أجوبة‎ فضيلة القاضي محمد تقي العثماني ‎
‎

‎بسم اللـه الرحمن الرحيم
‎‎
التجنس‎ ‎بالجنسيات الأجنبية‎:
1- إن التجنس بجنسيات البلاد غير المسلمة‎ ‎يختلف حكمه حسب الظروف، والأحوال، ‏وأغراض هذا التجنس، على الشكل التالي‎:
إن‎ ‎اضطر إليه مسلم بسبب أنه أوذي في وطنه، أو اضطهد بالسجن، أو مصادرة أمواله ‏لغير ما‎ ‎ذنب أو جريمة، ولم يجد لنفسه مأمنًا إلا في مثل هذه البلاد، فإنه يجوز له التجنس‎ ‎بهذه ‏الجنسيات دون أي كراهة، بشرط أن يعزم على نفسه المحافظة على دينه في حياته‎ ‎العملية، ‏والابتعاد عن المنكرات الشائعة هناك‎.
والدليل على ذلك: أن الصحابة رضي‎ ‎الله عنهم هاجروا إلى‎ ‎الحبشة‎ ‎بعد ما اضطهدوا من ‏قبل أهل‎ ‎مكة‎ ‎، والحبشة يومئذ يسودها الكفار، وأقاموا بها حتى إن بعض الصحابة لم يزالوا‎ ‎مقيمين بها بعد ما هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى‎ ‎المدينة‎ ‎،‎ ‎فإنما رجع‎ ‎أبو موسى ‏الأشعري‎ ‎رضي الله عنه عند غزوة‎ ‎خيبر‎ ‎، يعني في السنة السابعة من الهجرة‎.
ثم من حقوق النفس أن يصونها المرء من‎ ‎كل نوع من أنواع الظلم، فإذا لم يجد الإنسان ‏مأمنًا لنفسه إلا في بلاد الكفار، فلا‎ ‎مانع من هجرته إليها، ما دام يحتفظ بفرائضه الدينية، والابتعاد ‏عن المنكرات‎ ‎المحرمة‎.
وكذلك إن اضطر إليه مسلم بسب أنه لم تتيسر له في بلده وسائل المعاش‎ ‎الضرورية التي لا ‏بد له منها، ولم يجدها إلا في مثل هذه البلاد، فإنه يجوز له ذلك‎ ‎أيضًا بالشرط المذكور، وذلك أن ‏كسب المعاش فريضة بعد الفريضة، ولم يقيده الشرع‎ ‎بمكان دون مكان، فقال الله تعالى{‏‎ ‎هُوَ الَّذِي ‏جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا‎ ‎وَكُلُوا مِنْ رِّزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ‎ ‎‏}‏‎.
ولو تجنس‎ ‎مسلم بهذه الجنسية لدعوة أهلها إلى الإسلام، أو لتبليغ‎ ‎الأحكام الشرعية‎ ‎إلى ‏المسلمين المقيمين بها، فإنه يثاب على ذلك، فضلًا عن كونه جائزًا، فكم من‎ ‎الصحابة والتابعين ‏رضي الله عنهم توطنوا بلاد الكفار لهذا الغرض المحمود وعد ذلك من‎ ‎مناقبهم وفضائلهم‎.
أما إذا كان الرجل تتيسر له وسائل المعاش في بلده المسلم على‎ ‎مستوى أهل بلده، ولكنه ‏هاجر إلى بلاد الكفار للاستزادة منها، والحصول على محض‎ ‎الترفه والتنعم، فإن ذلك لا يخلو من ‏كراهة، لما فيه من عرض النفس على المنكرات‎ ‎الشائعة هناك، وتحمل خطر الانهيار الخلقي ‏والديني من غير ضرورة داعية لذلك،‎ ‎والتجربة شاهدة على أن الذين يتجنسون بهذه الجنسيات ‏الأجنبية لمجرد الترفه، ينتقص‎ ‎فيه من الوازع الديني، فيذوبون أمام الإغراءات الكافرة ذوبانًا ‏ذريعًا، ومن هنا ورد‎ ‎في الحديث النهي عن مساكنة المشركين بدون حاجة ملحة‎.
