الطريقة والاستخلاف: الضبط الشرعي لمفهوم الطريقه فى التصوف الاستخلافي(3)
د. صبري محمد خليل / أستاذ فلسفه القيم الاسلاميه في جامعه الخرطوم
Sabri.m.khalil@gmail.com
الضبط الشرعي لمفهوم الحب الالهى: كما يقوم التصوف الاستخلافي وكذا مفهوم الطريقة طبقا لتعريفه له على الضبط الشرعى لمفهوم الحب الالهى . فحب الله تعالى الذي عبر عنه الصوفية بمصطلحات الجذب او الحب او العشق... الالهى- هو احد أنماط الحبالانسانى المتعددة وأعلاها درجة. وقد أشارت إليه العديد من النصوص ومنها قوله تعالى( فسَوْفَ يَأْتي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبّونَهُ ). والحب الإلهي يختلف عن الأنماط الأخرى للحب الإنساني فى كون موضوعه الخالق وليس المخلوق. وهو مرتبط بالغائية التي مضمونها اتخاذ الله تعالى وحده غاية مطلقة ، واتخاذ صفات الوهيته ما دل على كونه تعالى غايه مطلقه قيم مثل عليا مطلقة يسعى الإنسان لتحقيقها في الأرض اى في واقعة المحدود زمانا ومكانا، دون ان تتوفر له إمكانية التحقيق النهائي لها لذا تمد الذات بإمكانيات غير محدوده للترقى الروحى ولا يكون ذلك بإلغاء تصور الإنسان للقيم للمثل العليا- المحدودة زمانا ومكانا، بل بتحديده باتخاذ مقتضى صفات الألوهية ضوابط موضوعية مطلقة له . وهى متضمنه فى قاعده احصاء اسماء الله الحسنى ، التى اشارت اليها النصوص، كقوله (صلى الله عليه وسلم) (إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمَا مِائَةً إِلاَّ وَاحِدًا مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ(، والمقصود باحصائها معرفتها على المستوى المعرفى الذاتى والعمل بمقتضاها -على المستوى السلوكى الموضوعى- ينقل ابن حجر في الفتح (ولكن معنى ذلك: أولاً: الإحاطة بها لفظاً. ثانياً: فهمها معناها. ثالثاً: العمل بمقتضاها). غير انه يجب التمييز بين كيفيتان لإحصاء أسماء الله الحسنى،استنادا الى التمييز بين اظهار صفات الالوهية وإظهار صفات الربوبية ، الكيفية موضوع البحث هنا العمل بمقتضى صفات الألوهية ، على الوجه المشار اليه اعلاه ، يقول ابن القيم: (لما كان سبحانه يحبّ أسماءه وصفاته: كان أحبّ الخلق إليه من اتصف بالصفات التي يحبها، وأبغضهم إليه: من اتصف بالصفات التي يكرههاوهذا خلاف ما تقدم من الصفات كالعلم والعدل والرحمة والإحسان والصبر والشكر، فإنّها لا تنافي العبودية، بل اتصاف العبد بها من كمال عبوديته، إذ المتصف بها من العبيد لم يتعد طوره، ولم يخرج بها من دائرة العبودية)(طريق الهجرتين: ج1/ ص219 ). والحب الالهى اى حب الله تعالى لا يلغى الأنماط الأخرى للحب الانسانى، بل يحدده كما يحدد الكل الجزء فيكمله ويغنيه ولكن لا يلغيه ، بدليل اشاره النصوص إلى الأنماط المتعددة للحب الانسانى،والنصوص لم تنكر هذه الأنماط المتعددة للحب- لأنها ميل طبيعي ولكنها أنكرت تقديمها على الحب الالهى، قال تعالى(قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ(.
