... تابع :
منقول
من تفسير الحافظ ابن كثير رحمه الله ، قال :


يخبر تعالى أنه أنزل القرآن { ليلة القدر } و هي الليلة المباركة التي قال اللّه عزَّ وجلَّ { إنّا أنزلناه في ليلة مباركة } و هي من شهر رمضان، كما قال تعالى: { شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن} ، قال ابن عباس:
" أنزل اللّه القرآن جملة واحدة من اللوح المحفوظ إلى بيت العزة من السماء الدنيا ، ثم نزل مفصلاً بحسب الوقائع في ثلاث و عشرين سنة على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وَ سَــلّم " .
ثم قال تعالى معظماً لشأن ليلة القدر التي اختصها بإنزال القرآن الكريم فيها، فقال: { و ما أدراك ما ليلة القدر * ليلة القدر خير من ألف شهر } . روى ابن أبي حاتم عن مجاهد أنَّ النبيَّ صلى اللّه عليه و سلم ذكر رجلاً من بني إسرائيل لبس السلاح في سبيل الله ألف شهر، قال: فعجب المسلمون من ذلك قال: فأنزل اللّه عزَّ وجلَّ: { إنا أنزلناه في ليلة القدر * و ما أدراك ما ليلة القدر . ليلة القدر خير من ألف شهر } التي لبس ذلك الرجل السلاح في سبيل اللّه ألف شهر " . أخرجه ابن أبي حاتم.
و روى ابن جرير الطبرِيّ عن مجاهد قال: كان في بني إسرائيل رجل يقوم الليل حتى يصبح ثم يجاهد العدّو بالنهار حتى يمسي، ففعل ذلك ألف شهر.. فأنزل اللّه هذه الآية { ليلة القدر خير من ألف شهر } قيامُ تلك الليلة خير من عمل ذلك الرجل " . أخرجه ابن جرير عن مجاهد موقوفاً.
و قال سفيان الثوري: بلغني عن مجاهد ليلة القدر خير من ألف شهر قال: عملها و صيامها و قيامها خير من ألف شهر.
و عن مجاهد: ليلة القدر خير من ألف شهر ليس في تلك الشهور ليلة القدر.
و قال عمرو بن قيس: عملٌ فيها خير من ألف شهر، و هذا القول بأنها أفضل من عبادة ألف شهر ليس فيها ليلة القدر هو اختيار ابن جرير، والصواب، كقوله صلى اللّه عليه وسلم: (رباط ليلة في سبيل اللّه خير من ألف ليلة فيما سواه من المنازل" . أخرجه أحمد"
و في الحديث الصحيح في فضائل رمضان قال عليه السلام:" فيه ليلة خير من ألف شهر من حرم خيرها فقد حرم" . أخرجه أحمد والنسائي.
و لمّا كانت ليلة القدر تعدل عبادتها عبادة ألف شهر، ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال: " من قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه)" . أخرجه الشيخان"".
و قوله تعالى { تنزّل الملائكة والروح فيها بإذن ربّهم من كل أمر } أي يكثر تنزل الملائكة في هذه الليلة لكثرة بركتها ، و الملائكة يتنزلون مع تنزل البركة و الرحمة، كما يتنزلون عند تلاوة القرآن ، و يحيطون بحلق الذكر و يضعون أجنحتهم لطالب العلم تعظيماً له و رِضىً بِما يسعى إِليه.
و أما الروح فقيل: المراد به ههنا جبريل عليه السلام، فيكون من باب عطف الخاص على العام.
و قيل: هم ضرب من الملائكة كما تقدم في سورة النبأ . و اللّه أعلم.
و قوله تعالى { من كل أمر } قال مجاهد: سلام هي من كل أمر، و قال سعيد بن منصور عن مجاهد في قوله: { سلام هي } قال: هي سالمة لا يستطيع الشيطان أن يعمل فيها سوءاً، أو يعمل فيها أذى لِمُؤْمِن.
و قال قتادة: تقضى فيها الأمور و تقدر الآجال و الأرزاق، كما قال تعالى: { فيها يُفْرَقُ كُلُّ أمْرٍ حَكِيم }. و روى أبو داود الطيالسي، عن أبي هريرة أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سَـلّم قال في ليلة القدر:" إنها ليلة سابعة أو تاسعة و عشرين، و إنّ الملائكة تلك الليلة في الأرض أكثر من عدد الحصى ". رواه الطيالسي.
و قال قتادة و جابر ابن زيد في قوله تعالى{ سَـلام هي } يعني هي خير كلها ليس فيها شر إلى مطلع الفجر.
و أَمارة ليلة القدر أنها صافية بلجة كأن فيها قمراً ساطعاً ساكنة ساجِية لا بردَ فيها و لا حرّ ، و الشمس صبيحتها تخرج مستوية ليس لها شعاعٌ ، مِثْلَ القمَرِ ليلَةَ البدر،
عن ابن عباس أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سَـلّم قال في ليلة القدر:" ليلة ســمحة طلقة لا حارة و لا باردة و تصبح شمس صبيحتها ضعيفة حمراء" . أخرجه الطيالسي. و عن جابر بن عبد اللّه أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سَـلّم قال:" إني رأيت ليلة القدر فأنسِـيُتها و هي في العشر الأواخر من لياليها و هي طلقة بلجة ، لا حارة و لا باردة ، كأن فيها قمراً لا يخرج شيطانها حتى يضيء فجرها " .

يُتبَعُ .. (بِالبقيّة من تفسير الحافظ ابن كثير ، رحمه الله ، لهذه السورة المباركة) ...