[ALIGN=JUSTIFY]بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ المرابط المحترم،
سؤالك: (ما هي القاعدة التي على أساسها تجعل الإضافات صفات لله وما هي الخلافات بين علماء الأشاعرة وهل هناك قواعد مختلفة بين المتوسعين والمضيقين(إن صح التعبير)؟
سبب السؤال أني وجدت مثلا الحافظ ابن الجوزي ينكر تسمية كل الإضافات صفات ويقول إنها بدعة ويضع قواعد والحافظ البيهقي على ما يظهر على خلافه)
أقول:
أولاً: اعلم أن صفات الذات هي ما لا تنفك عنه، ولا يجوز أن يوصف الذات بضدّها. كالعلم، والقدرة وباقي صفات المعاني. وصفات الفعل هي ما يجوز أن يوصف ذات الباري تعالى بضدّها كالرضى والغضب. أو هي ما لا يلزم من نفيه نقيصة. فإنك إذا نفيت رضى الله تعالى عن إنسان أو نفيت غضبه عليه أو نفيت إحياءه للموتى أو إماتته للأحياء أو خلقه للعالم إلى غير ذلك لم يلزم أن يتصف الله تعالى بمنقصة.
ثانياً: أهل السنة في صفات الأفعال على قولين: فالأشاعرة أن صفات الأفعال حادثة هي نفس الأفعال، والماتريدية على أنّ صفات الأفعال هي منشأ تلك الأفعال، فتكون صفات ذاتية قديمة. والخلاف بينهما ليس بشيء. فمثلاً الماتريدية يقولون الله تعالى خالق فيجب اتصافه بصفة مشتقة من هذا الفعل تكون منشأ له، فيصفون الله تعالى بصفة قديمة هي الخلق. والأشاعرة لا يجدون إشكالاً في إثبات صفات كمال زيادة على التي أثبتوها، فالجميع يصرّح بأن كمالات الله تعالى لا حصر لها ولا نهاية. ولكنهم ههنا يقولون إن الخلق فعل الله، وفعله حادث، ومنشأ هذا الفعل هو قدرة الله تعالى القديمة. فهو تعالى يوصف بأنه خالق وقبل أن يخلق، ذلك أنه على كلّ شيء قدير. فلا يكون الخلق والرزق وغيرهما صفات أخرى بل التخليق والترزيق هما تعلقا نفس القدرة بالخلق والرزق.
ثالثاً: إن للألفاظ معنى ظاهراً حقيقياً ومعنى مجازياً. وبقليل من النظر تعرف أننا نستخدم بعض الألفاظ لنصف بها الخالق والمخلوق على طريق الحقيقة كما تقول الله تعالى عليم، وفلان عليم. ولكننا نعلم أنه لا تشابه بين العلمين مطلقاً، فالأول قديم والثاني حادث، فيكون الإطلاق من باب الاشتراك اللفظي لا غير.. إلخ، وقد تكلمت على الفرق بينهما في الدرس الثاني من دروس المنطق فيمكنك أن ترجع إليه. ومنها ما يقال للخالق بطريق الحقيقة، وللمخلوق بطريق المجاز كما تقول الله تعالى رازق وفلان رازق. ومنها ما يقال للخالق حقيقة ولا يقال للمخلوق لا بطريق الحقيقة ولا بطريق المجاز، كما تقول الله تعالى هو الأوّل بلا بداية ونحو ذلك من الأوصاف الإلهيّة الخاصة التي لا يمكن أن تكون حاصلة للعبد لا حقيقة ولا مجازاً. تأمّل. وقد يطلق بعض الأوصاف على المخلوق حقيقة وعلى الخالق بطريق المجاز، كما تقول ينزل فلان السلّم، وينزل ربنا إلى السماء الدنيا في كل ليلة.
رابعاً: القاعدة التي إذا توضّح لك ما سبق يمكنك أن تفهم مذهب أهل السنة في الإضافات وغيرها مما يوصف الله تعالى به. وهي أن كلّ صفة تستحيل حقيقتها أي يستحيل معناها الحقيقي على الله تعالى فإنها تفسّر بلازمها. فقوله (ابتغاء وجه ربك) أي إخلاص النيّة، (ويبقى وجه ربّك) أي ذاته تعالى الموصوفة بجميع صفاته، (فثمّ وجه الله) أي الجهة التي أمرنا بالتوجّه لها، (تجري بأعيننا) أي بحفظنا ورعايتنا. (الفضل بيد الله) أي بقدرته. (علىما فرّطت في جنب الله) أي طاعته وحقّه. وجميع الأغراض النفسانيّة كالغضب والانتقام والرحمة والمحبة ونحوها فاتصاف الله تعالى بها مجاز باعتبار الغاية كالترك المفهوم من الاستحياء، أو باعتبار المسبب عنه كالإنعام المسبب عن الرحمة، أو باعتبار السبب وغيرها من علاقات المجاز. فهذه طريق صحيحة لغة وشرعاً، ومرضيّة عند أهل الحقّ إن شاء الله.
