الجوهرة السادسة والعشرون
{ قَالَتْ يٰأَيُّهَا ٱلْمَلأُ إِنِّيۤ أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ } * { إِنَّهُ مِن سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ } * { أَلاَّ تَعْلُواْ عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ }
قال السمين الحلبي فى الدر المصون
قوله: { إِنَّهُ مِن سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ }: العامَّةُ على كسرِ الهمزتين على الاستئنافِ جواباً لسؤالِ قومِها كأنَّهم قالوا: مِمَّن الكتابُ؟ وما فيه؟ فأجابَتْهم بالجوابَيْن.
وقرأ عبد الله " وإنَّه مِنْ سليمانَ " بزيادةِ واوٍ عاطفةٍ " إنه من سليمان " على قولِه: { إِنِّيۤ أُلْقِيَ إِلَيَّ }. وقرأ عكرمةُ وابن أبي عبلةَ بفتح الهمزتين. صَرَّح بذلك الزمخشري وغيرُه، ولم يذكر أبو البقاء إلاَّ الكسرَ في " إنه من سليمان " ، وكأنه سكتَ عن الثانيةِ؛ لأنها معطوفةٌ على الأولى. وفي تخريجِ الفتح فيهما أوجهٌ،
أحدُهما: أنه بدلٌ من " كتاب " بدلُ اشتمالٍ، أو بدلُ كلٍ مِنْ كلٍ، كأنه قيل: أُلْقِي إليَّ أنه من سليمانَ، وأنه كذا وكذا. وهذا هو الأصحُّ. والثاني: أنه مرفوعٌ بـ " كريمٌ " ذكره أبو البقاء، وليس بالقويِّ. الثالث: أنه على إسقاطِ حرفِ العلةِ. قال الزمشخري: " ويجوز أَنْ تريدَ: لأنه مِنْ سليمانَ، ولأنَّه، كأنها عَلَّلَتْ كرمَه بكونِه من سليمان وتصديرَه باسم الله ".
قال مكي: " وأجاز الفراء الفتحَ فيهما في الكلامِ " كأنه لم يَطَّلِعْ على أنها قراءةٌ.
وقرأ أُبَيٌّ " أَنْ مِنْ سليمانَ، وأنْ بسمِ اللهِ " بسكون النون فيهما. وفيها وجهان، أظهُرهما: أنَها " أنْ " المفسرةُ، لتقدُّم ما هو بمعنىٰ القول. والثاني: أنَّها المخففةُ، واسمُها محذوفٌ وهذا لا يَتَمَشَّىٰ على أصول البصريين؛ لأنَّ اسمَها لا يكونُ إلاَّ ضميرَ شأنٍ، وضميرُ الشأنِ لا يُفَسَّر إلاَّ بجملةٍ مُصَرَّحٍ بُجُزْأَيْها.
قوله: { أَلاَّ تَعْلُواْ }: فيه أوجهٌ، أحدُها: أنَّ " أنْ " مفسِّرةٌ، كما تقدَّمَ في أحد الأوجهِ في " أنْ " قبلَها في قراءةِ عكرمة، ولم يذكُرْ الزمخشريُّ غيرَه. وهو وجهٌ حسنٌ لِما في ذلك من المشاكلةِ: وهو عطفُ الأمرِ عليه وهو قولُه " وَأْتُوْني ". والثاني: أنها مصدرية في محلِّ رفعٍ بدلاً مِنْ " كتاب " كأنه قيل: أُلْقِيَ إليَّ: أَنْ لا تَعْلُوا عليَّ. والثالث: أنها في موضعِ رفعٍ على خبرِ ابتداءٍ مضمرٍ أي: هو أَنْ لا تَعْلُوا. والرابع: أنَّها على إسقاطِ الخافضِ أي: بأَنْ لا تَعْلُوا، فيجيْءُ في موضِعها القولان المشهوران. والظاهر أنَّ " لا " في/ هذه الأوجهِ الثلاثة للنهيِ. وقد تقدَّم أنَّ " أَنْ " المصدريةَ تُوْصَلُ بالمتصرفِ مطلقاً. وقال الشيخ: " وأَنْ في قولِه: " أن لا تَعْلُوا عليَّ " في موضع رفعٍ على البدلِ من " كتاب ". وقيل: في موضعِ نصبٍ على [معنى]: بأن لا تَعْلُوا. وعلى هذين التقديرين تكون " أنْ " ناصبةً للفعل ". قلت: وظاهرُ هذا أنها نافيةٌ؛ إذ لا يُتَصَوَّرُ أَنْ تكونَ ناهيةً بعد " أَنْ " الناصبةِ للمضارع. ويؤيِّد هذا ما حكاه عن الزمخشريِّ فإنه قال: " وقال الزمخشريُّ: وأنْ في " أَنْ لا تَعْلُوا " مفسرةٌ " قال: " فعلى هذه تكون " لا " في " لا تَعْلُوا " للنهي، وهو حسنٌ لمشاكلة عطفِ الأمرِ عليه ". فقوله: " فعلىٰ هذا " إلى آخره صريحٌ أنها على غيرِ هذا ـ يعني الوجهين المتقدمين ـ ليست للنهي فيهما. ثم القولُ بأنَّها للنفيِ لا يَظْهَرُ؛ إذ يصيرُ المعنى على الإِخبارِ منه عليه السلامُ بأنهم لا يَعْلُون عليه، وليس هذا مقصوداً، وإنما المقصودُ أَنْ يَنْهاهُمْ عن ذلك.


رد مع اقتباس
، فقبل عبد الله رأس الحسين. وقال الجمهور: الآية محكمة. والتحرير عندي في هذه الآية أن ملاك المعنى هو في اللام من قوله: { للإنسان } فإذا حققت الشيء الذي هو حق الإنسان يقول فيه لي كذا لم يجده إلا سعيه، وما بعد من رحمة ثم شفاعة أو رعاية أب صالح أو ابن صالح أو تضعيف حسنات أو تغمد بفضل ورحمة دون هذا كله فليس هو للإنسان ولا يسعه أن يقول لي كذا إلا على تجوز وإلحاق بما هو له حقيقة. واحتج بهذه الآية من يرى أنه لا يعمل أحد عن أحد بعد موته ببدن ولا مال. وفرق بعض العلماء بين البدن والمال، وهي عندي كلها فضائل للعامل وحسنات تذكر للمعمول عنه. وقد أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم سعداً بالصدقة عن أمه، والسعي: التكسب.