ج- الكراهة :
وهو أحد قولي الحنفية لكنه غير المعتمد عندهم , والمشهور عند المالكية , والمشهور عند الشافعية , وغير المشهور من مذهب الحنابلة .
واستدلوا على ذلك بالتوفيق بين أدلة المجيزين وأدلة المحرمين , فإن المجيزين قاموا بتأويل النصوص الناهية عن الحلف بغير الله تعالى , وكذلك قام المانعون بتأويل حلف الرسول صلى الله عليه وسلم- والصحابة رضي الله عنهم- , فكان الأصوب هو التوفيق بين أحاديث النهي عن الحلف بغير الله وبين ما ورد من فعل النبي -صلى الله عليه وسلم- وفعل بعض الصحابة , فقالوا أن النهي هو للكراهة لا للحرمة .
وبعد هذا العرض السريع لأقوال العلماء في الحلف بغير الله تعالى , يتبيّن بطلان المشهور عند جهلة الوهابيين من كون الحلف بغير الله تعالى شركاً يخرج من الملة , وأن النصوص التي يظهر منها شركية الحلف بغير الله أشرك ليست كما يفهمون , لكنّ هذا الخلل عند هؤلاء الدهماء سببه إطلاق مشايخهم لفظة الشرك على كثير من الأفعال التي لا تُخرج من الملة , دون التنبيه على كونها شركاً أصغر أو أكبر , فإذا قرأ أو سمع بعض أتباعهم فتوى يحكمون فيها بالشرك على مثل هذه الأفعال دون تقييده بكونه أصغر , تبادر إلى أذهانهم أنه شرك أكبر , فيقومون -بناء على هذا الفهم السقيم الناتج عن التقرير السقيم- بتكفير من يرونه يقوم بهذه الأفعال وإخراجه من الملة .
وإليك بعض النماذج من هذه الفتاوى :
فقد جاء في مجموع الفتاوى لابن تيمية (1/81) :
( وَلَيْسَ لِأَحَدِ أَنْ يَعْبُدَ إلَّا اللَّهَوَحْدَهُ فَلَا يُصَلِّي إلَّا لِلَّهِ وَلَا يَصُومُ إلَّا لِلَّهِ وَلَا يَحُجُّ إلَّا بَيْتَ اللَّهِ وَلَا يَتَوَكَّلُ إلَّا عَلَى اللَّهِ وَلَا يَخَافُ إلَّا اللَّهَ وَلَا يَنْذِرُ إلَّا لِلَّهِ وَلَا يَحْلِفُ إلَّا بِاَللَّهِ . وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { إنَّ اللَّهَ يَنْهَاكُمْ أَنْ تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ فَمَنْ كَانَ حَالِفًا فَلْيَحْلِفْ بِاَللَّهِ أَوْ لِيَصْمُتْ} . وَفِي السُّنَنِ : { مَنْ حَلَفَ بِغَيْرِ اللَّهِ فَقَدْ أَشْرَكَ } وَعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ (لَأَنْ أَحْلِفَ بِاَللَّهِ كَاذِبًا أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ أَنْ أَحْلِفَ بِغَيْرِهِ صَادِقًا) لِأَنَّ الْحَلِفَ بِغَيْرِ اللَّهِ شِرْكٌ , وَالْحَلِفَ بِاَللَّهِ تَوْحِيدٌ , وَتَوْحِيدٌ مَعَهُ كَذِبٌ خَيْرٌ مِنْ شِرْكٍ مَعَهُ صِدْقٌ...الخ ) .
فتأمّل قوله : ((ولا يحلف إلا بالله)) في سياق النهي عن صرف العبادة لغير الله تعالى , فكأن من حلف بغير الله تعالى فقد عبد غيره!!
وجاء في مجموع فتاوى ابن عثيمين (2/217) :
( وسئل أيضًا: عن حكم الحلف بغير الله ؟ والحلف بالقرآن الكريم ؟
فأجاب بقوله : الحلف بغير الله أو بغير صفة من صفاته محرم وهو نوع من الشرك؛ ولهذا قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « لا تحلفوا بآبائكم، من كان حالفًا فليحلف بالله أو ليصمت » . وجاء عنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أنه قال: « من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك » . رواه الترمذي وحسنه وصححه الحاكم . وثبت عنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أنه قال: " « من » « قال واللات والعزى فليقل: لا إله إلا الله » . وهذا إشارة إلى أن الحلف بغير الله شرك يطهر بكلمة الإخلاص لا إله إلا الله.
وعلى هذا فيحرم على المسلم أن يحلف بغير الله سبحانه وتعالى , لا بالكعبة ولا بالنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ولا بجبريل ولا بولي من أولياء الله، ولا بخليفة من خلفاء المسلمين، ولا بالشرف، ولا بالقومية، ولا بالوطنية كل حلف بغير الله فهو محرم وهو نوع من الشرك والكفر...الخ ) .
فانظر كيف أطلقوا الشرك والكفر على الحلف بغير الله تعالى دون تقييد , ممّا جعل كثيراً من أتباعهم يتوهمون أن المقصود هو الشرك الأكبر والكفر المخرج من الملة , وخصوصاً أنهم يطلقون مثل هذه الأحكام في سياق كلامهم على نواقض التوحيد ووجوب إفراد الله تعالى بالعبادة وخطر الكفر والشرك , أضف إلى ذلك تقريرهم لأتباعهم أن الشرك إذا أطلق دون تقييد فالمراد به الشرك الأكبر ، وممّا يؤدي إلى تأكيد معنى الشرك الأكبر عند أتباعهم أنهم يسوقون الآيات الدالة على عاقبة الشرك الأكبر كقوله تعالى : ((إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا)) ..
فإذا قرأ أتباعهم مثل هذه الفتاوى الغير منضبطة وما أكثرها- , دون أن يطلعوا على فتاويهم القليلة المقيدة للشرك بكونه أصغر , جزموا بأن المراد هو الشرك الأكبر , وليس هذا مختصاً بمسألة الحلف بغير الله تعالى , بل معظم المسائل التي تعتبر عندهم شركاً أصغر هي هكذا .
ولو سلمنا للوهابية صحة إطلاق الشرك الأصغر على الحلف بغير الله تعالى , فلا نسلّم لهم إطلاق ذلك على ما يصدر من العوام , لأن مثل تلك الألفاظ تَجْرِي عَلَى أَلْسِنَة العوام غالباً مِنْ غَيْر أَنْ يَقْصِدُوا بِهِا الْقَسَم ، وَالنَّهْي إِنَّمَا وَرَدَ فِي حَقّ مَنْ قَصَدَ حَقِيقَة الْحَلف , فنسمع العوام أحياناً يقولون : (وحياتك) ولا يريدون به حقيقة الحلف وإنما يريدون به التأكيد أو لفت الانتباه , فلا يصح تبديع العوام والحكم بالشرك عليهم في كلّ ما يصدر منهم .




رد مع اقتباس