(منقول)
افتتح الأمير عبد القادر إقامته في دمشق باسترداد دار الحديث ، ثم برواية صحيح
البخاري فيها ثم صحيح مسلم وموطأ الإمام مالك. وكان من ثمرات ذلك أن عاد إلى علوم
الحديث بهاؤها ومكانتها، فبدأ أهل العلم في دمشق يوجهون أنظارهم إلى تلك العلوم ويسعون
لإعادة الاهتمام بها.
وما زال الأمير عبد القادر يروي صحيح البخاري وكتب الحديث الأخرى ويجيز بها إلى أن
توفّاه االله تعالى . حتى إنه لم ينقطع عن روايته وتدريسه مدة سجنه خمس سنوات في فرنسا!
لقد كان من منهج الأمير عبد القادر إعمال العقل والتفكّر ونبذ التقليد الأعمى ، وكانت له
مقولة يكثر من ترديدها ، ويسطِّرها في معظم مؤلفاته ، وهي قوله : ((إن بهيمة تقَاد أفضل من
مقلد ينقَاد))
، والأمير كان صوفيا حال معظم الناس في ذلك العصر ، إلاّ أنه أخذ من
التصوف لبه وخيره ، ونبذ قشوره وبدعه . لقد تلقى الوِرد القادري (نسبة إلى الشيخ عبد القادر
الجيلاني) ولكنه لم يسم نفسه شيخا للطريقة القادرية، وإنما كان يحض على الذكر والتدبر، وكان
إذا طلب منه أحد الأشخاص أن يجيزه بسنده في الورد القادري فعل، ولكنه كان ينبهه على أمر
مهم وهو أنّ ذلك لا ينجيه عند االله إذا لم يكن صادقًا في التوجه إلى االله بالذكر والعبادة ، وما
تلك الإجازة إلاّ رجاء بركة السلف الذين مضوا عليها.
وتخرج على يدي الأمير عدد من العلماء تأثروا به وبمنهجه واستمروا على ذلك النهج وطوروه
واتسعوا فيه منهم : الشيخ طاهر الجزائري ابن الشيخ صالح السمعوني وهو بحاثة من أكابر العلماء باللغة والأدب في عصره . كان كَلفًا باقتناء
المخطوطات والبحث عنها ، فساعد على إنشاء (دار الكتب الظاهرية) في دمشق ، وجمع فيها ما
تفرق في الخزائن العامة ، وساعد على إنشاء (المكتبة الخالدية) في القدس . وهو من أعضاء المجمع
العلمي العربي ، وسمي مديرا لدار الكتب الظاهرية . كان يحسن أكثر اللغات الشرقية كالعبرية
والسريانية والحبشية والزواوية والتركية والفارسية. وله نحو عشرين مصنفًا ...
والشيخ طاهر هو رائد النهضة العلمية في بلاد الشام ، فقد سعى في بناء المدارس والاهتمام
بالثقافة والعلوم الحديثة من طب وفيزياء ورياضيات و،.. وكان اهتمامه الأكبر بنشر العلم
الصحيح ، وهو كما ذكرنا مؤسس المكتبة الظاهرية بدمشق حيث جمع نوادر المخطوطات العربية
والإسلامية بمساعدة الأمير عبد القادر ، وتخرج على يديه مجموعة من العلماء المصلحين ، من
أشهرهم:
ظ،ـ الشيخ محب الدين الخطيب مؤسس المطبعة السلَفية ومكتبتها ، وهو من مؤسسي جمعية النهضة العربية ، أنشأ وحرر عدة جرائد رصينة ،
وأشرف على نشر عدد كبير من كتب التراث ، وهو خال الشيخ علي الطنطاوي رحمه االله ؛
حكم عليه جمال باشا السفاح بالإعدام غيابيا سنة 1916 ، كما حكم على الأمير عمر بنِ
الأمير عبد القادر.
ظ¢ـ العلاّمة محمد كرد علي : رئيس المجمع العلمي
العربي بدمشق ، ومؤسسه ، وصاحب مجلة (المقتبس) والمؤلفات الكثيرة. وأحد كبار الكتاب.
ولي وزارة المعارف مرتين.
