تابع . . .
وإنْ كان العقل فعقلي، وهو إثبات أمر لأمر أو نفيه عنه من غير توقف على تكرار ولا استناد إلى شرع. وخرج بهذا القيد الأخير حكم الفقيه المستند إلى الشرع كإثبات الوجوب للصلاة المستند إلى خطاب الله تعالى. فخرج بقوله: حكم العقل الحكمَ الشرعي والعادي.
والعقل سر روحاني: (سرّ): لا نعرف حقيقته، ونسبه إلى الروح إشارة إلى أن الروح هي مصدره وليس الجسد، فالتعقل ليس مستنداً إلى الجسد وإنما إلى الروح.
تدرك به النفسُ العلومَ الضروريةَ والنظريةَ: العلوم الضرورية والنظرية ناتجة عن هذا السرّ الذي هو وصف للروح أو فعل للروح أو شيء منسوب للروح، فهو هيئة نفسانية راسخة أو فعل . . لم يُرد المصنف أن يخوض في هذا الأمر، ولكنه نسبه إلى الروح.
وظيفته: تدرك به النفسُ العلومَ الضرورية والنظرية، إذن العلوم الضرورية والنظرية ليست هي حقيقة العقل وإنما هي ناتجة عن العقل، هذا العقل عبارة عن أمر منسوب إلى الروح.
ومحله في القلب ونوره في الدماغ: هذا السرّ الروحاني هل هو أمر اضطراري واستعماله اضطراري؟ بالتأكيد لا، لأن الإنسان يتعقل باختياره، فهو يعتمد على الإرادة، والإرادة هي عبارة عن الشوق والرغبة والمحبة فهي ميل النفس نحو أمر ما . . هذا الميل يظهر أثره في القلب. فالشعور بالحب والكره والخوف محله في القلب.
المحل الذي يتأثر بالإرادة هو القلب، والإرادة هي شرط التعقل، الإنسان حين يريد أن يتعقل يظهر أثر هذه الإرادة في القلب.
وحين يريد الإنسان أن يفكر في مسألة رياضية، حين يتجه قلبه إلى هذا الأمر فالذي يتحرك هو الدماغ في هذه الحالة.
عندما تتوجه إرادة التعقل تنشأ هذه الإرادة ويظهر أثرها في القلب ولكن نتيجتها تظهر في الدماغ. لذلك اختلف العلماء في محل التعقل، قال الإمام الشافعي: في القلب. وقال أبو حنيفة: في الدماغ.
والتحقيق أن محله في القلب ونوره في الدماغ، فربط بين القولين. الإمام أبو حنيفة نظر إلى نتيجة التعقل، والإمام الشافعي نظر إلى أصل التعقل، والإمام الشافعي استدل بالآيات القرآنية: لهم قلوب لا يعقلون بها. إذن التعقل يكون في القلب.
فالعلماء المتأخرون منهم الشيخ الدردير ربط بين القولين وحاز التحقيق في هذه المسألة بأن رَبَطَ رَبْطَ تحقيق لا رَبْطَ تلفيق.
ملاحظة: ما تقدم من التوفيق بين وظيفتي القلب والدماغ ودورهما في عملية التعقل، ومعنى كون القلبِ محلاً وكون العقلِ نوراً في الدماغ إنما هو من استنباطات الشيخ سعيد فودة وشرحه الخاص، حيث لم يذكره أحد من العلماء قبله.
وابتداؤه من حين نَفْخِ الروح في الجنين: من أول نفخ الروح يصبح في الجنين قابلية التعقل؛ لذلك فالتعقل الذي هو وسيلة الإدراك يكون من أثر نفخ الروح في الجنين، إذن الإنسان وهو في تلك الحالة يمكن أن يدرك بعض الأمور، وهذا مما أثبتته التجارب العلمية منذ القدم وفي الوقت الحالي.
بعض العلماء كانوا يلاحظون تربية أبنائهم من حين حمل أمهاتهم بهم. فوالد الإمام الجويني أبو محمد الجويني كان يراعي زوجته وهي حامل به، فلا يرهقها ولا يغضبها وينهاها عن أكل شيء مضرّ فكان يلاحظ أن تكوينه الروحاني يبدأ من حين يكون في بطن أمه.
وبعد أن وُلد رأى إحدى الجواري ترضع ابنه رضعة لمرض ألمّ بأمه، فقلبه وأنزل الحليب من فمه، لأنه يريد أن تكون طبيعته وجوهره متناسق لا تختلط به مادة غريبة؛ لذلك قال العلماء عن الإمام الجويني إنه كان من أذكياء العالم، وقالوا عن والده إنه لو كان هناك مجتهد يحق له الاجتهاد في ذلك العصر فهو أبو محمد الجويني.
وأول كماله البلوغ؛ ولذا كان التكليف بالبلوغ: البلوغ هو وصول الإنسان سناً معينة. عند الإمام الشافعي 15 سنة، وعند الإمام أبي حنيفة 18 سنة هجرية، معنى ذلك أن الإنسان عند هذا السنّ يؤمر بالصلاة ويجب عليه التشهد، وإذا كفر يكفر حقيقة وإذا التزم بالإسلام يكون ملتزماً حقيقة. وقبل ذلك لا يكون مكلفاً.
