نظرا لجرأة بعض أدعياء العلم على تجويز بث فلم يصور الحسن والحسين، وبعض كبار الصحابة رضي الله عنهم أجمعين، بل وتطاول الإيرانيين لتمثيل النبي المصطفى صلى الله عليه وسلم وعلى آله، فإنني أنشر هنا فتوى للإمام محمد المنتصر بالله الكتاني، محدث الحرمين الشريفين المتوفى عام 1419/ 1998 رحمه الله تعالى ورضي عنه في الموضوع:
تمثيل رسول الله وتمثيل آل بيته وأصحابه رضوان الله عليهم
لفضيلة الشيخ محمد المنتصر الكتاني
المستشار العام لرابطة العالم الإسلامي بمكة
تمثيل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حرام لا يجوز، بنصوص القرآن والسنة النبوية وإجماع المسلمين وقد يكون ذلك كفرا وزندقة.
وكما لا يجوز تمثيله صلوات الله عليه، لا يجوز حضور تمثيله، ولا الموافقة عليه، ولا مساعدة مرتكب ذلك بأي نوع من أنواع المساعدة إذناًله، أو تصوير الكعبة المشرفة، أومكة المكرمة، والضريح النبوي، والمدينة المنورة، أو أي شيء في معناها ليظهر حاكيه عليه الصلاة والسلام في منزل الوحي، ودار ولادته، ومرتع صباه، ودار هجرته ومدفنه صلوات الله وسلامه عليه.
ومرتكب ذلك بالتمثيل نفسه، أو الحضور فيه، أو معاونته، أو الموافقة عليه بفتوى، أو جاه، أو نفوذ أو أي شيء يكون منه لعمل ذلك التمثيل, فاعل ذلك بنفسه، أو بتأييده، ولو باللسان، فضلا عن المشاركة ملعون بلعنة رسول الله صلوات الله وسلامه عليه، ومع اللعنة يعاقب أيضا بالطرد من بلده والنفي من بين قومه وعشيرته.
وكذلك لا يجوز ويحرم تمثيل آل بيت النبوة، وأصحاب رسول الله صلوات الله وسلامه عليه، ويجب احترامهم بأمر الله تعالى وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم.
والممثلون أهل لعب ومجون، وأهل كذب واستخفاف، وقد يصل بهم اللعب في التمثيل والكذب إلى الاستخفاف بمن يجعلونه غرضا لذلك التمثيل وهدفاً، وإذ ذاك يصبح التمثيل كفرا وزندقة، عقوبته القتل بلا استتابة، ولا يبقى حكمه عدم الجواز والحرمة فقط، ولا يكفي في عقوبته اللعنة لمرتكبه والساعي فيه والنفي من البلاد فقط.
ونص التحريم من القرآن الكريم قوله تعالى لمن جعلوا رسول الله صلى الله عليه وسلم هدفا للعبهم: {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ}.
قال ابن العربي المعارفي: "لا يخلوا أن يكون ما قالوه من ذلك جدا أو هزلا، وهو كيفما كان كفر، فإن الهزل بالكفر كفر، لا خلاف فيه بين الأمة".
ونص التحريم من السنة النبوية، قصة الحكم بن أبي العاص الأموي، ومحاكاته للنبي صلوات الله وسلامه عليه، قال ابن عبد البر الأندلسي: "كان الحكَم يحاكي النبي صلى عليه وسلم في مشيته وبعض حركاته، أي كان الحكم يمثل النبي صلوات الله عليه، وكان الحكم من مسلمة الفتح ومطلقيهم.
ذكروا أن النبي صلوات الله وسلامه عليه كان إذا مشى يتكفأ، وكان الحكم بن أبي العاص يحكيه يمثله-، فالتفت النبي صلى الله عليه وسلم فرآه يفعل ذلك، فقال صلى الله عليه وسلم: "فكذلك فلتكن"، فكان الحكم مختلجا يرتعش من يومئذ.
وأخرج البيهقي في دلائل النبوة عن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق : "كان الحكم يجلس عند النبي صلى الله عليه وسلم، فبصر به عليه الصلاة والسلام، فقال: "كن كذلك"، فما زال يختلج حتى مات".
وروى الفاكهي: أن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم دخلوا عليه وهو يلعن الحكم بن أبي العاص ونفاه رسول الله صلى الله عليه وسلم من المدينة المنورة إلى الطائف.
وروى ابن أبي خيثمة وغيره بعدة أسانيد عن عائشة أم المؤمنين أنها قالت لمروان: "فاشهد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لعن أباك وأنت في صلبه"، ورواه النسائي والحاكم وابن مردويه وغيرهم، ورواه الإسماعيلي وسكت عنه الحافظ، وهو بسكوته عنه يعتبر صحيحا حسب قاعدته، وكذلك قال له أخوها عبد الرحمن: "لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم أباك" رواه البزار وحسنه الهيثمي.
