صفحة 6 من 7 الأولىالأولى ... 234567 الأخيرةالأخيرة
النتائج 76 إلى 90 من 104

الموضوع: جواهر ما وإن فى كتاب الله

  1. #76
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    12,975
    الجوهرة السادسة والعشرون

    { قَالَتْ يٰأَيُّهَا ٱلْمَلأُ إِنِّيۤ أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ } * { إِنَّهُ مِن سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ } * { أَلاَّ تَعْلُواْ عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ }

    قال السمين الحلبي فى الدر المصون

    قوله: { إِنَّهُ مِن سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ }: العامَّةُ على كسرِ الهمزتين على الاستئنافِ جواباً لسؤالِ قومِها كأنَّهم قالوا: مِمَّن الكتابُ؟ وما فيه؟ فأجابَتْهم بالجوابَيْن.

    وقرأ عبد الله " وإنَّه مِنْ سليمانَ " بزيادةِ واوٍ عاطفةٍ " إنه من سليمان " على قولِه: { إِنِّيۤ أُلْقِيَ إِلَيَّ }. وقرأ عكرمةُ وابن أبي عبلةَ بفتح الهمزتين. صَرَّح بذلك الزمخشري وغيرُه، ولم يذكر أبو البقاء إلاَّ الكسرَ في " إنه من سليمان " ، وكأنه سكتَ عن الثانيةِ؛ لأنها معطوفةٌ على الأولى. وفي تخريجِ الفتح فيهما أوجهٌ،

    أحدُهما: أنه بدلٌ من " كتاب " بدلُ اشتمالٍ، أو بدلُ كلٍ مِنْ كلٍ، كأنه قيل: أُلْقِي إليَّ أنه من سليمانَ، وأنه كذا وكذا. وهذا هو الأصحُّ. والثاني: أنه مرفوعٌ بـ " كريمٌ " ذكره أبو البقاء، وليس بالقويِّ. الثالث: أنه على إسقاطِ حرفِ العلةِ. قال الزمشخري: " ويجوز أَنْ تريدَ: لأنه مِنْ سليمانَ، ولأنَّه، كأنها عَلَّلَتْ كرمَه بكونِه من سليمان وتصديرَه باسم الله ".

    قال مكي: " وأجاز الفراء الفتحَ فيهما في الكلامِ " كأنه لم يَطَّلِعْ على أنها قراءةٌ.

    وقرأ أُبَيٌّ " أَنْ مِنْ سليمانَ، وأنْ بسمِ اللهِ " بسكون النون فيهما. وفيها وجهان، أظهُرهما: أنَها " أنْ " المفسرةُ، لتقدُّم ما هو بمعنىٰ القول. والثاني: أنَّها المخففةُ، واسمُها محذوفٌ وهذا لا يَتَمَشَّىٰ على أصول البصريين؛ لأنَّ اسمَها لا يكونُ إلاَّ ضميرَ شأنٍ، وضميرُ الشأنِ لا يُفَسَّر إلاَّ بجملةٍ مُصَرَّحٍ بُجُزْأَيْها.

    قوله: { أَلاَّ تَعْلُواْ }: فيه أوجهٌ، أحدُها: أنَّ " أنْ " مفسِّرةٌ، كما تقدَّمَ في أحد الأوجهِ في " أنْ " قبلَها في قراءةِ عكرمة، ولم يذكُرْ الزمخشريُّ غيرَه. وهو وجهٌ حسنٌ لِما في ذلك من المشاكلةِ: وهو عطفُ الأمرِ عليه وهو قولُه " وَأْتُوْني ". والثاني: أنها مصدرية في محلِّ رفعٍ بدلاً مِنْ " كتاب " كأنه قيل: أُلْقِيَ إليَّ: أَنْ لا تَعْلُوا عليَّ. والثالث: أنها في موضعِ رفعٍ على خبرِ ابتداءٍ مضمرٍ أي: هو أَنْ لا تَعْلُوا. والرابع: أنَّها على إسقاطِ الخافضِ أي: بأَنْ لا تَعْلُوا، فيجيْءُ في موضِعها القولان المشهوران. والظاهر أنَّ " لا " في/ هذه الأوجهِ الثلاثة للنهيِ. وقد تقدَّم أنَّ " أَنْ " المصدريةَ تُوْصَلُ بالمتصرفِ مطلقاً. وقال الشيخ: " وأَنْ في قولِه: " أن لا تَعْلُوا عليَّ " في موضع رفعٍ على البدلِ من " كتاب ". وقيل: في موضعِ نصبٍ على [معنى]: بأن لا تَعْلُوا. وعلى هذين التقديرين تكون " أنْ " ناصبةً للفعل ". قلت: وظاهرُ هذا أنها نافيةٌ؛ إذ لا يُتَصَوَّرُ أَنْ تكونَ ناهيةً بعد " أَنْ " الناصبةِ للمضارع. ويؤيِّد هذا ما حكاه عن الزمخشريِّ فإنه قال: " وقال الزمخشريُّ: وأنْ في " أَنْ لا تَعْلُوا " مفسرةٌ " قال: " فعلى هذه تكون " لا " في " لا تَعْلُوا " للنهي، وهو حسنٌ لمشاكلة عطفِ الأمرِ عليه ". فقوله: " فعلىٰ هذا " إلى آخره صريحٌ أنها على غيرِ هذا ـ يعني الوجهين المتقدمين ـ ليست للنهي فيهما. ثم القولُ بأنَّها للنفيِ لا يَظْهَرُ؛ إذ يصيرُ المعنى على الإِخبارِ منه عليه السلامُ بأنهم لا يَعْلُون عليه، وليس هذا مقصوداً، وإنما المقصودُ أَنْ يَنْهاهُمْ عن ذلك.

  2. #77
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    12,975
    الجوهرة السابعة والعشرون

    { وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَندَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ ٱللَّهِ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ أَشَدُّ حُبّاً للَّهِ وَلَوْ يَرَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُوۤاْ إِذْ يَرَوْنَ ٱلْعَذَابَ أَنَّ ٱلْقُوَّةَ للَّهِ جَمِيعاً وَأَنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعَذَابِ }

    قال السمين الحلبي فى الدر المصون

    قوله: { وَلَوْ يَرَى ٱلَّذِينَ } جوابُ لو محذوفٌ، واختُلِفَ في تقديره، ولا يَظْهَرُ ذلك إلا بعد ذِكْرِ القراءت الواردة في ألفاظِ هذه الآيةِ الكريمة:

    قرأ ابنُ عامر ونافع: " ولو ترى " بتاءِ الخطابِ، و " أن القوة " و " أن الله بفتحِهما، وقرأ ابنُ عامر: " إذ يُرَوْن " بضم الياء، والباقون بفتحِهما. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو والكوفيون: " ولو يرى " بياء الغيبة، " أنَّ القوة " و " أنَّ الله " بفتحِهما، وقرأ الحسن وقتادة وشيبة ويعقوب وأبو جعفر: " ولو تَرَى " بالخطاب، " إن القوة " و " إن الله " بكسرهما، وقرأت طائفةٌ: " ولو يرى " بياء الغيبة، " إن القوة " و " إن الله " بكسرهما.

    إذا تقرَّر ذلك فقد اختلفوا في تقديرِ جواب لو، فمنهم مَنْ قَدَّره قبل قولِه: " أن القوة " ومنهم مَنْ قدَّره بعد قولِه: " وأنَّ الله شديدُ العذابِ " / وهو قولُ أبي الحسن الأخفش والمبرد.

    أمَّا مَنْ قَدَّره قبل " أنَّ القوةَ " فيكونُ " أنَّ القوةَ " معمولاً لذلك الجوابِ. وتقديرُه على قراءةِ ترى - بالخطاب - وفتح أنَّ وأنَّ: لعلِمْتَ أيها السامعُ أنَّ القوةَ لله جميعاً، والمرادُ بهذا الخطابِ: إمّا النبيُّ عليه السلام وإمّا كلُّ سامعٍ.

    وعلى قراءةِ الكسرِ في " إنّ " يكونُ التقديرُ: لقلت إنَّ القوةَ لله جميعاً، والخلافُ في المرادِ بالخطاب كما تقدَّم، أو يكونُ التقديرُ: لاستعظَمت حالَهم، وإنما كُسِرَتْ " إنَّ " لأنَّ فيها معنى التعليل نحو قولك: لو قَدِمْتَ على زيد لأحْسنَ إليك إنَّه مكرمٌ للضِّيفان، فقولك: أنه مكرِمٌ للضِّيفان " عِلَّةٌ لقولِك " أَحْسَنَ إليك ".

    وقال ابنُ عطية: " تقديرُه: ولو ترى الذين ظَلَموا في حال رؤيتهم العذابَ وفزعهم منه واستعظامِهم له لأقَرُّوا له لأقَرُّوا أنَّ القوةَ لله جميعاً " وناقشه الشيخ فقال: " كان ينبغي أن يقولَ: في وقتِ رؤيتهم العذابَ فيأتي بمرادف " إذ " وهو الوقتُ لا الحالُ، وأيضاً فتقديرُه لجوابِ " لو " غيرُ مُرَتَّبٍ على ما يلي " لو " ، لأنَّ رؤية السامعِ أو النبي عليه السلام الظالمينَ في وقتِ رؤيتهم لا يترتَُّبُ عليها إقرارُهم بأنّ القوة لله جميعاً، وهو نظيرُ قولِك: " يا زيدُ لو ترى عَمْراً في وقتِ ضَرْبِه لأقَرَّ أنَّ الله قادِرٌ عليه " فإقرارُه بقدرةِ الله ليست مترتبةً على رؤيةِ زيد " انتهى.

    وتقديرُه على قراءةِ " يرى " بالغيبة: لعلموا أنَّ القوةَ، إنْ كان فاعل " يرى " " الذين ظلموا " ، وإن كان ضميراً يعودُ على السامعِ فيُقَدَّرُ: لَعَلِمَ أنَّ القوة.

    وأمَّا مَنْ قَدَّره بعدَ قولِه: شديدُ العذاب فتقديرُه على قراءة " ترى " بالخطابِ: لاستعظَمْتَ ما حلَّ بهم، ويكونُ فتحُ " أنَّ " على أنه مفعولٌ من أجلِه، أي: لأنَّ القوةَ لله جميعاً، وكَسْرُها على معنى التعليلِ نحو: " أكرِمْ زيداً إنه عالم، وأَهِنْ عمراً إنَّه جاهلٌ " ، أو تكونُ جملةً معترضةً بين " لو " وجوابِها المحذوفِ. وتقديرُه على قراءةِ " ولو يرى " بالغيبة إن كان فاعلُ " يرى " ضميرَ السامعِ: لاستعظَمَ ذلك، وإنْ كان فاعلُه " الذين " كان التقديرُ: لاستعظَموا ما حَلَّ بهم، ويكونُ فتحُ " أنَّ " على أنها معمولةٌ ليرى، على أن يكونَ الفاعلُ " الذين ظلموا " ، والرؤيةُ هنا تحتِملُ أن تكونَ من رؤيةِ القلبِ فتسدَّ " أنَّ " مسدَّ مفعولهما، وأن تكونَ من رؤية البصرِ فتكونَ في موضعِ مفعولٍ واحدٍ.

    وأمَّا قراءةُ " يرى الذين " بالغَيبة وكسرِ " إنَّ " و " إنَّ " فيكونُ الجوابُ قولاً محذوفاً وكُسِرتَا لوقوعِهما بعد القولِ، فتقديرُه على كونِ الفاعلِ ضميرَ الرأي: لقال إنَّ القوةَ؛ وعلى كونه " الذين ": لقالوا: ويكونُ مفعولُ " يرى " محذوفاً أي: لو يرى حالهم. ويُحتمل أن يكونَ الجوابُ: لاستَعْظَم أو لاستَعْظَموا على حَسَبِ القولين، وإنما كُسِرتا استئنافاً، وحَذْفُ جوابِ " لو " شائعٌ مستفيضٌ، وكثُر حَذْفهُ في القرآن. وفائدةُ حَذْفِه استعظامُه وذهابُ النفسِ كلَّ مذهبٍ فيه بخلافِ ما لو ذُكِر، فإنَّ السامعَ يقصُر هَمَّه عليه، وقد وَرَدَ في أشعارهم ونثرِهم حَذْفُه كثيراً...

    وقراءةُ ابنِ عامر " يُرَوْنَ العذاب " مبنياً للمفعول مَنْ أَرَيْتُ المنقولةِ من رَأَيْتُ بمعنى أبصرتُ فتعدَّتُ لاثنين، أولُهما قامَ مَقامَ الفاعلِ وهو الواو، والثاني هو " العذابُ " ، وقراءةُ الباقين واضحةٌ.

    وقال الراغبُ: " قوله ": " أنَّ القوة " بدلٌ من " الذين " قال: " وهو ضعيفٌ " قال الشيخ: " ويصيرُ المعنى: ولو تَرى قوةَ الله وقدرَتَه على الذين ظلموا ". وقال في " المنتخب ": " قراءةُ الياء عند بعضهم أَوْلَى من قراءة التاء " ، قال: " لأنَّ النبيَّ عليه السلام والمؤمنين قد عَلِموا قَدْرَ ما يُشَاهِدُه الكفارُ، وأمّا الكفارُ فلم يَعْلَمُوه فوجَبَ إسنادُ الفعلِ إليهم " وهذا ليس بشيءٍ فإنَّ القراءَتَيْنِ متواتِرتان.