الضبط الشرعي لمراتب الولاية: كما يقوم التصوف الاستخلافي وكذا مفهوم الطريقة طبقا لتعريفه له على الضبط الشرعى لمفهوم الولاية . فقد اثبت أهل السنة بمذاهبهم المتعددة الولاية استنادا إلى ثبوتها بنصوص يقينية الورود قطعيه الدلالة كقوله تعالى ( أَلا إِنَّ أَوْلِيَاء اللّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ ، الَّذِينَ آمَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ ، لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَياةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ ، لاَ تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ) (يونس:62-64 )، يقول ابن تيميه ( ومن أصول أهل السنة : التصديق بكرامات الأولياء )( مجموع الفتاوى : ج3/ ص156 ). واختار الفكر الصوفي الاسلامى بيان مراتب هذه الولاية ودرجاتها،وعبر عن هذه المراتب بمصطلحات كالأقطاب والابدال والاوتاد والنقباء والنجباء غير أن إثبات أو نفى هذه المراتب ، ظل محل خلاف في الفكر الاسلامى بين مذاهب متعددة:
اولا:مذهب الإثبات: فهناك المذهب الذي يثبت هذه المراتب والدرجات، استدلالا ببعض النصوص، واحتجاجا بأقوال بعض العلماء، كما يفصل هذه المرتب و الدرجات ويبين خصائصها :فقد استدل هذا المذهب ببعض النصوص، ومنها : روى الطبراني في الأوسط عن انس (رضي الله عنه ) قال : قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) (لن تخلو الأرض من أربعين رجلا مثل خليل الرحمن , فيهم يسقون , وبهم ينصرون , ما مات منهم احد الا أبدل الله مكانه آخر) ( قال الحافظ ابو الحسن الهيثمى في" مجمع الزوائد " إسناده حسن(.
ثانيا:مذهب النفي : وهناك المذهب الذي ينفى هذه المراتب والدرجات ، ويرى أنها لا أصل لها في الشرع ، وأنها تستند إلى مفاهيم بدعية ( كالحلول والاتحاد ووحده الوجود ) ،كما يستند هذا المذهب إلى تشكيك بعض علماء أهل السنة فى صحه النصوص الواردة فيها .
ثالثا: مذهب الإثبات المقيد: وهو المذهب الذى يتسق مع التصوف الاستخلافي وكذا مفهوم الطريقه طبقا لتعريفه له ومضمونه الاستناد الى موقف يتجاوز موقفي الإثبات المطلق والنفي المطلق ، ويلتزم بموقف قائم على إثبات هذه المراتب والدرجات ، في حال اتساقها أو عدم تعارضها- مع مفاهيم وقيم وقواعد الدين الكلية ، ونفى هذه المراتب والدرجات في حال تعارضها مع هذه المفاهيم والقيم والقواعد .
من الإجمال إلى التفصيل : فهذا الموقف يتجاوز مذهب الإجمال اى المذهب الذي يضع حكما كليا بالرفض أو القبول لهذه المراتب والدرجات، إلى المذهب التفصيل اى المذهب الذي يميز بين الكيفيات المتعددة لهذه المراتب والدرجات:الكيفية الأولى : الاستناد إلى المفاهيم الأجنبية ( المرفوضة) : فهناك الكيفية التي تستند إلى مفاهيم ونظريات ذات مصدر أجنبي ، تتعارض مع الإسلام كدين كالحلول والاتحاد ووحده الوجود، وهذه الكيفية مرفوضة من أعلام التصوف المعتبرين، لأنهم رفضوا هذه المفاهيم والنظريات الأجنبية كما ذكرنا اعلاه. الكيفية الثانية: الاستناد إلى مفاهيم وقيم وقواعد الدين(المقبولة) : وهناك الكيفية التي تستند إلى المفاهيم والقيم والقواعد الكلية للدين ، والفهم الصحيح للدين ، كما قرره السلف الصالح وعلماء أهل السنة ، وهذه الكيفية مقبولة .