وورد ذلك عن الحسن والحسين ابني علي عند أبي يعلى في مسنده.
وورد أيضا عن ابن الزبير عند أحمد والبزار في مسنديهما، والطبراني في معجمه، وصححه الهيثمي, وعن عمرو بن مرة الجهني رفعه: فعلى -الحكم- لعنة الله والملائكة والناس أجمعين, ورواه الطبراني ووثقه الهيثمي، وورد لعنه عن عبد الرحمن بن عوف عند الحاكم، وعن عبد الله بن عمر عند الطبراني، وعن عطاء الخراساني مرسلا عند الفاكهي، فهو برواته العشر متواتر، وصححه الحاكم والحافظ والهيثمي.
وأخرج ابن عبد البر في الاستيعاب بسنده إلى قاسم بن أصبغ في سننه، عن عبد الله بن عمر وابن العاص قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يدخل عليكم رجل لعين، قال: فدخل الحكم ابن أبي العاص" ورواه احمد والبزار في مسنديهما والطبراني في معجمه، وصححه الهيثمي.
وهجا عبد الرحمن بن حسان بن ثابت شاعر رسول الله صلى الله عليه وسلم مروان ولد الحكم فقال:
إن اللعيـن أبـوك فارم عـظامـه إن تـرم تـرم مخـلجـاً مجنونـا
يمسي خميص البطن من عمل التقـى ويظل من عمـل الخبيـث بطينـا
وقال الحافظ في الفتح: "وقد وردت أحاديث في لعن الحكم والد مروان.. أخرجهما الطبراني وغيره، بعضها جيد."
وروى الطبراني من حديث حذيفة بن اليمان: "لما ولي أبو بكر الصديق الخلافة، كُلِم في الحكم أن يرده من الطائف إلى المدينة فقال: ما كنت لأحل عقدة عقدها رسول الله صلى الله عليه وسلم".
وقصة الحكم في محاكاته وتمثيله للنبي صلوات الله وسلامه عليه بمشيته وحركاته، دليل على عين النازلة كما يقول الفقهاء وعلماء المناظرة.
وتمثيل الحكم للحركات النبوية والمشية النبوية، إما أن يكون ذلك منه استهزاء برسول الله والرسالة، ولو كان استهزاء لكان الحكم مرتداً، وجزاء المرتد المستهزئ برسول الله والرسالة، القتل بإجماع الأمة، كان المستهزئ مسلماً أو ذمياً، كما نص على ذلك علماء جميع المذاهب، وفي هذه المسألة صنف أبو العباس ابن تيمية كتابه الكبير: الصارم المسلول على شاتم الرسول.
وإما أن يكون الحكم بتمثيله للحركات النبوية والمشية النبوية متلاعبا فقط، واكتفاء رسول الله صلوات الله وسلامه عليه بلعنه ونفيه، دليل على اعتباره له يلعب، ولذلك لم يقتله، وبذلك يتم المقصود من أنه لعب وليس استهزاء.
فصح بهذا الدليل أن التمثيل برسول الله والرسالة لعب، واللعب بذلك حرام لا يجوز، ملعون اللاعب بفعله وحضوره وتأييده، ومع اللعنة حكمه أن ينفى من بلاده إلى بلاد لا عشيرة له فيها ولا أهل، كما نفى الحكم من المدينة المنورة من بين أهله وولده وعشيرته إلى الطائف، حيث عاش غريبا مطرودا بقية حياة رسول الله صلوات الله وسلامه عليه، وفي خلافة أبي بكر الصديق رضي الله عنه، وفي خلافة عمر الفاروق رضي الله عنه، وإلى سنوات من الخلافة العثمانية.
والممثل يتخيل ويكذب في كلامه على الذين يمثلهم، يكذب عليهم قولاً فيما تخيل عنهم أنهم قالوه، ويكذب عنهم في محاكاةحركاتهم وتصويرها للناس في حركات أعضائه من قيام وقعود وضحك وبكاء وحزن وفرح، فالممثل كاذب في تمثيله بحاله ومقاله، والممثل لرسول الله يكون كاذبا على رسول الله صلوات الله وسلامه عليه.
وفي الحديث المتواتر عن مائتي صحابي عن رسول الله صلوات الله وسلامه عليه: "من كذب عليّ متعمدا فليتبوأ مقعده من النار".
وكما قال أبو العباس ابن تيمية: "وليس يخفى أن من كذب على من يجب تعظيمه - كرسول الله - فإنه مستخف به مستهين بحقه".
-يتبع-


رد مع اقتباس