثم تراني متلفعة بالستر، وما سترتُ جسدي بالجلباب الواسع إلا عملا بأمر الله تعالى: (يأيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن، ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين) ليعرف الجميع أني هذه الإنسانة العفيفة، فلا يطمع بي رجل، ولتترفع اهتماماتي عن الانشغال باختيار الثياب والألوان سعيا لنيل إعجاب الناس، لأني لا أهتم بغير رضا الله..
و ما اخترت الجلباب الخالي من الزينة إلا عملا بقول الله تعالى: (ولا يبدين زينتهن) لئلا أُلفت أنظارهم نحوي، فأحمل إثمهم يوم القيامة بخروجي من بيتي دون التزامي بأمر ربي..
وما سترت الوجه الذي فيه تجتمع المحاسن إلا منعا لوقوع أعين الرجال علي، فينشغل قلبي بالأوهام أن قد أعجبوا بي فيتكدر، أو أتسبب في انشغال قلب رجل، حين تركت مكاني و زاحمته في مكانه خارج البيت..
فلا تحزن يا أبي حين ترى ذلك، بل افخر بابنتك التي لم تستسلم لأهوائها، وشهواتها، بل استسلمت لله وحده، فكانت مسلمة حقا، وهانت عليها الصعاب في سبيل إرضاء ربها..
وأي صعاب هذه التي ستواجهها؟!
يقولون: إن ستر وجهك سيعيقك عن الذهاب للمطاعم، واجتماعات الأهل المختلطة، ولو ذهبتِ فستبدين شاذةً غريبة، ولن ترتاحي أو تريحي غيرك..
فأقول: وهل أترك أمر ربي، لطعام سآكله، أو اجتماع سأحضره!!
إن الصعب عندي أن أجلس في أماكنَ يجتمعُ فيها النساءُ مع الرجال، كاشفاتٍ عن وجوههن، وقد كان الصحابيات رضوان الله عليهن كلما مر بهن ركب من الرجال أسدلن على وجوههن الستر، وذلك في الحج فكيف بغيره؟!
وهذا بالمرور، فكيف بالجلوس الذي يتلوه الكلام والضحك وغيره؟!
ثم لا تخرج القلوب من هذه المجالس إلا غافلة، مظلمة، نافرة نفرة خفية ممن شاركها المعصية، وهذه نفرة الدنيا، فكيف بالتبري يوم القيامة..؟!
فلا والله يا أبتي لا أرى النقاب يعيقني إلا عما لا خير لي فيه، لكنه يمنعني مما فيه الشر، ويقيني منه، لا سيما في زمننا هذا زمن الفتن، الذي اتفق أئمة المذاهب على وجوب النقاب فيه، والبعد عن الرجال ما أمكن..
فلا تخف يا أبتي على ابنتك التي اختارت طريق الله، و اختارت أن تحيي خَصلة تُحارَب من قِبلِ أعداء الله، فلن يخذلَها الله، ولن يتركَها، بل سييسِرَ أمورها، ويكونَ معها، ومن كان اللهُ معه فلن يَضُرَّه أن عاداه الناسُ جميعا..
بل أنا التي أخاف عليك يا أبتي.. أخاف عليك من سؤال النبي صلى الله عليه وسلم غدا: لم منعتَ ابنتك من الاقتداء ببناتي وزوجاتي أمهات المؤمنين؟!
لم أمرت زوجتك وبناتك بالاختلاط بالأقارب غير المحارم، وقد بلغك من سنتي قولي: (الحمو الموت)؟!
لم سمحت لابنتك بالخروج من البيت متبرجة مظهرة زينتها، ولم تنهها، وأبحت للرجال النظر إليها، ولم تغر عليها، وأنت الراعي المسؤول عن رعيتك؟!
فكيف سيكون حالك، وماذا سيكون جوابك؟!
لكني بإذن الله لن أرضى بوقوفِك هذا الموقف، بل سأسعى لنقف معا أعز موقف، تفخر بي، وأفخر بك، في يوم يفر المرء فيه من أبيه وأمه وأخيه..
فلنشد على أيدي بعضنا للثبات على هذا الدين الذي عاد غريبا كما بدأ، مننتظرين بشارة سيدنا وحبيبنا محمد صلى الله عليه وسلم: (طوبى للغرباء)..
ما مصائب الدنيا إلا جرح سرعان ما يلتئم، فإما أن يلتئم على أجر من الصبر، وإما على وزر..
فكل مصيبة في غير الدين هينة، أما المصيبة فيه فذاك الجرح الذي لا يلتئم..
فكيف بمن أوتي علما ودينا فنبذه وراء ظهره واختار جرح نفسه بيديه؟!