الموقف الحقيقي للإمام ابن تيمية من مراتب الولايه: القراءة المتأنية لأقواله تبين أن موقفه من هذه المراتب والدرجات يتجاوز موقفي الإثبات المطلق لكل كيفيات هذه المراتب والدرجات، أو النفي المطلق لكل كيفياتها ، إلى موقف قائم على نفى كيفية معينة لهذه المراتب والدرجات ، لأنها تتعارض مع الشرع ، واثبات كيفيه أخرى لها لأنها تتفق مع الشرع . فهو يقرر أولا أن هذه الأسماء لا توجد عند السلف طبقا للترتيب الشائع لها ولا هي مأثورة عن المشايخ المقبولين طبقا للترتيب والمعاني الشائعة لها ،و يرفض ابن تيميه اسم الغوث والغياث. إما اسم الأوتاد فيقبله ابن تيمية لكن بمعنى معين هو: من يثبت الله به الإيمان والدين دون حصره بعدد معين، حيث يقول(وأما الأوتاد فقد يوجد فى كلام البعض أنه يقول : فلان من الأوتاد ، يعني بذلك أن الله تعالى يثبت به الإيمان والدين فى قلوب من يهديهم الله به ، كما يثبت الأرض بأوتادها ، وهذا المعنى ثابت لكل من كان بهذه الصفة من العلماء ، فكل من حصل به تثبيت العلم والإيمان في جمهور الناس كان بمنزلة الأوتاد العظيمة .. وليس ذلك محصورا في أربعة ولا أقل ولا أكثر ... ). كما لا يرفض ابن تيميه اسم القطب بمعنى كل من دار عليه آمر من أمور الدين والدنيا دون حصره في عدد معين(وأما القطب فيوجد أيضا فى كلامهم ... فكل من دار عليه أمر من أمور الدين أو الدنيا باطنا أو ظاهرا فهو قطب ذلك الأمر ومداره ، ولا اختصاص لهذا المعنى بسبعة ولا أقل ولا أكثر ...) . كما لا يرفض اسم البدل بمعانيه التي لا تتعارض مع الشرع مع عدم حصره في عدد معين ، حيث يقول (والذين تكلموا باسم " البدل " فسروه بمعان ، منها : أنهم أبدال الأنبياء ، ومنها : أنه كلما مات منهم رجل أبدل الله تعالى مكانه رجلا ، ومنها : أنهم أبدلوا السيئات من أخلاقهم وأعمالهم وعقائدهم بحسنات ، وهذه الصفات كلها لا تختص بأربعين ، ولا بأقل ولا بأكثر ، ولا تحصر بأهل بقعة من الأرض ) ( مجموع فتاوى ابن تيمية :11/433-444(
درجات للترقي القيمى الروحي وليست درجات للوجود: بناء على ما سبق فانه يمكن القول أن مضمون مراتب ودرجات الولاية هي أنها درجات للترقي الروحي القيمى للإنسان (كما تقرر الكيفية الثانية المقبولة )،وليست درجات للوجود (كما تقرر الكيفية الأولى )،فهي درجات لتحديد لحركة الإنسان بما هي فعل غائي بفعل مطلق الربوبية وغاية مطلقه الألوهية أو درجات للكدح إلى الله تعالى بالتعبير القرآني ،اى هي درجات للعبودية والعبادة ، وليست إلغاء لتوحيد الربوبية والألوهية. كما أنها درجات للصلاح : (وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقاً) (النساء).