خامساً: من أئمة أهل السنّة المتقدّمين من اختار طريقاً صحيحة مرضيّة أيضاً ولا إشكال فيها، وهو أنهم أثبتوا لله تعالى يداً ووجها وبعضهم عيناً واعتبروا هذه صفات ذاتيّة، ولم يكونوا يتأوّلون اليد بالقدرة أو النعمة إلخ مما يذكر المؤوّلة، أي أنهم قالوا إن يده صفته بلا كيف، وليست جارحة ولا بعضاً له تعالى، لأن الله تعالى لا يوصف بصفات المخلوقين. ومن هؤلاء أبو حنيفة كما ذكره في الفقه الأكبر، والأشعريّ على ما هو موجود في الإبانة، وغيرهم من السلف. ولا بدّ أن تفرّق بين قول هؤلاء الأئمة وقول السلفيّة اليوم تبعاً لرئيسهم ابن تيميّة ومشيخته من المجسّمة المشبّهة من قبل. فإن من أثبت من أئمتنا اليد أثبتها صفة بلا كيف، ونفى كونها جارحة وعضواً، ونزّه الله تعالى غاية التنزيه، وأما هؤلاء البلداء فإنهم يقولون يد ليست كيد، ويعنون بذلك أنها ليست مماثلة لها تماماً، إلا أنّ هذه اليد التي يثبتونها لله تعالى، هي اليد بالمعنى الظاهر الحقيقيّ لكلمة يد، وهي الجارحة والعضو انسجاماً مع مذهبهم في تجسيم وتركيب الإله سبحانه عما يقولون. والباحث يجد أن من دأبه التفويض من علمائنا أنه يؤوّل أحياناً ويفصّل عند الحاجة. وهكذا كانوا رحمهم الله تعالى في شدّة تقواهم وورعهم وطلبهم للسلامة. ولكن اليوم وقد شاعت فتنة هؤلاء السلفيّة، وكثر السؤال والجواب في مسائل الصفات حتّى صاروا يمتحنون الناس بالسؤال بأين الله؟ ونحو ذلك من أسئلتهم وتخريفاتهم، فإنه لا بدّ من التفصيل وتفهيم النّاس. والله تعالى علم. وقد كتبت صفحات عديدة في مسائل الصفات، وأن مذهب أهل السنّة والجماعة قديماً وحديثاً واحد، وهو التفويض والتأويل معاً، وبيّنت أن التفويض مقرون دائماً بالتنزيه، وهو قسمان تفويض مطلق دون حتى مجرّد التفكير في معنى النص الوارد وهو يكاد يندر وجوده أو لا حتى يبعد تصوره، وتفويض هو في الحقيقة تأويل جمليّ. ثمّ الطريق المسمّاة بالتأويل هي التأويل التفصيلي. وبيّنت أن التأويل التفصيلي في الغالب ظنيّ ويجب على من يختاره إن لم يكن عالماً مجتهداً أن يتّبع قول إمام مجتهد ولا يتأول على هواه. كلّ ذلك تجده في نقاشي مع الأخ محمد يوسف رشيد، في موضوع مباحثات في العقيدة في منتدى الحوارات والمناظرات. وأرجو أن ترجع إليه ويكون فيه فائدة إن شاء الله تعالى.
سادساً: ليس ما كتبه البيهقي في الأسماء والصفات بمناف لكتاب دفع شبه التشبيه بحسب ما أعرفه من اطلاعي على الكتابين. وأجد أنهما قاما بعملين متشابهين إلى حد بعيد، إلا أن البيهقيّ كان أكثر جمعاً وتبويباً وتفصيلاً. فكلاهما نصر مذهب أهل الحق في هذه المسائل. والبيهقيّ وإن بوب للساق والرجل والقدم والذراع والإتيان والتقرب والهرولة والغيرة و الملال وغير ذلك حتى لم يدع شيئاً تكلّم فيه أحد من المخالفين أو الموافقين إلا وذكره والله أعلم، وسرد ما جاء من الأخبار فيه، وأقوال العلماء في معناه، إلا أنه يظهر من ترجيحاته للمعاني أنه لا يخرج عن القواعد التي ذكرناها لك، وكذلك فعل ابن الجوزيّ رحمهما الله تعالى. فهما أشعريّان صرفان لا يشوب عائقدهما شائبة. وإن كنت تشير إلى موضع معيّن في كتاب أيّ منهما فأرجو أن تدلّني عليه وتذكر ما تستشكله من كلامه، ثم نتكلّم فيه معاً إن شاء الله تعالى.
وفقكم الله تعالى، والحمد لله رب العالمين.
[/ALIGN]
ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحقّ وأنت خير الفاتحين