الروايات :
يراد بها أقوال مالك الإمام رضي الله عنه عند الأغلب ، وخالف فيه ابن الحاجب في مختصره الفرعي حيث سمى ما يروى عن الإمام "قولا" بينما القول عند العامة هو ما قاله الأصحاب ومن بعدهم من المتأخرين .
والمراد بالرواية ما قاله الإمام بالفعل أي صرح فيه برأي فقهي لا ما توقف فيه ، فإن توقف الإمام رضي الله عنه في بعض المسائل كتوقفه في خنزير الماء ونجاسة الكيمخت وفي التفضيل بين قطع أو ترك شجر العدو ، فمثل هذه لا يعد رواية على الصحيح كما صرح به الدسوقي في حاشيته على الكبير .
- اتفاق الروايات واختلافها :
قد تتفق الروايات المروية عن الإمام في المسألة الواحدة وقد تختلف جدا ، واختلاف الروايات عن الإمام هو أهم أسباب وجود الخلاف في المذهب بين الأقوال المتعددة خاصة إذا لم يُعرف القول الذي رجع عنه فيأخذ بعض فقهاء المذهب برواية ويأخذ الآخرون برواية أخرى فينشأ الإختلاف في المذهب .
ومن أسباب تعدد الروايات عن مالك في المسألة الواحد اختلاف فترة صحبة ناقل الرواية عن الإمام ، فقد يصحبه الناقل فترة ثم ينتقل عنه عائدا إلى بلده فيروي عنه في المسألة رواية بمعنى معين ، ثم يتغير اجتهاد الإمام في المسألة فينقل عنه من بقي بعد الأول غير ما رواه الأول وهكذا ، وهذا أحد أسباب تقديم رواية ابن القاسم عن الإمام على غيره إذ هو أكثر أصحابه له صحبة (أكثر من عشرين سنة) ولازمه حتى وفاته رضي الله عنه كما ذكره أكثر من واحد .
ومن أسباب تعدد الرويات كذلك تفاوت الحفظ والضبط بين الناقلين .
جاء في ترتيب المدارك ونقله أيضا في جامع المعيار:
[كان ابن القاسم وأشهب اختلفا في قول مالك في مسألة، وحلف كل واحد منهما على نفي قول الآخر، فسألا ابن وهب فأخبرهما أن مالكاً قال القولين جميعاً فحجا جميعا قضاء لليمين التي حنثا فيها. ] آ.هـ
وقد كثرت الروايات عن مالك جدا حتى بلغ ما يرويه أهل العراق وحدهم عنه أكثر من سبعين ألف مسألة كما ذكره ابن أبي زيد في النوادر والزيادات .
- التوفيق والترجيح عند التعارض :
اتبع فقهاء المذهب عند تعارض الرويات عن الإمام سبلا للترجيح بينها أو التوفيق بين ما يظهر من تعارضها ، وبنو ذلك كله على أصل اعتبار قول المجتهد كالدليل الشرعي في حق مقلديه فاتبعوا في الجملة ذات الطرق التي يتبعها المجتهد في التوفيق بين نصوص الشارع أو ترجيح بعضها على بعض عند التعارض كحمل المطلق على المقيد والمجمل على المبين والعام على الخاص والأخذ بالمتأخر من الروايات إن علم التاريخ واعتباره كالناسخ لما قبله وهذا عند الأكثر وخالف فيه البعض كالشريف التلمساني رحمه الله إذ رأى أن الاجتهاد السابق لا ينقض بالاجتهاد اللاحق وأن المجتهد مخبر عن الحكم لا واضع له كما هو الشارع لذا جاز أن يكون اجتهاده الثاني خطأ والأول صوابا فلا يقال إن الثاني ناسخ للاول ولمقلديه من مجتهدي المذهب الأخذ بالاول إن كان أوفق بقواعد مذهبه ، وأجيب على اعتراضه باجوبة تنظر في مظانها .
فإذا لم يعرف المتأخر من الروايتين ولم يمكن الجمع بينهما فللمتأهل للترجيح في المذهب أن ينظر أي الروايتين أوفق بقواعد الإمام وأصول مذهبه فيرجحها على الأخرى لأنها أقوى منها ابتناء ودليلا .
فإن لم يمكن ذلك أو كان الناظر في الروايات من غير أهل الترجيح فقالوا بتقديم رواية ابن القاسم مطلقا باعتباره يروي المتأخر عن الإمام إلا ما ندر وباعتباره أعرف أصحابه بمذهبه وأطولهم له صحبة وخالف فيه البعض.
جاء في فتاوى الشيخ عليش رحمه الله نقلا عن جامع المعيار :
[ .... وفي إقليد التقليد : عن بعض الشيوخ : أنه إذا اختلف الناس عن مالك فالقول ما قال ابن القاسم ، وعلى ذلك اعتمد شيوخ الأندلس وإفريقية إذا ترجح ذلك عندهم . وقال الإبياني : ليس في أصحاب مالك من عرف مذهبه مثل ما عرفه ابن القاسم . وفي أحكام القاضي بن المطرف الشعبي قال القاضي ابن المطرف بن بشر : من خرج عن الفتوى بقول ابن القاسم واضطربت فتياه بقول غيره وبقوله فإنه حقيق بالنكير عليه وسوء الظن به . وفي الطرر على التهذيب لأبي الحسن الطنجي قالوا : قول مالك في المدونة أولى من قول ابن القاسم فيها فإنه الإمام الأعظم ، وقول ابن القاسم فيها أولى من قول غيره فيها لأنه أعلم بمذهب مالك ، وقول غيره فيها أولى من قول ابن القاسم في غيرها وذلك لصحتها ] آ.هـ
ونقل ابن فرحون في التبصرة قائلا :
[ قال أبو عمر بن عبد البر : كان أصبغ بن خليل صاحب رياسة الأندلس خمسين سنة ، وكان فقيرا لم يكتسب شيئا ، ولا ترك مالا بلغت تركته كلها مائة دينار ، قال : وسمعت أحمد بن خالد يقول : دخلت يوما على أصبغ بن خليل فقال لي يا أحمد فقلت : نعم ، فقال انظر إلى هذه الكوة لكوة على رأسه في حائط بيته ، فقلت له نعم ، فقال والله الذي لا إله إلا هو لقد رددت منها ثلثمائة دينار صحاحا على أن أفتي في مسألة بغير رأي ابن القاسم مما قاله غيره من أصحاب مالك فما رأيت نفسي في سعة من ذلك .
وحدث ابن أبي حمزة عن أبيه عن محمد بن نصر عن أحمد بن زياد عن محمد بن وضاح عن سحنون قال : سمعت ابن القاسم يقول : رضيت بمالك بن أنس لنفسي وجعلته بيني وبين النار .
وقال ابن وضاح وقال سحنون : وأنا رضيت ابن القاسم لنفسي وجعلته بيني وبين النار ، قال ابن وضاح وما سحنون بدونهما ؟ قال ابن زياد وأنا رضيت ابن وضاح لنفسي . ] آ.هـ
والفقير قد رضي لنفسه مالكا وابن القاسم وسحنونا وجعلهم بينه وبين النار ، اللهم فاكفنا النار وكل من قال آمين .
يتبع إن شاء الله .
صل يا قديم الذات عدد الحوادث .. على المصطفى المعصوم سيد كل حادث