مراتب الولاية لا تفيد القطع إلا بورود نص : ومراتب الولاية في الكيفية الثانية المقبولة لا تفيد القطع إلا في حالة وجود نص يفيد ذلك ، كما هو الحال عند الأنبياء (عليهم السلام ) والرسول (صلى الله عليه وسلم )الصحابة( رضي الله عنهم)، لأنه لا يمكن القطع بدخول احد سواهم الجنة أو النار ما لم يرد نص يفيد ذلك . قال الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) (إن الرجل ليعمل الزمن الطويل بعمل أهل الجنة، ثم يختم له بعمل أهل النار، وإن الرجل ليعمل الزمن الطويل بعمل أهل النار، ثم يختم له بعمل أهل الجنة) ( رواه الشيخان من حديث ابن مسعود)
الضبط الشرعي لمفهوم الولاية والتمييز بين الولاية الخاصة والعامة : وقبول مراتب ودرجات الولاية في الكيفية الثانية مشروط بالالتزام بالضبط الشرعي لمفهوم الولاية ، والتمييز بين الولاية الخاصة والولاية العامة، فالولاية لغة : لها معنيان: المعنى الأول القرب ( معجم مقاييس اللغة : 6/141) . والمعنى الثاني النصرة ( مفردات ألفاظ القرآن ، للراغب الأصفهاني ، ص 885).الولاية اصطلاحا: علاقة مضمونها القرب والنصرة، بين طرفين هما العبد وربه، فهي من جهة العبد التزام بشروطها الذاتية (التي عبر القران عن جملتها بالأيمان)، والموضوعية(التي عبر القران عن جملتها بالتقوى)، ومن جهة الله تعالى وعد بنفي الخوف والحزن،والبشرى في الدنيا والاخره. قال تعالى( أَلا إنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ * لَهُمُ البُشْرَى فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ لا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الفَوْزُ العَظِيمُ ) [يونس : 62 64] .
أقسام الولاية: وللولاية قسمان:القسم الاول: ولاية خاصة: وهى علاقة قرب ونصره بين الله تعالى وفرد معين ، وهذا القسم من أقسام الولايه يكون بواسطة الوحي، و يستلزم العصمة، وهو مقصور على الأنبياء والرسل، وبالتالي فإنه بختم النبوة وانقطاع الوحي بوفاة الرسول (صلى الله عليه وسلم) انتهى هذا القسم من أقسام الولاية.القسم الثانى: ولاية عامة: وهى علاقة قرب ونصره بين الله تعالى ومن التزم بشروط الولاية(الذاتية والموضوعية) بدون تعيين، لعموم الخطاب القرآني إلى الالتزام بشروط الولاية (الإيمان والتقوى) ،يقول ابن كثير في تفسير الآية ( يُخْبِر تَعَالَى أَنَّ أَوْلِيَاءَهُ هُمْ الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ كَمَا فَسَّرَهُمْ رَبّهمْ فَكُلّ مَنْ كَانَ تَقِيًّا كَانَ لِلَّهِ وَلِيًّا). وهذا القسم من أقسام الولايه لا يكون بواسطة الوحي ، بل بالالتزام بالوحي .ولا يستلزم العصمة إنما العدالة . لان الوحي والعصمة مقصوران على الرسل والأنبياء. وتتفاوت درجات الولاية العامة. مع اختصاص الصحابة(رضي الله عنهم) فى الامه المحمدية بأعلى هذه الدرجات لقربهم من الرسول(ص)،ولشهادة القران لهم بالولاية.