    وقال القرطبي فى تفسيره:

    قوله تعالى: { وَلَوْ يَرَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُوۤاْ إِذْ يَرَوْنَ ٱلْعَذَابَ أَنَّ ٱلْقُوَّةَ للَّهِ جَمِيعاً وَأَنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعَذَابِ } قراءة أهل المدينة وأهل الشام بالتاء، وأهل مكة وأهل الكوفة وأبو عمرو بالياء؛ وهو ٱختيار أبي عبيد. وفي الآية إشكال وحذف؛ فقال أبو عبيد: المعنى لو يرى الذين ظلموا في الدنيا عذاب الآخرة لعلموا حين يرونه أن القُوّة لله جميعاً. و «يرى» على هذا من رؤية البصر. قال النحاس في كتاب «معاني القرآن» له: وهذا القول هو الذي عليه أهل التفسير. وقال في كتاب «إعراب القرآن» له: وروي عن محمد بن يزيد أنه قال: هذا التفسير الذي جاء به أبو عبيد بعيد، وليست عبارته فيه بالجيدة؛ لأنه يقدّر: ولو يرى الذين ظلموا العذاب؛ فكأنه يجعله مشكوكاً فيه وقد أوجبه الله تعالى؛ ولكن التقدير وهو قول الأخفش: ولو يرى الذين ظلموا أن القوّة لله.
    و «يرى» بمعنى يعلم؛ أي لو يعلمون حقيقة قوّة الله عزّ وجلّ وشدّة عذابه؛ فـ «ـيرى» واقعة على أن القوّة لله، وسدّت مَسدّ المفعولين. و «الذين» فاعل «يرى»، وجواب «لو» محذوف؛ أي ليتبيّنُوا ضرر ٱتخاذهم الآلهة؛ كما قال عزّ وجلّ:
    { وَلَوْ تَرَىٰ إِذْ وُقِفُواْ عَلَىٰ رَبِّهِمْ }
    [الأنعام: 27]،
    { وَلَوْ تَرَىٰ إِذْ وُقِفُواْ عَلَى ٱلنَّارِ }
    [الأنعام: 30] ولم يأت لـ «ـلَوْ» جواب. قال الزهري وقتادة: الإضمار أشدّ للوعيد؛ ومثله قول القائل: لو رأيتَ فلاناً والسياط تأخذه! ومن قرأ بالتاء فالتقدير: ولو ترى يا محمد الذين ظلموا في حال رؤيتهم العذاب وفزعهم منه وٱستعظامهم له لأقرّوا أن القوّة لله؛ فالجواب مضمر على هذا النحو من المعنى وهو العامل في «أنّ». وتقدير آخر: ولو ترى يا محمد الذين ظلموا في حال رؤيتهم العذاب وفزعهم منه لعلمت أن القوّة لله جميعاً. وقد كان النبيّ صلى الله عليه وسلم علم ذلك، ولكن خوطب والمراد أمّته؛ فإن فيهم من يحتاج إلى تقوية علمه بمشاهدة مثل هذا. ويجوز أن يكون المعنى: قل يا محمد للظالم هذا. وقيل: «أنّ» في موضع نصب مفعول من أجله؛ أي لأن القوة لله جميعاً. وأنشد سيبويه:
    وأغفرُ عوراءَ الكريم ٱدّخارَه وأَعْرِضُ عن شتم اللئيم تكَرُّما
    أي لادخاره؛ والمعنى: ولو ترى يا محمد الذين ظلموا في حال رؤيتهم للعذاب لأنّ القوّة لله لعلمت مبلغهم من النكال ولاستعظمت ما حَلَّ بهم. ودخلت «إذ» وهي لمَا مضى في إثبات هذه المستقبلات تقريباً للأمر وتصحيحاً لوقوعه. وقرأ ٱبن عامر وحده «يرون» بضم الياء، والباقون بفتحها. وقرأ الحسن ويعقوب وشَيبة وسَلاَّم وأبو جعفر «إن القوّة، وإن الله» بكسر الهمزة فيهما على الاستئناف أو على تقدير القول؛ أي ولو ترى الذين ظلموا إذ يرون العذاب يقولون إن القوّة لله. وثبت بنصّ هذه الآية القوّة لله، بخلاف قول المعتزلة في نَفْيهم معاني الصفات القديمة؛ تعالى الله عن قولهم.

  3. #78
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    12,975
    الجوهرة الثامنة والعشرون

    { وَأَن لاَّ تَعْلُواْ عَلَى ٱللَّهِ إِنِّيۤ آتِيكُمْ بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ }

    قال السمين الحلبي فى الدر المصون:

    قوله: { وَأَن لاَّ تَعْلُواْ }: عطفٌ على " أَنْ " الأولى. والعامَّةُ على كسرِ الهمزةِ مِنْ قولِه: " إنِّي آتِيْكم " على الاستئنافِ. وقُرِئ بالفتح على تقديرِ اللامِ أي: وأَنْ لا تَعْلُوا لأنِّي آتِيْكم.

    الجوهرة التاسعة والعشرون

    { وَلاَ يَحْزُنكَ قَوْلُهُمْ إِنَّ ٱلْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ }

    قال السمين الحلبي فى الدر المصون

    قوله تعالى: { إِنَّ ٱلْعِزَّةَ }: العامَّةُ على كسرِ " إنَّ " استئنافاً وهو مُشْعِرٌ بالعِلِّيَّة. وقيل: هو جوابُ سؤالٍ مقدرٍ كأنَّ قائلاً قال: لِمَ لا يُحْزِنُه قولُهم، وهو ممَّا يُحْزِن؟ فأجيب بقوله: { إِنَّ ٱلْعِزَّةَ للَّهِ جَمِيعاً } ، ليس لهم منها شيءٌ فكيف تبالي بهم وبقولهم؟.

    والوقفُ على قولِه: { قَوْلُهُمْ } ينبغي أن يُعْتمد ويُقْصَدَ ثم يُبتدأ بقوله: " إن العزَّة " وإن كان من المستحيلِ أن يتوهَّم أحد أن هذا مِنْ مقولهم، إلا مَنْ لا يُعْتَبَرُ بفهمه.

    وقرأ أبو حيوة: " أنَّ العزة " بفتح " أنَّ ". وفيها تخريجان، أحدهما: أنها على حَذْفِ لام العلة، أي: لا يَحْزنك قولهم لأجل أن العزة لله جميعاً. والثاني: أنَّ " أنَّ " وما في حيِّزها بدل من " قولهم " كأنه قيل: ولا يَحْزُنك أن العَّزة لله، وكيف يَظْهَرُ هذا التوجيهُ أو يجوز القول به، وكيف يَنْهىٰ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك في المعنى وهو لم يَتَعاطَ شيئاً من تلك الأسباب، وأيضاً فمِنْ أيِّ قبيلٍ الإِبدالُ هذا؟ قال الزمخشري: " ومَنْ جعله بدلاً من " قولهم " ثم أنكره فالمُنْكَر هو تخريجُه لا ما أنكره من القراءة به " ، يعني أن إنكارَه للقراءة مُنْكَرٌ؛ لأنَّ معناها صحيحٌ على ما ذَكَرْتُ لك مِنَ التعليلِ، وإنما المُنْكَر هذا التخريجُ.

    وقد أنكر جماعةٌ هذه القراءةَ ونَسَبُوها للغلَط ولأكثر منه. قال القاضي: " فَتْحُها شاذٌّ يُقارِبُ الكفر، وإذا كُسِرت كان استئنافاً وهذا يدلُّ على فضيلة علم الإِعراب ". وقال ابن قتيبة: " لا يجوز فتحُ " إنَّ " في هذا الموضعِ وهو كفرٌ وغلوٌّ " ، وقال الشيخ: " وإنما قالا ذلك بناءً منهما على أن " أنَّ " معمولةٌ لـ " قولهم ". قلت: كيف تكون معمولةً لـ " قولهم " وهي واجبةُ الكسرِ بعد القول إذا حُكِيَتْ به، كيف يُتَوَهَّم ذلك؟ وكما لا يُتَوَهَّم هذا المعنىٰ مع كسرِها لا يُتَوَهَّم أيضاً مع فتحها ما دام له وجهٌ صحيح.

    وقال الرازى فى تفسيره

    قال القاضي: إن العزة بالألف المكسورة وفي فتحها فساد يقارب الكفر لأنه يؤدي إلى أن القوم كانوا يقولون: { إِنَّ ٱلْعِزَّةَ للَّهِ جَمِيعاً } وأن الرسول عليه الصلاة والسلام كان يحزنه ذلك. أما إذا كسرت الألف كان ذلك استئنافاً، وهذا يدل على فضيلة علم الإعراب. قال صاحب «الكشاف»: وقرأ أبو حيوة { أنَّ ٱلْعِزَّةَ } بالفتح على حذف لام العلة يعني: لأن العزة على صريح التعليل.

    الجوهرة الثلاثون

    { أَنْ أَدُّواْ إِلَيَّ عِبَادَ اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ }

    قال السمين

    قوله: { أَنْ أَدُّواْ }: يجوزُ أَنْ تكونَ المفسِّرَةَ؛ لتقدُّمِ ما هو بمعنى القول، وأَنْ تكونَ المخفَّفَةَ، وأَنْ تكونَ الناصبةَ للمضارع، وهي تُوْصَلُ بالأمر. وفي جَعْلِها مخففةً إشكالٌ تَقَدَّم: وهو أنَّ الخبرَ في هذا البابِ لا يقع طلباً، وعلى جَعْلِها مصدريَّةً تكون على حَذْفِ الجرِّ أي: جاءهم بأَنْ أَدُّوا. و " عبادَ الله " يُحتمل أَنْ يكونَ مفعولاً به. وفي التفسير: أنَّه طلبَ منهم أَنْ يُؤَدُّوا إليه بني إسرائيل، ويَدُلُّ عليه { فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرَائِيلَ } ، وأَنْ يكونَ منادى، والمفعولُ محذوفٌ أي: أَعْطوني الطاعةَ يا عبادَ الله.

    وقال ابن الجوزى فى زاد مسيره

    قوله تعالى: { أن أدُّوا } أي: بان أدُّوا { إِليَّ عبادَ الله } وفيه قولان:

    أحدهما: أدُّوا إلى ما أدعوكم إليه من الحق باتِّباعي، روى هذا المعنى العوفي عن ابن عباس. فعلى هذا ينتصب { عبادَ الله } بالنداء قال الزجاج: ويكون المعنى أن أدُّوا إِليَّ ما آمُركم به يا عباد الله.

    والثاني: أرسِلوا معي بني إِسرائيل، قاله مجاهد، وقتادة، والمعنى: أطلِقوهم من تسخيركم، وسلِّموهم إِليَّ.

  4. #79
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    12,975
    الجوهرة الواحدة والثلاثون

    { ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ }

    قال السمين

    قوله: { إِنَّكَ أَنتَ }: قرأه الكسائيُّ بالفتحِ على معنى العلَّةِ أي: لأنَّك. وقيل: تقديرُه: ذُقْ عذابَ أنَّك أنت العزيزُ. والباقون بالكسرِ على الاستئنافِ المفيدِ للعلَّة، فتتحدُ القراءاتان معنىً. وهذا الكلامُ على سبيلِ التهكمِ، وهو أغيَظُ للمُسْتَهْزَأ به، ومثلُه قولُ جريرٍ لشاعرٍ سَمَّى نفسه زهرةَ اليمن:
    4020 ـ ألَمْ يَكُنْ في وُسُومٍ قد وَسَمْتُ بها مَنْ كان موعظةً يا زهرةَ اليَمَنِ
    وكان هذا الشاعرُ قد قال:
    4021 ـ أبْلِغْ كُلَيْباً وأَبْلِغْ عَنْك شاعرَها أنِّي الأَغَرُّ وأنِّي زهرةُ اليمنِ

    وقال القرطبي

    قوله تعالى: { ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ } قال ابن الأنباريّ: أجمعت العوام على كسر «إنّ». وروي عن الحسن عن عليّ رحمه الله «ذُق أَنَّكَ» بفتح «أن»، وبها قرأ الكسائيّ. فمن كسر «إن» وقف على «ذُقْ». ومن فتحها لم يقف على «ذُقْ»؛ لأن المعنى ذق لأنك وبأنك أنت العزيز الكريم. قال قتادة: نزلت في أبي جهل وكان قد قال: ما فيها أعزّ منّي ولا أكرم؛ فلذلك قيل له: «ذُقْ إِنَّكَ أَنْت الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ». وقال عكرمة: " التقى النبي صلى الله عليه وسلم وأبو جهل فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم:«إن الله أمرني أن أقول لك أوْلَى لك فأولىفقال: بأي شيء تهدّدني! والله ما تستطيع أنت ولا ربك أن تفعلا بي شيئاً، إني لمن أعز هذا الوادي وأكرمه على قومه؛ فقتله الله يوم بدر وأذلّه ونزلت هذه الآية» " أي يقول له الملَك: ذق إنك أنت العزيز الكريم بزعمك. وقيل: هو على معنى الاستخفاف والتوبيخ والاستهزاء والإهانة والتنقيص؛ أي قال له: إنك أنت الذليل المهان. وهو كما قال قوم شُعيب لشعيب:
    { إِنَّكَ لأَنتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ }
    [هود:87] يعنون السفيه الجاهل في أحد التأويلات على ما تقدّم. وهذا قول سعيد بن جبير. { إِنَّ هَـذَا مَا كُنتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ } أي تقول لهم الملائكة: إن هذا ما كنتم تشكون فيه في الدنيا.

    انتهي

    { إِنَّا كُنَّا مِن قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ }

    قال السمين

    قوله: { إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ }: قرأ نافع والكسائي بفتح الهمزة على التعليل، أي: لأنه. والباقون بالكسرِ على الاستئنافِ الذي فيه معنى العلةِ فيتحدُ معنى القراءتين

    انتهي

    الجوهرة الثانية والثلاثون

    { وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنتَهَى}

    قال ابن عطية

    قوله تعالى: { وأن ليس للإنسان } وقوله بعد ذلك { وأنه } ، { وأنه } معطوف كل ذلك على أن المقدرة أولاً في قوله: " أنه لا تزر " وهي كلها بفتح الألف في قراءة الجمهور. وقرأ أبو السمال قعنب " وإن إلى ربك " بكسر الهمزة فيهما وفيما بعدها وروي عن ابن عباس رضي الله عنه أن قوله: { وأن ليس للإنسان إلا ما سعى } منسوخ بقوله:{ والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذرياتم } [الطور: 21] وهذا لا يصح عندي على ابن عباس، لأنه خبر لا ينسخ، ولأن شروط النسخ ليست هنا، اللهم إلا أن يتجوز في لفظة النسخ ليفهم سائلاً، وقال عكرمة: كان هذا الحكم في قوم إبراهيم وموسى، وأما هذه الأمة فلها سعي غيرها، والدليل حديث سعد بن عبادة قال: يا رسول الله هل لأمي إن تطوعت عنها؟ قال: نعم. وقال الربيع بن أنس: " الإنسان " الذي في هذه الآية هو الكافر وأما المؤمن فله ما سعى وما سعى له غيره. وسأل عبد الله بن طاهر بن الحسين والي خراسان الحسين بن الفضل عن هذه الآية مع قوله:{ والله يضاعف لمن يشاء } [البقرة: 261] فقال ليس له بالعدل إلا ما سعى، وله بفضل الله ، فقبل عبد الله رأس الحسين. وقال الجمهور: الآية محكمة. والتحرير عندي في هذه الآية أن ملاك المعنى هو في اللام من قوله: { للإنسان } فإذا حققت الشيء الذي هو حق الإنسان يقول فيه لي كذا لم يجده إلا سعيه، وما بعد من رحمة ثم شفاعة أو رعاية أب صالح أو ابن صالح أو تضعيف حسنات أو تغمد بفضل ورحمة دون هذا كله فليس هو للإنسان ولا يسعه أن يقول لي كذا إلا على تجوز وإلحاق بما هو له حقيقة. واحتج بهذه الآية من يرى أنه لا يعمل أحد عن أحد بعد موته ببدن ولا مال. وفرق بعض العلماء بين البدن والمال، وهي عندي كلها فضائل للعامل وحسنات تذكر للمعمول عنه. وقد أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم سعداً بالصدقة عن أمه، والسعي: التكسب.