أخرج‎ ‎أبو داود‎ ‎عن‎ ‎سمرة بن جندب‎ ‎، قال: أما بعد، قال رسول الله صلى الله عليه‎ ‎وسلم‎)) ‎من جامع المشرك، وسكن معه‎ ‎فإنه مثله‎ (( ‎أخرجه أبو داود قبيل كتاب الضحايا، وعلقه‎ ‎الترمذي‎ ‎في السير‎.
أخرج أبو داود،‎ ‎والترمذي‎ ‎عن جرير بن عبد الله أن‎ ‎رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‎)) ‎أنا بريء من كل مسلم يقيم بين أظهر‎ ‎المشركين، قالوا: يا رسول الله، لِمَ؟ قال: لا تراءى ناراهما‎ ‎‎((.
قال‎ ‎الخطابي‎ ‎في شرحه: "فيه وجوه: أحدها معناه، لا يستوي‎ ‎حكماهما، قاله بعض أهل العلم، ‏وقال بعضهم: معناه أن الله قد فرق بين داري الإسلام‎ ‎والكفر، فلا يجوز لمسلم أن يساكن الكفار ‏في بلادهم، حتى إذا أوقدوا نارًا كان منهم‎ ‎بحيث يراها، وفيه دلالة على كراهة دخول المسلم دار ‏الحرب للتجارة والمقام فيها أكثر‏‎ ‎من مدة أربعة أيام‎" (‎معالم السنن للخطابي، كتاب الجهاد، باب ‏على ما يقاتل‎ ‎المشركون، 3/ 437‏‎).
وأخرج أبو داود في المراسيل عن‎ ‎مكحول‎ ‎، عن‎ ‎النبي صلى الله عليه وسلم قال‎( ‎لا تتركوا ‏الذرية إزاء العدو‎ )) ‎ذكره‎ ‎ابن القيم‎ ‎رحمه الله في‎ ‎تهذيب السنن 3: 437، في سياق كراهة مساكنة ‏المشركين‎.
ومن هنا ذكر بعض الفقهاء‎ ‎أن سكنى دار الحرب وتكثير سوادهم لأجل المال مما يسقط‎ ‎العدالة‎ (‎راجع‎ ‎تكملة رد المحتار: 1/ 101‏‎).
أما إذا كان‎ ‎التجنس‎ ‎بالجنسيات‎ ‎الأجنبية اعتزازًا بها، وافتخارًا، أو لتفضيلها على الجنسيات ‏المسلمة، أو للتشبه‎ ‎بأهلها في الحياة العملية، فإن ذلك حرام مطلقًا، ولا حاجة إلى التدليل على ذلك‎. ‎‎ ‎
2- أما خطورة تنشئة‎ ‎الأبناء المسلمين في البلاد الأجنبية‎:
فخطورة واقعة فيجتنب عنها في‎ ‎الظروف التي يكره أو يحرم فيها‎ ‎التجنس‎ ‎حسب ما ذكرنا في ‏الجواب عن‎ ‎السؤال الأول‎.