بناء على ما سبق فان المقصود بمراتب الولاية بعد وفاة الرسول )(صلى الله عليه وسلم ) وختم النبوة مراتب الولايه العامة، وليس مراتب الولاية الخاصة المقصورة على الأنبياء (عليهم السلام)،ويترتب على هذا انه لا يجوز المساواة في الدرجة، بين من نال اى مرتبة من مراتب الولاية العامة ، بعد وفاة الرسول (صلى الله عليه وسلم ) والأنبياء لان لهم درجة الولاية الخاصة ، كما لا يجوز المساواة بينه وبين الصحابة (رضي الله عنهم ) ، لان لهم الدرجات العليا للولاية العامة. وتنقسم الولاية العامه إلى قسمين :الأول :ولاية تكليفية :متصلة بالالتزام بمفاهيم وقيم وقواعد الوحي الكلية ، والاجتهاد في المفاهيم والقيم والقواعد الجزئية،وتتضمن المجددين والعلماء بالدين.الثاني:ولاية تكوينية: وتتصل بالالتزام بالسنن الالهيه التي تضبط حركه الوجود الشهادى، الشامل للوجود الاستخلافي الانسانى والتسخيرى الطبيعي ، وتتضمن الحكام العادلين وزعماء الأمة عبر التاريخ الاسلامى
الاثبات المقيد تكليفيا وتكوينيا للكرامات: ويقوم التصوف الاستخلافى وكذا مفهوم الطريقة طبقا لتعريفه له على:اولا: الاثبات المقيد للكرامه، تكليفيا (بالالتزام بمفاهيم وقيم وقواعد وحى الكليه) ، وتكوينيا (اى انها تتحقق دون انقطاع اضطراد السنن الالهيه التى تضبط حركه الوجود ،والغاء السببية اى علاقة التلازم بين السبب والمسبب). ثانيا: رفض الاثبات المطلق لها ، الذى لا يقيدها تكليفيا ( بعدم الالتزام بهذه المفاهيم والقيم والقواعد ")، او تكوينيا ( اى يمكن أن تتحقق بانقطاع اضطراد هذه السنن الالهيه ، والغاء السببية( .
مذاهب تفسير الكرامه عند أهل السنة: فقد أثبت أهل السنة بفرقهم المختلفة كرامات الأولياء ، غير أن هناك مذهبين في إثباتها، و بالتالي تفسيرها:
الأول:مذهب الإثبات المطلق:وهو المذهب الذى يتعارض مع التصوف الاستخلافي وكذا مفهوم الطريقه طبقا لتعريفه له ومضمونه إثبات الكرامة دون تقييد مضمونها تكليفيا وتكوينيا ، على الوجه المشار اليه اعلاه . وقد عبر أصحاب هذا التفسير عن الأخير- اى عدم تقييدها تكوينيا- بتعريف الكرامة بأنها " خرق للعادة "، والمقصود بالعادة عند أصحاب هذا التفسير العادة المضطرة اى السنن الالهيه. غير أن هذا التفسير لا يوضح الفرق بين الكرامة والمعجزة، لذا رفضه عدد من متأخري الأشاعرة و المتصوفة منهم السبكي القائل (معاذ الله أن يتحدى نبي بكرامه تكررت على ولي، بل لا بد أن يأتي النبي بما لا يوقعه الله على يد الولي، و إن جاز وقوعه فليس كل جائز في قضايا العقول واقعا . و لما كانت مرتبة النبي أعلى و أرفع من مرتبة الولي ، كان الولي ممنوعا مما يأتي به النبي على الإعجاز و التحدي، أدبا مع النبي )( طبقات الشافعية، ج 2، ص 320 (.
