بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته...
الحمد لله ربّ العالمين والصلاة والسلام على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين...
وبعد فإن ممّن يظنّ في نفسه الفهم من المسلمين من يقول إنَّ الدليل على وجود الله سبحانه وتعالى النقل...
والدور الواقع عند الاستدلال بالنقل على وجوده تعالى بيّن من أنَّ ثبوت النقل فرع عن التصديق بوجوده تعالى...
ومن الناس من يقول إنَّ الدليل على وجود الله سبحانه وتعالى إنَّما هو بالفطرة...
فهنا إمَّا أن يستدلّ على صحة ما تصل إليه الفطرة بالنقل فيرجع إلى الدور...
أو أن يقول إنَّ صحة ما تصل إليه الفطرة بديهية...
وردّه بأنَّ الحاصل واقعاً هو أنَّ الناس تولد وتكبر ولا تصل إلى العلم بالله تعالى من تلقاء نفسها عادة إلا بالتعليم المنافي الفطرة.
فجهة الاستدلال الحقّة الوحيدة هي الاستدلال بالدليل العقلي...
الآن قد يأتي ذاك الذي لا يفهم أنَّه لا يفهم فيقول: وما دليلكم على أنَّ الدليل العقليّ هو المعتبر في إثبات وجود الله سبحانه وتعالى؟
فيجاب بأنَّ إنكار دلالة العقل إنكار لفائدة العقل فيكون هذا المعترض معترفاً بأنَّه لا فائدة من عقله فتكون تلك مشكلته هو!
وهذا الجواب لن يفهمه من هو مثله...
فنأتي بدليل النقل بنصّ واضح دالّ على أنَّ الدليل على وجود الله تعالى عقليّ...
وهذا الدليل هو مجموع دليلي الحدوث والإمكان بأنَّه قد ثبت حدوث العالم وإمكانه فلا يكون في أنَّه موجود بإيجاد موجِد سبحانه وتعالى...
وهنا آيتان كريمتان دالّتان على هذا:
1- قوله تعالى: "قالت رسلهم أفي الله شكّ فاطر السموات والأرض"[إبراهيم: 10]...
فالرسل -صلوات الله وسلامه عليهم- يستدلون على وجود الله سبحانه وتعالى بأنَّه فاطر السموات والأرض...
إذ إنَّ "فاطر" نعت...
وهذا النعت يفيد قيداً في فهم العامل...
فكأنَّهم قالوا: أفي الله سبحانه وتعالى شكّ من حيث إنَّه فاطر السموات والأرض؟
ثمَّ نفيهم -صلوات الله وسلامه عليهم- الشكّ إنَّما هو لسهولة الدليل وبداهته.
2- قال تعالى: "قال فرعون وما ربّ العالمين. قال ربّ السموات والأرض وما بينهما إن كنتم موقنين. قال لمن حوله ألا تستمعون. قال ربّكم وربّ آبائكم الأولين. قال إنَّ رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون. قال ربّ المشرق والمغرب وما بينهما إن كنتم تعقلون"[الشعراء:23-28]
فعندما طلب فرعون تعريف مقصود سيدنا موسى -على نبينا وعليه الصلاة والسلام- للربّ عرّفه -سبحانه وتعالى- بأنَّه ربّ السموات والأرض والناس وآبائهم والمشرق والمغرب...
فهذا التعريف تعريف بحسب أفعاله سبحانه وتعالى ومربوباته...
إذن هو قد استدلّ بالمربوبات على معرفته تعالى.
فهذا استدلال عقلي.
هنا قد يقال إنَّ المعجزة إمَّا أنَّها دالّة على وجود الله سبحانه وتعالى أو لا...
فإن كانت كذلك فهي ابتداء جاءت لتصديق مدّعي النبوّة الملزومة من التصديق بأنَّ المعجزة من الله سبحانه وتعالى للتصديق...
إذن يكون ما قد ثبت به النقل يثبت به وجود الله سبحانه وتعالى...
ومن المعجزة القرآن الكريم وهو نقل...
فلئن كانت المعجزة دالّة على وجود الله سبحانه وتعالى فهنا يكون النقل دالاً عليه سبحانه وتعالى فيكون الدور قد وقع...
ولا يصحّ أن لا تكون كذلك لأنَّ الله سبحانه وتعالى قد قال في الآيات الكريمة بعد السابقة في سورة الشعراء بأن فرعون يقول: "قال لئن اتخذت إلهاً غيري لأجعلنّك من المسجونين. قال أولو جئتك بشيء مبين. قال فأت به إن كنت من الصادقين. فألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين.ونزع يده فإذا هي بيضاء للناظرين"[الشعراء: 29-33]
إذن هنا استدلال بالمعجزة على وجود الله سبحانه وتعالى.
والجواب عن هذا بأن يقال إنَّ الدلالة ليس مباشرة من المعجزة على وجود الله سبحانه وتعالى...
إذ المعجزة شيء مخالف للعادة...
فتحققها يعني أنَّ الواجب العاديّ ليس بواجب عقليّ...
إذن هو موجَب لا بذاته، بل ذلك بغيره...
إذن قانون العالم ككلّ موجب لا من العالم...
فيرجع هذا إلى دليلي الإمكان والحدوث السابقين.
إذن جهة دلالة المعجزة على وجود الله سبحانه وتعالى ليست إلا من حيث التنبيه على أمر العقل قادر على التنبّه إليه من غير وجود المعجزة...
لهذا لنا أن نقول إنَّ المعجزة ليست بدليل على وجود الله سبحانه وتعالى وإنَّما هي منبّه.
وكذلك كلّ المعجزات.
إلا أنَّ من المعجزات ما قد يصحّ لنا القول إنَّه دالّ على وجود الله سبحانه وتعالى...
وهي التي من باب الإخبار عمَّا سيكون ثمَّ تحقق الخبر كما جاء...
وله مقدّمة:
فالزمان اعتبار عن تتابع الحوادث...
فهو غير قابل الإعادة لأنَّ الفعل قبل غير الفعل بعد...
فالانتقال في الزمان إذن محال...
إذن لو جاءنا الإخبار عمَّا سيكون فذلك يقيناً ليس أثر انتقال في الزمان ذهاباً وعودة...
إذن الإخبارُ من مصدر غير زمانيّ...
وهذا المصدر إذ ثبت كونه غير زمانيّ فهو قديم واجب...
وهو المطلوب.
وجهة أخرى بأن يقال إنَّ الإخبار بما سيكون إمَّا أن يكون من فعل فاعل واحد أو متعدد...
فمهما قلنا إنَّ الفاعل غير واحد لزم أن يدخل فيما سيكون غير مراد موجود واحد...
إذن فما سيكون سيكون محتملاً...
ولكنَّ الإخبار بما سيكون جازم بأنَّه كائن على هذه الصورة...
إذن هو متحقق من فاعل لا يحتمل تغيير فعله...
ولا يكون ذلك إلا من لا زمانيّة إرادته...
فمن كانت إرادته قديمة فهو قديم فهو واجب.
وهو المطلوب...
وهذا يصح على قول الفلاسفة كذلك بقولهم بأنَّ الأشياء فاعلة بالطبع فإدراك العالم لها جميعها وما سيكون منها فيلزم إحاطة العلم بها وذلك لا يكون إلا من واجب.
وهذا على من قال من الفلاسفة إنَّ الله سبحانه وتعالى عالم بالجزئيات.
إذن هذه المعجزة دالّة على وجود واجب وإن لم تكُ دالّة على الوحدانيّة...
والسلام عليكم...




رد مع اقتباس
