مذهب التفصيل و دوره فى تجاوز الخلافات المذهبية (1)
د.صبري محمد خليل /جامعه الخرطوم (تخصص فلسفه القيم الاسلاميه) sabri.khalil30@yahoo.com
مذهب التفصيل و دوره فى تجاوز الخلافات المذهبية
د.صبري محمد خليل /جامعه الخرطوم (تخصص فلسفه القيم الاسلاميه) sabri.khalil30@yahoo.com
تعريف: التفصيل لغه التبيين( لسان العرب)، أما اصطلاحا فان مذهب التفصيل هو المذهب الذى لا يضع حكما كليا(سواء بالمنع بدرجاته من كراهة"ما يثاب تاركه و لا يعاقب فاعله" ،اوتحريم" ما يثاب تاركه ويعاقب فاعله"، او الإيجاب(الطلب)بدرجاته من اباحه"ما لا يثاب فاعله ولا يعاقب تاركه"،او ندب(السنه)"ما يثاب فاعله ولا يعاقب تاركه" ،اووجوب(الفرض)" ما يثاب فاعله ويعاقب تاركه") ينطبق على جميع كيفيات الفعل المعين ، بل يميز بين هذه الكيفيات المختلفة لهذا الفعل، وبالتالي يميز فى الحكم علي هذه الكيفيات. هذا التمييز بين الكيفيات المختلفه للفعل يكون على المستويين : المستوى الاعتقادى ممثلا فى خضوع الفعل او عدم خضوعه لضابط ذاتى هومدى اتفاق النيه مع مقاصد الشرع فى الفعل المعين" انما الاعمال بالنيات"، يقول ابن تيميه (والفعل الواحد في الظاهر يثاب الإنسان على فعله مع النية الصالحة ويعاقب على فعله مع النية الفاسدة)( مجموع الفتاوى2138): )،والمستوى العملى ممثلا فى خضوع الفعل او عدم خضوعه لضابط موضوعى هو مدى اتفاق السلوك مع ضوابط الشرع . وطبقا للتعريف السابق فان ذهب التفصيل يقابل مذهب الاجمال، وهو المذهب الذى يضع حكما كليا (سواء بالمنع بدرجاته من كراهة وتحريم او الإيجاب بدرجاته من اباحه وندب ووجوب)على الفعل المعين على وجه الإجمال ، دون تمييز بين كيفياته المختلفة.
الضوابط المنهجيه لمذهب التفصيل:
اهل السنه: تقتصر هذه الدراسه على بيان دور مذهب التفصيل فى تجاوز الخلاف بين مذاهب اهل السنه الفقهيه(المذهب الحنبلي، الشافعى، المالكى، الحنفى..,) .
تطبيق مفهوم تحقيق المناط: ومذهب التفصيل هو احد تطبيقات مفهوم تحقيق المناط المتعلق بكيفيه تطبيق النص فى الواقع ، يقول الشاطبى ( ومعناه" اى تحقيق المناط" : أن يثبت الحكم بمدركه الشرعي لكن يبقى النظر في تعيين محله) (الموافقات 4/90)،ذلك ان مذهب التفصيل قائم على التمييز بين الكيفيات المختلفه للفعل فى الواقع ، يقول الشاطبى (الشريعة لم تنص على حكم كل جزئيه على حدتها ، وإنما أتت بأمور كليه وعبارت مطلقه تتناول أعدادا لا تنحصر، ومع ذلك فلكل معين خصوصيه ليست فى غيره ولو فى نفس التعيين)(الموافقات:4/92).
الاجتهاد فى الخلافيات: كما ان تطبيق مذهب التفصيل مقصور على المسائل الخلافيه التى اختلف فيها الفقهاء الى مذهبين او اكثر،ولا يتجاوزها الى المسائل التى تم الاجماع عليها الفقهاء:فهو احد انماط الاجتهاد فى الفروع الخلافيه ،غير ان هذا الاجتهاد - كما سبق بيانه- ليس مقطوع الصلة بالماضي وليس له نقطه بداية، بل يتخذ اجتهادالسلف الصالح وعلماء اهل السنه نقطه بداية له باعتباره تجسيدا لماضي الامه وخبرتها .