وأما في الظروف التي يجوز فيها التجنس بدون كراهة، فإنها مواضع‎ ‎ضرورة، أو حاجة، ‏فيجب على المبتلي به في مثل هذه المواضع، أن يعنى بتربية أولاده‎ ‎عناية خاصة، ويجب على ‏المسلمين المقيمين في تلك البلاد أن يحدثوا من أجل ذلك جوًا‎ ‎تربويًا فيه الناشئة المسلمة محافظة ‏على عقائدها، وأعمالها، وأخلاقها الدينية‎. ‎‎
3‏‎ ‎و 4‏‎ ‎زواج المسلمة بغير المسلم‎:
لا يجوز لمسلمة أن تنكح غير مسلم في حال من‎ ‎الأحوال، قال الله تعالى{‏‎ ‎وَلاَ تُنكِحُواْ ‏الْمُشِرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُواْ وَلَعَبْدٌ مُّؤْمِنٌ خَيْرٌ‎ ‎مِّنْ مُّشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ‏‎ ‎‏}‏‎ ‎وقال تعالى {‏‎ ‎لَا هُنَّ حِلٌّ لَّهُمْ ‏وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ‎ ‎‏}‏‎.
وإن الطمع في‎ ‎الإسلام أحد لا يبرر لمسلمة أن تعقد معه الزواج، فإن مثل هذا الطمع ‏الموهوم لا يحل‎ ‎حرامًا‎.
وكذلك لو أسلمت المرأة وزوجها كافر، فإن النكاح ينقطع بينها وبينه‎ ‎بمجرد إسلامها عند ‏الجمهور، وبإنكار الزوج عن الإسلام بعد العرض عليه عند الحنفية،‎ ‎فلو أسلم الزوج وهي في ‏عدته، رجع النكاح الأول، ولو لم يسلم إلا بعد العدة، لا ترجع‎ ‎إليه الزوجة المسلمة إلا بنكاح جديد ‏بينهما، وهذا أمر فقد اتفق عليه الفقهاء قديمًا‏‎ ‎وحديثًا، وإن الطمع الموهوم في إسلام الزوج لا يغير ‏حكم الشرع‎. ‎‎
5- الدفن في مقابر‎ ‎غير المسلمين‎:
لا يجوز دفن موتى المسلمين في مقابر غير المسلمين إلا إذا‎ ‎لم يكن من ذلك بد، وذلك بأن ‏لا يكون للمسلمين مقبرة، ولا يسمح لهم بالدفن خارج‎ ‎مقبرة الكفار، كما هو مذكور في السؤال، ‏فحينئذ يجوز ذلك للضرورة‎. ‎‎
6- حكم بيع‎ ‎المساجد‎:
إن المواضع التي يصلي فيها المسلمون في البلاد الغربية على‎ ‎قسمين‎: الأول: ما يتخذونه موضع صلاة للمسلمين، ومحل اجتماعاتهم الدينية، دون أن‎ ‎يجعلوه مسجدًا ‏فقهيًا، بأن يقفوا ذلك المحل والبناء كمسجد، ولذلك ربما يسمونها‎ "‎المركز الإسلامي" أو "دار ‏صلاة" أو "دار جماعة" ولا يسمونه مسجدًا‎.
وأن الأمر‎ ‎في مثل هذه المواضع سهل ميسور، لأنها وإن كانت تستعمل للصلاة فيها، ليست ‏مساجد‎ ‎شرعية، لأن أهلها لم يجعلوها مسجدًا، فكلما أراد أهلها أن يبيعوا هذه المواضع لصالح‏‎ ‎المسلمين جاز لهم ذلك‎ ‎بالإجماع‎ .
والثاني: ما اتخذوه مسجدًا‎ ‎شرعيًا، وجعلوا أرضه وقفًا كمسجد، فالحكم في مثل ذلك عند ‏جمهور الفقهاء أن هذا‎ ‎المكان يبقى مسجدًا إلى قيام الساعة، ولا يجوز بيعه في حال من الأحوال، ‏ولا يرجع‎ ‎إلى ملك واقفه أبدًا، وهذا مذهب‎ ‎مالك‎ ‎، و‎ ‎الشافعي‎ ‎،‎ ‎وأبي حنيفة‎ ‎،‎ ‎وأبي يوسف‎ ‎رحمهم ‏الله تعالى‎.