الثاني:مذهب الإثبات المقيد: وهو المذهب الذى يتسق مع التصوف الاستخلافي وكذا مفهوم الطريقه طبقا لتعريفه له ومضمونه إثبات الكرامة مع تقييد مضمونها تكليفيا وتكوينيا على الوجه المشار اليه أعلاه ،ويترتب على الاخير اى التقييد التكويني للكرامة- ان الكرامة فى هذا المذهب هي تكريم الله تعالى لشخص صالح، فيمنحه قدرة تفوق قدرة تفوق قدره غيره من أشخاص عاديين، دون انقطاع باضطراد السنن الالهيه التي تضبط حركه الوجود،ودون إلغاء السببية ، اى دون إلغاء علاقة التلازم بين السبب والمسبب- فهي ظهور صفاتي وليس ذاتي "كما في المعجزة" للفعل الالهى المطلق - يقول الإسفرائيني (إن الكرامة لا تبلغ مبلغ خرق العادة ، وإنما هي إجابة دعوة أو موافاة ماء في غير موقع المياه أو ما ضاهي ذلك، وكل ما جاز معجزة لنبي لم يجز كرامة لولي)( الموافقات، ص25) ، وهو يقارب رأى عدد من العلماء الذين فرقوا بين الكرامة والمعجزة بان ما جاز معجزة لنبي لا يجوز كرامة لولى ، يقول الإمام النووي (... قال وصار بعض أصحابنا إلي أن ما وقع معجزة للنبي لا يجوز تقدير وقوعه كرامة لولي فيمتنع عند هؤلاء أن ينفلق البحر وينقلب العصا ثعبان ويحي الموتى إلي غير ذلك من آيات الأنبياء كرامة لولي )( الإمام النووي، بستان العارفين، ص 30.)، ورفض أبو محمد بن أبي زيد المالكي الكرامة طبقا للتفسير الأول إلا بشرط حدوثها في المنام , وتبعه في هذا الرأي عددا من العلماء منهم أبا الحسن علي القابسي ،وأبا جعفر أحمد الداودي ، وجوز الإمام ابن حزم من أهل الظاهر الكرامة طبقا للتفسير الأول في حياة الرسول أما بعد موته صلى الله عليه وسلم فيرى انه لا سبيل إلى شيء من هذا (الأصول والفروع،دار الكتب العلمية،بيروت،1984.)، وطبقا لهذا التفسير يجوز الأخذ بالتعريف الكرامة بأنها"خرق للعادة"، بشرط أن يكون المقصود بالعادة ما اعتاد عليه الناس لا العادة المضطردة، ورد في شرح العقيدة الطحاوية (فالمعجزة في اللغة كل أمر خارق للعادة ،وكذلك الكرامة في عرف الأئمة أهل العلم المتقدمين، ولكن كثير من المتأخرين يفرقون في اللفظ بينهما...وجماعها الأمر الخارق للعادة...وإنما ينال من تلك الثلاثة بقدر ما يعطيه الله ،ويعلمه ما علمه الله إياه، ويستغني عما أغناه الله ،ويقدر على ما اقدره الله عليه من الأمور المخالفة للعادة المضطردة أو لعاده اغلب الناس ،فجميع المعجزات والكرامات لا تخرج عن هذه الأنواع )( شرح العقيدة الطحاوية ،مكتبه الدعوة الاسلاميه،القاهرة،ص 499.)، ونحن إذ نرجح التفسير الثاني ، فإننا نرى انه بفرض صحة التفسير الأول، فإنه لا يجوز القول به بعد ختم النبوة ،ونستأنس هنا بموقف الإمام ابن حزم السابق ذكره .
إمكانيات النفس: ويقرر التصوف الاستخلافي- وكذا مفهوم الطريقة طبقا لتعريفه له- امكانيات النفس التى أشار إليها القرآن الكريم .وأنها إمكانيات متاحة للجميع ، لكن تحققها مقصور على البعض فقط ، ممن بذل الجهد اللازم للانتقال من الامكانيه إلى التحقق. وهى:أولًا: النفس السوية الملهمة: وردت الاشاره إليها في قوله تعالى﴿ وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا ﴾ (الشمس: 7، 8)، وهى امكانيه فعل الخير والشر، التي تتوافر للنفس البشريه منذ أن خلقها الله تعالى ،قال الفراء( فَأَلْهَمَهَا عرَّفَها طريق الخير، وطريق الشر).ثانيًا: النفس الأمَّارة بالسوء(امكانيه حث النفس لذاتها على فعل الشر):وردت الاشاره إليها في قوله تعالى﴿ وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي ﴾ (يوسف: 53)،وهى امكانيه متعلقة بحث النفس لذاتها على فعل الشر.