تطبيق مفهوم الوسطية: ومذهب التفصيل هو احد تطبيقات مفهوم الوسطية، والوسط منهجيا هو الموقف القائم على: رفض الوقوف إلي أحد الطرفين المتناقضين " من جهة النفي "، وعلى الجمع والتأليف بينهما على وجه يلغى هذا التناقض"من جهه الاثبات" . وقد وردت الاشاره إلى المفهوم فى العديد من النصوص كما فى قوله تعالى:﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدً ﴾ (البقرة:143)،كما أشار العلماء إلى المفهوم يقول ابن القيم ( ما أمر الله بأمر إلا وللشيطان فيه نزغتان: إما إلى تفريط وإضاعة، وإما إلى إفراط وغلو، ودين الله وسط بين الجافي عنه والغالي فيه، كالوادي بين الجبلين، والهدى بين الضلالتين، والوسط بين طرفين ذميمين) (مدارج السالكين :2/496( .ويتمثل كون مذهب التفصيل هو تطبيق لمفهوم الوسطية ان هذا المذهب إذ يجمع بين أحكام مختلفة بتمييزه بين الكيفيات المختلفة للفعل، يجمع بين مذاهب متناقضة تضع هذه الأحكام المختلفة بصوره كليه (مذاهب الإجمال) . كما يتمثل فى ان هذا المذهب يتجاوز مذهبين: الاول يقوم على المنع المطلق، وهو ما يتناقض مع قاعدة الأصل فى الأشياء الاباحه ما لم يرد دليل بالتحريم، فضلا عن انه يساوى فى الدرجة بين مذهب فقهي اجتهادي معين" مذاهب المنع" والشريعة الاسلاميه.والثاني يقوم على الاباحه المطلقة،وهو ما يتناقض مع كون الشريعة تتضمن الاباحه والمنع ،فضلا عن اتخاذ بعض أنصاره لمذاهب فقهيه معينه"مذاهب الاياحه " كذريعة للدعوة إلى استبدال قواعد وقيم واداب الاسلام بقواعد وقيم واداب أخرى (هي قواعد وقيم واداب الحضارة الغربية)اى اتخاذه كذريعة للتغريب.أما مذهب التفصيل فيقوم على الجمع بين الاباحه والمنع من خلال تقسيم الحكم على كيفيات هذا الفعل إلى كيفيه حكمها هو الاباحه المقيدة بضوابط معينه،وهو الحكم الاصلى، وكيفيه حكمها المنع المقيد بعدم توافر أمكانيه الالتزام بهذه الضوابط.
الاتساق مع الموقف النقدي(التقويمي) فى المنهج الاسلامى : كما ان مضمون مذهب التفصيل يتسق مع الموقف النقدي (التقويمي) الذى دعي منهج التفكير الاسلامى إلى الالتزام به، بعد تقييده بمعايير موضوعيه مطلقه ، هي النصوص اليقينية الورود القطعية الدلالة، كما فى قوله تعالى: ( الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه).وقوله صلى الله عليه وسلم (لا يكن أحدكم إمعة، يقول أنا مع الناس إن أحسن الناس أحسنت وإن أساءوا أسئت، بل وطنوا أنفسكم، إن أحسن الناس أن تحسنوا،وإن أساءوا أن تجتنبوا إساءتهم). والموقف النقدي هو الموقف الذى يتجاوز كل من موقفي الرفض والقبول المطلقين، إلى موقف قائم على أخذ وقبول ما هو صواب ، ورد ورفض ما هو خطأ. وهنا يجب التمييز بين النقد والنقض فالنقد لغة: تمحيص الدنانير الصحيحة من الزائفة، و نقد الشعر والكلام: ( نظر فيه ، وميز الجيد من الرديء، فهو ناقد وجمعه نقاد ونقدة، ونقد الكلام ابان ما فيه واخرج زيفه) (معجم متن اللغة)، والنقد اصطلاحا : هو موقف معرفي قائم على أخذ وقبول ما هو صواب في الراى ، ورد ورفض ما هو خطأ فيه كما سبق بيانه. أما النقض فهو ما يقابل الرفض المطلق.ويتضح هذا الاتساق فى تجاوز مذهب التفصيل لكل من الرفض المطلق لمذهب الإجمال المعين والقبول المطلق لمذهب الإجمال الأخر ، إلى موقف يقوم على اخذ ما اتفق مع اصول الشرع ورد ما خالفها فى كل مذاهب الإجمال.
