قوله: { فَقَلِيلاً مَّا يُؤْمِنُونَ } في نصبِ " قليلاً " ستةُ أوجهٍ، أحدُها وهو الأظهرُ: أنه نعتٌ لمصدرٍ محذوفٍ أي: فإيماناً قليلاً يُؤمنون. الثاني: أنه حالٌ من ضمير ذلك المصدرِ المحذوفِ أي: فيؤمنونه أي الإِيمانَ في حالِ قلَّته، وقد تقدَّم أنه مذهب سيبويه وتقدَّم تقريره. الثالث: أنه صفةٌ لزمان محذوفٍ، أي: فزماناً قليلاً يؤمنون، وهو كقوله:
{ آمِنُواْ بِظ±لَّذِيغ¤ أُنْزِلَ عَلَى ظ±لَّذِينَ آمَنُواْ وَجْهَ ظ±لنَّهَارِ وَظ±كْفُرُوغ¤اْ آخِرَهُ }
[آل عمران: 72]. الرابع: أنه على إسقاطِ الخافض والأصل: فبقليل يؤمنون، فلمَّا حُذِفَ حرفُ الجرِّ انتصب، ويُعْزَى لأبي عبيدة.
الخامس: أن يكونَ حالاً من فاعل " يؤمنون " ، أي فَجَمْعاً قليلاً يؤمنون أي المؤمِنُ فيهم قليلٌ، قال معناه ابنُ عباس وقتادة. إلا أن المهدوي قال: " ذهب قتادة إلى أنَّ المعنى: فقليلٌ منهم مَنْ يؤمن، وأنكره النحويون، وقالوا: لو كانَ كذلك لَلَزِمَ رفعُ " قليل ". قلت: لا يلزمَ الرفعُ مع القول بالمعنى الذي ذهب إليه قتادة لِما تقدَّم من أنَّ نصبَه على الحالِ وافٍ بهذا المعنى: و " ما " على هذه الأقوالِ كلها مزيدةٌ للتأكيد. السادس: أن تكونَ " ما " نافيةً أي: فما يؤمنون قليلاً ولا كثيراً، ومثلُه:
{ قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ }
[الأعراف: 10]،
{ قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ }
[الأعراف: 3]، وهذا قويٌ من جهة المعنى، وإنما يَضْعُفُ شيئاً من جهةٍ تقدُّم ما في حَيِّزها عليها، قاله أبو البقاء، وإليه ذهب ابن الأنباري، إلا أنَّ تقديمَ ما في حَيِّزها عليها لم يُجْزِه البصريون، وأجازه الكوفيون. قال أبو البقاء: " ولا يَجُوز أَنْ تكونَ " ما " مصدريةً، لأن " قليلاً " يبقىظ° بلا ناصبٍ ". يعني أنَّك إذا جَعَلْتَها مصدريةً كان ما بعدَها صلتَها، ويكون المصدرُ مرفوعاً بـ " قليلاً " على أنه فاعلٌ به فأين الناصبُ له؟ وهذا بخلافِ قولِه
{ كَانُواْ قَلِيلاً مِّن ظ±للَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ }
[الذاريات: 17] فإنَّ " ما " هناك يجوزُ أن تكونَ مصدريةً لأنَّ " قليلاً " منصوبٌ بـ كان. وقال الزمخشري: " ويجوز أن تكونَ القِلَّةُ بمعنى العَدَم ". قال الشيخ: " وما ذهبَ إليه من أنَّ " قليلاً " يُراد به النفيُ فصحيحٌ، لكنْ في غيرِ هذا التركيب، أعني قوله تعالى: { فَقَلِيلاً مَّا يُؤْمِنُونَ } لأنَّ " قليلاً " انتصبَ بالفعلِ المثبتِ فصار نظيرَ " قُمْتُ قليلاً " أي: قمتُ قياماً قليلاً، ولا يَذْهَبُ ذاهبٌ إلى أنَّك إذا أَتَيْتَ بفعلٍ مُثْبَتٍ وجَعَلْتَ " قليلاً " منصوباً نعتاً لمصدرِ ذلك الفعلِ يكونُ المعنى في المُثْبَتِ الواقعِ على صفةٍ أو هيئةٍ انتفاءَ ذلك المُثْبَتِ رأساً وعدَمَ قوعِه بالكلِّية، وإنما الذي نَقَل النحويون: أنَّه قد يُراد بالقلة النفيُ المَحْضُ في قولهم: " أقَلُّ رجلٍ يقول ذلك، وقَلَّما يقوم زيد " ، وإذا تقرَّر هذا فَحَمْلُ القلةِ على النفي المَحْضِ هنا ليس بصحيحٍ ". انتهى./ قلت: ما قاله أبو القاسم الزمخشري ـ رحمه الله ـ من أنَّ معنى التقليلِ هنا النفيُ قد قال به الواحديُّ قبلَه، فإنه قال: " أَيْ: لا قليلاُ ولا كثيراً، كما تقول: قَلَّما يفعلُ كذا، أي: ما يفعله أصلاً ".
السمين
قوله: { وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ ظ±لْعَذَابِ } في هذا الضميرِ خمسةُ أَقْوالٍ، أحدُها: أنه عائدٌ على " أحد " وفيه حينئذٍ وَجْهان، أحدُهما: أنه اسمُ " ما " الحجازيةِ، و " بمُزَحْزِحِه " خبرُ " ما " ، فهو في محلِّ نصبٍ والباءُ زائدة.
و " أَنْ يُعَمَّر " فاعلٌ بقولِه " بمُزَحْزِحِه " ، والتقديرُ: وما أحدُهم مُزَحْزِحَه تعميرُه. الثاني من الوجهين في " هو ": أن يكونَ مبتدأ، و " بمُزَحْزِحِهِ " خبرُه، و " أَنْ يُعَمَّر " فاعلٌ به كما تقدَّم، وهذا على كَوْنِ " ما " تميميَّةً، والوجهُ الأولُ أحسنُ لنزولِ القرآنِ بلغة الحجازِ وظهورِ النصب في قولِه:
{ مَا هَـظ°ذَا بَشَراً }
[يوسف: 31]،
{ مَّا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ }
[المجادلة: 2].....




رد مع اقتباس