يقول‎ ‎الخطيب الشربيني الشافعي‎ ‎رحمه الله: "ولو انهدم مسجد، وتعذرت‎ ‎إعادته أو تعطل ‏بخراب البلد مثلًا، لم يعد ملكًا، ولم يبع بحال، كالعبد إذا عتق، ثم‎ ‎زمن، ولم ينقض إن لم يخف ‏عليه لإمكان الصلاة فيه، ولإمكان عوده كما كان.. فإن خيف‎ ‎عليه نقض، وبنى الحاكم بنقضه ‏مسجدًا آخر إن رأى ذلك وإلا حفظه، وبناؤه بقربه أولى،‎ ‎ولا يبنى به بئرًا‎" .
ويقول‎ ‎المواق‎ ‎من فقهاء‎ ‎المالكية: "ابن عرفة من المدونة وغيرها: يمنع ما خرب من ربع ‏الحبس مطلقًا،.. وعبارة‎ ‎الرسالة: ولا يباع الحبس وإن خرب.. وفي الطرر عن ابن عبد الغفور: ‏لا يجوز بيع مواضع‎ ‎المسجد الخربة، لأنها وقف، ولا بأس ببيع نقضها‎" .
وجاء في الهداية من كتب‎ ‎الفقه الحنفي: "ومن اتخذ أرضه مسجدًا لم يكن له أني رجع فيه، ‏ولا يبيعه ولا يورث‎ ‎عنه، لأنه تجرد عن حق العباد، وصار خالصًا لله، وهذا لأن الأشياء كلها لله ‏تعالى،‎ ‎وإذا أسقط العقد ما ثبت له من الحق رجع إلى أصله، فانقطع تصرفه عنه، كما في‎ ‎الإعتاق، ولو خرب ما حول المسجد واستغنى عنه يبقى مسجدًا عند‎ ‎أبي يوسف‎ ‎لأنه إسقاط منه، ‏فلا يعود إلى ملكه" (المداية مع فتح القدير: 5/ 446‏‎). ‎
إلا أن مذهب الإمام‎ ‎أحمد‎ ‎رحمه الله في مثل هذا أن المسجد‎ ‎يجوز بيعه عندما وقع الاستغناء ‏عنه بالكلية‎ ‎فقد جاء في المغني‎ ‎لابن قدامة‎ : "‎أن الوقف إذا خرب، وتعطلت منافعه، كدار انهدمت ‏أو أرض‎ ‎خربت، وعادت مواتًا، ولم تمكن عمارتها، أو مسجد انتقل أهل القرية عنه، وصار في ‏موضع‎ ‎لا يصلى فيه، أو ضاق بأهله، ولم يمكن توسيعه في وضعه، أو تشعب جميعه، فلم تمكن‎ ‎عمارته ولا عمارة بعضه إلا ببيع بعضه، جاز بيع بعضه لتعمر به بقيته، وإن لم يمكن‎ ‎الانتفاع ‏بشيء منه بيع جميعه، (المغني لابن قدامة مع الشرح الكبير: 6/ 225‏‎) .
وهناك قول آخر: وهو قول الإمام محمد بن الحسن الشيباني، أن الوقت إذا استغني‎ ‎عنه ‏تمامًا، فإنه يعود إلى ملك الواقف، أو إلى وراثه بعد موته، يقول صاحب الهداية‎: "‎وعند محمد ‏يعود إلى ملك الباني، أو إلى وراثه بعد موته، لأنه عينه لنوع قربة، وقد‎ ‎انقطعت، فصار كحصير ‏المسجد وحشيشه إذا استغني عنه" (5/ 446‏‎).
فإذا عاد إلى ملك‎ ‎الواقف جاز له بيعه بعد ذلك‎.
وأن الجمهور استدلوا على قولهم بعدم جواز البيع،‎ ‎وعدم انتقاله إلى ملك الواقف، بقصة ‏عمر رضي الله عنه‎ ‎بخيبر‎ ‎على عهد‎ ‎رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان من شرائط الوقف‎: )) ‎أنه لا يباع أصلها، ولا تابع، ولا‎ ‎تورث ولا توهب‎ (( ‎أخرجه الشيخان وهذا لفظ مسلم في باب ‏الوقف‎.