تطبيق قاعده سد الذرائع وفتحها: والحكم بالمنع بدرجاته او الايجاب بدرجاته فى مذاهب الاجمال هنا مبنى على قاعده سد الذرائع وفتحها يقول القرافي ( اعلم أنَّ الذريعة كما يجب سدّها ، يجب فتحها وتكره وتندب وتباح ؛ فإن الذريعة هي الوسيلة ، فكما أنَّ وسيلة المحرم محرمة فوسيلة الواجب واجبة ؛ كالسعي للجمعة والحج ) (شرح تنقيح الفصول، ص449 ) ، فبعض هذه المذاهب تقول بالمنع بدرجاته سدا للذرائع ، اى ترجيحا للمفسده المترتبه على الفعل المعين على المصلحه المتحققه منه، ومذاهب اخرى تقول بالإيجاب بدرجاته فتحا للذرائع ، اى ترجيحا للمصلحه المتحققة من الفعل المعين على المفسده التى قد تلزم منه . فالحكم بمنع او ايجاب الفعل المعين هنا هو اجتهاد لان مصدره قاعده سد الذرائع وفتحها، وهى احد مصادرالشريعه التبعيه ، و ليس اصل من اصول الدين، والتى لايباح الخلاف فيها، والتى مصدرها مصادر الشريعه الاصليه. أما مذهب التفصيل فيهدف أيضا استنادا إلى قاعدة سد الذرائع وفتحها إلى جلب المنافع ودفع المفاسد التي قد تترتب على الفعل المعين،او عدم الجمع بين كيفياته المختلفة، وذلك بالقول بان الحكم بالمنع بدرجاته او الإيجاب بدرجاته إنما يكون طبقا لرجحان المفسدة بدرجاتها، التي قد تلزم من الكيفيه المعينه للفعل المعين، او المنفعة بدرجاتها،التي قد تتحقق من هذه الكيفية .
تطبيق قاعدة الأصل فى الأشياء الاباحه : كما ان مذهب التفصيل يتسق مع قاعدة الأصل فى الأشياء الاباحه، والتي أشارت إليها النصوص، كما فى قوله صلى الله عليه وسلم ( ما أحل الله فهو الحلال وما حرم فهو حرام وما سكت عنه فهو عفو ، فاقبلوا من الله عافيته فإن الله لم يكن لينسى شيئاً )( أخرجه البزار والطبراني من حديث أبي الدرداء بسند حسن)،هذا الاتساق يتضح من خلال تقسيمه حكم على الكيفيات المختلفة للفعل المعين إلى : حكم أصلى هو الإيجاب بدرجاته ، بشرط الالتزام بجمله من الضوابط الشرعية (الذاتية والموضوعية). وحكم فرعى هو المنع بدرجاته فى حاله عدم توافر امكانيه الالتزام بهذه الضوابط.
