الحمد لله القوي القادر، الحمد لله العزيز الغافر، الحمد لله ذي الملك والملكوت، الحمد لله ذي العزة والجبروت، الحمد لله الحي الذي لا يموت.
وأشهد أن لا إلا إله إلا الله وحده لا شريك له، ليس له صورة ولا حد، ولا مثال ولا عد، ليس بجسم ولا عرض ولا جوهر فرد، ولا يدخل تحت الأوهام، ولا تحويه أرض ولا سماء، كان قبل خلق الزمان والمكان، وهو الآن على ما هو عليه لا يتغير ولا يتبدل، والخلق هم الذين يتغيرون ويتبدلون.
وأشهد أن سيدنا ومولانا محمداً عبد الله ورسوله، أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره للدين كله، وقد أمره الله تعالى بأن يبشر عباده المذنبين إذا جاؤوا تائبين راجعين إلى رب العالمين، (وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا فقل سلام عليكم، كتب ربكم على نفسه الرحمة، أنه من عمل منكم سوءا بجهالة ثم تاب من بعده وأصلح فأنه غفور رحيم) اللهم إنا نتوب إليك ونرجع إلى صراطك، فنسألك أن تثبتنا على هذا الصراط، وأن تعصمنا من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا.
أما بعد، فأوصيكم إخواني بتقوى الله تعالى وطاعته، وأحذركم وأحذر نفسي من عصيانه ومخالفة أمره، فإنه سبحانه قال وهو أصدق القائلين: (فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره، ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره)، وقال عز من قائل، ونطلب عفوه ورضاه: (من يعمل سوءاً يجز به، ولا يجد له يوم القيامة ولياً ولا نصيراً).
{ياأيها الذين ءَامَنُواْ لاَ تَدْخُلُواْ بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ} التي لا تسكنونها فإن الآجر والمعير أيضاً لا يدخلان إلا بإذن. {حتى تَسْتَأْنِسُواْ} تستأذنوا من الاستئناس بمعنى الاستعلام من آنس الشيء إذا أبصره، فإن المستأذن مستعلم للحال مستكشف أنه هل يراد دخوله أو يؤذن له، أو من الاستئناس الذي هو خلاف الاستيحاش فإن المستأذن مستوحش خائف أن لا يؤذن له فإذا له استأنس، أو تتعرفوا هل ثم إنسان من الإنس. {وَتُسَلّمُواْ على أَهْلِهَا} بأن تقولوا السلام عليكم أأدخل. وعنه عليه الصلاة والسلام « التسليم أن يقول السلام عليكم أأدخل ثلاث مرات فإن أذن له دخل وإلا رجع » {ذلكم خَيْرٌ لَّكُمْ} أي الاستئذان أو التسليم خير لكم من أن تدخلوا بغتة، أو من تحية الجاهلية كان الرجل منهم إذا دخل بيتاً غير بيته قال: حييتم صباحاً أو حييتم مساء ودخل فربما أصاب الرجل مع امرأته في لحاف. وروي أن رجلاً قال للنبي صلى الله عليه وسلم « أأستأذن على أمي، قال: نعم، قال: إنها ليس لها خادم غيري أأستأذن عليها كلما دخلت، قال: أتحب أن تراها عريانة، قالا: لا، قال: فاستأذن » {لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} متعلق بمحذوف أي أنزل عليكم، أو قيل لكم هذا إرادة أن تذكروا وتعملوا بما هو أصلح لكم.
{فَإِن لَّمْ تَجِدُواْ فِيهَا أَحَداً} يأذن لكم. {فَلاَ تَدْخُلُوهَا حتى يُؤْذَنَ لَكُمُ} حتى يأتي من يأذن لكم فإن المانع من الدخول ليس الاطلاع على العورات فقط، بل وعلى ما يخفيه الناس عادة مع أن التصرف في ملك الغير بغير إذنه محظور، واستثنى ما إذا عرض فيه حرق أو غرق أو كان فيه منكر ونحوها.