هذا العمر الذي حددوه ضابط قد ينقص قليلاً وقد يزيد قليلاً، وأرجعوا الخلاف في العمر حسب البلد.
قبل هذا العمر لا يكون الإنسان كامل العقل، ليس معنى هذا أنه لا يكون فيه عقل، ولكنه لا يكون كامل العقل، أي إمكانياته النفسية لا تمكّنه من أن يكون عاقلاً تاماً، فهو غير مؤهل أن يتعلق به التكليف؛ لأن التكليف فيه التزام وضبط، إذا كان الإنسان غير متمكن من التعقل التام فلا يكون متأهلاً للتكليف؛ لذلك فإن الشريعة أمرت الصبي بالصلاة على سبيل الاستحباب لا الوجوب.
ويكون كماله عند سن الأربعين، وقبل هذا السن يكون هناك ارتقاء وبعد ذلك تستقر حالة الإنسان من الناحية الروحانية والجسدية.
هذا هو الصحيح الذي عليه مالك والشافعي ـ رضي الله عنهما ـ وهو مراد من قال: هو لطيفة ربانية تدرك به النفس إلخ، وقيل: هو قوة للنفس معدّة لاكتساب الآراء أي الاعتقادات، وقيل: هو من قبيل العلوم. قال القاضي: هو بعض العلوم الضرورية وهو العلم بوجوب الواجبات واستحالة المستحيلات وجواز الجائزات ومجاري العادات كالعلم بوجوب افتقار الأثر إلى المؤثر والعلم باستحالة اجتماع الضدين وارتفاع النقيضين. وهذا تفسير لقول من قال هو العلم ببعض الضروريات، وعلى هذين القولين فهو من قبيل العَرَض.
وقوله: (لا محاله) أي لا تحوّل ولا انفكاك عن كونه ثلاثة، يعني أنها ثلاثة لا أقل ولا أكثر، هذا على الإعراب الأول، وأما الثاني فالمعنى أنها هي هذه بعينها لا غيرها.
(هي الوجوب) أي وما عطف عليه وهو عدم قبول الانتفاء (ثم الاستحالة) بالدرج للوزن، وهي عدم قبول الثبوت (ثم الجواز) وهو (ثالث الأقسام) وهي قبول الثبوت والانتفاء، وستتضح معانيها زيادة إيضاح في تعريف الواجب والمستحيل والجائز، وكلمة ثم هنا وفي سائر ما يأتي في الذكر والتدرج في مدارج الارتقاء بذكر ما هو الأولى فالأولى دون اعتبار تراخٍ بين المتعاطفين ولا بعدية في الزمان.
الوجوب: الثبوت. والاستحالة: المنع. والجواز: قبول الأمرين (الثبوت والاستحالة)، الجواز يعني المرور، ففيه معنى الحركة وعدم الاستقرار على محل، أما الاستحالة فهي من (أحال) بمعنى منع، فهو منع الثبوت. والوجوب: اللزوم والثبوت. هذه هي المعاني اللغوية وهي قريبة من المعاني الاصطلاحية.
فإن قلتَ: تقسيم الحكم العقلي إلى الوجوب والاستحالة والجواز لا يصح أن يكون من تقسيم الكل إلى أجزائه؛ إذ لا ينحلّ الحكم العقلي إليها، ولا من تقسيم الكلي إلى جزئياته لأنه لا يصح حمله على كلٍّ منها بحكم عقلي لما مرّ من تفسير الحكم بإثبات أمر لأمر و نفيه عنه. والحاصل أنّا لا نسلم أنها أقسام للحكم؛ لأن الحكم إما إدراك وقوع للنسبة أو لا وقوعها، فيكون كيفية وصفة للنفس كما هو التحقيق. وإما إيقاع أو انتزاع فيكون فعلاً من أفعال النفس. وأيّاً ما كان فهو بسيط فلا يكون مركباً حتى يكون من الأول، وليست هذه جزئياته حتى يكون من الثاني، قلت: إن في عبارتهم هذه مسامحة، والمراد أن كل ما حكم به العقل من إثبات أو نفي لا يخرج عن اتصافه بواحد من هذه الثلاثة. فلما كان لا يخرج عن اتصافه بها جعلوها أقساماً له تجوّزاً.
(فافهم) أي اعرف هذه الأقسام الثلاثة حق معرفتها؛ لأن على معرفتها مدار الإيمان بالله تعالى وبرسله عليهم الصلاة والسلام.
(مُنِحْت) أي أُعطيت، أي أعطاك الله تعالى (لذة) أي حلاوة (الأفهام) بفتح الهمزة، جمع فهم وهو الإدراك أي العلم والمعرفة، فإنّ مَن أُعطي لذة العلوم والمعارف فقد أُعطي خيري الدنيا والآخرة.
ملاحظة: سنورد زيادة شرح وبيان لهذه الفقرة في الدرس القادم إن شاء الله تعالى.




رد مع اقتباس