السلام عليكم
فأما المحور الأول والذي يتعلق بالخط العربي ,فقد تناسى القوم روعة الخط العربي وبهاء حرفه وزخرف شكله,وتجاهل القوم اهتمام المسلمين بالخط والقلم وبيان أهميته وفضله, وما جاء في القرآن والسنة وفصيح العرب من شعر ونثر في فضل القلم والأقلام.
ومما قيل في فضل" القلم":
قوله تعالى:"اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ{3} الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ {4} عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ".فأضاف تعليم القلم إلى نفسه وأمتن به على عباده.ناهيك بذلك شرفًا.وقال عزوجل:"ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ "فأقسم بما يسطرون.
وقال رسول الله عليه الصلاة والسلام:"عليكم بحسن الخط فإنه من مفاتيح الرزق", وقال عليه السلام:"الخط الحسن يزيد الحق وضوحًا", وقال صلى الله عليه وسلم:"إذا كتب أحدكم "بسم الله الرحمن الرحيم" فليمد السين",وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه:"أكرموا أولادكم بالكتابة".
وقال عبدالله بن عباس:"الخط لسان اليد",وقال جعفر بن يحيى:"الخط سمة الحكمة.وبه يفصل شذورها.وينتظم منثورها.
وقال الشيباني:"الخط لسان اليد,وبهجة الضمير,وسفير العقول,ووصي الفمر,وسلام المعرفة,وأنس الإخوان عند الفرقة,ومحادثتهم على بعد المسافة,ومستودع السر وديوان الأمور",وقال أفلاطون:"الخط عقال العقل",وقال اقليدس:"الخط هندسة روحانية بآلة جسمانية".
وقول الشاعر :

[poem font="Simplified Arabic,5,,normal,normal" bkcolor="transparent" bkimage="" border="none,4," type=0 line=0 align=center use=ex num="0,black"]
أخرس ينطق بالمحكمات=وجثماته صامت أجوف
بمكـة ينظـق خفـيـة=وبالشام منطقه يعـرف [/poem]

ومن فضل القلم أن أول المخلوقات,لما روى عبادة بن الصامت عن الرسول عليه الصلاة والسلام:"أول ما خلق الله القلم,وقال له:"أكتب.فجزى بما هو كائن إلى يوم القيامة".
وقال إبن المقفع:"الأقلام مطايا الفطن,ورسل الكرام وبيان البنان.وقوام الأمور بشيئين:القلم والسيف,والقلم فوق السيف".وأنشد يقول:"

[poem font="Simplified Arabic,5,,normal,normal" bkcolor="transparent" bkimage="" border="none,4," type=0 line=0 align=center use=ex num="0,black"]
أن يخدم القلم السيف الذي خضعت=له الرقاب وكلـت دونـه الأمـم
كذا قضى الله للأقلام مـذ بريـت=أن السيوف لها مذ أرهفت خـدم [/poem]

وقال أبو تمام الطائي:

[poem font="Simplified Arabic,5,,normal,normal" bkcolor="transparent" bkimage="" border="none,4," type=0 line=0 align=center use=ex num="0,black"]
ولضربة من كاتب ببنانـه=أمضى وأبلغ من دقيق حسام
قوم إذا عزموا عداوة حاسد=سفكوا الدما بأسنة الأقـلام [/poem]


وأجاد غيره من الشعراء حين قال:



[poem font="Simplified Arabic,5,,normal,normal" bkcolor="transparent" bkimage="" border="none,4," type=0 line=0 align=center use=ex num="0,black"]
قوم إذا أخذوا الأقلام من غضب=ثم اعتمدوا بـه مـاء المنيـات
نالوا به من أعاديهم وإن كثروا=ما لا ينـال بحـد المشرقيـات
[/poem]