{وَإِن قِيلَ لَكُمْ ارجعوا فارجعوا} ولا تلحوا. {هُوَ أزكى لَكُمْ} الرجوع أطهر لكم عما لا يخلو الإِلحاح والوقوف على الباب عنه من الكراهة وترك المروءة، أو أنفع لدينكم ودنياكم. {والله بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ}
{يا أيها الذين ءَامَنُواْ لِيَسْتَأْذِنكُمُ الذين مَلَكَتْ أيمانكم} رجوع إلى تتمة الأحكام السالفة بعد الفراغ من الإِلهيات الدالة على وجوب الطاعة فيما سلف من الأحكام وغيرها والوعد عليها والوعيد على الإِعراض عنها، والمراد به خطاب الرجال والنساء غلب فيه الرجال لما روي أن غلام أسماء بنت أبي مرثد دخل عليها في وقت كرهته فنزلت. وقيل أرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم مدلج بن عمرو الأنصاري وكان غلاماً وقت الظهيرة ليدعو عمر، فدخل وهو نائم وقد انكشف عنه ثوبه فقال عمر رضي الله تعالى عنه: لوددت أن الله عز وجل نهى آباءنا وأبناءنا وخدمنا أن لا يدخلوا هذه الساعات علينا إلا بإذن، ثم انطلق معه إلى النبي صلى الله عليه وسلم فوجده وقد أنزلت هذه الآية: {والذين لَمْ يَبْلُغُواْ الحلم مِنكُمْ} والصبيان الذين لم يبلغوا من الأحرار فعبر عن البلوغ بالاحتلام لأنه أقوى دلائله. {ثَلاَثَ مَرَّاتٍ} في اليوم والليلة مرة. {مّن قَبْلِ صلاة الفجر} لأنه وقت القيام من المضاجع وطرح ثياب النوم ولبس ثياب اليقظة، ومحله النصب بدلاً من ثلاث مرات أو الرفع خبراً لمحذوف أي هي من قبل صلاة الفجر. {وَحِينَ تَضَعُونَ ثيابكم} أي ثيابكم لليقظة للقيلولة. {مّنَ الظهيرة} بيان للحين. {وَمِن بَعْدِ صلاة العشاء} لأنه وقت التجرد عن اللباس والالتحاف باللحاف.
{ثَلاَثُ عَوْرَاتٍ لَّكُمْ} أي هي ثلاث أوقات يختل فيها تستركم {لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلاَ عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ} بعد هذه الأوقات في ترك الاستئذان، وليس فيه ما ينافي آية الاستئذان فينسخها لأنه في الصبيان ومماليك المدخول عليه وتلك في الأحرار البالغين. {طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ} أي هم طوافون استئناف ببيان العذر المرخص في ترك الاستئذان وهو المخالطة وكثرة المداخلة، وفيه دليل على تعليل الأحكام وكذا في الفرق بين الأوقات الثلاثة وغيرها بأنها عورات. {بَعْضَكُمْ على بَعْضٍ} بعضكم طائف على بعض أو يطوف بعضكم على بعض. {كذلك} مثل ذلك التبيين. {يُبيّنُ الله لَكُمُ الآيات} أي الأحكام. {والله عَلِيمٌ} بأحوالكم. {حَكِيمٌ} فيما شرع لكم.
{وَإِذَا بَلَغَ الأطفال مِنكُمُ الحلم فَلْيَسْتَأْذِنُواْ كَمَا استأذن الذين مِن قَبْلِهِمْ} الذين بلغوا من قبلهم في الأوقات كلها {كذلك يُبَيّنُ الله لَكُمْ ءاياته والله عَلِيمٌ حَكِيمٌ} كرره تأكيداً ومبالغة في الأمر بالاستئذان.
الخطبة الثانية:
قال تعالى: (وقل جاء الحق وزهق الباطل ، إن الباطل كان زهوقا) (ويريد الله أن يحق الحق بكلماته ويقطع دابر الكافرين ، ليحق الحق ويبطل الباطل ولو كره المجرمون) (يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم ويأبى الله إلا إن يتم نوره ولو كره الكافرون ، وهو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون).
النصرة واجبة على كل مسلم تجاه أخيه المسلم (إنما المؤمنون إخوة) (المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه)



رد مع اقتباس