وقال في مداخلة أخرى----------------------
الإخوة الكرام:
ما المانع من بحث مسألة خلق الأفعال؟ أليس هذا تفكراً في خلق الله الذي أحسن كل شيء خلقه وسواه؟
إن البحث في خلق أفعال العبد هو كالبحث في خلق هذا الكون، وهو من التساؤلات التي تحير الإنسان ويتوق إلى إجابة شافية عنها لأنه يرى نفسه قادراً على الفعل من جهة، ويدرك أن هذه القدرة مودعة فيه وليس له إبقاؤها أو دفعها، فمن أين جاءته؟ ومن الذي أودعها فيه؟ وما هي حدودها؟ أهي الخالقة للفعل من العدم؟؟
ومن ضرورة البحث في هذه المسألة التفريق بين فعل العبد من حيث خلقه وإيجاده من جهة، ومن حيث الثواب والعقاب عليه من جهة أخرى، فهما مسألتان منفصلتان ولا مدخل لإحداهما بالأخرى.
الخطأ هو مزج البحثين وعدم الفصل بينهما كما فعل المعتزلة، وليس ثم خطأ في بحثهما بشكل منفصل.
إن الناظر في الفعل أي فعل يقوم به الإنسان يدرك في نفسه قدرةً ما على هذا الفعل، ويدرك أيضاً أن هذا القدرة مودعة فيه، ولا يملك هو إبقاءها أو دفعها.
ولا بد لنا قبل كل شيء أن نخوض في تعريف الفعل وماهيته...
لقد سمعت بتعريف الفعل من أحد العلماء قال فيه:
الفعل: هو رؤية معنى المصدر في المفعول...
أو
تحقق معنى المصدر في المفعول...
بمعنى أن فعل الضرب مثلاً لا يدرك حصوله إلا برؤية معنى الضرب في المضروب، أما الفاعل فلا مدخل له في ماهية الفعل وليس ركناً من أركانه، ولا داخلاً في ماهيته، صحيح أنه لا بد لكل فعل من فاعل، ولكن هذا يدرك بطريق الالتزام. أما المفعول فهو ركن من أركان الفعل، وداخل في ماهيته أي لا بد من وجود مفعول يرى معنى الفعل فيه حتى نجزم بحدوث الفعل ونقول به.
وعلى هذا فإن فلاناً من الناس لا يسمى قاتلاً حتى يضرب رجلاً ما، ويدميه، ومن ثم تزهق روح هذا الرجل المضروب عقيب ضربه بسيف أو غيره...
فمن هو فاعل القتل على سبيل المثال؟؟؟
أي من الذي أزهق روح الرجل عقب الضرب؟
لأن القتل لا يسمى قتلاً إلا بزهوق روح الرجل المقتول. فمن الذي أزهق روح المقتول؟ أهو القاتل أم الله؟ ومن الذي أهرق دمه عند ضربة السيف؟ أهو المهرق أم الله؟؟ ومن الذي جعل قطع الرقبة ملازماً لضربة السيف؟ أهو الجاعل أم الله؟
وكذلك أي فعل آخر كالضرب والأكل والشرب
فمن خالق هذه الأفعال؟؟
أليس الله سبحانه؟!
أيمكن أن ينسب خلق فعل القتل بكل أجزائه للعبد؟؟
قطعاً لا، لأن ما تعاطاه الإنسان هو الإهواء بالسيف على رقبة المقتول، أما انقطاع الرقبة فليس فعله وكذلك زهوق الروح... هذا أولاً
ولنأت للجزء الآخر وهو حمل السيف والإهواء به على رقبة الخصم، من خلق في اليد القدرة على حمل السيف؟ ومن جعل السيف يتحرك عند الإهواء به؟
أليس الله؟؟؟
إن الأفعال التي ندرك أننا قادرون عليها كحركة اليد والأصابع والتنفس، لا بد أن ندرك أننا قادرون عليها بحكم العادة، ولكن تفاصيل هذه الحركات كالأكل والشرب والتنفس:
كيف تحصل بقدرتنا؟ وكيف تكون بإرادتنا؟ ومن أين لنا بهذه القدرة ذاتها أوهذه الإرادة ذاتها؟ ومن أودعها فينا؟ فإن العقل يحكم بأنها لا تحدث بقدرتك بل بقدر الله لا إله إلا هو.
وانظر في معجزات الأنبياء عليهم السلام الخارقة للعادة:
من جعل إبراهيم عليه السلام يلقى في النار ولا يحترق؟ ومن أقدر عيسى على إحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص؟
ولو كان من معجزات الأنبياء أن يطيروا بأجسامهم في الهواء ويقدروا على ذلك، فمن يخلق فعل الطيران والتحليق في الهواء؟ أبقدرتهم أم بقدرة الله؟
فإن كان هذا في الأفعال الخارقة للعادة، فهي في الأفعال العادية كذلك، هي لا تحصل بقدرتنا، بل بقدرة الله لا إله إلا هو أو بإقدار الله سبحانه لنا على اكتسابها لا على خلقها.
وعلى هذا فنحن إذ نسمي أنفسنا قادرين على الفعل، فهذه التسمية بحكم العادة، كما أن فلاناً يسمى قاتلاً لاطراد العادة بزهوق الروح عقيب الضرب بالسيف مع أن خالق الموت والقتل هو الله تعالى على الحقيقة...
ولا بد من التذكير بضرورة الفصل بين مبحث خلق الأفعال من حيث هي وبين الثواب والحساب عليها. فهما مبحثان منفصلان، الأول عقلي، والثاني شرعي.
والله أعلم
-------------
يتبع






رد مع اقتباس