نماذج من مذهب التفصيل فى الفكر الاسلامى: وهناك العديد من النماذج لمذهب التفصيل فى الفكر الاسلامى بقطاعاته المختلفة نورد هنا بعضها:
الفقه: ففي مجال الفقه اختلف الفقهاء فى مسالة حكم بناء المسلم للكنائس إلى عده مذاهب أجماليه منها: مذهـب التحـريم :وهو مذهب المالكية والحنابلة وجمهور الشافعية وهو قول الصاحبين ـ أبي يوسف ومحمد ـمن الحنفية. ومذهـب الجـواز :
وهو مذهب الإمام أبو حنيفة الذى ذهب إلى جواز تعاقد المسلم على بناء الكنيسة أو إجارة الدار لتتخذ كنيسة: جاء في البحر الرائق : " ولو استأجر ـ أي الذمي ـ المسلم ليبني له بيعة أو كنيسة جاز ويطيب له الأجر"،وفي الفتاوى الهندية: "ولو استأجر الذمي مسلما ليبني له بيعة أو كنيسة جاز ويطيب له الأجر كذا في المحيط."( البحر الرائق ج8 ص 123 ،الفتاوى الهندية ج4 ص )
أما مذهب التفصيـل:فهو المذهب الذي الإمام الشافعي، حيث فرّق بين الكنيسة التي تتخذ لمصلى النصارى الذين اجتماعهم فيها على الشرك ، وبين تلك التي تُتخذ للضيافة ومأوى المارة . حيث يقول ".. ليس في بنيان الكنيسة معصية إلا أن تتخذ لمصلى النصارى الذين اجتماعهم فيها على الشرك " (كتاب الأم ، ج4 ص 213 .
)ويقول في الأم أيضا : ".. ولو أوصى( اى النصراني) أن تبنى كنيسة ينزلها مارُّ الطريق ، أو وَقَفها على قوم يسكتونها ، أو جعل كراءها للنصارى أو للمساكين ؛ جازت الوصية"
اللغه والقراءات: وفى مجال اللغة والقراءات نجد تقرير الباحثين ان للكسائي مذهبين في إمالة هاء التأنيث: مذهب تفصيلي ومذهب إجمال. كما نجد مسالة الكلام على أوجه المد الجائز العارض للسكون الذي آخره هاء الضمير:(إذا كان المد الجائز العارض للسكون الذي وقع سكونه العارض في هاء الضمير نحو {?جْتَبَاهُ وَهَدَاهُ} {مَا فَعَلُوهُ} {لاَ رَيْبَ فِيهِ} {وَوَصَّيْنَا ?لإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ} {وَلِيَرْضَوْهُ} ففيه المدود الثلاثة المتقدمة بالسكون المجرد لجميع القراء واختلف في جواز الروم والإشمام في هاء الضمير على ثلاثة مذاهب.الأول: منع الروم والإشمام فيها مطلقاً قياساً على هاء التأنيث لما بينهما من التشابه في الوقف.الثاني: جواز الروم والإشمام فيها مطلقاً بشروطهما المعروفة.الثالث: التفصيل وهو مذهب أكثر المحققين وأعدل المذاهب عند الحافظ ابن الجزري كما في النشر وحاصله منع الروم والإشمام فيها في أربع صور. وجوازهما فيما عداها )(هداية القاري للمرصفي) .
اصول الفقه:وفى مجال اصول الفقه نجد مسالة زيادة الثقة نجد مذهبين للإجمال هي :مذهـب القبـول مطلقـا وينسب إلى جمهور الفقهاء المحدثين، واختاره ابن حزم والجويني والغزالي.ومذهـب الـرد مطلقـا وينسب إلى معظم الحنفية وبعض أهل الحديث.أما مذهب التفصيل ففيه أقوال أيضا:الأول:تقبل زيادة الحافـظ المبرَّز المتقـن مطلقا دون غيره وهو مذهب الصيرفي والباجي والخطيب البغدادي.الثـاني : تقبل زيادة الثقـة وإن لم يكـن متقنا بشروط ، الثـالث : تقبل زيادة الثقـة باجتماع أربعـة شروط وهو اختيار الزركشي.