واستدل‎ ‎الإمام‎ ‎أبو يوسف‎ ‎للجمهور بالكعبة أيضًا، فإن في زمن الفَتْرَة قد كان‎ ‎حول الكعبة ‏عبدة أصنام، وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكاء وتصدية، ثم لم يخرج موضع‎ ‎الكعبة به من أن ‏يكون موضع طاعة وقربة خالصة لله تعالى فكذلك سائر المساجد، واعترض‎ ‎عليه ابن الهمام في ‏فتح القدير: 5/ 446، بأن الطواف لم يزل باقيًا على عهد الفترة‎ ‎أيضًا، فلم تترك العبادة المقصودة ‏بالكعبة رأسًا، وأجاب عنه الشيخ العثماني‎ ‎التهانوي رحمه الله بأن القربة التي عينت لها لكعبة هي ‏الصلاة إليها، دون الطواف‎ ‎وحده، لقوله تعالى حكاية عن إبراهيم عليه السلام بعد ذكر إسكانه ‏ذريته عند البيت‎ ‎الحرام{‏‎ ‎رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ الصَّلاَةَ‎ ‎‏}‏‎ ‎ولم يذكر الطواف، وقوله{‏‎ ‎وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ ‏وَالْقَائِمِينَ‎ ‎‏}‏‎ ‎مفسر بالمسافرين‎ ‎والمقيمين كقوله{‏‎ ‎سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ‎ ‎‏}‏‎ (‎راجع إعلاء السنن: ‏‏13/ 212)، وإن من‎ ‎أقوى أدلة الجمهور في هذا الباب قوله الله تعالى{‏‎ ‎وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا ‏تَدْعُواْ مَعَ اللَّهِ أَحَدًا‎ ‎‏}‏‎.
قال‎ ‎ابن العربي‎ : ‎إذا تعينت لله أصلًا، وعينت له‎ ‎عقدًا، صارت عتيقة عن التملك، مشتركة ‏بين الخليفة في العبادة‎ " ‎أ" (أحكام‎ ‎القرآن لابن العربي: 4/ 1869) وأخرج ابن جرير في تفسيره ‏‏29/ 73 عن عكرمة{‏‎ ‎وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ‎ ‎‏}‏‎ ‎قال: المساجد كلها‎.
وأما الإمام‎ ‎أحمد‎ ‎فاستدل له‎ ‎ابن قدامة‎ ‎في المغني: 6/ 226، بما روي أن‎ ‎عمر رضي الله ‏عنه كتب إلى سعد لما بلغ أنه قد نقب‎ ‎بيت المال‎ ‎الذي‎ ‎بالكوفة‎ : ‎انقل المسجد الذي بالتمارين، ‏واجعل بيت المال قبلة المسجد،‎ ‎فإنه لن يزال في المسجد مصل‎.
وأجاب عنه ابن الهمام (في فتح القدير: 5/ 446) بأن‎ ‎يمكن أنه أمره باتخاذ بيت المال في ‏المسجد‎.