ثالثًا: النفس اللوامة(امكانيه لوم النفس لذاتها عند فعلها الشر): وردت الاشاره إليها في قوله تعالى ﴿ وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ ﴾ (القيامة: 2)، وهى امكانيه متصلة بلوم النفس لذاتها عند فعلها للشر،مما يمهد الطريق أمام رجوعها عن فعل الشر. لذا عرفه الجرجاني بأنها النفس التي كلما صدرت عنها سيئة، بحكم جبلتها الظلمانية، أخذت تلوم نفسها، وتتوب عنها ( كتاب التعريفات) . رابعًا: النفس المطمئنة:وردت الاشاره إليها في عده مواضع منها قوله تعالى﴿ يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ﴾ (الفجر: 27 )، وهى امكانيه متصلة بالوثوقالإيمان اليقين بالفعل الالهى المطلق الربوبية. قال ابن عباس رضي الله عنه) المطمئنة إلى ما قال الله، والمصدِّقة بما قال (تفسير القرآن العظيم؛ لابن كثير).وقد أشار القران الكريم إلى حالتين للنفس المطمئنة هما :ا/ حالتها في الحياة الدنيا:فهي وثوق إيمان- يقين بالفعل الالهى المطلق الربوبية في الحياة الدنيا ، وقد وردت الاشاره إليها في عده مواضع منها قوله تعالى: ﴿ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ ﴾. ب/ حالتها في الحياة الاخره:فهي وثوق إيمان- يقين بالفعل الالهى المطلق الربوبية في الحياة الاخره ،وقد وردت الاشاره إليها في الايه ( يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً ) . وللنفس المطمئنة كامكانيه في حالتها الاخيره في الحياة الاخره صفتين:ا/النفس الراضية :وردت الاشاره إليها في الايه ( يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً فادخلي في عبادي وادخلي جنتي ) وهى وصف لرضي النفس المطمئنة بما أوتيت من ثواب اخروى .ب/النفس المرضية : وردت الاشاره إليها في نفس الايه ، وهى وصف لرضي الله تعالى عن النفس المطمئنة . أما مصطلح النفس الكاملة فقال به بعض الصوفية، لكنه غير ثابت نصا،ولكن يمكن قبوله كوصف للنفس المطمئنة بعد ضبطه شرعيا ، من خلال الالتزام بالمفهوم الاسلامى الصحيح لمفهوم الكمال ، والذي مضمونه:أن الكمال المطلق ينفرد به الله تعالىلان وجوده وحده هو الوجود المطلق ،أما كل وجود سواه فهو وجود محدود ،وبالتالي فانه كماله محدود،والأخير له درجات أعلاها كمال العصمة بالوحى فى امور الدين ، وهى للأنبياء والرسل وهى أيضا درجات أعلاها للرسول (صلى الله عليه وسلم)،باعتباره خاتم الأنبياء والمرسلين ، وبالتالي فهو أكمل البشر، وبالتالي فان كما لنا المحدود لا يتحقق إلا بإتباعه قال تعالى: ﴿ قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ (آل عمران) ويليها كمال العدالة النصية (اى من نص على عدالتهم) وهى للسلف الصالح )الصحابة والتابعين"رضى الله عنهم" )، وبالتالي فان الكمال المحدود لسواهم من مسلمين - وهو كمال العداله غير النصيه- لا يتحقق إلا بالاقتداء بهم، قال تعالى (فَإِنْ آَمَنُوا بِمِثْلِ مَا آَمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا)(البقرة: 137). فليس المقصود بكمال النفس المطمئنة لسواهم من المسلمين انه يتحقق لهم كمال العصمة والعدالة النصيه . بل المقصود به انها أكمل النفوس اى أكثر إمكانيات النفس شمولا، وبالتالي فإنها لا تلغى الامكانياتالنفوسالأقل منها شمولا ، إنما تحدها كما يحد الكل الجزء فتكمله وتغنيه.
.................................
الموقع الرسمي للدكتور/ صبري محمد خليل خيري | دراسات ومقالات https://drsabrikhalil.wordpress.com




رد مع اقتباس