    قال السمين

    قوله: { وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ }: العامَّةُ على فتح هذه الهمزةِ وما عُطِفَ عليها بمعنى: أن الجميعَ في صُحُفِ موسى وإبراهيم. وقرأ أبو السَّمَّال بالكسرِ في الجميع على الابتداءِ

  5. #80
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    12,975
    الجوهرة الثالثة والثلاثون

    أَن كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ }

    قال السمين

    قوله: { أَن كَانَ }: العامَّةُ على فتح همزةِ " أنْ " ثم اختلفوا بعدُ: فقرأ ابنُ عامرٍ وحمزةُ وأبو بكر بالاستفهام، وباقي السبعةِ بالخبر. والقارئون بالاستفهامِ على أصولِهم: مِنْ تحقيقٍ وتسهيلٍ وإدخالِ ألفٍ بين الهمزتَينْ وعدمِه. ولا بُدَّ مِنْ بيانِه لك تَسهيلاً للأمر عليك فأقول وبالله التوفيق: قرأ حمزةُ وأبو بكرٍ بتحقيق الهمزتَيْن وعدم إدْخالِ ألفٍ بينهما، وهذا وهو أصلُهما.

    وقرأ ابنُ ذكوانَ بتسهيلِ الثانيةِ وعدمِ إدخال ألفٍ، وهشامٌ بالتسهيلِ المذكور، إلاَّ أنَّه أدخل ألفاً بينهما فقد خالَفَ كلٌّ منهما أصلَه: أمَّا ابنُ ذكوان فإنه يُحَقِّقُ الهمزتَيْنِ فقد سَهَّل الثانية هنا. وأمَّا هشامٌ: فإنَّ أصلَه أن يُجْري في الثانية مِنْ هذا النحوِ وجهَيْنِ: التحقيقَ كرفيقِه، والتسهيلَ. وقد التَزَمَ التسهيلَ هنا. وأمَّا إدخالُ الألفِ فإنه فيه على أصلِه كما تقدَّم أول البقرة.

    وقرأ نافع في رواية الزبيدي عنه: " إنْ كان " بكسر الهمزة على الشرط.

    فأمَّا قراءةُ " أَنْ كان " بالفتحِ على الخبرِ ففيه أربعةُ أوجهٍ، أحدها: أنها " أنْ " المصدريةُ في موضع المفعولِ له مجرورةٌ بلامٍ مقدرة. واللامُ متعلِّقةٌ بفعلِ النهي، أي: ولا تُطِعْ مَنْ هذه صفاتُه؛ لأنْ كان مُتَموِّلاً وصاحبَ بنين. الثاني: أنها متعلقةٌ بـ " عُتُلّ " ، وإن كان قد وُصِفَ، قاله الفارسي، وهذا لا يجوزُ عند البصريين، وكأن الفارسيَّ اغتفَره في الجارِّ. الثالث: أنْ يتعلَّق بـ " زنيم " ولا سيما عند مَنْ يُفَسِّره بقبيح الأفعالِ. الرابع: أَنْ يتعلِّقَ بمحذوف يَدُلُّ عليه ما بعدَه مِنْ الجملةِ الشرطيةِ، تقديره: لكونِه متموِّلاً مُسْتَظْهِراً بالبنين كَذَّب بآياتِنا، قاله الزمخشري، قال: " ولا يَعْمَلُ فيه " قال " الذي هو جوابُ " إذا " لأنَّ ما بعد الشرطِ لا يعملُ فيما قبلَه، ولكن ما دَلَّتْ عليه الجملةُ مِنْ معنى التكذيب ". وقال مكي ـ وتبعه أبو البقاء ـ: " لا يجوزُ أَنْ يكونَ العاملُ " تُتْلى " لأنَّ ما بعد " إذا " لا يعملُ فيما قبلها؛ لأنه " إذا تُضاف إلى الجمل، ولا يعملُ المضافُ إليه فيما قبل المضاف " انتهى. وهذا يُوهمُ أنَّ المانعَ من ذلك ما ذكره فقط، والمانعُ أمرٌ معنويٌّ، حتى لو فُقِدَ هذا المانعُ الذي ذكره لامتنعَ مِنْ جهةِ المعنى: وهو أنه لا يَصْلُحُ أَنْ يُعَلِّلَ تلاوةَ آياتِ اللَّهِ عليه بكونِه ذا مالٍ وبنين.

    وأمَّا قراءةُ " أَأَنْ كان " على الاستفهام، ففيها وجهان، أحدُهما: أَنْ يتعلَّقَ بمقدَّر يَدُلُّ عليه ما قبلَه، أي: أَتُطيعه لأَنْ كان أو أتكونُ طواعيةً لأَنْ كان. والثاني: أنْ يتعلَّقَ بمقدَّرٍ عليه ما بعده أي: لأَنْ كان كذا كَذَّبَ وجَحَدَ.

    وأمَّا قراءةُ إنْ بالكسر فعلى الشرطِ، وجوابُه مقدرٌ. تقديرُه: إن كان كذا يَكْفُرْ ويَجْحَدْ. دَلَّ عليه ما بعده. وقال الزمخشري: " والشرطُ للمخاطبِ، أي: لا تُطِعْ كلَّ حَلاَّفٍ شارطاً يسارَه، لأنه إذا أطاع الكافرَ لِغِناهُ فكأنه اشترط في الطاعة الغنى، ونحوُ صرفِ الشرطِ للمخاطب صَرْفُ الترجِّي إليه في قولِه:
    { لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ }
    [طه: 44]. وجَعَله الشيخُ مِنْ دخولِ شرطٍ على شرطٍ، يعني إنْ وإذا؛ إلاَّ أنه قال: " ليسا من الشروط المترتبةِ الوقوع، وجعله نظيرَ قولِ ابنِ دريدٍ:
    4296ـ فإنْ عَثَرْتُ بعدَها إنْ وَأَلَتْ نفسيَ مِنْ هاتا فقولا لا لَعا
    قال: " لأنَّ الحامِلَ على تدبُّرِ آياتِ اللهِ كونُه ذا مالٍ وبنين، وهو مشغولُ القلبِ بذلك غافلٌ عن النظرِ قد استولَتْ عليه الدنيا وأَبْطَرَتْه.

    وقرأ الحسن بالاستفهام وهو استفهامُ تَقْريعٍ وتوبيخٍ على قولِه: " القرآنُ أساطيرُ الأوَّلين لَمَّا تُلِيَتْ عليه آياتُ الله.


    وقال الرازي

    المسألة الأولى: اعلم أن قوله: { أَن كَانَ } يجوز أن يكون متعلقاً بما قبله وأن يكون متعلقاً بما بعده أما الأول: فتقديره: ولا تطع كل حلاف مهين أن كان ذا مال وبنين، أي لا تطعه مع هذه المثالب ليساره وأولاده وكثرته، وأما الثاني: فتقديره لأجل أن كان ذا مال وبنين إذا تتلى عليه آياتنا قال: أساطير الأولين، والمعنى لأجل أن كان ذا مال وبنين جعل مجازاة هذه النعم التي خولها الله له الكفر بآياته قال أبو علي الفاسي: العامل في قوله: { أَن كَانَ } إما أن يكون هو قوله: { تُتْلَىظ° } أو قوله { قَالَ }. أو شيئاً ثالثاً، والأول باطل لأن { تُتْلَىظ° } قد أضيفت { إِذَا } إليه والمضاف إليه لا يعمل فيما قبله ألا ترى أنك لا تقول: القتال زيداً حين يأتى تريد حين يأتي زيداً، ولا يجوز أن يعمل فيه أيضاً { قَالَ } لأن { قَالَ } جواب { إِذَا } ، وحكم الجواب أن يكون بعدما هو جواب له ولا يتقدم عليه، ولما بطل هذان القسمان علمنا أن العامل فيه شيء ثالث دل ما في الكلام عليه وذلك هو يجحد أو يكفر أو يمسك عن قبول الحق أو نحو ذلك، وإنما جاز أن يعمل المعنى فيه، وإن كان متقدماً عليه لشبهه بالظرف، والظرف قد تعمل فيه المعاني وإن تقدم عليها، ويدلك على مشابهته للظرف تقدير اللام معه، فإن تقدير الآية: لأن كان ذا مال وإذا صار كالظرف لم يمتنع المعنى من أن يعمل فيه، كما لم يمتنع من أن يعمل في نحو قوله:
    { يُنَبّئُكُمْ إِذَا مُزّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِى خَلْقٍ جَدِيدٍ }
    [سبأ: 7] لما كان ظرفاً، والعامل فيه القسم الدال عليه قوله: { إِنَّكُمْ لَفِى خَلْقٍ جَدِيدٍ } فكذلك قوله: { أَن كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ } تقديره: إنه جحد آياتنا، لأن كان ذا مال وبنين أو كفر بآياتنا، لأن كان ذا مال وبنين.

    المسألة الثانية: قرىء: { أَأن كَانَ } على الاستفهام، والتقدير: ألأن كان ذال مال كذب، أو التقدير: أتطيعه لأن كان ذا مال. وروى الزهري عن نافع: إن كان بالكسر، والشرط للمخاطب، أي لا تطع كل حلاف شارطاً يساره، لأنه إذا أطاع الكافر لغناه فكأنه اشترط في الطاعة الغنى، ونظير صرف الشرط إلى المخاطب صرف الترجي إليه في قوله:
    { لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ }
    [طه: 44].

    انتهي

    { أَلاَّ تَطْغَوْاْ فِي الْمِيزَانِ }

    قال السمين

    قوله: { أَلاَّ تَطْغَوْاْ }: في " أنْ " هذه وجهان، أحدُهما: أنَّها الناصبةُ، و " لا " بعدها نافيةٌ، و " تَطْغَوْا " منصوبٌ بـ " أنْ " ، وأنَّ قبلَها لامَ العلةِ مقدرةً، تتعلَّقُ بقولِه: " ووَضَع الميزانَ " التقدير: لئلا تَطْغَوا، وهذا بَيِّنٌ. وأجاز الزمخشريُّ وابنُ عطية أَنْ تكونَ المفسِّرَةَ، وعلى هذا تكونُ " لا " ناهيةً والفعلُ مجزومٌ بها. إلاَّ أنَّ الشيخَ رَدَّه: بأنَّ شَرْطَها تقدُّمُ جملةٍ متضمنةٍ لمعنى القول، وليسَتْ موجودةً. قلت: وإلى كونِها مفسِّرةً ذهبَ مكي وأبو البقاء: إلاَّ أنَّ أبا البقاءِ كأنَّه تَنَبَّه للاعتراضِ فقال: " وأَنْ بمعنى أَيْ، والقولُ مقدَّرٌ " ، فجعل الشيءَ المفسَّرَ بـ " أَنْ " مقدَّراً لا ملفوظاً بها، إلاَّ أنه قد يُقال: قولُه/ " والقولُ مقدَّرٌ " ليس بجيدٍ، لأنها لا تُفَسِّرُ القولَ الصريحَ، فكيف يُقَدِّر ما لا يَصِحُّ تفسيرُه؟ فإِصْلاحُه أَنْ يقولَ: وما هو بمعنى القول مقدرٌ

  6. #81
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    12,975
    الجوهرة الرابعة والثلاثون

    { أَنَّا صَبَبْنَا الْمَآءَ صَبّاً }

    قال السمين

    قوله: { أَنَّا صَبَبْنَا الْمَآءَ صَبّاً }: قرأ الكوفيون " أنَّا " بفتح الهمزة غيرَ ممالةِ الألف. والباقون بالكسر. والحسنُ بن عليّ بالفتحِ والإِمالةِ. فأمَّا القراءةُ الأولى ففيها ثلاثةُ أوجهٍ، أحدها: أنها بدلٌ مِنْ " طعامِه " فتكونُ في محلِّ جر. استشكل بعضُهم هذا الوجهَ، وَرَدَّه: " بأنه ليس الأولَ فيُبْدَلَ منه؛ لأنَّ الطعامَ ليس صَبَّ الماءِ. ورُدَّ على هذا بوجهَيْن، أحدهما: أنَّه بدلُ كلٍّ مِنْ كلّ بتأويلٍ: وهو أنَّ المعنى: فَلْيَنْظُرِ الإِنسانُ إلى إنعامِنا في طعامِه فصَحَّ البدلُ، وهذا ليسَ بواضح. والثاني: أنَّه مِنْ بدلِ الاشتمالِ بمعنى: أنَّ صَبَّ الماءِ سببٌ في إخراجِ الطعامِ فهو مشتملٌ عليه بهذا التقدير. وقد نحا مكي إلى هذا فقال: لأنَّ هذه الأشياءَ مشتملةٌ على الطعامِ، ومنها يتكوَّنُ؛ لأنَّ معنى " إلى طعامه ": إلى حدوثِ طعامهِ كيف يتأتَّى؟ فالاشتمالُ على هذا إنما هو من الثاني على الأولِ؛ لأنَّ الاعتبارَ إنما هو في الأشياءِ التي يتكوَّن منها الطعامُ لا في الطعامِ نفسِه ".