ولولا أنا نبالغ لقلنا أن الكتابة بالخط العربي فرض , فهناك علاقة وطيدة بين الرسم والقراءة,والقراءات موقوفة والرسول عليه الصلاة والسلام عندما قال :" إذا كتب أحدكم "بسم الله الرحمن الرحيم" فليمد السين", قصد "السين" في الخط العربي, وقوله علي السلام:" الخط الحسن يزيد الحق وضوحًا",قصد الخط العربي ولم يقصد الخط اللاتيني , وقول الله تعالى:" وَهَذَا كِتَابٌ مُّصَدِّقٌ لِّسَاناً عَرَبِيّاً", عربي اللسان والخط ,وقد أصاب المستشرق المنصف الإيطالي كارلو نللّينو عندما قال :"أن الخط العربي موافق لطبيعة اللغة العربية".
والخط العربي يعد من أثار الثقافة العربية الإسلامية ,ورمز الحضارة الإسلامية وفنًا إسلامياً بهر العجم قبل العرب,ومن شدة تألق العرب بالخط جعلوه في مبانيهم ومساجدهم ,ولم تخل المشكاوات والآواني من الخط العربي برونقه وزخرفته السحرية.
ويعتبر أرقى وأجمل خطوط العالم البشري على وجهه البسيطة فإن له من حسن شكله وجمال هندسته وبديع نسقه ما جعله محبوبًا حتى لغير العرب.
وقيل أن أول من كتب بالعربية هو إسماعيل عليه السلام,وقيل رجل يُقال له "مرامر بن مروة" وهو رجل من أهل الأنبار، فأصل الكتابة في العرب من الأنبار,ومن أقدم الأثار في الكتابة العربية ما عثرعليه في موقع أم الجمال بسوريا _270 م_, ونقش آخر في صحراء النمارة على قبر الشاعر امرئ القيس _328 م_,ونقش ثالث في مدينة حران _569م_,وأما سبب عدم وجود تاريخ دقيق في الكتابة العربية هو أن العرب كانوا أميين ,ولم تخط العرب الخط ولم تبدع في استعمال المدواة والقلم ,فهم اعتمدوا النقل والرواية شأنهم شأن الأمم الأمية.
بدأ اهتمام المسلمين في الخط في عهد عمر بن الخطاب,كُتب القرآن في زمانه على طريقة الكتابة الحجازية وعرف ذلك الخط بالخط الحجازي.وقد سبق الرسول عليه الصلاة والسلام اهتمامه في الخط العربي وتعلمه حيث أنه اشترط على كل واحد من أسرى بدر ممن يجيدون الكتابة تعليم عشرة من أبناء المسلمين. فانتشرت الكتابة بين المسلمين، وما كاد يتم نزول القرآن حتى كان لرسول الله (صلى الله عليه وسلم) أكثر من أربعين كاتبًا.
وقد اشتهر أربعة من الصحابة ممن استُعملوا لكتابة المصاحف لعثمان وهم: زيد بن ثابت، وعبد الله بن الزبير، وسعيد بن العاص، وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام.
ولما ازدهرت الحضارة الإسلامية أصبح الخط فناً، فوضعت له قواعد علمية بعد أن كان غاية المعرفة، وجعلت له أساليب وطرائق تهدف كلها إلى إظهار كل مناظر الفتنة ومظاهر الجمال المتناهي فيه، حيث أعطيت للخط أشكال مختلفة تتسم بالرشاقة ويضفي عليه سحرًا خلابًا.
اهتم المسلمون الأتراك بالخط العربي وأقاموا مراكزًا ودورًا لتعليمه,وكان السلطان العثماني سليمان القانوني من المحبين للخط العربي وفنونه,وقد أبدع السلطان أحمد خان الثالث فيه وكتب بخط يده عدة مصاحف ,وأكرموا الخطاطين وجعلوا لهم رواتب وصلت إلى 400 جنيه عثماني ذهبًا,وأبدع منهم كثير, أمثال: يساري أفندي، ومصطفى راقم، وممتاز بك، والحافظ عثمان، وعبد الله زهدي، وعبد العزيز الرفاعي، وحامد الآمدي.


