لقطة العجلان، و بلة الظمآن: للشيخ بدر الدين محمد بن بهادر الشافعي (745-794هـ):
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله، فاتحة كل كتاب، و خاتمة كل باب.
و الصلاة و السلام على خير من نطق بالصواب، و على آله، و صحبه، أولي الحكم، و فصل الخطاب؛ أما بعد:
فهذه أوراق يقرب منها المتناول، و يقصر عنها المتطاول، و توقف في الزمن القصير موليها، مع الاشتغال بما فيها، و تربوا على المطولات بالغرائب العجائب، فلا تساويها، ينشى لها الراكب العجلان حاجته، و يصبح الحاسد الغضبان يطريها.
جمعتها لسؤال بعض الإخوان، لتستعمل عند المناظرة، و تعين على الدخول في فنون المعقول لدى المحاورة، في زمان قصير؛ فلذا عذرها التقصير، و الله أسأل الأمانة فيما قصدت، و الإنابة فيما جمعت.

فصل:
مدارك العلوم ثلاثة: حس، و خبر، و نظر.
فالحواس خمس: ظاهرة، و هي سمع، و بصر، و ذوق، و شم، و لمس.
و خمس باطنة: الحس المشترك، و المصورة، و المتخيلة، و الوهمية، و الحافظة.
و الأول أفضل من الثاني، خلافاً للحنفية.
و قيل: بالتسوية بينهما.
قال الرازي: و أنكر الحكماء الحسيات، لعدم الوثوق بها.
قال الطوسي: غُلّط عليهم، و إنما مذهبهم أن حكم العقل في المحسوس، ينقسم إلى يقيني، و ظني.
و هل الإدراك للحواس، أو للنفس بواسطة الحس؟ فيه خلافٌ.
و آخر قولي الأشعري: أن الإدراكات ليست من قبيل العلوم.
و اختاره القاضي، و إمام الحرمين.
قال أئمتنا: و لا يفتقر الإدراك إلى بنية مخصوصة، و لا لاتصال الأشعة، خلافاً للمعتزلة؛ و هي أصل مسئلة الرؤية.
و الخبر: ما صح أن يقال في جوابه: صدق، أو كذب.
أو صدقه مطابقته للواقع، و كذبه، عدمها؛ و لا واسطة بينهما، على الأصح فيهما.
ثم مدلوله: الحكم بالنسبة، لا وقوعها، و إلا لم يكن كذباً.
و ينقسم إلى ثلاثة: متواترٌ معنى، أو لفظاً؛ و هو أن يرويه جماعة، يستحيل تواطئهم على الكذب.
و شروطه أربعة: اثنان في السامع، و هو أن لا يكون عالماً به ضرورةً، لاستحالة تحصيل الحاصل.
و قال الشريف المرتضى: و أن لا يكون معتقداً النقيض، الخبر.
و اثنان في المخبر: و هو أن يكون مستندهم الإحساس، و أن يبلغ عددهم ما يمتنع التواطئ على الكذب؛ و هو يفيد القطع.
و غلط من نقل عن السُّمنية إنكاره.
قال العلامة مظفر الدين المقترح: ليس مذهبهم أن التواتر لا يفيد العلم، و إنما مذهبهم حصر المعلومات في الحواس؛ فهو اصطلاح.
قال القاضي، و غيره: و العلم الواقع عنه ضروري.
و قال أبو بكر الدقاق: أنه مكتسب.
و فسره إمام الحرمين: بتوقفه على مقدمات عند السامع، لا على الاحتياج إلى النظر عقيبه.
و إلى مستفيض، و هو عند الأصوليين: الشائع بين الناس عن أصل.
و عند المحدثين: ما زادت نقلته على ثلاثة.
و الأشبه بكلام الشافعي في الشهادة بها أن يسمعه من عدد يمتنع تواطؤهم على الكذب.
و قال الشيخان: إن أقله اثنان.
و جعله الماوردي أقوى الأخبار.
قال الأستاذ أبو إسحاق: و هو يفيد العلم النظري.
و إلى آحاد، و هو ما يحتملهما.
و احتماله للمتواتر لغوي، سواء نقله واحدٌ، أم جمع.
و يجب العمل به في الفتوى، و الشهادة؛ في الأمور الدينية، و الدنيوية في الأصح، و لا يفيد العلم على الأصح فيهما، و ظاهره مطلقاً.
و الأصح أنه يفيده بقرينة، و بهذا علم أن قوله على الأصح فيهما منتقد.
و خالفت الظاهرية، و غيرهم في الثاني.
و خالف أبو علي الجبائي، و أبو الحسين ابن اللبان.
و من ثم اختار أبو عمرو بن الصلاح كغيره، تخصيص القطع بأحاديث الصحيحين، بقرينة تلقي الأمة لها، و هذا يفيد علماً نظرياًّ.
و النظر عرفاً: و هو التأمل بالفكر في حال المنظور فيه.
و شرطه العقل.
و ينظر في الدليل.
و ينظر في الوجه الذي منه يدل الدليل.
و يحصل العلم عقبه بالعادة عند الأشعري؛ و بالتولد عن المعتزلة؛ و بالوجوب عند الحكماء؛ و اختاره الإمامان.
و هي من فروع خلق الأفعال، و هو أول واجب؛ فنسبة هذا القول لإمام الحرمين وَهَمٌ؛ و المنسوبُ إلى الإمام: إنما هو القصد إلى النظر.
و خالفه العز بن عبد السلام، و قال: الأصح أنه لا يجب على المكلف، إلا عند الشك.
و قيل: أول النظر.
و قيل: المعرفة؛ و هذا أرجح الأقوال.
و محل العقل القلب، خلافاً للحنفية، و الأطبا.
و لو أطلق العقل، كان أولى.
و لو قال من الإدراكات، كان أولى.
و في تفاوت العقول، قولان؛ أحدهما: نعم، و الثاني: لا.
و في الحقيقة: لا خلافَ.
و في اقتناصه بالحد، خلاف المشهور.
و ليس له الحكم في أفعال الله بالتحسين، و التقبيح، بشيء في معرفة الثواب، و العقاب؛ فهما شرعيان، خلافاً للمعتزلة.
قال إمام الحرمين: الحقائق، و الأحكام العقلية، و كلما يتوقف عليه، مَدركها العقل.
و تعيين أحد الجائزين، و تفاصل أحوال الجنة، و النار، مَدركه السمع.
و ما يتأخر عن ثبوت الكلام، و خلق الأعمال، مدركه بهما.

يتبع بمشيئة الله تعالى.....