    والوجه الثاني: أنَّها على تقديرِ لامِ العلةِ، أي: فلينظُرْ لأِنَّا، ثم حُذِفَ الخافضُ فجرى الخلافُ المشهورُ في محلِّها. والوجهُ الثالث: أنَّها في محلِّ رفعٍ خبراً لمبتدأ محذوفٍ، أي: هو أنَّا صَبَبْنا، وفيه ذلك النظرُ المتقدِّم؛ لأنَّ الضميرَ إنْ عاد على الطعام فالطعامُ ليس هو نفسَ الصَّبِّ، وإنْ عاد على غيرِه فهو غيرُ معلومٍ، وجوابُه ما تقدَّمَ.

    وأمّا القراءةُ الثانية فعلى الاستئنافِ تعديداً لِنِعَمِه عليه. وأمَّا القراءةُ الثالثةُ فهي " أنَّى " التي بمعنى " كيف " وفيها معنى التعجبِ، فهي على هذه القراءةِ كلمةٌ واحدةٌ، وعلى غيرِها كلمتان.

    انتهي

    { كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَن تَوَلاَّهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ }

    قال ابو حيان

    وقال ابن عطية: ويظهر لي أن الضمير في { أنه } الأولى للشيطان والثانية لمن الذي هو للمتولي. قال الزمخشري: والكتبة عليه مثل أي إنما { كتب } إضلال من يتولاه { عليه } ورقم به لظهور ذلك في حاله.

    وقرأ الجمهور { كُتِبَ } مبنياً للمفعول. وقرىء { كَتَبَ } مبنياً للفاعل أي كتب الله. وقرأ الجمهور: { أنه } بفتح الهمزة في موضع المفعول الذي لم يسم فاعله، { فأنه } بفتحها أيضاً، والفاء جواب { من } الشرطية أو الداخلة في خبر { من } إن كانت موصولة. و { فأنه } على تقدير فشأنه أنه { يضله } أي إضلاله أو فله أن يضله.

    وقال الزمخشري: فمن فتح فلأن الأول فاعل { كتب } بعني به مفعولاً لم يسم فاعله، قال: والثاني عطف عليه انتهى. وهذا لا يجوز لأنك إذا جعلت { فأنه } عطفاً على { أنه } بقيت بلا استيفاء خبر لأن { من تولاه } { من } فيه مبتدأة، فإن قدرتها موصولة فلا خبر لها حتى يستقل خبراً لأنه وإن جعلتها شرطية فلا جواب لها إذ جعلت { فأنه } عطفاً على { أنه } ومثل قول الزمخشري قال ابن عطية قال { وأنه } في موضع رفع على المفعول الذي لم يسم فاعله، وأنه الثانية عطف على الأولى مؤكدة مثلها، وخطا خطأ لما بيناه. وقرأ الأعمش والجعفي عن أبي عمر و { إنه } { فإنه } بكسر الهمزتين. وقال ابن عطية: وقرأ أبو عمرو { إنه من تولاه فإنه يضله } بالكسر فيهما انتهى، وليس مشهوراً عن أبي عمرو. والظاهر أن ذلك من إسناد { كتب } إلى الجملة إسناداً لفظياً أي { كتب } عليه هذا الكلام كما تقول: كتب أن الله يأمر بالعدل. وقال الزمخشري: أو عن تقدير قيل أو على المفعول الذي لم يسم فاعله الكتب، والجملة من { أنه من تولاه } في موضع المفعول الذي لم يسم فاعله لقيل المقدرة، وهذا لا يجوز عند البصريين لأن الفاعل عندهم لا يكون جملة فلا يكون ذلك مفعولاً لم يسم فاعله، وأما الثاني فلا يجوز أيضاً على مذهب البصريين لأنه لا تكسر أن بعد ما هو بمعنى القول، بل بعد القول صريحة، ومعنى { ويهديه } ويسوقه وعبر بلفظ الهداية على سبيل التهكم.

  7. #82
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    12,975
    الجوهرة الخامسة والثلاثون

    وَإِنَّ كُـلاًّ لَّمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمَالَهُمْ إِنَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ }

    قال القرطبي

    قوله تعالى: { وَإِنَّ كُـلاًّ لَّمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمَالَهُمْ } أي إن كلاً من الأمم التي عددناهم يرون جزاء أعمالهم؛ فكذلك قومك يا محمد. وٱختلف القراء في قراءة { وَإِنَّ كُـلاًّ لَّمَّا } فقرأ أهل الحرمين ـ نافع وٱبن كثير وأبو بكر معهم ـ «وَإِنْ كُلاًّ لَمَا» بالتخفيف، على أنها «إن» المخففة من الثقيلة معملة؛ وقد ذكر هذا الخليل وسيبويه، قال سيبويه: حدثنا من أثق به أنه سمع العرب تقول: إن زيداً لمنطلقٌ؛ وأنشد قول الشاعر:
    كأنْ ظِبْيَةً تَعْطُو إلى وَارِقِ السَّلَمْ
    أراد كأنها ظبية فخفّف ونصب ما بعدها؛ والبصريون يجوزون تخفيف «إنّ» المشدّدة مع إعمالها؛ وأنكر ذلك الكسائيّ وقال: ما أدري على أي شيء قرىء «وَإِنْ كُلاًّ»! وزعم الفراء أنه نصب «كلاّ» في قراءة من خفف بقوله: «لَيُوفينهم» أي وإن ليوفينهم كلاّ؛ وأنكر ذلك جميع النحويين، وقالوا: هذا من كبير الغلط؛ لا يجوز عند أحد زيداً لأضربنه. وشدّد الباقون «إنّ» ونصبوا بها «كلاّ» على أصلها. وقرأ عاصم وحمزة وٱبن عامر «لَمَّا» بالتشديد. وخففها الباقون على معنى: وإن كلا ليوفينهم، جعلوا «ما» صلة. وقيل: دخلت لتفصل بين اللامين اللتين تتلقيان القسم، وكلاهما مفتوح ففصل بينهما بـ«ـما». وقال الزجاج: لام «لمّا» لام «إنّ» و«ما» زائدة مؤكدة؛ تقول: إن زيداً لمنطلق؛ فإنّ تقتضي أن يدخل على خبرها أو ٱسمها لام كقولك: إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ، وقوله:{ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَىٰ } [الزمر: 21]. واللام في «ليوفينهم» هي التي يُتَلقى بها القسم، وتدخل على الفعل ويلزمها النون المشدّدة أو المخففة؛ ولما اجتمعت اللامان فصل بينهما بـ«ـما» و«ما» زائدة مؤكدة، وقال الفراء: «ما» بمعنى «من» كقوله:{ وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ } [النساء:72] أي وإنّ كلاً لمن ليوفِينهم، واللام في «ليوفينهم» للقسم؛ وهذا يرجع معناه إلى قول الزجاج، غير أن «ما» عند الزجاج زائدة وعند الفراء ٱسم بمعنى «من». وقيل: ليست بزائدة، بل هي ٱسم دخل عليها لام التأكيد، وهي خبر «إن» و«ليوفينهم» جواب القسم، التقدير: وإنّ كلاً خَلْق ليوفينهم ربك أعمالهم. وقيل: «ما» بمعنى «من» كقوله:{ فَٱنكِحُواْ مَا طَابَ لَكُمْ مِّنَ ٱلنِّسَآءِ } [النساء: 3] أي مَنْ؛ وهذا كله هو قول الفراء بعينه. وأما من شدّد «لما» وقرأ «وَإِنَّ كُلاًّ لَمَّا» بالتشديد فيهما ـ وهو حمزة ومن وافقه ـ فقيل: إنه لحن؛ حكي عن محمد بن يزيد أن هذا لا يجوز؛ ولا يقال: إنّ زيداً إلاّ لأضربَنّه، ولا لَمّا لضربته. وقال الكسائي: الله أعلم بهذه القراءة، وما أعرف لها وجهاً. وقال هو وأبو علي الفارسي: التشديد فيهما مشكل. قال النحاس وغيره: وللنحويين في ذلك أقوال: الأول: أن أصلها «لمن ما» فقلبت النون ميماً، واجتمعت ثلاث ميمات فحذفت الوسطى فصارت «لما» و«ما» على هذا القول بمعنى «من» تقديره: وإن كلا لمن الذين؛ كقولهم:


    وإنِّيَ لَمَّا أصْدِرُ الأمرَ وجهَهُ إذا هو أَعْيَا بالسَّبِيلِ مَصَادِرُه
    وزيّف الزجاج هذا القول، وقال: «من» ٱسم على حرفين فلا يجوز حذفه. الثاني؛ أن الأصل لِمن ما، فحذفت الميم المكسورة لاجتماع الميمات، والتقدير: وإنّ كُلاًّ لِمَنْ خَلْقٍ ليوفينهم. وقيل: «لمَّا» مصدر «لَمَّ» وجاءت بغير تنوين حملاً للوصل على الوقف؛ فهي على هذا كقوله:{ وَتَأْكُلُونَ ٱلتُّرَاثَ أَكْلاً لَّمّاً } [الفجر: 19] أي جامعاً للمال المأكول؛ فالتقدير على هذا: وإن كلاًّ ليوفينهم ربك أعمالهم توفية لمًّا؛ أي جامعة لأعمالهم جمعاً، فهو كقولك: قياماً لأقومنّ. وقد قرأ الزهري «لَمًّا» بالتشديد والتنوين على هذا المعنى. الثالث: أن «لمّا» بمعنى «إلاّ» حكى أهل اللغة: سألتك بالله لمّا فعلت؛ بمعنى إلاَّ فعلت؛ ومثله قوله تعالى:{ إِن كُلُّ نَفْسٍ لَّمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ } [الطارق: 4] أي إلا عليها؛ فمعنى الآية: ما كل واحد منهم إلا ليوفينهم؛ قال القُشيريّ: وزيّف الزجاج هذا القول بأنه لا نفي لقوله: { وَإِنَّ كُـلاًّ لَّمَّا } حتى تقدر «إلا» ولا يقال: ذهب الناس لما زيد. الرابع: قال أبو عثمان المازني: الأصل وإن كلاّ لَمَا بتخفيف «لَمّا» ثم ثقلت كقوله:
    لقد خَشِيتُ أَنْ أَرَى جَدَبَّاً في عامِنَا ذا بعدَ ما أَخْصَبَّا
    وقال أبو إسحاق الزجاج: هذا خطأٰ إنما يخفّف المثقل، ولا يثقّل المخفّف. الخامس: قال أبو عبيد القاسم ابن سلاّم: يجوز أن يكون التشديد من قولهم: لَمَمْتُ الشيءَ أَلُمُّهُ لَمًّا إذا جمعته، ثم بنى منه فَعْلَى، كما قرىء{ ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَى } [المؤمنون: 44] بغير تنوين وبتنوين. فالألف على هذا للتأنيث، وتمال على هذا القول لأصحاب الإمالة؛ قال أبو إسحاق: القول الذي لا يجوز غيره عندي أن تكون مخففة من الثقيلة، وتكون بمعنى «ما» مثل:{ إِن كُلُّ نَفْسٍ لَّمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ } [الطارق: 4] وكذا أيضاً تشدّد على أصلها، وتكون بمعنى «ما» و«لما» بمعنى «إلا» حكى ذلك الخليل وسيبويه وجميع البصريين؛ وأن «لما» يستعمل بمعنى «إلا» قلت: هذا القول (الذي) ارتضاه الزجاج حكاه عنه النحاس وغيره؛ وقد تقدم مثله وتضعيف الزجاج له، إلا أن ذلك القول صوابه «إنْ» فيه نافية، وهنا مخففة من الثقيلة فافترقا وبقيت قراءتان؛ قال أبو حاتم: وفي حرف أُبَي: «وَإِنْ كُلٌّ إِلاَّ لَيُوَفِّيَنَّهُمْ» وروي عن الأعمش «وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا» بتخفيف «إن» ورفع «كل» وبتشديد «لما». قال النحاس: وهذه القراءات المخالفة للسواد تكون فيها «إنْ» بمعنى «ما» لا غير، وتكون على التفسير؛ لأنه لا يجوز أن يقرأ بما خالف السواد إلا على هذه الجهة. { إِنَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ } تهديد ووعيد.

  8. #83
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    12,975
    الجوهرة السادسة والثلاثون

    فَذَكِّرْ إِن نَّفَعَتِ الذِّكْرَى}

    قال السمين

    قوله: { إِن نَّفَعَتِ }: " إنْ " شرطيةٌ. وفيه استبعادٌ لتذكُّرِهم. ومنه:
    4552ـ لقد أَسْمَعْتَ لو نادَيْتَ حَيَّاً ولكنْ لا حياةَ لمَنْ تُنادي
    وقيل: " إنْ " بمعنى إذْ كقولِه:
    { وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ }
    [آل عمران: 139]. وقيل: هي بمعنى " قد " ذكَرَه ابنُ خالويه، وهو بعيدٌ جداً. وقيل: بعده شيءٌ محذوفٌ تقديرُه: إنْ نَفَعَتِ الذكرى وإن لم تنفَعْ، قاله الفراء. والنحاس والجرجاني والزهراوي.