ويبدو أن المذهب الراجح في هذا مذهب‎ ‎الجمهور، فلا ينبغي أن يباع مسجد بعد ما تقرر ‏كونه مسجدًا، وإلا لصارت المساجد مثل‎ ‎كنائس النصارى، يبيعونها كلما شاءوا، ولكن المسألة لما ‏كانت مجتهدًا فيها، وفي كلا‎ ‎الجانبين دلائل من الكتاب والسنة، فلو خيف الاستيلاء من قبل الكفار ‏على مسجد ارتحل‎ ‎عن جواره أهله، ولم يرج عود المسلمين إلى ذلك المكان، ففي مثل هذه ‏الضرورة الشديدة،‎ ‎يبدو أنه لا بأس بالأخذ بقول الإمام‎ ‎أحمد‎ ‎أو‎ ‎محمد بن الحسن‎ ‎رحمهما الله ‏تعالى، ويباع بناء المسجد ويصرف ثمنه إلى بناء مسجد آخر، لا إلى‏‎ ‎مصرف سوى المسجد، قد ‏نص عليه فقهاء الحنابلة حيث قالوا: "ولو جاز جعل أسفل المسجد‎ ‎سقاية وحوانيت لهذه الحاجة، ‏لجاز تخريب المسجد، جعله سقاية وحوانيت، ويجعل بدله‎ ‎مسجدًا في موضع آخر" (راجع المغني‎ ‎لابن قدامة‎ : ‎‏6‏‎/ ‎‏228‏‎).
ثم إن‎ ‎جواز هذا البيع إنما يصار إليه أن تحقق انتقال جميع السكان هما حول المسجد، ولم‎ ‎يرجع عودهم إليه، فإن انتقل أكثر السكان، وبقي منهم بعض، فلا سبيل إليه، قد نص عليه‎ ‎الفقهاء ‏الحنابلة أيضًا حيث قالوا: "وإن لم تتعطل مصلحة الوقف بالكلية لكن قلت‎: ‎وكان غيره أنفع منه، ‏وأكثر ردًا على أهل الوقف لم يجز بيعه، لأن الأصل تحريم البيع،‎ ‎وإنما أبيح للضرورة صيانة ‏لمقصود الوقف عن الضياع مع إمكان تحصيله، ومع الانتفاع‎ ‎وإن قل ما يضيع المقصود (المغني‎ ‎لابن قدامة‎ : ‎‏6‏‎/ ‎‏227‏‎). ‎‎
7- سفر المرأة بغير‎ ‎محرم‎:
أخرج مسلم عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، قال: قال رسول الله‎ ‎صلى الله عليه ‏وسلم: ((‏‎ ‎لا تسافر‎ ‎المرأة فوق ثلاث إلا ومعها زوج أو ذو رحم محرم منها‎ ‎‏))‏‎ ‎هذا الحكم الصريح ‏قد‎ ‎أخذ به جمهور الفقهاء، حتى إنهم لم يجوزوا لها أن تسافر بدون محرم لضرورة الحج، وأن‎ ‎الدراسة والعمل في البلاد الأجنبية ليس من ضرورة النساء المسلمات في شيء، إن‎ ‎الشريعة لم ‏تأذن للمرأة بالخروج من دارها إلا لحاجة ملحة، وقد ألزم أباها وزوجها‎ ‎بأن يكفل لها بجميع ‏حاجاتها المالية، فليس لها أن تسافر بغير محرم لمثل هذه‎ ‎الحوائج‎.
أما إذا كانت المرأة ليس لها زوج أو أب، أو غيرهما من أقاربها الذين‎ ‎يتكفلون لها ‏بالمعيشة، وليس عندها من المال ما يسد حاجتها، فحينئذ يجوز لها أن تخرج‎ ‎للاكتساب بقدر ‏الضرورة، ملتزمة بأحكام الحجاب، فيكفي لها في مثل هذه الحال أن تكتسب‎ ‎في وطنها، ولا حاجة ‏لها إلى السفر إلى البلاد الأجنبية، ولو لم تجد بدًا من السفر‎ ‎في وطنها من بلد إلى آخر، ولم تجد ‏أحدًا من محارمها، ففي مثل هذه الحالة فقط يسع‎ ‎لها أن تأخذ بمذهب مالك، والشافعي، حيث ‏جوزوا لها السفر مع النساء المسلمات الثقات،‎ (‎راجع له المغني‎ ‎لابن قدامة‎ : ‎‏3‏‎/ ‎‏170‏‎). ‎‎