قال أبو جعفر: وإنـما اخترنا القول الذي اخترناه فـي معنى قوله { وجَعَلَ بَـيْنَهُما بَرْزخاً وحِجْراً مـحْجُوراً } دون القول الذي قاله من قال معناه: إنه جعل بـينهما حاجزاً من الأرض أو من الـيبس، لأن الله تعالـى ذكره أخبر فـي أوّل الآية أنه مرج البحرين، والـمرج: هو الـخـلط فـي كلام العرب علـى ما بـيَّنت قبل، فلو كان البرزخ الذي بـين العذب الفرات من البحرين، والـملـح الأجاج أرضاً أو يبساً لـم يكن هناك مرج للبحرين، وقد أخبر جلّ ثناؤه أنه مرجهما، وإنـما عرفنا قدرته بحجزه هذا الـملـح الأجاج عن إفساد هذا العذب الفرات، مع اختلاط كلّ واحد منهما بصاحبه. فأما إذا كان كلّ واحد منهما فـي حيز عن حيز صاحبه، فلـيس هناك مرج، ولا هناك من الأعجوبة ما ينبه علـيه أهل الـجهل به من الناس، ويذكرون به، وإن كان كلّ ما ابتدعه ربنا عجيبـاً، وفـيه أعظم العبر والـمواعظ والـحجج البوالغ.