    وقال القرطبي

    { إِن نَّفَعَتِ الذِّكْرَى} أي الموعظة. وروى يونس عن الحسن قال: تذكرة للمؤمن، وحجة على الكافر. وكان ابن عباس يقول: تنفع أوليائي، ولا تنفع أعدائي. وقال الجُرجانِيّ: التذكير واجب وإن لم ينفع. والمعنى: فذكر إن نفعت الذكرى؛ أو لم تنفع، فحذف؛ كما قال:
    { سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ }
    [النحل: 81]. وقيل: إنه مخصوص بأقوام بأعيانهم. وقيل: إنّ «إنْ» بمعنى ما؛ أي فذكر ما نفعت الذكرى، فتكون «إنْ» بمعنى ما، لا بمعنى الشرط؛ لأن الذكرى نافعة بكل حال؛ قاله ابن شَجَرة. وذكر بعض أهل العربية: أنّ «إنْ» بمعنى إذْ؛ أي إذْ نفعت؛ كقوله تعالى:
    { وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُّؤْمِنِينَ }
    [آل عمران: 139] أي إذ كنتم؛ فلم يخبر بعلوهم إلا بعد إيمانهم. وقيل: بمعنى قد

    ملحوظة

    قلت انا اسامة خيرى قد تكون الاية دليلا فى مسالة عدم المشروط بالشرط

    { وَلْيَسْتَعْفِفِ ٱلَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ نِكَاحاً حَتَّىٰ يُغْنِيَهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَٱلَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً وَآتُوهُمْ مِّن مَّالِ ٱللَّهِ ٱلَّذِيۤ آتَاكُمْ وَلاَ تُكْرِهُواْ فَتَيَاتِكُمْ عَلَى ٱلْبِغَآءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً لِّتَبْتَغُواْ عَرَضَ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا وَمَن يُكْرِههُنَّ فَإِنَّ ٱللَّهَ مِن بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَّحِيمٌ }

    قال الرازى

    المسألة الخامسة: الذي نقول به أن المعلق بكلمة إن على الشيء عدم عند عدم ذلك الشيء، والدليل عليه اتفاق أهل اللغة على أن كلمة إن للشرط واتفاقهم على أن الشرط ما ينتفي الحكم عند انتفائه، ومجموع هاتين المقدمتين النقليتين، يوجب الحكم بأن المعلق بكلمة إن على الشيء عدم عند عدم ذلك الشيء، واحتج المخالف بهذه الآية فقال إنه سبحانه علق المنع من الإكراه على البغاء على إرادة التحصن بكلمة إن فلو كان الأمر كما ذكرتموه لزم أن لا ينتفي المنع من الإكراه على الزنا إذا لم توجد إرادة التحصن وذلك باطل، فإنه سواء وجدت إرادة التحصن أو لم توجد فإن المنع من الإكراه على الزنا حاصل والجواب: لا نزاع أن ظاهر الآية يقتضي جواز الإكراه على الزنا عند عدم إرادة التحصن ولكنه فسد ذلك لامتناعه في نفسه لأنه متى لم توجد إرادة التحصن في حقها لم تكن كارهة للزنا، وحال كونها غير كارهة للزنا يمتنع إكراهها على الزنا فامتنع ذلك لامتناعه في نفسه وذاته، ومن الناس من ذكر فيه جواباً آخر وهو أن غالب الحال أن الإكراه لا يحصل إلا عند إرادة التحصن، والكلام الوارد على سبيل الغالب لا يكون له مفهوم الخطاب كما أن الخلع يجوز في غير حالة الشقاق ولكن لما كان الغالب وقوع الخلع في حالة الشقاق لا جرم لم يكن لقوله تعالى:

    { فَإِنْ خِفْتُمْ ألاّ يُقِيمَا حُدُودَ ٱللَّهِ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا ٱفْتَدَتْ بِهِ } [البقرة: 229] مفهوم ومن هذا القبيل قوله:{ وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِى ٱلأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُواْ مِنَ ٱلصَّلوٰةِ إِنْ خِفْتُمْ أَن يَفْتِنَكُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ } [النساء: 101] والقصر لا يختص بحال الخوف ولكنه سبحانه أجراه على سبيل الغالب، فكذا ههنا والجواب: الثالث معناه إذا أردن تحصناً لأن القصة التي وردت الآية فيها كانت كذلك على ما روينا أن جارية عبدالله بن أبي أسلمت وامتنعت عليه طلباً للعفاف فأكرهها فنزلت الآية موافقة لذلك، نظيره قوله تعالى:{ وَإِن كُنتُمْ فِى رَيْبٍ مّمَّا نَزَّلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا } [البقرة: 23] أي وإذا كنتم في ريب. المسألة السادسة: أنه تعالى لما منع من إكراههن على الزنا ففيه ما يدل على أن لهم إكراههن على النكاح فليس لها أن تمتنع على السيد إذا زوجها بل له أن يكرهها على ذلك وهذه الدلالة دلالة دليل الخطاب. أما قوله { إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً } أي تعففاً { لّتَبْتَغُواْ عَرَضَ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا } يعني كسبهن وأولادهن....

  9. #84
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    12,975
    الجوهرة السابعة والثلاثون

    وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُواْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُواْ نُؤْمِنُ بِمَآ أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرونَ بِمَا وَرَآءَهُ وَهُوَ ٱلْحَقُّ مُصَدِّقاً لِّمَا مَعَهُمْ قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَآءَ ٱللَّهِ مِن قَبْلُ إِن كُنْتُمْ مُّؤْمِنِينَ }

    قال السمين


    قوله: { إِن كُنْتُمْ مُّؤْمِنِينَ } في " إنْ " قولان أحدهما: أنها شرطية وجوابُها محذوفٌ تقديرُه: إنْ كنتُمْ مؤمنينَ فلِمَ فَعَلْتُم ذلك، ويكونُ الشرط وجوابُه قد كُرِّر مرتين، فَحُذِفَ الشرطُ من الجملةِ الأولى وبقي جوابُه وهو: فَلِمَ تقتلون، وحُذِفَ الجوابُ من الثانيةِ وبقي شرطُه، فقد حُذِفَ مِنْ كلِّ واحدةٍ ما أُثْبت في الأخرى. وقال ابن عطية: " جوابُها متقدِّمٌ، وهو قوله: فَلِمَ " وهذا إنما يتأتَّى على قولِ الكوفيين وأبي زيد.

    والثاني: أَنَّ " إنْ " نافيةٌ بمعنى ما، أي: ما كنتم مؤمنين لمنافاةِ ما صَدَر منكم الإِيمانَ.

  10. #85
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    12,975
    الجوهرة الثامنة والثلاثون

    إِنَّ ٱلَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ فَٱدْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ }

    قال السمين

    قوله تعالى: { إِنَّ ٱلَّذِينَ }: العامَّة على تشديد إنَّ فالموصولُ اسمُها وعبادٌ خبرها. وقرأ سعيد بن جبير بتخفيف " إنْ " ونصب " عباد " و " أمثالكم ". وقد خَرَّجها أبو الفتح ابن جني وغيره أنها " إنْ " النافيةُ، وهي عاملةٌ عملَ " ما " الحجازية، وهذا مذهب الكسائي وأكثرُ الكوفيين غيرَ الفراء، وقال به من البصريين ابن السراج والفارسي وابن جني، واختلف النقل عن سيبويه والمبرد. والصحيح أن إعمالَها لغةٌ ثابتة نظماً ونثراً وأنشدوا:
    2360ـ إنْ هو مستولياً على أحد إلا على أَضْعف المجانين
    ولكن قد استشكلوا هذه القراءة من حيث إنها تنفي كونهم عباداً أمثالهم، والقراءة الشهيرة تُثْبت ذلك، ولا يجوز التناقض في كلام الله تعالى. وقد أجابوا عن ذلك بأن هذه القراءة تُفْهم تحقيرَ أمرِ المعبود من دون الله وغباوةَ عابدِه، وذلك أن العابدين أتمُّ حالاً وأقدرُ على الضرِّ والنفع من آلهتهم فإنها جمادٌ لا تفعل شيئاً من ذلك فكيف يَعْبُد الكاملُ مَنْ هو دونَه؟ فهي موافقةٌ للقراءة المتواترة بطريق الأَوْلى.

    وقد ردَّ أبو جعفر هذه القراءة بثلاثة أوجه، أحدها: مخالفتُها لسواد المصحف. الثاني: أن سيبويه يختار الرفع في خبر " إنْ " المخففة فيقول: " إنْ زيد منطلق " لأن عَمَلَ " ما " ضعيف و " إنْ " بمعناها فهي أضعف منها. الثالث: أن الكسائي لا يرى أنها تكون بمعنى " ما " إلا أن يكون بعدها إيجاب. وما ردَّ به النحاس ليس بشيء لأنها مخالَفَةٌ يسيرة. قال الشيخ: " ويجوز أن يكون كتب المنصوب على لغة ربيعة في الوقف على المنون المنصوب بغير ألف فلا تكون فيه مخالِفَةً للسواد ". وأما سيبويه فاختلف الناس في الفهم عنه في ذلك. وأما الكسائي فهذا القيد غير معروف له. وخرَّج الشيخ القراءة على أنها " إنْ " المخففة قال: " وإنْ المخففة تعمل في القراءة المتواترة كقراءة " وإنْ كلاً " ، ثم إنها قد ثبت لها نصب الجُزْأَين، وأنشد:
    2361ـ................ ............... إنَّ حُرَّاسنا أُسْدا
    قال: " وهي لغة ثابتة " ثم قال: " فإن تأوَّلنا ما ورد من ذلك نحو:
    2362ـ يا ليت أيامَ الصِّبا رواجعا
    أي: تُرى رواجعا/ فكذلك هذه يكون تأويلها: إن الذين تدعون من دون الله خلقناهم عباداً أمثالكم ". قلت: فيكون هذا التخريج مبنياً على مذهبين أحدهما: إعمال المخففة وقد نصَّ جماعة من النحويين على أنه أقل من الإِهمال، وعبارة بعضهم " إنه قليل " ولا أرتضيه لوروده في المتواتر. والثاني: أن " إنَّ " وإخواتها تنصب الجزأين وهو مذهب مرجوح. وقد تحصَّل في تخريج هذه القراءة ثلاثة أوجه: كون " إنْ " نافيةً عاملةً، أو المخففة الناصبة للجزأين، أو النصب بفعل مقدر هو خبر لها في المعنى.

    وقرأ بعضهم " إنْ " مخففة، " عباداً " نصباً، " أمثالُكم " رفعاً، وتخريجها على أن تكونَ المخففة وقد أُهملت، و " الذين " مبتدأ، و " تدعون " صلتها، والعائد محذوف، و " عبادٌ " حال من ذلك العائد المحذوف، و " أمثالكم " خبره. والتقدير: إن الذين تدعونهم حال كونهم عباداً أمثالكم في كونهم مخلوقين مملوكين فكيف يُعبدون؟ ويَضْعُف أن يكون الموصول اسماً منصوبَ المحل لأن إعمالَ المخففة كما تقدَّم قليلٌ.

    وحكى أبو البقاء أيضاً قراءةً رابعةً وهي بتشديد " إنَّ " ، ونصب " عباد " ، ورفع " أمثالكم " ، وتخريجها على ما تقدم قبلها.

    ملحوظة

    قلت انا اسامة خيري يظهر معنى قراءة الامام سعيد بن جبير بتأمل الاية بعدها فكأن الله قال ماهم مثلكم الهم ارجل ....فكيف تصح عبادتكم لهم

    ومن هنا تعلم وتفهم قول الرازى حين قال
    :

    { أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَآ أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَآ أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَآ أَمْ لَهُمْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا قُلِ ٱدْعُواْ شُرَكَآءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلاَ تُنظِرُونِ }

    اعلم أن هذا نوع آخر من الدليل في بيان أنه يقبح من الإنسان العاقل أن يشتغل بعبادة هذه الأصنام. وتقريره أنه تعالى ذكر في هذه الآية أعضاء أربعة، وهي الأرجل والأيدي والأعين والآذان، ولا شك أن هذه الأعضاء إذا حصل في كل واحدة منها ما يليق بها من القوى المحركة والمدركة تكون أفضل منها إذا كانت خالية عن هذه القوى، فالرجل القادرة على المشي واليد القادرة على البطش أفضل من اليد والرجل الخاليتين عن قوة الحركة والحياة، والعين الباصرة والأذن السامعة أفضل من العين والأذن الخاليتين عن القوة الباصرة والسامعة، وعن قوة الحياة، وإذا ثبت هذا ظهر أن الإنسان أفضل بكثير من هذه الأصنام، بل لا نسبة لفضيلة الإنسان إلى فضل هذه الأصنام البتة، وإذا كان كذلك فكيف يليق بالأفضل الأكمل الأشرف أن يشتغل بعبادة الأخس الأدون الذي لا يحس منه فائدة البتة، لا في جلب المنفعة ولا في دفع المضرة. هذا هو الوجه في تقرير هذا الدليل الذي ذكره الله تعالى في هذه الآية، وقد تعلق بعض أغمار المشبهة وجهاً لهم بهذه الآية في إثبات هذه الأعضاء لله تعالى. فقالوا: إنه تعالى جعل عدم هذه الأعضاء لهذه الأصنام دليلاً على عدم إلهيتها، فلو لم تكن هذه الأعضاء موجودة لله تعالى لكان عدمها دليلاً على عدم الإلهية وذلك باطل، فوجب القول بإثبات هذه الأعضاء لله تعالى. والجواب عنه من وجهين: الوجه الأول: أن المقصود من هذه الآية: بيان أن الإنسان أفضل وأكمل حالاً من الصنم، لأن الإنسان له رجل ماشية، ويد باطشة، وعين باصرة، وأذن سامعة، والصنم رجله غير ماشية، ويده غير باطشة، وعينه غير مبصرة، وأذنه غير سامعة، وإذا كان كذلك كان الإنسان أفضل وأكمل حالاً من الصنم، واشتغال الأفضل الأكمل بعبادة الأخس الأدون جهل، فهذا هو المقصود من ذكر هذا الكلام، لا ما ذهب إليه وهم هؤلاء الجهال. الوجه الثاني: في الجواب أن المقصود من ذكر هذا الكلام: تقرير الحجة التي ذكرها قبل هذه الآية وهي قوله:{ وَلاَ يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا وَلاَ أَنفُسَهُمْ يَنصُرُونَ } [الأعراف: 192] يعني كيف تحسن عبادة من لا يقدر على النفع والضرر، ثم قرر تعالى ذلك بأن هذه الأصنام لم يحصل لها أرجل ماشية، وأيد باطشة، وأعين باصرة، وآذان سامعة، ومتى كان الأمر كذلك لم تكن قادرة على الإنفاع والإضرار، فامتنع كونها آلهة. أما إله العالم تعالى وتقدس فهو وإن كان متعالياً عن هذه الجوارح والأعضاء إلا أنه موصوف بكمال القدرة على النفع والضرر وهو موصوف بكمال السمع والبصر فظهر الفرق بين البابين

  11. #86
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    12,975
    الجوهرة التاسعة والثلاثون

    { وَإِنَّ هَـٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَاْ رَبُّكُمْ فَٱتَّقُونِ }

    قال الطبري

    اختلفت القرّاء فـي قراءة قوله { وَإنَّ هَذِهِ أمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحدَةً } ، فقرأ ذلك عامة قرّاء أهل الـمدينة والبصرة «وأنَّ» بـالفتـح، بـمعنى إنـي بـما تعملون علـيـم، وأن هذه أمتكم أمة واحدة. فعلـى هذا التأويـل «أنّ» فـي موضع خفض، عطف بها علـى «ما» من قوله { بِـما تَعْمَلُونَ } ، وقد يحتـمل أن تكون فـي موضع نصب إذا قرىء ذلك كذلك، ويكون معنى الكلام حينئذٍ واعلـموا أن هذه، ويكون نصبها بفعل مضمر. وقرأ ذلك عامة قرّاء الكوفـيـين بـالكسر { وَإنَّ } هذه علـى الاستئناف. والكسر فـي ذلك عندي علـى الابتداء هو الصواب، لأن الـخبر من الله عن قـيـله لعيسى { يا أيُّها الرُسُلُ } مبتدأ، فقوله { وَإنَّ هَذِهِ } مردود علـيه عطفـاً به علـيه فكان معنى الكلام وقلنا لعيسى يا أيها الرسل كلوا من الطيبـات، وقلنا وإن هذه أمتكم أمة واحدة. وقـيـل إن الأمة الذي فـي هذا الـموضع الدِّين والـملة

    وقال السمين


    قوله: { وَإِنَّ هَـٰذِهِ أُمَّتُكُمْ }: قرأ ابن عامر وحده " وأنْ " هذه بفتحِ الهمزةِ وتخفيفِ النون. والكوفيون بكسرها والتثقيل، والباقون بفتحها والتثقيل. فأمَّا قراءةُ ابنِ عامرٍ فهي المخففةُ من الثقيلة. وسيأتي توجيِهُ الفتح في الثقيلة فيتضحُ معنى قراءتِه. وأمَّا قراءةُ الكوفيين فعلىٰ الاستئنافِ.