نماذج لمذهب التفصيل فى القضايا الخلافية المعاصرة:
الغناء: اختلف الفقهاء فى مسالة الحكم على الغناء إلى مذهبين:المذهب الاول هو مذهب المنع،ويتضمن القول بان حكم الغناء التحريم،وقد نسب إلى سفيان ، وحماد والشعبي ، ويرى التحريم كذلك ابن القيم و الطرطوشي . كما يتضمن هذا المذهب القول بان حكم الغناء الكراهة،ويرى كثير من العلماء ان مذهب أحمد ومالك أقرب إلى الكراهة ، فالإمام أحمد بن حنبل يجعل الغناء ينبت النفاق في القلب،وسئل الإمام مالك عما يرخص فيه أهل المدينة من الغناء فقال: إنما يفعله عندنا الفسّاق ، وروى عن الإمام أبي حنيفة أنه يكره الغناء ويجعله من الذنوب. ويستدل مذهب المنع بالعديد من الادله منها قول الرسول (صلى الله علي وسلم)( أن الله تعالى حرم القينه وبيعها وتعليمها) ( أخرجه الطبراني في الأوسط بإسناد ضعيف )،والقينه الجارية التي تغني للرجال في مجلس الشرب وقوله (صلى الله علي وسلم) (ما رفع احد صوته إلا بعث الله له شيطانين على منكبيه يضربان بإعقابهما على صدره حتى يمسك ) ، وتفسير ابن عباس السمد الوارد فى الايه (فمن هذا الحديث تعجبون وتضحكون ولا تبكون وانتم سامدون ) بانه الغناء بلغة حمير .أما المذهب الثاني فهو مذهب الاباحه،وقال به أبو حامد الغزالي ، وأبو الطيب الطبري ، والشيخ أبو إسحاق ، وابن الصباغ ، وابن حزم الاندلسى الذى يتتبع الأحاديث التي اعتمد عليها الذين ذهبوا إلى التحريم، وهو يحمل عليها من جهة سندها ورواتها حيث يقول (إنه لم يصح في باب تحريم الغناء حديث)، ومثله ـ في هذا المنهج ـ أبو الفضل المقدسيّ. وقد قام أنصار هذا المذهب بتقديم تفسير أخر للنصوص التي استند إليها مذهب المنع ، ففيما يتعلق بالحديث الاول قالوا أن التحريم هنا متعلق بتحريم الغناء في مجلس الشرب،وفيما يتعلق بالحديث الثاني قال الغزالي( هو منزل على بعض أنواع الغناء الذي يحرك من القلب ما مراد الشيطان من الشهوة ).وفيما يتعلق بالايه قال الغزالي (مخصوص بأشعار وغناء الكفار في معرض الاستهزاء بالمسلمين لأنه لو حرم الغناء لكان ينبغي أن يحرم الضحك أيضا باشتمال الآية عليه ).كما قاموا بتقديم العديد من الادله التي تفيد أباحه الغناء منها قول عائشة (رضى الله عنها) " دخل رسول (صلى الله علي وسلم) وعندي جاريتان تغنيان بغناء فأضجع على الفراش وحول وجهه فدخل أبو بكر فانتهرني وقال مزامير الشيطان عند رسول الله فاقبل عليه رسول (صلى الله علي وسلم) وقال دعهما فان اليوم عيد، قال فغمزتهما فخرجتا "(الصحيحتين ).وما هو معلوم من إنشاد النساء عند قدوم رسول الله (صلى الله علي وسلم) المدينة " طلع البدر علينا من ثنيات الوداع "( أخرجه البيهقي في دلائل النبوة من حديث عائشة متصلا).