ظـ الشيخ عبد الحميد الزهراوي : وهو من
زعماء النهضة السياسية في سورية ، وأحد شهداء العرب في ديوان (عاليه). له رسالة (الفقه
والتصوف - ط) وكتاب (خديجة أم المؤمنين - ط) .
ظ¤ـ العالم البحاثة رفيق العظم : وهو أيضا من رجال
النهضة الفكرية في سورية . اشترك في كثير من الأعمال والجمعيات الإصلاحية والسياسية
والعلمية ، ونشر بحوثًا قيمة في كبريات الصحف والمجلات ، وصنف (أشهر مشاهير الإسلام في
الحرب والسياسة - ط) أربعة أجزاء ، ولم يكمل، و(البيان في كيفية انتشار الأديان - ط)
و(الدروس الحكمية للناشئة الإسلامية - ط) و غيرها . ومن مآثره إهداؤه إلى المجمع العلمي
العربي في دمشق خزانةَ كتبه وهي نحو ألف مجلد.
ظ¥ـ الشيخ محمد سعيد الباني : ،تولى منصب الإفتاء في بعض أقضية دمشق واعتقل في الحرب العامة الأولى وحوكم بديوان الحرب العرفي بعاليه، ثم
نفي إلى الأناضول . ألّف في سيرة الشيخ طاهر الجزائري كتابا سماه (تنوير البصائر بسيرة الشيخ
طاهر - ط) وله من الكتب المطبوعة (الفرقدان النيران في بعض المباحث المتعلقة بالقرآن) و(عمدة
التحقيق في التقليد والتلفيق) و(المولد النبوي الشريف).
ظ¦ـ شكري بك العسلي: من زعماء النهضة العربية
الحديثة. وأصدر جريدة (القبس) اليومية ، فلما نشبت الحرب العامة حكم عليه ديوان عاليه
بالإعدام، ونفذ فيه الحكم بدمشق. له (القضاة والنواب- ط) رسالة، و(الخراج في الإسلام- ط)
ومن أخص تلاميذ الأمير عبد القادر أيضا الشيخ عبد الرزاق البيطار، وهو من علماء الشام
المشهورين وكان عالمًا بالدين ، متضلِّعا من الأدب
والتاريخ ، حفظ القرآن في صباه ، ومهر في علومه.
وممن تخرج على الشيخ عبد الرزاق البيطار علاّمة الشام وفقيهها الكبير الشيخ جمال الدين
القاسمي.
ومن تلامذة الشيخ القاسمي الشيخ محمد بهجة البيطار.
والشيخ بهجة رحمه االله ، من العلماء العاملين والدعاة النشطين له الكثير من المؤلفات والبحوث،
وكان أيضا يشيد بالأمير عبد القادر ، ونجد ذلك واضحا في تعليقاته على كتاب (حلية البشر في
تاريخ القرن الثالث عشر) لجده الشيخ عبد الرزاق البيطار.
ولعلّ أكبر أثر تركه الشيخ بهجة هو تلك النخبة الفريدة من العلماء والدعاة الذين تخرجوا عليه
ومن أشهرهم : القاضي والعلاّمة الشيخ علي الطنطاوي ، والعالم الفاضل سعدي ياسين،
والشيخ حامد التقي ، والدكتور أمين المصري ، والشيخ المحدث عبد القادر الأرناؤوط، رحمهم
االله جميعا، والقاضي الشرعي سعدي أبو جيب حفظه االله.
لقد بدأ الأمير عبد القادر الجزائري مسيرة الإصلاح ونشر السنة الصحيحة عندما استرجع
دار الحديث الأشرفية ، ودرس فيها صحيح الإمام البخاري بأسانيده ، ثم وكَلَ تدريس علوم
الحديث إلى الشيخ يوسف المغربي ، فكان من ثمرة ذلك ظهور الشيخ بدر الدين الحسني رحمه االله.
والناظر إلى الآثار الطيبة في مجال الإصلاح للشيخ عبد الرزاق البيطار وتلامذته ، وللشيخ جمال
الدين القاسمي وتلامذته ، وللشيخ طاهر الجزائري وتلامذته ، وللشيخ بدر الدين الحسني وتلامذته،
يدرك بوضوح أهمية ما بدأه الأمير عبد القادر في تجديد العمل بالسنة والنهوض بالأمة.




رد مع اقتباس