    وأمَّا قراءة الباقين ففيها ثلاثةُ أوجهٍ: أحدها: أنها على حذف اللام أي: ولأَِنَّ هذه، فلمَّا حُذِف الحرفُ جرىٰ الخلافُ المشهورُ. وهذه اللامُ تتعلَّقُ بـ " اتَّقون ". والكلامُ في الفاءِ كالكلامِ في قوله:{ وَإِيَّايَ فَٱرْهَبُونِ } [البقرة: 40]. والثاني: أنها منسوقَةٌ على " بما تَعْملون " أي: إنيِّ عليمٌ بما تَعْملون وبأنَّ هذه. فهذه داخلةٌ في حَيِّز المعلومِ. والثالث: أنَّ في الكلام حَذْفاً تقديره: واعلموا أنَّ هذه أمَّتُكم

  12. #87
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    12,975
    الجوهرة الاربعون

    قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً وَبِٱلْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَلاَ تَقْتُلُوۤاْ أَوْلاَدَكُمْ مِّنْ إمْلاَقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلاَ تَقْرَبُواْ ٱلْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلاَ تَقْتُلُواْ ٱلنَّفْسَ ٱلَّتِي حَرَّمَ ٱللَّهُ إِلاَّ بِٱلْحَقِّ ذٰلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ }

    قال السمين

    قوله تعالى: { أَتْلُ مَا حَرَّمَ }: في " ما " هذه ثلاثة أوجه أظهرها: أنها موصولةٌ بمعنى الذي والعائد محذوف أي: الذي حَرَّمه، والموصول في محل نصب مفعولاً به. والثاني: أن تكون مصدريةً أي: أتل تحريم ربكم، ونفس التحريم لا يُتْلَى وإنما هو مصدرٌ واقع موقع المفعول به أي: أتلُ مُحَرَّم ربكم الذي حرَّمه هو. والثالث: أنها استفهامية في محل نصب بحرَّم بعدها، وهي مُعَلِّقة لأتْل والتقدير: أتل أيَّ شيء حرَّم ربكم، وهذا ضعيف لأنه لا تُعَلَّقُ إلا أفعالُ القلوب وما حُمِل عليها. وأمَّا " عليكم " ففيه وجهان أحدهما: أنه متعلق بَحَرَّم، وهذا اختيار البصريين. والثاني: أنه متعلق بأَتْلُ وهو اختيار الكوفيين يعني أن المسألة من باب الإِعمال، وقد عرفت أن اختيار البصريين إعمالُ الثاني، واختيارَ الكوفيين إعمالُ الأول.

    قوله: { أَلاَّ تُشْرِكُواْ } فيه أوجه أحدها: أنَّ " أَنْ " تفسيرية لأنه تَقَدَّمَها ما هو بمعنى القول لا حروفه و " لا " هي ناهية و " تشركوا " مجزومٌ بها، وهذا وجهٌ ظاهر، وهو اختيار الفراء قال: " ويجوزُ أن يكون مجزوماً بـ " لا " على النهي كقولك: أمرتك أَنْ لا تذهب إلى زيد بالنصب والجزم. ثم قال: والجزم في هذه الآية أحبُّ إليَّ كقوله تعالى:
    { أَوْفُواْ ٱلْمِكْيَالَ وَٱلْمِيزَانَ }
    [هود: 85] قلت: يعني فعطفُ هذه الجملة الأمرية يُقَوِّي أنَّ ما قبلها نهي ليتناسب طرفا الكلام، وهو اختيار الزمخشري أيضاً فإنه قال: " وأَنْ في " أن لا تشركوا " مفسرة و " لا " للنهي " ثم قال بعد كلام: " فإن قلت: إذا جعلت " أن " مفسرةً لفعل التلاوة وهو معلَّق بما حرَّم ربكم وَجَبَ أَنْ يكون ما بعده منهيَّاً عنه مُحَرَّماً كله كالشرك وما بعده مما دخل عليه حرفُ النهي فما تصنع بالأوامر؟ قلت: لَمَّا وَرَدَت هذه الأوامرُ مع النواهي، وتقدَّمهن جميعاً فعلُ التحريم، واشتركن في الدخول تحت حكمه عُلم أن التحريمَ راجعٌ إلى أضدادها وهي الإِساءة إلى الوالدين، وبَخْسُ الكيل والميزان، وتَرْكُ العدلِ في القول، ونكثُ العهد ".

    قال الشيخ: " وكونُ هذه الأشياء اشتركت في الدخول تحت حكم التحريم، وكونُ التحريم راجعاً إلى أضداد الأوامر بعيدٌ جداً وإلغازٌ في التعامي ولا ضرورةَ تدعو إلى ذلك ". قلت: ما استبعده ليس ببعيدٍ وأين الإِلغاز والتعمِّي من هذا الكلامِ حتى يرميَه به. ثم قال الشيخ: " وأمَّا عطف هذه الأوامر فيحتمل وجهين، أحدهما: أنها معطوفة لا على المناهي قبلها فيلزم انسحاب التحريم عليها حيث كانت في حَيِّز " أن " التفسيرية، بل هي معطوفة على قوله { تَعَالَوْاْ أتْلُ مَا حَرَّمَ } ، أمرهم أولاً بأمرٍ يترتب عليه ذِكْرُ مَناهٍ، ثم أمرهم ثانياً بأوامر وهذا معنى واضح.


    والثاني: أن تكون الأوامر معطوفةً على المناهي وداخلةً تحت " أن " التفسيرية، ويصحُّ ذلك على تقدير محذوف تكون " أن " مفسرةً له وللمنطوق قبله الذي دلَّ على حَذْفِه، والتقدير: وما أمركم به فحذف وما أمركم به لدلالة ما حَرَّم عليه، لأن معنى ما حَرَّم ربكم: ما نهاكم ربكم عنه فالمعنى: تعالوا أتلُ ما نهاكم ربكم عنه وما أمركم به، وإذا كان التقدير هكذا صح أن تكون " أن " تفسيرية لفعل/ النهي الدالِّ عليه التحريمُ وفعل الأمر المحذوف، ألاى ترى أنه يجوز أن تقول: " أمرتك أن لا تكرم جاهلاً وأكرم عالماً " إذ يجوز أن يُعْطف الأمر على النهي والنهي على الأمر كما قال:
    2118ـ................ يقولون لا تَهْلِكْ أسىً وتجمَّلِ
    وهذا لا نعلم فيه خلافاً بخلاف الجمل المتباينة بالخبر والاستفهام والإِنشاء فإنَّ في جواز العطف فيها خلافاً " انتهى.

    الثاني: أن تكون " أَنْ " ناصبةً للفعل بعدها، وهي وما في حَيِّزها في محل نصب بدلاً من " ما حرم ". الثالث: أنها الناصبة أيضاً وهي وما في حَيِّزها بدل من العائد المحذوف إذ التقدير: ما حَرَّمه، وهو في المعنى كالذي قبله. و " لا " على هذين الوجهين زائدة لئلا يفسد المعنى كزيادتها في قوله تعالى:
    { أَلاَّ تَسْجُدَ }
    [الأعراف: 12] و
    { لِّئَلاَّ يَعْلَمَ }
    [الحديد: 29]. قال الشيخ: " وهذا ضعيف لانحصار عموم المُحَرَّمِ في الإِشراك، إذ ما بعده من الأمر ليس داخلاً في المُحَرَّم ولا ما بعد الأمر مما فيه لا يمكن ادِّعاء زيادة " لا " فيه لظهور أنَّ " لا " فيه للنهي ". ولمَّا ذكر مكي كونَها بدلاً مِنْ " ما حرم " لم ينبِّه على زيادة " لا " ولا بد منه. وقد منع الزمخشري أن تكون بدلاً مِنْ " ما حرم " فقال: " فإن قلت: هلا قلت هي التي تنصب الفعل وجعلت " أن لا تشركوا " بدلاً من " ما حرم ". قلت: وجب أن يكون أن لا تشركوا ولا تقربوا ولا تقتلوا ولا تتبعوا السبل نواهي لانعطاف الأوامر عليها، وهي قوله " بالوالدين إحساناً "؛ لأنَّ التقدير: وأحسنوا بالوالدين إحساناً، وأَوْفوا وإذا قلتم فاعدِلوا، وبعهد الله أَوْفوا ". فإن قلت: فما تصنع بقوله
    { وَأَنَّ هَـٰذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَٱتَّبِعُوهُ }
    [الأنعام: 153] فيمَنْ قرأ بالفتح، وإنما يستقيم عطفُه على " أَنْ لا تشركوا " إذا جعلت " أن " هي الناصبة حتى يكون المعنى: أتل عليكم نفي الإِشراك وأتل عليكم أن هذا صراطي مستقيماً؟ قلت: أجعل قولَه " وأن هذا صراطي مستقيماً " علةً للاتِّباع بتقدير اللام كقوله

    { وَأَنَّ ٱلْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلاَ تَدْعُواْ مَعَ ٱللَّهِ أَحَداً }
    [الجن: 18] بمعنى: ولأن هذا صراطي مستقيماً فاتبعوه، والدليل عليه القراءة بالكسر كأنه قيل: واتبعوا صراطي لأنه مستقيم، أو: واتبعوا صراطي أنه مستقيم ".

    واعترض عليه الشيخ بعد السؤال الأول وجوابه وهو " فإن قلت: هَلاَّ قلت هي الناصبة " إلى: { وَبِعَهْدِ ٱللَّهِ أَوْفُواْ } فقال: " لا يتعيَّنْ أن تكونَ جميعُ الأوامر معطوفة على ما دخل عليه " لا " لأنَّا بيَّنَّا جواز عطف " وبالوالدين إحساناً " على " تعالَوا " وما بعده معطوف عليه، ولا يكون قوله " وبالوالدين إحساناً " معطوفاً على أن لا تشركوا ".

    الرابع: أن تكون " أَنْ " الناصبة وما في حَيِّزها منصوبةً على الإِغراء بـ " عليكم " ، ويكون الكلامُ الأول قَدْ تمَّ عند قوله " ربكم " ، ثم ابتدأ فقال: عليكم أن لا تشركوا، أي: الزموا نفي الإِشراك وعدمه، وهذا ـ وإن كان ذكره جماعة كما نقله ابن الأنباري ـ ضعيف لتفكك التركيب عن ظاهره؛ ولأنه لا يتبادر إلى الذهن.

    الخامس: أنها وما في حَيِّزها في محل نصب أو جر على حذف لام العلة والتقدير: أتل ما حرم ربكم عليكم لئلا تشركوا، وهذا منقول عن أبي إسحاق، إلا أن بعضهم استبعده من حيث إن ما بعده أمرٌ معطوف بالواو ومناهٍ معطوفة بالواو أيضاً فلا يناسب أن يكونَ تبييناً لِما حرَّم، أمَّا الأمرُ فمِنْ حيث المعنى، وأمَّا المناهي فمِنْ حيث العطف.

    السادس: أن تكون هي وما بعدها في محل نصب بإضمارٍ فعلٍ تقديره: أوصيكم أن لا تشركوا؛ لأن قوله " وبالوالدين إحساناً " محمول على أوصيكم بالوالدين إحساناً، وهو مذهب أبي إسحاق أيضاً.

    السابع: أن تكون " أَنْ " وما في حَيِّزها في موضع رفع على أنها خبر مبتدأ محذوف أي: المُحَرَّمُ أن لا تشركوا، أو المتلوُّ أن لا تشركوا، إلا أن التقدير بنحو المتلوّ أحسنُ؛ لأنه لا يُحْوج إلى زيادة " لا " ، والتقدير بالمحرم أن لا تشركوا يحوج إلى زيادتها لئلا يفسد المعنى.

    الثامن: أنها في محل رفع أيضاً على الابتداء، والخبر الجارُّ قبله والتقدير: عليكم عَدَمُ الإِشراك، ويكون الوقف على قوله " ربكم " كما تقدَّم في وجه الإِغراء، وهذا مذهب لأبي بكر بن الأنباري فإنه قال: " ويجوز أن يكونَ في موضع رفع بـ " على " كما تقول: عليكم الصيام والحج ".