أما مذهب التفصيل فيقوم على التمييز بين كيفيتين للغناء : الكيفية الأولى هي الغناء الذى لا يشتمل على محرم وحكمها الاباحه،والثانية هي الغناء الذى يشتمل على محرم وحكمها المنع، وقد أشار كثير من العلماء إلى هذا التمييز، يقول الإمام العز بن عبد السلام(أن السماع ينقسم إلى ثلاثة أقسام:1- منها ما هو حرام محض: وهو لأكثر الناس من الشباب ومن تغلبت عليهم شهواتهم ولذاتهم ، وملكهم حب الدنيا. وتكدرت بواطنهم وفسدت كل مقاصدهم فلا يحرك السماع منهم إلا ما هو الغالب عليهم وعلى قلوبهم من الصفات الذميمة 2- ومنها ما هو مباح وهو لمن لا حظ له منه إلا التلذذ بالصوت الحسن واستدعاء السرور والفرح، أو يتذكر غائبًا أو ميتًا فيثير حزنه فيروح بما سمعه.3-ومنها ما هو مندوب: وهو لمن غلب عليه حب الله تعالى والشوق إليه، فلا يحرك السماع منه إلا الصفات المحمودة وتضاعف الشوق إلى الله سبحانه وتعالى)( كتاب حل الرموز ومفاتيح الكنوز أو «بين الشريعة والحقيقة» للعز بن عبد السلام ص28، 29 (.،ويقول الشيخ عبد الغني النابلسي الحنفي فى رسالته عن الموسيقى والغناء ان حكم سماع الأصوات والآلات المطربة عنده أنه إذا اقترن بشيء من المحرمات، أو اتخذ وسيلة للمحرمات، أو أوقع في المحرمات كان حراما، وأنه إذا سلم من كل ذلك كان مباحًا في حضوره وسماعه وتعلمه .ويقول الامام الهروى (وحكم السماع شرعا: يتبع ما تعلق به. إن خيرًا فخيرًا وإن شرًا فشر. فإن كان المقصود بالسماع حب الله تعالى والتبتل إليه والازدياد من الإيمان، والتحبب إليه. فأنعم به من سماع. وإن كان السماع مثيرًا للهوى موقظًا لغرائز النفس. ويراد به غير المقصود منه فهو في مثل هذا المقام فتنة ويحرم)(التمكين في شرح منازل السائرين ص50 ).
الاحتفال بالمولد النبوي : اختلف العلماء فى الحكم على الاحتفال بالمولد النبوي إلى مذهبين الاول: هو مذهب المنع: ويستند إلى العديد من الادله أهمها: أن الاحتفال بالمولد النبوي حادث بعد القرون الثلاثة، فهو بدعه، وإن الاحتفال بالمولد النبوى يشتمل على أمور محرّمة في الغالب. أما الثاني فهو مذهب الاباحه: ويرد على الدليل الاول بالقول بأن الاحتفال بالمولد النبوي حادث ، فهو بدعة ولكنها بدعه حسنه ، فهو يميز بين البدعة السيئة والبدعة الحسنه ،استنادا إلى قول عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) عن صلاه التراويح جماعه(نعم البدعة هي)، وقول الشافعي ( البدعة بدعتان : بدعة محمودة وبدعة مذمومة فما وافق السنة فهو محمود ، وما خالف السنة فهو مذموم )، وهناك من أنصار هذا المذهب من يرى ان الاحتفال بالمولد النبوي هو سنه حسنه. كما يرد على الدليل الثاني بالقول بانه اذا اشتمل الاحتفال بالمولد على أمور محرمه فيجب تحريمها، لكن التحريم متعلق بتلك الأمور لا بأصل الاحتفال بالمولد .
كما يورد العديد من الادله التى تفيد جواز الاحتفال بالمولد النبوى منها انه إظهار لمحبه الرسول صلى الله عليه وسلم وتوقيره،وهما الأمران اللذان أشارت لهم كثير من النصوص،و ان الرسول( صلى الله عليه وسلم ) كان يعظم يوم مولده كما جاء في حديث أبي قتادة و أن المولد أمر استحسنه العلماء والمسلمون في جميع البلاد . أما مذهب التفصيل:فيميز بين كيفيتين أساسيتين للاحتفال بالمولد