أنواع الخط العربي:



1.الخط الكوفي
وهو من أجود الخطوط شكلا ومنظراً وتنسيقاً وتنظيماً، فأشكال الحروف فيه متشابهة، وزاد من حلاوته وجماله أن تزين بالتنقيط ، وقد بدأت كتابته من القرن الثاني الهجري، ثم ابتكر الإيرانيون الخط الكوفي الإيراني وهو نوع من الخط الكوفي العباسي تظهر فيه المدات أكثر وضوحًا، ثم ظهر الخط الكوفي المزهر وفيه تزدان الحروف بمراوح نخيلية تشبه زخارف التوريق، وشاع استعمال هذا النوع في إيران في عهد السلاجقة، وفي مصر في العهد الفاطمي.
2.خط النسخ
وضع قواعده الوزير إبن مقلة، وأُطلق عليه النسخ لكثرة استعماله في نسخ الكتب ونقلها، لأنه يساعد الكاتب على السير بقلمه بسرعة أكثر من غيره، ثم كتبت به المصاحف في العصور الوسطى الإسلامية، وامتاز بإيضاح الحروف وإظهار جمالها وروعتها.
3.خط الثلث
من أروع الخطوط منظرا وجمالاً وأصعبها كتابة وإتقانا، يمتاز عن غيره بكثرة المرونة إذ تتعدد أشكال معظم الحروف فيه ؛ لذلك يمكن كتابة جملة واحدة عدة مرات بأشكال مختلفة، ويطمس أحيانا شكل الميم للتجميل، ويقل استعمال هذا النوع في كتابة المصاحف، ويقتصر على العناوين وبعض الآيات والجمل لصعوبة كتابته، ولأنه يأخذ وقتاً طويلاً في الكتابة.
4.الخط المصحفي
كتبت المصاحف بحروف خط الثلث، وبعد العناية والإهتمام به وتجويده سُمي بالمحقق، ثم تطورت الكتابة لتكون على صورة أخرى سميت بالخط المصحفي جمعت بين خط النسخ والثلث.
5.الخط الديواني
هو الخط الرسمي الذي كان يستخدم في كتاب الدواوين، وكان سرًا من أسرار القصور السلطانية في الخلافة العثمانية، ثم انتشر بعد ذلك، وتوجد في كتابته مذاهب كثيرة ويمتاز بأنه يكتب على سطر واحد وله مرونة في كتابة جميع حروفه.
6.الخط الأندلسي - المغربي
مشتق من الخط الكوفي، وكان يسمى خط القيروان نسبة إلى القيروان عاصمة المغرب ، ونجده في نسخ القرآن المكتوبة في الأندلس وشمال إفريقيا، ويمتاز هذا الخط باستدارة حروفه استدارة كبيرة، وبمتحف المتروبوليتان عدة أوراق من مصاحف مكتوبة بالخط الأندلسي.
7.خط الرقعة
يمتاز هذا النوع بأنه يكتب بسرعة وسهولة، وهو من الخطوط المعتادة التي تكتب في معظم الدول العربية، والملاحظ فيه أن جميع حروفه مطموسة عدا الفاء والقاف الوسطية .
8.الخط الفارسي
يعد من أجمل الخطوط التي لها طابع خاص يتميز به عن غيره، إذ يتميز بالرشاقة في حروفه فتبدو وكأنها تنحدر في اتجاه واحد، وتزيد من جماله الخطوط اللينة والمدورة فيه، لأنها أطوع في الرسم وأكثر مرونة لاسيما إذا رسمت بدقة وأناقة وحسن توزيع ، وقد يعمد الخطاط في استعماله إلى الزخرفة للوصول إلى القوة في التعبير بالإفادة من التقويسات والدوائر، فضلاً عن رشاقة الرسم، فقد يربط الفنان بين حروف الكلمة الواحدة والكلمتين ليصل إلى تأليف إطار أو خطوط منحنية وملتفة يُظهر فيها عبقريته في الخيال والإبداع .