    التاسع: أن يكون في موضع رفع بالفاعلية بالجارِّ قبلها، وهو ظاهر قول ابن الأنباري المتقدم، والتقدير: استقرَّ/ عليكم عدم الإِشراك. وقد تحصَّلت في محل " أن لا تشركوا " على ثلاثة أوجه، الرفع والنصب والجر، فالجر من وجه واحد وهو أن يكون على حذف حرف الجر على مذهب الخليل والكسائي، والرفع من ثلاثة أوجه، والنصب من ستة أوجه، فمجموع ذلك عشرة أوجه تقدَّم تحريرها.

  13. #88
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    12,975
    الجوهرة الواحدة والاربعون

    وَأَنَّ هَـذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ }

    قال السمين

    قوله { وَأَنَّ هَـذَا } قرأ الأخوان بكسر " إن " على الاستئناف و " فاتبعوه " جملة معطوفة على الجملة قبلها. وهذه الجملة الاتئنافية تفيد التعليل لقوله " فاتبعوه " ، ولذلك استشهد بها الزمخشري على ذلك كما تقدَّم، فعلى هذا يكون الكلام في الفاء في " فاتَّبِعوه " كالكلام فيها في قراءة غيرهما وستأتي.

    وقرأ ابن عامر " وأَنْ " بفتح الهمزة وتخفيف النون، والباقون بالفتح أيضاً والتشديد. فأمَّا قراءة الجماعة ففيها أربعة أوجه، أحدها:ـ وهو الظاهر ـ أنها في محل نصب نَسَقاً على ما حرَّم أي: أتل ما حرم وأتل أنْ هذا صراطي، والمراد بالمتكلم النبي صلى الله عليه وسلم لأنَّ صراطه صراط لله عز وجل، وهذا قول الفراء قال: " بفتح " أن " مع وقوع " أتلُ " عليها يعني: أتل عليكم أنَّ هذا صراطي مستقيماً. والثاني: أنها منصوبة المحل أيضاً نسقاً على " أن لا تشركوا " إذا قلنا بأنَّ " أَنْ " المصدرية وأنها وما بعدها بدل من " ما حَرَّم " قاله الحوفي.

    الثالث: أنها على إسقاط لام العلة أي: ولأنَّ هذا صراطي مستقيماً فاتَّبِعوه كقوله تعالى:
    { وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلاَ تَدْعُواْ }
    [الجن: 14] قال أبو علي: " من فتح " أنَّ " فقياس قول سيبويه أنَّه حَمَلها على " فاتَّبعوه " والتقدير: ولأن هذا صراطي مستقيماً فاتَّبعوه كقوله:
    { وَأنَّ هَـذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً }
    [المؤمنون: 52]. قال سيبويه: " ولأن هذه أمتكم " وقال في قوله تعالى: " وأن المساجد لله ": ولأن المساجد ". قال بعضهم: وقد صرَّح بهذه اللام في نظير هذا التركيب كقوله تعالى:
    { لإِيلاَفِ قُرَيْشٍ إِيلاَفِهِمْ... فَلْيَعْبُدُواْ }
    [قريش: 1]، والفاء على هذا كهي في قولك: زيداً فاضرب، وبزيد فامرر. وقد تقدم تقريره في البقرة. قال الفارسي: " قياس قول سيبويه في فتح الهمزة أن تكون الفاء زائدة كهي في " زيد فقائم " قلت: سيبويه لا يجوِّز زيادتها في مثل هذا الخبر، وإنما أراد أبو علي بنظيرها في مجرد الزيادة وإن لم يَقُلْ به، بل قال به غيرُه. الرابع: أنها في محل جر نسقاً على الضمير المجرور في " به " أي: ذلكم وصَّاكم به وبأن هذا، وهو قول الفراء أيضاً. وردَّه أبو البقاء بوجهين أحدهما: العطف على الضمير المجرور من غير إعادةِ الجار. والثاني: أنه يصير المعنى: وَصَّاكم باستقامة الصراط وهذا فاسدٌ ". قلت: والوجهان مردودان، أمَّا الأول فليس هذا من باب العطف على المضمر من غير إعادة الجار لأن الجارَّ هنا في قوة المنطوق به، وإنما حُذِفَ لأنه يَطَّرد حَذْفُه مع أنَّ وأنْ لطولهما بالصلة، ولذلك كان مذهب الجمهور أنها في محل جر بعد حذفه لأنه كالموجود، ويدل على ما قلته ما قال الحوفي قال: " حُذِفت الباء لطول الصلة وهي مرادة، ولا يكون في هذا عَطْفُ مُظْهَرٍ على مضمر لإِرادتها ". وأمَّا الثاني فالمعنى صحيح غير فاسد؛ لأن معنى توصيتنا باستقامة الصراط أن لا نتعاطى ما يُخْرِجنا عن الصراط، فوصيتنا باستقامته مبالغة في اتباعه.

    وأمَّا قراءةُ ابنِ عامر فقالوا: " أنْ " فيها مخففة من الثقيلة، واسمها ضمير الأمر والشأن أي: " وأنَّه " كقوله تعالى:
    { أَنِ الْحَمْدُ للَّهِ }
    [يونس: 10] وقوله:
    2122ـ............... أنْ هالكٌ كلُّ مَنْ يَْحفَى ويَنْتَعِلُ
    وحينئذٍ ففيها أربعةُ الأوجه المذكورة في المشددة. و " مستقيماً " حال، العامل: إمَّا " ها " التنبيه، وإمَّا اسم الإِشارة، وفي مصحف عبد الله " وهذا صراطي " بدون " أنَّ " وهي قراءة الأعمش، وبها تتأيَّد قراءةُ الكسر المؤذنة بالاستئناف.

  14. #89
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    12,975
    الجوهرة الثانية والاربعون

    { أَن تَقُولُوۤاْ إِنَّمَآ أُنزِلَ ٱلْكِتَابُ عَلَىٰ طَآئِفَتَيْنِ مِن قَبْلِنَا وَإِن كُنَّا عَن دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ }

    قال السمين

    قوله: { وَإِنْ كُنَّا } " إنْ " مخففةٌ من الثقيلة عند البصريين، وهي هنا مهملةٌ ولذلك وَلِيَتْها الجملة الفعلية، وقد تقدَّم تحقيق ذلك، وأن الكوفيين يجعلونها بمعنى " ما " النافية، واللام بمعنى إلا، والتقدير: ما كنا عن دراستهم إلا غافلين. وقال الزجاج بمثل ذلك، فنحا نحو الكوفيين. وقال قطرب: " إنْ " بمعنى قد واللام زائدة. وقال الزمخشري بعد أَنْ قَرَّر مذهب البصريين كما قدمته: " والأصل: إنَّه كنا عن عبادتهم " فقدَّر لها اسماً محذوفاً هو ضمير الشأن، كما يُقَدِّر النحويون ذلك في " أَنْ " بالفتح إذا خُفِّفَتْ، وهذا مخالف لنصوصهم وذلك أنهم نصُّوا على أنَّ " إنْ " بالكسر إذا خُفِّفت ولِيَتْها الجملة الفعلية الناسخة فلا عَمل لها لا في ظاهر ولا مضمر. و " عن دراستهم " متعلق بخبر " كنا " وهو " غافلين " ، وفيه دلالة على بطلان مذهب الكوفيين في زعمهم أن اللام بمعنى إلا، ولا يجوز أن يعمل ما بعد " إلا " فيما قبلها فكذلك ما هو بمعناها.

    قال الشيخ: " ولهم أن يجعلوا " عنها " متعلقاً بمحذوف ". وتقدَّم أيضاً خلاف أبي علي في أن هذه اللام ليست لامَ الابتداء بل لامٌ أخرى، " ويدل أيضاً على أن اللام لام ابتداء لزمت للفرق فجاز أن يتقدَّم معمولُها عليها لمَّا وقعت في غير ما هو لها أصل، كما جاز ذلك في: " إنَّ زيداً طعامَك لآكل " حيث وقعت في غير ما هو لها أصلٌ، ولم يَجُز ذلك فيها إذا وقعت فيما هو لها أصل وهو دخولها على المبتدأ ". وقال أبو البقاء: " واللام في " لغافلين " عوض أو فارقة بين إنْ وما " قلت: قوله " عوض " عبارة غريبة، وأكثر ما يقال إنها عوضٌ عن التشديد الذي ذهب من إنَّ، وليس بشيء.

    وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَى قَوْمِهِ إِنَّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ }

    قال السمين

    قوله تعالى: { إِنَّي لَكُمْ }: قرأ ابن كثير وأبو عمرو والكسائي " أني " بفتح الهمزة، والباقون بكسرها. فأمَّا الفتح فعلى إضمار حرفِ الجر، أي: بأني لكم. قال الفارسي: " في قراءة الفتح خروجٌ من الغَيْبة إلى المخاطبةِ ". قال ابن عطية: وفي هذا نظر، وإنما هي حكايةُ مخاطبتهِ لقومه، وليس هذا حقيقة الخروج من غَيْبةٍ إلى مخاطبة، ولو كان الكلام أن أَنْذِرْهم ونحوه لصح ذلك ". وقد قال بهذه المقالة ـ أعني الالتفات ـ مكي فإنه قال: " الأصل: بأني والجارُّ والمجرور في موضع المفعول الثاني، وكان الأصلُ: أنه، لكنه جاء على طريقة الالتفات ". انتهى، ولكن هذا الالتفاتَ غيرُ الذي ذكره أبو علي، فإنَّ ذاك من غيبة إلى خطاب، وهذا من غيبةٍ إلى تكلُّم، وكلاهما غير محتاج إليه، وإن كان قولُ مكي أقربَ.

    وقال الزمخشري: " الجارُّ والمجرور صلةٌ لحالٍ محذوفة، والمعنىظ°: أرسلناه ملتبساً بهذا الكلام، وهو قوله: { إِنَّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ } بالكسر، فلما اتصل به الجارُّ فُتِح كما فتح في " كأنَّ " والمعنى على الكسر في قولك: " إن زيداً كالأسد ". وأما الكسرُ فعلى إضمار القول، وكثراً ما يُضْمر، وهو غني عن الشواهد

    انتهي

    فَٱنظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ }

    قال السمين

    قوله: { أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ }: قرأ الكوفيون بالفتح. والباقون بالكسر. فالفتح من أوجهٍ، أحدُها: أَنْ يكونَ على حَذْفِ حرفِ الجرِّ؛ أي: لأَنَّا دَمَّرْناهم. و " كان " تامةٌ و " عاقبةٌ " فاعلٌ بها، و " كيفِ " حالٌ. الثاني: أَنْ يكونَ بدلاً من " عاقبة " أي: كيف كان تدميرُنا إيَّاهم بمعنى: كيف حَدَثَ. الثالث: أَنْ يكونَ خبرَ مبتدأ محذوفٍ أي: هي أنَّا دَمَّرْناهم أي: العاقبةُ تدميرُنا إياهم. ويجوزُ مع هذه الأوجهِ الثلاثةِ أَنْ تكونَ " كان " ناقصةً، وتُجْعَلَ " كيف " خبرَها، فتصيرَ الأوجهُ ستةً: ثلاثةً مع تمام " كان " وثلاثةً مع نُقْصانها. ويُزاد مع الناقصة وجهٌ أخر: وهو أَنْ تُجْعَلَ " عاقبة " اسمَها و " أنَّا دَمْرناهم " خبرَها و " كيف " حالٌ. فهذه سبعةُ أوجهٍ.

    والثامن: أَنْ تكونَ " كان " " زائدةً، و " عاقبة " مبتدأٌ، وخبرُه " كيف " و " أنَّا دَمَّرْناهم " بدلٌ مِنْ " عاقبة " أو خبرُ مبتدأ مضمرٍ. وفيه تَعَسُّفٌ. التاسع: أنها على حَذْفِ الجارِّ أيضاً، إلاَّ أنه الباءُ أي: بأنَّا دمَّرْناهم، ذكره أبو البقاء. وليس بالقويِّ. العاشر: أنها بدل مِنْ " كيف " وهذا وَهْمٌ من قائِله لأنَّ المبدل من اسمِ الاستفهام يَلْزَمُ معه إعادةُ حرفِ الاستفهامِ نحو: " كم مالكُ أعشرون أم ثلاثون "؟ وقال مكي: " ويجوز في الكلام نصبُ " عاقبة " ، ويُجْعَلُ " أنَّا دمَّرْناهم " اسمَ كان " انتهى. بل كان هذا هو الأرجحَ، كما كان النصبُ في قولِه " فما كان جوابَ قومه إلاَّ أَنْ قالوا " ونحوِه أرجحَ لِما تقدَّم مِنْ شَبَهِهِ بالمضمرِ لتأويلِه بالمصدرِ، وقد تقدَّم تحقيقُ هذا.

    وقرأ أُبَيٌّ " أَنْ دَمَّرْناهم " وهي أَنْ المصدريةُ التي يجوزُ أَنْ تَنْصِبَ المضارعَ، والكلامُ فيها كالكلامِ على " أنَّا دَمَّرْناهم ". وأمَّا قراءةُ الباقين فعلىٰ الاستئنافِ، وهو تفسيرٌ للعاقبةِ. و " كان " يجوز فيها التمامُ والنقصانُ والزيادةُ. وكيف وما في حَيِّزها في محلِّ نصب على إسقاطِ الخافض، لأنه مُعَلِّق للنظرِ.

    انتهي

  15. #90
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    12,975
    الجوهرة الثالثة والاربعون

    أَفَنَضْرِبُ عَنكُمُ الذِّكْرَ صَفْحاً أَن كُنتُمْ قَوْماً مُّسْرِفِينَ }

    قال السمين

    قوله: { صَفْحاً }: فيه خمسةُ أوجهٍ، أحدها: أنَّه مصدرٌ في معنى يَضْرِب؛ لأنه يُقال: ضَرَبَ عن كذا وأَضْرَبَ عنه، بمعنى أعرض عنه، وصَرَف وجهَه عنه. قال:
    3981 ـ اضْرِبَ عنكَ الهمومَ طارِقَها ضَرْبَك بالسيفِ قَوْنَسَ الفرسِ
    والتقديرُ: أَفَنَصْفَحُ عنكم الذِّكْرَ أي: أفَنُزِيْلُ القرآنَ عنكم إزالةً، يُنْكِرُ عليهم ذلك. الثاني: أنَّه منصوبٌ على الحالِ من الفاعل أي: صافِحين. الثالث: أَنْ ينتصِبَ على المصدرِ المؤكِّدِ لمضمونِ الجملةِ، فيكونَ عاملُه محذوفاً، نحو:
    { صُنْعَ اللَّهِ }
    [النمل: 88] قاله ابنُ عطية. الرابع: أن يكونَ مفعولاً من أجله. الخامس: أَنْ يكونَ منصوباً على الظرف. قال الزمخشري: " وصَفْحاً على وجهَيْن: إمَّا مصدرٍ مِنْ صَفَح عنه إذا أَعْرَضَ عنه، منتصبٍ على أنَّه مفعولٌ له على معنى: أَفَنَعْزِلُ عنكم إنْزالَ القرآنِ وإلزامَ الحجةِ به إعراضاً عنكم. وإمَّا بمعنى الجانبِ مِنْ قولِهم: نَظَرَ إليه بصَفْحِ وَجْهِه. وصَفْحُ وَجْهِه بمعنى: أفَنُنَحِّيه عنكم جانباً، فينتصبُ على الظرف نحو: ضَعْه جانباً وامْشِ جانباً. وتَعْضُدُه قراءةُ " صُفْحاً " بالضم ". قلت: يشيرُ إلى قراءةِ حسان ابن عبد الرحمن الضبعي وسميط بن عمير وشبيل بن عزرة قَرؤوا " صُفْحاً " بضم الصاد. وفيها احتمالان، أحدهما: ما ذكره مِنْ كونِه لغةً في المفتوحِ ويكونُ ظرفاً. وظاهرُ عبارةِ أبي البقاء أنَّه يجوزُ فيه جميعُ ما جاز في المفتوح؛ لأنه جَعَله لغةً فيه كالسُّد والسَّد. والثاني: أنه جمعُ صَفُوح نحو: صَبور وصُبُر. فينتصبُ حالاً مِنْ فاعل نَضْرِب. وقَدَّر الزمخشري على عادته فِعْلاً بين الهمزةِ والفاءِ أي: أنُهمِلُكم فَنَضْرِب. وقد عَرَفْتَ ما فيه غيرَ مرةٍ.

    قوله: " أنْ كُنتم " قرأ نافعٌ والأخَوان بالكسر على أنها شرطيةٌ، وإسرافُهم كان متحققاً، و " إنْ " إنما تدخلُ على غير المتحقِّق، أو المتحقِّقِ المبهم الزمانِ. وأجاب الزمخشريُّ: " أنَّه من الشرط الذي يَصْدُر عن المُدِلِّ بصحةِ الأمرِ والتحقيق لثبوتِه، كقول الأجير: " إنْ كنتُ عَمِلْتُ لك عملاً فَوَفِّني حقي " وهو عالمٌ بذلك، ولكنه يُخَيَّلُ في كلامِه أَنَّ تفريطَك في إيصالِ حقي فِعْلُ مَنْ له شكٌّ في استحقاقِه إياه تجهيلاً له ". وقيل: المعنى على المجازاةِ والمعنى: أفنضرِبُ عنكم الذِّكر صَفْحاً متى أَسْرَفتم أي: إنكم غيرُ متروكين من الإِنذار متى كنتم قوماً مُسْرفين. وهذا أراد أبو البقاء بقولِه: " وقرئ إنْ بكسرِها على الشرط، وما تقدَّم يدلُّ على الجواب ". والباقون بالفتحِ على العلَّة أي: لأَنْ كنتم، كقول الشاعر:
    3982 ـ أتَجْزَعُ أنْ بانَ الخليطُ المُوَدَّعُ ........................
    ومثله:
    3983 ـ أتَجْزَعُ أنْ أُذْنا قتيبةَ حُزَّتا ...............................
    يُرْوَى بالكسر والفتح، وقد تقدَّم نحوٌ من هذا أول المائدة، وقرأ زيد بن علي " إذ " بذالٍ عوضَ النونِ، وفيها معنى العلَّة.

    انتهي

    { يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ }

    قال السمين

    قوله تعالى: { وَأَنَّ اللَّهَ لاَ يُضِيعُ }: قرأ الكسائي بكسر " إنَّ " على الاستئناف. وقال الزمخشري: " إنَّ قراءةَ الكسرِ اعتراضٌ " واسشكل كونَها اعتراضاً، لأنَّها لم تقع بين شيئين متلازمين " ويمكن أن يُجاب عنه بأن " الذين استجابوا " يجوز أن يكون تابعاً لـ " الذين لم يلحقوا " نعتاً أو بدلاً على ما سيأتي، فعلى هذا يُتَصَوَّرُ الاعتراض. ويؤيِّد كونَها للاستئنافِ قراءةُ عبد الله ومصحفه: " والله لا يُضيع ". وقرأ باقي السبعة بالفتح عطفاً على قوله: " بنعمةٍ " لأنها بتأويل مصدر أي: يستبشرون بنعمة من الله وفضلٍ منه وعدمِ إضاعةِ اللهِ أجرَ المؤمنين....

    انتهي

    وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُمْ بِمَآ أَنزَلَ اللَّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَآءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَآ أَنزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَن يُصِيبَهُم بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيراً مِّنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ }

    قال السمين

    قوله تعالى: { وَأَنِ احْكُم }: فيه أربعةُ أوجه، أحدها: أنَّ محلَّها النصبُ عطفاً على الكتاب، أي: وأَنْزلنا إليكم الحكمَ. والثاني: أنها في محلِّ جرٍ عطفاً على " بالحق " أي: أَنْزلناه بالحقِّ وبالحكم " وعلى هذا الوجهِ فيجوزُ في محلِّ " أَنْ " النصبُ والجرُّ على الخلافِ المشهور. والثالث: أنَّها في محلِّ رفعٍ على الابتداء وفي تقديره خبره احتملان أحدُهما: أنْ تقدِّر متأخراً أي: حكمُك بما أنزلَ اللّهُ أمرُنا أو قولنا، والآخر: أن تقدِّره متقدماً أي: ومن الواجبِ أن احكم أي: حكمُك. والرابع: أنها تفسيريةٌ، قال أبو البقاء: " وهو بعيدٌ لأن الواو تمنع من ذلك، والمعنى يُفْسِدُ ذلك، لأنَّ " أَنْ " التفسيريةَ ينبغي أن يَسْبِقها قولٌ يُفَسَّر بها " أمَّا ما ذكره مِنْ مَنْعِ الواو أَنْ تكون " أَنْ " تفسيريةً فواضح، وأمَّا قولُه: " يسبِقُها قولٌ " إصلاحُه أن يقولَ: " ما هو بمعنى القول لا حروفه " ثم قال: " ويمكنُ تصحيحُ هذا القولِ بأن يكون التقدير: وأمرناك، ثم فَسَّر هذا الأمرَ بـ " احكم " ومنع الشيخُ من تصحيحِ هذا القول بما ذكره أبو البقاء، قال: " لأنه لم يُحْفَظْ من لسانِهم حذفُ الجملةِ المفسَّرة بـ " أَنْ " وما بعدها " وهو كما قال. وقراءتا ضمِّ نونِ " أن " وكسرِها واضحتان مِمَّا تقدَّم في البقرة: الضمة للإِتباع والكسر على أصل التقاء الساكنين.

    انتهي

    إِن تَسْتَفْتِحُواْ فَقَدْ جَآءَكُمُ الْفَتْحُ وَإِن تَنتَهُواْ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَإِن تَعُودُواْ نَعُدْ وَلَن تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئاً وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ }

    قال السمين

    قوله: { وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ } قرأ نافع وابن عامر وحفصٌ عن عاصم بالفتح والباقون بالكسر. فالفتح من أوجه أحدها: أنه على لام العلة تقديره: ولأن الله مع المؤمنين كان كيت وكيت. والثاني: أنَّ التقدير: ولأن الله مع المؤمنين امتنع عنادهم. والثالث: أنه خبرُ مبتدأ محذوف، أي: والأمر أن الله مع المؤمنين. وهذا الوجهُ الأخيرُ يَقْرُب في المعنى مِنْ قراءة الكسر لأنه استئناف

    انتهي

    قال السمين

    قوله: { آمَنتُ أَنَّهُ } قرأ الأخَوان بكسر إنَّ وفيها أوجه، أحدها: أنها استئنافُ إخبار، فلذلك كُسِرت لوقوعِها ابتداءَ كلام. والثاني: أنه على إضمار القول أي: فقال إنه، ويكون هذا القولُ مفسراً لقوله آمنت. والثالث: أن تكون هذه الجملةُ بدلاً من قوله: " آمنت " ، وإبدالُ الجملةِ الاسمية من الفعلية جائزٌ لأنها في معناها، وحينئذ تكون مكسورةً لأنها محكيَّة بـ " قال " هذا الظاهر. والرابع: أن " آمنتُ " ضُمِّن معنى القول لأنه قولٌ. وقال الزمخشري: " كَرَّر المخذولُ المعنىظ° الواحدَ ثلاثَ مرات في ثلاث عبارات حِرْصاً على القبول " يعني أنه قال: " آمنتُ " ، فهذه مرة، وقال: { أَنَّهُ لا إِلِهَ إِلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنواْ إِسْرَائِيلَ } فهذه ثانيةٌ، وقال: { وَأَنَاْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ } فهذه ثالثةٌ، والمعنى واحد " وهذا جنوحٌ منه إلى الاستئنافِ في " إنه ".

    وقرأ الباقون بفتحِها وفيها أوجهٌ أيضاً، أحدُها: أنها في محلِّ نصب على المفعولِ به أي: آمَنْتُ توحيدَ، لأنه بمعنى صدَّقْتُ. الثاني: أنها في موضع نصبٍ بعد إسقاط الجارِّ أي: لأنه. الثالث: أنها في محل جر بذلك الجارِّ وقد عَرَفْتَ ما فيه من الخلاف.

    انتهي

    قال السمين فى سورة النساء

    وقوله: { أَن يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ } تقدم نظيره وقرأ الحسن: " إنْ يكونُ " بكسرِ الهمزة ورفع " يكون " على أن " إنْ " نافية أي: ما يكون له ولد، فعلى قراءته يكون هذا الكلامُ جملتين، وعلى قراءة العامة يكون جملة واحدة.

    انتهي

    قال القرطبي

    قوله تعالى: { إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِّنَّا الْحُسْنَى } أي الجنة { أُوْلَـئكَ عَنْهَا } أي عن النار { مُبْعَدُونَ } فمعنى الكلام الاستثناء؛ ولهذا قال بعض أهل العلم: «إن» هاهنا بمعنى «إلا» وليس في القرآن غيره. وقال محمد بن حاطب: سمعت علي بن أبي طالب رضي الله عنه يقرأ هذه الآية على المنبر { إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِّنَّا الْحُسْنَى } فقال سمعت النبيّ صلى الله عليه وسلم يقول: «إن عثمان منهم».....

    انتهي

    قال القرطبي

    قوله تعالى: { وَلَن يَنفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذ ظَّلَمْتُمْ } «إذْ» بدل من اليوم؛ أي يقول الله للكافر: لن ينفعكم اليوم إذ أشركتم في الدنيا هذا الكلام؛ وهو قول الكافر: { يالَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ } أي لا تنفع الندامة اليوم. «إِنَّكُمْ» بالكسر { فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ } وهي قراءة ابن عامر باختلاف عنه. الباقون بالفتح. وهي في موضع رفع تقديره: ولن ينفعكم اليوم اشتراككم في العذاب؛ لأن لكل واحد نصيبه الأوفر منه

    وقال الالوسي

    وقوله تعالى: { أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ } تعليل لنفي النفع أي لأن حقكم أن تشتركوا أنتم وقرناؤكم في العذاب كما كنتم مشتركين في سببه في الدنيا. وجوز أن يكون الفعل مسنداً إليه أي لن ينفعكم كونكم مشتركين في العذاب كما ينفع الواقعين في الأمر الصعب اشتراكهم فيه لتعاونهم في تحمل أعبائه وتقسمهم لشدته وعنائه وذلك أن كل واحد منكم به من العذاب ما لا تبلغه طاقته أو لن ينفعكم ذلك من حيث التأسي فإن المكروب يتأسى ويتروح بوجدان المشارك وهو الذي عنته الخنساء بقولها:
    يذكرني طلوع الشمس صخراً وأذكره بكل مغيب شمس
    / ولولا كثرة الباكين حولي على إخوانهم لقتلت نفسي
    وما يبكون مثل أخي ولكن أعزي النفس عنه بالتأسي
    فهؤلاء لا يؤسيهم اشتراكهم ولا يروحهم لعظم ما هم فيه أو لن ينفعكم ذلك من حيث التشفي أي لن يحصل لكم التشفي بكون قرنائكم معذبين مثلكم حيث كنتم تدعون عليهم بقولكم:{ رَبَّنَآ آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْناً كَبِيراً } [الأحزاب: 68] وقولكم:{ فَآتِهِمْ عَذَاباً ضِعْفاً مِّنَ النَّارِ } [الأعراف: 38] لتتشفوا بذلك. واعترض على الوجه الأول من هذه الأوجه الثلاثة بأن الانتفاع بالتعاون في تحمل أعباء العذاب ليس ما يخطر ببالهم حتى يرد عليهم بنفيه. وأجيب بأنه غير بعيد أن يخطر ذلك ببالهم لمكان المقارنة والصحبة والغريق يتشبث بالحشيش والظمآن يحسب السراب شراباً.

    وقرأ ابن عامر { إنكم } بكسر الهمزة وهو يقوي ما ذكر أولاً من إضمار الفاعل وتقدير اللام في أنكم معنى ولفظاً لأنه لا يمكن أن يكون فاعلاً فيتعين الإضمار، ولأن الجملة عليها تكون استئنافاً تعليلياً فيناسب تقدير اللام لتتوافق القراءتان.

    نكتفى بهذا القدر من جواهر ان فى كتاب الله ولعلها تكون نقطة انطلاق لطالب علم التفسير للخوض فى بحار ان فى كتاب الله

    أسامة محمد خيري عبد الرحمن

صفحة 6 من 7 الأولىالأولى ... 234567 الأخيرةالأخيرة

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •