ثالثا: مفهوم أصول الأحناف والفرق بينها وبين أصول الشافعية (أو المتكلمين)
يزعم الدكتور الباحث الذي يقدم منهجا يدعو الأمة أن تتخذه ليكون لها آلة للنهضة ان علم الأصول : "حين تأسس واكتمل نموه وجمع أطرافه الإمام الشافعي في كتابه الرسالة المشهور أسس ليكون علم الاجتهاد والتدريب عليه، وتمكين المهتمين بالعلوم الشرعية من ممارسته علميا".
فهو يقول إن علم الأصول تأسس واكتمل نموه على يدي الإمام الشافعي، والشافعي إمامنا وأستاذنا ولكن علم الأصول بدأه الشافعي وكمله الأعلام من بعد الإمام الشافعي، مثل الإمام الباقلاني والجويني وأبي الحسين البصري والغزالي والرازي والآمدي وابن الحاجب والبيضاوي ...الخ، وهذا أمر معلوم معروف، فالقول إن نمو هذا العلم الجليل اكتمل على يد الإمام الشافعي غير صحيح.
ويبدو أن تصور الدكتور لعلم الأصول يحتاج لنوع مراجعة، فاستمع إليه يقول ص137: "علما بأن كثيرا من المذاهب والمجتهدين قد بدؤوا ممارسة الفتاوى والإنتاج الفقهي قبل أن يحددوا أو يؤلفوا في أصول الفقه، وقد يكتفي بعضهم كالإمام أبي حنيفة يرحمه الله وغيره بذكر أصوله أو طريقته ومنهجه في الاجتهاد بشكل إجماليّ، وانتشر فقه الإمام أبي حنيفة قبل أن تنشر أصول فقهه. وتعد أصول الحنفية من الأصول المستنبطة من فقه الإمام لا من الأصول التي تأسست لديه قبل الفقه، لبناء الفقه عليها، ثم أخذت أبعادها فيما بعد، بنى الإمام وأصحابه فقههم عليها، وقد عرف تاريخيا أن الإمام أبا حنيفة قد تكلم فيما يقرب من نصف مليون مسألة وأبدى آراءه وفتاواه فيها، قبل أن يضم أصوله كتاب جامع".
فهو لا يكتفي أن يقول إن بعض المفتين أفتوا قبل أن يؤلفوا في أصول الفقه، بل قرر أنهم بدأوا ذلك قبل أن يحددوا أصول الفقهأيضا، ومعنى ذلك إن كان يعني كلامه، أن المفتي يفتي بلا أصل ينطلق منه، ولا قواعد يرتكن إليها! وهذا عجيب غريب، فهل يريد العلواني أن نصدق أن هذا الأمر كان يحصل من كثير من المجتهدين، والمذاهب، ألم يكن الأولى به أن يقول إننا لم نرَ لهم تأليفا أو أقوال في علم أصول الفقه، ولكن ذلك لم يكن ليمنع أنهم كانوا يعتمدون على أصول معينة يبنون عليها فقههم.
وبعد أن بين أن طريقة المتكلمين أو الشافعي في علم الأصول هي الانتقال من القواعد الكلية من غير مبالاة بالفروع التي تتفرع عليها، كما في ص229-230، ذكر أن طريقة الأحناف : "سلكوا في كتابة أصولهم سبيل تقرير القواعد الأصولية على مقتضى الفروع المنقولة عن أئمتهم، فالقاعدة مستنبطة من الفروع دائرة حولها، لا العكس، فالدارس لأصول الفقه بهذه الطريقة يجمع الفروع التي أفتى بها الأئمة، ويقوم بتحليلها، وتقرير أنهم إنما أفتوا بها بناء على أصول يتوصل إليها فيقررها قواعد تأصيلية لتلك الفتاوى".
إذن هو يوافق على أن أصول الشافعية تمَّ على الأقل عند الشافعي تأسيس الفقه العفروعي بناء عليها، أما ما يتعلق بالإمام أبي حنيفة، فإنه يقول: إن فقهه انتشر وظهر قبل أن تظهر أصوله، فهل يريد العلواني أن أبا حنيفة اجتهد في الفروع ولم تكن لديه أصول كلية يبني عليها، أم يريد أن هذه الأصول لم يعتنِ أبو حنيفة بالكتابة فيها، وإن كانت موجودة في نفسه كامنة فيها، وإن أعلن عن بعضها، قبل أو أثناء قيمه باجتهاداته الفقهية. فإن أراد الاحتمال الأول، فكلامه باطل بلا ريب، لأنه ما ثمَّ مجتهد يعتبر اجتهاد، ومنهم أبو حنيفة بالضرورة، إلا ويبني أحكامه التي يجتهد فيها على أصول كلية، وإن أراد الثاني، فإن العبرة في القول بوجود أصول فقهية لبعض العلماء ليست بالضرورة تابعة لكونه ألف في علم الأصول أو لم يؤلف، بل لمعرفتنا باعتماده أصولا للفقه أو عدم اعتماده، وأبو حنيفة كان لديه أصول للفقه، وإلا لم يتألف مذهب خاصٌّ منسوب إليه! ولكن التأليف في علم الأصول ليس شرطا للمجتهد لكي يصح اجتهاد، فيكفي أن تكون استنباطاته مسعتبر، وأنظاره سديدة ولو غالباً، ليكون فقيها محترما لدى الأمى وعلمائها.
ولذلك فإنني أستغرب من طريقته في الكلام على أبي حنيفة وإدخاله أمرا غريبا، وهو كونه ألف أو لم يؤلف في علم الأصول، والواجب كان أن يبني كلامه على وجود أصول لديه أو عدم وجودها. ثم يتكلم على طريقة معرفتنا نحن بهذه الأصول، هل تمت هذه المعرفة عن طريق إعلان أبي حنيفة عن أصوله المعتمدة، كليا أو جزيا، أو أن هذه لامعرفة حصلت لدينا عن طريق اجتهاد تلامذته وأتباعه في سبر قواعد وتتبع أقواله ليتوصلوا إلى الأصول الكلية التي كانت مستكنة في نفسه فبنى عليها أحكامه الاجتهادية!
هكذا كان يبغي أن يسلك د. العلواني في بحثه وتقريره، وهذه هي الطريقة المنهجية التي خانه ذكاؤه فيها، والغريب أنه يعلن أنه يتصدى لتعليم الأمة المنهجية الصحيحة، ولكنا نراه غير ملتزم لها في كثير من مواضع بحثه هذا!
وليس لنا إلى غير الله تعالى حاجة ولا مذهب
رابعا: عدم أهمية الأصول المعروفة في عملية الاستدلال
رأينا في ما مضى آثارا من هذه الفكرة السارية في الكتاب من أوله إلى آخره، وإن كان يزعم المؤلف أنه يدعو إلى تجديد الأصول، ولكنه على الأقل لا يخفي أن كثيرا من قواعد علم الأصول الموجود بين أيدينا، لا الذي يريد أن يبتكره المؤلف لنا !! غير مجدية ولا صحيحة ولا مناسبة لعلم الأصول في زماننا الذي نعيش فيه.
وقد يبدو هذا الكلام للقارئ غريبا، وقد يعتقد اننا نتحامل على المؤلف لعظم هذه الفكرة، وهول اعتقادها، ولكنا نطمئه إلى أن المؤلف قد أعادها مرارا وتكرارا في كتابه من أوله إلى آخره بأساليب شتى، ومما قاله في هذا الصدد في ص 141 عندما كان يبين مكانة هذا العلم بين العلوم الإسلامية عند العلماء المتقدمين، وذكر عنهم أنهم وضعوه في أعلى مكانة، وعدوه بعضهم أهمَّ علم على الأطلاق، ونصَّ على أنهم "قد أعلوا مرتبة هذا العلم ومنحوه من الاهتمام ما لا مزيد عليه"، فما المشكلة إذن، وما حقيقة العلم عند المؤلف، لنستمع إليه يقول في الصفحة المشار إليها: "وقد أدى أصول الفقه أدوارا في حياة أمتنا كبيرة الأثر، عظيمة الخطر، أثرت فعلى مسيرة الأمة الحضارية وفكرها وفقهها ونظم حياتها آثارا اختلط فيها الإيجابي بالسلبي وما زالت هذا الآثار قائمة. وحين كانت الأمة تستظل بمظلة الفقه الأكبر لم تكن تلك الآثار بينة، لأن الأصول آنذاك لم تكن قد امتدت ذلك الامتداد كله بحيث هيمنت على كثير من جوانب حياة الأمة وقضاياها".
إذن لم يكن لعلم الأصول من حيث هو علم تلك الأهمية التي جعلها له المتأخرون من العلماء، لأن الأمة عرفت أن منشئ الأحكام هو الله تعالى في قرآنه الكريم، وعلمت أن الله تعالى "أوكل إلى رسوله الكريم صلى الله عليه وآله وسلم وصفوته من خلقه صلى الله عليه وسلم أن يعلم الناس الكتاب بعد أن يتلوه عليهم، ويتبع آياته أمامهم وبينهم وفيهم ويزكيهم بها ويعلمهم الحكمة منه والأحكام فيه بتأويله العملي وتفعيله التطبيقي لآيات الكتاب"، فقد كانت وظيفة النبي عليه السلام في رأي المؤلف منحصرة في التطبيق العلمي، وإظهار قدوة حسنة للناس، فقط، ليس لها وظيفة أخرى أبداً، أي ليس لها أن تعمل على إنشاء بعض الأحكام الشرعية التي يجب الأخذ بها! وهذا رأي غريب عن وجهة نظر كافة الأصوليين من أمة النبي عليه السلام، نشتم منه رائحة حصر إنشاء الأحكام في القرآن الكريم، ونفي أن تكون للسنة النبوية وظيفة إنشاء الأحكام أي حكم، وهذا رأي قد قال به بعض المشايخ المتقدمون من الذين فتحوا أبواب العلمانية للمعارضين لأصول الدين، وأغلبهم من المنتمين لمدرسة محمد عبد والأفغاني، وها نحن نرى هذه الدعوة أيضا على ألسنة بعض العلمانيين الذيز يدعون أنهم يحترمون الكتاب أكثر من احترام الشافعي وأبي حنيفة له، ولذلك فإنهم يحرصون على أن يحصروا إنشاء الأحكام به، ويمنعون غيره ولو كان سنة النبي الكريم عليه السلام من أن تكون منشئة لأي حكم ملزم للمسلمين. نعم نحن نشتم رائحة هذا التوجه في عبارات المؤلف!
ولم تصر على الفصل بين طريقة جيل التلقي وبين غيرهم من الميلمين في سائر الأعصار! ما الموجب لذلك، والحال أننا يمكن أن نقول إن الفارق بين جيل التلقي وبين غيرهم، أنهم كانوا يصدرون عن ملكات راسخة، حصلت عن التعلم المباشر من النبي عليه السلام، لا عن ملكة حاصلة بعلم مقسم في أبواب وفصول كما تعارف عليه المتأخرون. بالضبط كما نتكلم بالنسبة للنحو والملكة العربية في الكلام بالعربية بلا حاجة لتعلم النحو علما نظاميا مرتباً، وإذا كان الأمر كذلك، فلا يجوز أ،صلا أن يقال إن الجيل الأول لم يكن بحاجة إلى علم الأصول، أو أنه كان يتفقه بلا معرفة لعلم الأصول، فالقائل بذلك يقع في المغالطة نفسها التي يقع فيها من يقول: إن الإنسان يفكر بلا حاجة لطريقة تفكير سليمة، وهي ما نسميه بالمنطق، ونعم قد لا يكون العلم بالمنطق من حيث هو علم بطرق الفكر والتأمل ومعرفة الصحيح منها من غيره، حاصل في الإنسان مدرَكا له إدراكا مباشرا، ولكنه حاصل في نفسه حصولا لا يمكنه الانفكاك عنه، ولذلك إذا تمَّ توضيح طريقة التفكير المنطقية له في أغلب المسائل التي فكر فيها، تراه يوافق على ما يقال له، ويعترف أنه فعلا كان يتبع هذه الطرق بلا شعور حصولي في نفسه.
وإلا فكيف يفسر الدكتور المؤلف أن الصحابة كانوا يخطئون بعضهم البعض، ويعارضون بعضهم بالاستدلال والفهم من النصّ ونحوه. إن لم يكن لديهم في نفسهم طرقة أو طرق مستقرة يتبعونها للنظر والفكر الفقهي، فلا معنى للمعارضة والمراجعة، إذ لا معنى لذلك إلا وجود مرجع متفق عليه ولو اتفاقا أغلبياً، سواء كان مصرحا به أو لم يكن كذلك. وهذا هو بالضبط ما نريد بعلم الأصول.
ويعتبر المؤلف أن جيل التلقي كان في ذهنه مجموعة من القواعد الكلية تجعل من كل واحد من الصحابة قادرا على معرفة تفاصيل ما حرم عليهم، تأمل قوله في ص144: "فهذه الكليات والقواعد تجعل قراء الصحابة والمصلين كافة قادرين على معرفة تفاصيل ما حرم عليهم ليستثنوه ويخرجوه من ميادين سلوكياتهم، ويحصرون استمتاعهم في تلكا لمجالات الرحبة التي سكت القرآن عنها، ولم ينبه بيان رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى حظر شيء منها"...وكانت هذه الطريقة التي يزعمها المؤلف هي السبب في أن :"تتجه الأنظار بعد ذلك إلى التأسي برسول الله صلى الله عليه وسلم في أمور أخرى، مما اشتمل القرآن المجيد عليه من آداب ووسائل اعتبار وطرائق نظر في الكون والحياة وأمثال وقصص ونظر في ميادين الخلق والتسخير والإبداع.....لأن ذلك الوهم الذي ساد فيما بعد، واختزل الكتاب والرسول والرسالة في أحكام وفقه وقانون وتشريع لم تكن هي الفكرة السائدة لدى جيل التلقي. ولو أن علوم المسلمين أخذت من هذه الأصول وفي تلك المرحلة وتم تدوينها في عهد الشيخين أبي بكر وعمر والسنوات الست الأولى من خلافة عثمان، لرأينا علوما أخرى، ولورثنا فقها عمرانيا أكبر، ولتعلمنا فلسفة حياة تجعل من الدين نظام حياة وسنن وقواعد ممارسة لا قوائم في بيان أحكام تكليفية وأحكام وضعية يزاد في كل منها وينقص بحسب السجال والجدال والاتجاهات والتيارات الإنسانية في الحياة، وبحسب الضغوط التي تفرزها التيارات الفكرية العديدة عبر العصور، حتى صارت قوائم الحلال والحرام والمنكروه والمندوب والمباح والأسباب والشروط والموانع ومنطلقات الحكم بالصحة أو الحكم بالبطلان والقضاء والأداء وما إلى ذلك تنوء بها الحاويات فضلا عن عقول وقلوب الرجال، وما زالت هذه القوائم في ازدياد، وقوائم وقواعد فهم القرآن والدور النبوي في تناقص وابتعاد عن مجالات التأثير في الحياة". انظر ص145.
إذن هذه هي رؤية المؤلف للفقه الإسلامي عبر العصور:
-هو فقه متكلف لا أسس له.
-يزيد الفقهاء في الأحكام وينقصون منها بحسب الأزمان والأحوال والضغوط التي ليست من الفقه.
-هو فقه بعيد عن أصول الكتاب والسنة والقواعد التي ارتضاها الله تعالى للناس.
-هذا الفقه كان أحد أعظم الأسباب في تأخر المسلمين.
-يحسن بمثل هذا الفقه أن يكون في الحاويات لا في صدور الرجال.
لو لخصنا أصول كلامه المذكور في هذه العبارات لكنا قد أوفيناه حقه، ولكنا ما زلنا نستغرب من هذه الطيقة الشاذة التي يفكر بها أمثال هذا المؤلف، فهو يتصور فعلا أن الصحابة رضوان الله عليهم لم يكن لديهم قواعد أصولية يرجعون إليها، ولم يكن بين خلافات فقهية ولا أقوال يتراجعون فيها، ويخطئ بعضهم بعضا في بعض الأحوال، ويقر بعضهم بعضا في أحوال اخرى. وهذا الواقع الذي كان بين الصحابة كما تشهد به كثير من النصوص والقصص والأخبار عنهم، هو الواقع نفسه الذي صرنا نراه مكتوبا مبوبا لدى الفقهاء بعد عصر الصحابة. ولم نراه أدخل السنوات الست الأولى من عصر عثمان واستبد ما بقي من سنوات حكمه ولم يذكر عصر عل رضي الله عنهم، ومن بعده، أتراه يعتقد أن الخلافات بين المسلمين ظهرت فجأة وأن الرؤى التي يقولون بها، إنما كانت طفرة، أم تراه يعتقد كما يعتقد غيره من الفرق الإسلامية أن هذه الخلافات والاختلافات كانت انحرافا مقصودا عن الدين، ولذلك لا يلقي لها بالا من أصلها، ولا يعتبرها دليلا من دلائل تطور وتراكم المعارف الفقهية، صوبناها أو خطأناها كلا أو بعضا.
ولو لم يكن الفقهاء المتأخرون يرجعون في فقههم إلى الصحابة وإلى طريقتهم , ولكن في صورة أخرى مفصلة مدروسة مقننة، فمن أين تلقوا معارفهم وعلومهم، ونحن نعلم أن أكثرهم كانوا يرجعون في تفقهاتهم إلى الرجوع إلى فقه الصحابة وطريقتهم في التعلم والنظر، بل بعضهم كان تابعيا أخذ عن بعض الصحابة مباشرة، ثم إننا لم نستمع من قبل إلى هذا الفهم الشاذ لفقه العلماء خلال العصور السابقة، فلم يقل واحد منهم للأخر إنه كان مبتعدا طريقة الصحابة، نعم خالف بعضهم بعضا في الطريقة، والمنهج، وهذا كان موجودا بين الصحابة أنفسهم، فبعضهم كان ظاهريا وبعضهم كان يتعمق في المفاهيم والمعاني، وهكذا كان من بعدَهم، ولذلك ظهرت المدارس الفقهية ذات الأصول المختلفة المتنوعة، التي تثري الأمة، لا تعقدها كما يزعم المؤلف، إلا إذا كان لا يفهم طريقة تعليم العامة للفقع والعلم، وإلا إذا كان يتصور أن ما يعلمع الإمام الشافعي أو أبو حنيفة من أحكام ينبغي أن يكون كل واحد منا لمسلمين قادرا على فهمه والعلم به بطريقة بسيطة، أصولا وافروعا! وهذا المنهج من الفهم تكاد تشي به كلماته، ألم نره يقول إن الصحابة كانوا يكتفون بقواعد عامة تكفيهم في معرفة الحلال والحرام، وتغنيهم عن تقعرات الفقها المتأخرين...ومن قال له إن الفقهاء المتأخرين لم يضعوا قواعد عامة تكفي عوام عصرهم أيضا عن المباحثات المعقدة في الفقه، والتدقيقات المعمقة في الأحكام، ألم يعرف أنهم وضعوا متونا كانت نبراسا في أثناء العصور المختلفة لعوام المسلمين، كفتهم عن معرفة التفاصيل، وكانا إذا احتاجوا إلى شيءمنها وجدوا الفقهاء الذين أفنوا عمرهم في البحث والتعلم قادرين على دلالتهم إلى الأحكام الشرعية بحسب اجتهادهم ومقدار علمهم.
إن المؤلف يريد من أفراد المسلمين أن يكونوا قادرين بأنفسهم على استنباط الأحكام الفقهية بدون الرجوع إلى العلماء! وهذا منهج مبطل لأصل العلم كما هو ظاهر، وهو ظاهرية ساذجة....
ونحن نعلم السبب في كثر تكرار المؤلف لمقولة إن الإسلام يريد العمل والعمران أكثر من إرادته للعلم والتعمق فيه! وهذه تهمة وتصور أجنبي عن الفقه، بل يمكن أن نقول إنه تصور بعض المسلمين من المتقدمين والمتأخرين،ولكنه ليس تصور غيرهم من غالبية أهل الإسلام، فإن الأحكام الشرعية الفرعية تحتوي على علوم دقيقة ومعاني مستكنة في داخلها، هي علل التشريع، وأصوله العامة التي بذل كثير من الفقهاء جهودا مضنية في سبيل الغوص عليها وإظهارها للخلق، أما القول بأن الفقه إنما يراد به العمل أصالة فصحيح، ولكن هذا العمل ليس عملا اتفاقيا لا أسس له، بل هو مبني على أصول فقهية وقواعد شرعية مطردة، فواجب الفقيه بناء أحكامه عليها، ومراعاة تلك القواعد والأصول، وليس اختراع أحكام متضاربة في جوهرها، بحيث تفضي بالمجتمع المتبع لها الباني أفعاله عليها إلى التضاد والاختلاف لا إلى التوافق والائتلاف.
والحاصل من كلام هذا المؤلف أن أغلب الأمة قد انحرفت عن منهاج الدين المنزل على النبي الخاتم عليه السلام، وأنهم انحرفوا عن منهاج الرسول الكريم عليه السلام! فماذا ترك إذن للعلمانيين وغيرهم الذين يقدحون في أغلب تراث الأمة،ويميزون بين الفهم والمفهوم، وكأن هناك فهما بدون مفهوم، وغفلوا عن أن الفهم لا حقيقة له إلا لكونه منتسبا إلى المفهوم، فإن صحت هذه النسبة، فلا يصح التفريق بين الأمرين، وإلا حكمنا بأن الفهم مخالف للمفهوم. وإن قلنا لا نستطيع الحكم بالمطابقة ولا بغيرها عرفنا أن الأمر الذي يراد لنا الانسياق إليه إنما هو السفسطة المحضة، أي أن نقول: هناك نص، سواء كان فيه معنى أو لا معنى له في نفسه، بل المعنى يفرضه عليه القارئ، لا تستطيع إدراك هذا المعنى، وإن أدركناه فلا يمكننا أن نثبت أن ما فهمناه فهو منسوب نسبة صحيحة للنص. إذن الحاصل هو نوع من العبثية السفسطية، عرف القائل بذلك أم لم يعرف. والحاصل اتفاق بين دعوة هذا المؤلف الشهير الصيت بين المسلمين وبين دعاوى كثير من العلمانيين، في النتائج وفي كثير من الأصول! وهذا ما يبعث على الاستغراب!
وهو وإن كان ينفي ما قررناه من أن عملية التجديد! التي يدعو إليها إنما هي في حقيقة الأمر استجابة للضغوط الليبرالية المعاصرة الممثلة خير تمثيل للسفسطة في هذا المجال،فقال ذابا التهمة عن نفسه! ص147 :"إننا في محاولتنا هذه وفي مراجعاتنا لا نهدف إلى الانضمام إلى قوافل الداعين إلى تجديد أصول الفقه، سواء أولئك الذين دعوا إلى ذلك رغبة منهم في الاستجابة إلى ضغوط الليبرالية المعاصرة والتخلص من قيود تلك القواعد لصالحها، أو أولئك الذين نادوا بالتجديد ليقطعوا الصلة بين التراث الأصولي للعجز عن استيعابه....ولكننا نريد أن نعيد الأمر إلى نصابه، ونرده إلى الأمر الأول".. إذن هذه هي البراءة مما ألمحنا إليه قريبا، وإعلان عن مشروع كبير جدا جدا نشك في أن عند المؤلف الفاضل قدرة على تنجيز دعواه التي يعلن عنها! وإذا كان هنا كأحد يهدم أمورا حاصلة، ويدعي دعاوى أعظم منه (إعادة الأمر إلى نصابه، ورده إلى الأمر الأول)...نعم إعادة الأمر إلى نصابه أمر جميل جدا،ولكن هذا يتوقف على إثبات أن هناك انحرافا عنه بمثل هذا القدر العظيم الذي تدعيه، وما لم تثبت ذلك، ولم أرَك تثبت منه عشر معشار ما تزعمه حاصلاً، لم يتبق من مشروعك إلا هدم الأصول القائمة، وإتاحة الفرصة للناس ليدلوا بدلوهم بغير علم ولا هدى، وهذا وجه من وجوه الاتفاق بين دعوة المؤلف وأمثاله ودعاوى بعض العلمانيين الذين أشار إليهم في كلامه.
ونحن لا نتحرج من أن نصرح هنا بما نقول،ونعلم أن كثيرا من الناس سيقولون لنا مستنكرين: إنك تتهم المؤلف بتهم عظيمة، وتدعي عليه بدعاوى هائلة، لو ثبتت فعلا، لتغيرت نظرتنا عنه،ولثبت بطلان كثير من الأصول التي ينادي بها، والتي لاقت قبول طائفة لا بأس بها من الناس في هذا الزمان.
ونقول لهذا المستغرب: إننا لا نتهمه، بل نحلل ما يعلنه ويصرح به، ونستنتج لوازم هذا القيل، ونحاول لفت نظره وأنظار المتبعين له المتحمسين لدعوته إلى خطورة هذا المنهج، وإن بدت هذه التحليلات بصورة تهم، فذلك ليس أقل من التهم الهائلة التي تكفل المؤلف المحترم بتوجيهها إلى أغلب الأمة عبر هذه القرون! فالتهم التي صدرت عنه في حق أولئك الأعلام، أعظم بكثير مما قلناه عنه.
فلا موضع للاستغراب، والاستعجاب، ومحاكمة ما نقوله بمثل هذا المنهج العاطفي غير العلمي، بل المنهج الصحيح، والطريقة الصائبة أن يعود أتباعه والمؤيدون له إلى إعادة تحليل كلامه وكلامنا ليثبتوا إما خطأنا فيما استنتجناه أو صوابنا فيه. وما سوى هذه الطريقة مجرد تشغيب وكلام لا علاقة له بالعلم والبحث.
وسيأتي بإذن الله مزيد كلام وشواهد على ما نقوله.
وليس لنا إلى غير الله تعالى حاجة ولا مذهب
سادسا: السنة ليست مصدرا للتشريع، بل مجرد تجربة بشرية
أطلق المؤلف القول بهذا الحكم الخطير وأشار إليه من قريب ومن بعيد، بطرق مختلفة، وإن لم تكن واضحة وضوحا قويا، وما ذلك إلا لخطورة مثل هذا الحكم، فكان من المتوقع لمثل المؤلف، أن يلجأ إلى طرق شتى للتعبير عن هدفه، وأن يترك المجال مفتوحا قدر ما يستطيع في كلامه، لكي يستطيع المناورة، وقت الحاجة، وهذا شأن كثير من أصحاب الفكر الجديد، لا يلجون إلى آرائهم بطريقة مباشر ....
وكان في قوله هذا يسير مستدلا عليه بآيات غير دالة إلا على أن القرآن يجب الأخذ به، ووحال هذه الآيات أنه لا يوجد أي دلالة فيها على عدم جواز نسبة الإخبار بحكم لله تعالى عن طريق النبي عليه السلام بدون أن يُذكر هذا الحكم في القرآن، فلم تكن دالة على مراد المصنف بالطبع، ولكنه ينتهز طبق لهدفه ومنهجه الذي يريد ترويجه في هذا الزمان أقل قدر من التدبر لنسبة ما يريد للقرآن الكريم، وهذا مسلك في غاية الغرابة، خصوصا أنه كثيرا ما يشنععلى المتقدمين أنهم لم يتدبروا القرآن ولم يجعلوا منه معلما لهم مرشدا، بل حكموا فيه قواعد اخترعوها في الأصول والكلام والفقه وغير ذلك من العلوم والمعارف، فما باله لا يتخذ العدة الكافية عندما يستدل بالكتاب المجيد على مثل هذا المطلب الخطير العظيم....؟!
قال مثلا في ص153: "وأول تلك المراجعات التي ينبغي القيام بها مراجعة علم أصول الفقه على هدى القرآن الكريم، إذ إن القرآن الكريم هو المرجعية الأولى في عمليات إنشاء الأحكام، والأفكار والمعتقدات والتصورات، والتشريع، قال سبحانه وتعالى( إن الحكم إلا لله)، وقال (ألم ترَ إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يُدعون إلى كتاب الله ليحكم بينهم ثم يَتولى فريق منهم وهم معرضون)، ويعتبر قوله تعالى (لا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما) نصا في قوله سبحانه (وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل إليك فتُقرأ في نور وهداية قوله سبحانه وتعالى(ثم جعلناك على شريعة من الأمر فاتبعها).
إذاً القرآن وحدَه هو الذي يقوم بالكشف عن الأحكام الشرعية والإنشاء للأحكام، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقوم بمستوى التطبيق الملزم لسنن القرآن وتأويله في الواقع، والاتباع للقرآن يجعل منه صلى الله عليه وآله وسلم قدوة وأسوة لإنجاز الالتزام بالكتاب والتمسك به وتحويله إلى واقع وسنن معاشة يعيشها الناس، يمكن أن تتحول إلى ثقافة وإلى حضارة وأعراف وعادات ومنظومة حياة كاملة. تلك مهمة رسول الله صلى الله عليه وسلم في تعليم العالمين الكتاب والحكمة والمنهج وتزكية الناس به. ....فالقرآن حاكم من حيث النظرية في الحكم، ورسول الله صلى الله عليه وسلم حاكم من حيث التطبيق والتأويل والتفعيل الواقعي، وبالتالي فل بد من تضافر الاثنين معا (النظرية والتطبيق) لإيجاد النظام الأمثل، فالنظرية بدون تطبيقات نبوية تتبع، وسنن يُهتدى بها لا يُحسن الإنسان اتباعها أو تطبيقها في الواقع فيقول الله سبحانه وتعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم (ووجدك ضالا فهدى) وقال سبحانه وتعالى (ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا، وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم) بإضمار (به) بعد (لتهدي): أي وإنك لتهدي به إلى صراط مستقيم".
وقد حرصت على نقل هذا النص على طوله، وسننقل غيره قريبا، لأهمية الموضوع المبحوث، ولئلا يقال إنك فهمت المؤلف على غير مراده، وألزمته بما لا يقول به.
فها هو يقول بصراحة: لا منشئ للأحكام إلا القرآن، والسنة ما هي إلا تطبيق عملي للقرآن، هذا هو خلاصة ما يريد إيصاله لنا.
ويلزم على ذلك: إنَّ كلَّ حكم أتت به السنة وليس موجودا في القرآن، فلا يجوز لنا الإلزام به، ولا يجوز لنا اعتباره حكما شرعيا بجانب الأحكام المأخوذة من القرآن. لم يصرح به تصريحا، ولكن كلامه لا يمكن أن يكون له معنى، إلا بهذه النتيجة المضمرة في كلامه، ولا ندري لم لم يصرح بها، مع أن كلمه من أوله إلى آخره، إنما ساقه ليتوصل به إلى هذه النتيجة. ولكن هذه هي عادة المنادين بالتجديد والانفكاك عن العلوم التي حررها الأعلام المتقدمون، يضعون بن يدي القارئ المقدمات، ويكادون لكثرة كلامهم أن يصرحوا بمكنون نفوسهم، ولكنهم يحجمون لأنهم يعتقدون أن الزمان ليس مناسبا بعد للإفصاح عن هذه النتائج الصادمة لمخزون الوعي في الأمة الإسلامية منا لمعارف الإسلامية المستقرة في وعيهم ومحفوظاتهم خلال القرون الماضية، والتي يعمل العاملون على تفتيتها وتفكيكها وتشكيك الناس بها.
فلو جاء واحد وقال لك: كل حكم أتى به الرسول عليه السلام، ولم نجده في القرآن الكريم، فهذا الحكم لا يجب علينا الالتزام به. هكذا بكل صراحة ووضوح! أعتقد أن أكثر الناس من أهل الإسلام سيرفضون الموافقة على هذه الفكرة، ومن وافق عليها، سيخاف وسيرفض التصريح بها على هذا النحو، وسيختار من التعبيرات والشقشقات ما إذا قرأناه شعرنا بالملل والاستغراب من عدم جرأته الكاتب على التصريح، وظننا أنه أصيب بنقص في القدرة على التعبير فجأة، أو نوع معين من العي يمنعه من الإفصاح عن هذه المعاني المقصودة له.
ومكانة عنده السنة إنما هي في إعطاء مثال للتطبيق للآيات القرآن.
ولو أردنا أن نناقش استدلالاته بالآيات التي ساقها، والتي لا تدل بالطبع على ما يريد، فإنا نقول على سبيل الإيجاز:
قال الطبري في تفسير قوله تعالى (إن الحكم إلا لله) :" القول في تأويل قوله: { قُلْ إِنِّي عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَكَذَّبْتُمْ بِهِ مَا عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ إِنِ الْحُكْمُ إِلا لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ (57) }
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه صلى الله عليه وسلم:"قل"، يا محمد، لهؤلاء العادلين بربهم، الداعين لك إلى الإشراك بربك " إني على بيّنة من ربي"، أي إني على بيان قد تبينته، وبرهان قد وضح لي "من ربي"، يقول: من توحيدي، وما أنا عليه من إخلاص عُبُودته من غير إشراك شيء به.
وكذلك تقول العرب:"فلان على بينة من هذا الأمر"، إذا كان على بيان منه، ومن ذلك قول الشاعر:
أَبَيِّنَةً تَبْغُونَ بَعْدَ اعْتِرَافِهِ... وقَوْلِ سُوَيْدٍ قَدْ كَفَيْتُكُمُ بِشْرَا
"وكذبتم به" يقول: وكذبتم أنتم بربكم و"الهاء" في قوله"به" من ذكر الرب جلّ وعز" ما عندي ما تستعجلون به"، يقول: ما الذي تستعجلون من نقم الله وعذابه بيدي، ولا أنا على ذلك بقادر. وذلك أنهم قالوا حين بعث الله نبيَّه محمدًا صلى الله عليه وسلم بتوحيده، فدعاهم إلى الله، وأخبرهم أنه رسوله إليهم: هَلْ هَذَا إِلا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ [سورة الأنبياء: 3] . وقالوا للقرآن: هو أضغاث أحلام . وقال بعضهم: بل هو اختلاق اختلقه. وقال آخرون: بل محمد شاعر، فليأتنا بآية كما أرسل الأولون فقال الله لنبيه صلى الله عليه وسلم: أجبهم بأن الآيات بيد الله لا بيدك، وإنما أنت رسول، وليس عليك إلا البلاغ لما أرسلت به، وأنّ الله يقضي الحق فيهم وفيك، ويفصل به بينك وبينهم، فيتبين المحقُّ منكم والمبطل
"وهو خير الفاصلين" ، أي: وهو خير من بيّن وميّز بين المحق والمبطل وأعدلهم، لأنه لا يقع في حكمه وقضائه حَيْف إلى أحد لوسيلة له إليه ولا لقرابة ولا مناسبة، ولا في قضائه جور، لأنه لا يأخذ الرشوة في الأحكام فيجور، فهو أعدل الحكام وخيرُ الفاصلين".
ويؤيد تفسير الطبري سياق القرآن من الآيات، والمعاني التي توضحها في هذا الموضع: قال تعالى"قُلْ إِنِّي عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي وَكَذَّبْتُم بِهِ مَا عِندِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ{57} قُل لَّوْ أَنَّ عِندِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ لَقُضِيَ الأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَاللّهُ أَعْلَمُ بِالظَّالِمِينَ{58} وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا وَلاَ حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ{59} وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُم بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَى أَجَلٌ مُّسَمًّى ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ{60} وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُم حَفَظَةً حَتَّىَ إِذَا جَاء أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لاَ يُفَرِّطُونَ{61} ثُمَّ رُدُّواْ إِلَى اللّهِ مَوْلاَهُمُ الْحَقِّ أَلاَ لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ{62}".
وقال النسفي في تفسيره: "فقال ما عندى ما تستعجلون به يعنى العذاب الذى استعجلوه فى قولهم (فأمطر علينا حجارة من السماء) (إن الحكم إلا لله) فى تأخير عذابكم".
وكذلك البيضاوي: "{ إِنِ الحكم إِلاَّ للَّهِ } في تعجيل العذاب وتأخيره".
وقال الرازي: "واعلم أنه عليه الصلاة والسلام ، كان يخوفهم بنزول العذاب عليهم بسبب هذا الشرك . والقوم لإصرارهم على الكفر كانوا يستعجلون نزول ذلك العذاب . فقال تعالى قل يا محمد : { مَا عِندِى مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ } يعني قولهم { اللهم إِن كَانَ هذا هُوَ الحق مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مّنَ السماء أَوِ ائتنا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ } [ الأنفال : 32 ] والمراد أن ذلك العذاب ينزله الله في الوقت الذي أراد إنزاله فيه . ولا قدرة لي على تقديمه أو تأخيره . ثم قال : { إِنِ الحكم إِلاَّ للَّهِ } وهذا مطلق يتناول الكل . والمراد ههنا إن الحكم إلا لله فقط في تأخير عذابهم { يَقْضِى الحق } أي القضاء الحق في كل ما يقضي من التأخير والتعجيل".
وقال ابن عطية: "وقوله { إن الحكم إلا لله } أي القضاء والإنفاذ { يقص الحق } أي يخبر به". وكذا السمرقندي في بحر العلوم: "{ قُلْ إِنّى على بَيّنَةٍ مّن رَّبّى } يعني : على أمر بيّن . ويقال : على دين من ربي . { وَكَذَّبْتُم بِهِ } يعني : بالقرآن . ويقال : بالعذاب . وذلك أن النضر بن الحارث قال : إن كان ما تقوله حقاً فأتنا بعذاب الله فنزل : { مَا عِندِى مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ } يعني : العذاب { إِنِ الحكم إِلاَّ للَّهِ } يعني : ما القضاء في ذلك إلا لله في نزول العذاب".
-قوله تعالى (إن الحكم إلا لله)
ورد قوله تعالى (إن الحكم إلا لله) في ثلاثة مواضع في القرآن الكريم، الأول ما ذكرناه والثاني قوله تعالى {مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ أَسْمَاء سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَآؤُكُم مَّا أَنزَلَ اللّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَـكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ }يوسف40
والثالث قوله تعالى {وَقَالَ يَا بَنِيَّ لاَ تَدْخُلُواْ مِن بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُواْ مِنْ أَبْوَابٍ مُّتَفَرِّقَةٍ وَمَا أُغْنِي عَنكُم مِّنَ اللّهِ مِن شَيْءٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ }يوسف67
ويقول الطبري في تفسيره الآية الأخيرة: "ما القضاء والحكم إلا لله دون ما سواه من الأشياء ، فإنه يحكم في خلقه بما يشاء ، فينفذ فيهم حكمه ، ويقضي فيهم، ولا يُرَدّ قضاؤه". وقال البيضاوي: "{ وَمَا أُغْنِى عَنكُمْ مّنَ الله مِن شَىْء } مما قضى عليكم بما أشرت به إليكم فإن الحذر لا يمنع القدر . { إِنِ الحكم إِلاَّ للَّهِ } يصيبكم لا محالة إن قضي عليكم سوء ولا ينفعكم ذلك".
وقال الإمام الرازي: "واعلم أن هذا من أدل الدلائل على صحة قولنا في القضاء والقدر ، وذلك لأن الحكم عبارة عن الإلزام والمنع من النقيض وسميت حكمة الدابة بهذا الاسم ، لأنها تمنع الدابة عن الحركات الفاسدة والحكم إنما سمي حكماً لأنه يقتضي ترجيح أحد طرفي الممكن على الآخر بحيث يصير الطرف الآخر ممتنع الحصول ، فبين تعالى أن الحكم بهذا التفسير ليس إلا لله سبحانه وتعالى ، وذلك يدل على أن جميع الممكنات مستندة إلى قضائه وقدره ومشيئته وحكمه ، إما بغير واسطة وإما بواسطة ثم قال : { عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المتوكلون } ومعناه أنه لما ثبت أن الكل من الله ثبت أنه لا توكل إلا على الله وأن الرغبة ليست إلا في رجحان وجود الممكنات على عدمها وذلك الرجحان المانع عن النقيض هو الحكم ، وثبت بالبرهان أنه لا حكم إلا لله فلزم القطع بأن حصول كل الخيرات ودفع كل الآفات من الله ، ويوجب أنه لا توكل إلا على الله فهذا مقام شريف عال ونحن قد أشرنا إلى ما هو البرهان الحق فيه".
فالمراد بالحكم القضاء وإيقاعه على الناس بالحق. واللفظ وإن كان يحتمل الحكم بمعنى إنشاء الحكم، ويدلُّ عليه، ولكن الحكم بمعنى إنشائه الذي يأتي به النبي عليه السلام لا يصح أن يقال عليه: إنه ليس من عند الله، وإلا لكان الرسول عليه الصلاة والسلام معارضا لهذه الآية، لأنا قد تحققنا أنه حكم بأحكام غير مذكورة في القرآن الكريم، ولذلك جزم أعلام الأمة أن ما جاء به النبي من الأحكام ينبغي الالتزام بها، وأنها أيضا من عند الله تعالى، فالرسول عليه يبلغ أحكام الله تعالى الواردة في القرآن والتي أمره بتبليغها إلى الناس. فكلاهما وحي من عند الله تعالى كما سيزداد وضوحا وتقريرا.
وتأمل قوله تعالى : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً{59} أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُواْ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُواْ إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُواْ أَن يَكْفُرُواْ بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلاَلاً بَعِيداً{60} وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ إِلَى مَا أَنزَلَ اللّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُوداً{61}
لتعلم علم اليقين أن حكم الرسول عليه السلام ملزم، وإن لم يرد في كتاب الله، وعدم وروده فيه لا يعني أنه يعارضه، كما هو ظاهر. ولذلك قال الإمام الرازي في تفسيره لهذه الآيات: "المسألة الثالثة : مقصود الكلام ان بعض الناس أراد أن يتحاكم إلى بعض أهل الطغيان ولم يرد التحاكم إلى محمد صلى الله عليه وسلم . قال القاضي : ويجب أن يكون التحاكم إلى هذا الطاغوت كالكفر ، وعدم الرضا بحكم محمد عليه الصلاة والسلام كفر ، ويدل عليه وجوه : الأول : انه تعالى قال : { يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُواْ إِلَى الطاغوت وَقَدْ أُمِرُواْ أَن يَكْفُرُواْ بِهِ } فجعل التحاكم إلى الطاغوت يكون ايمانا به ، ولا شك أن الايمان بالطاغوت كفر بالله ، كما أن الكفر بالطغوت إيمان بالله . الثاني : قوله تعالى : { فَلاَ وَرَبّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حتى يُحَكّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ } إلى قوله : { وَيُسَلّمُواْ تَسْلِيماً} [ النساء : 65 ] وهذا نص في تكفير من لم يرض بحكم الرسول عليه الصلاة والسلام . الثالث : قوله تعالى : { فَلْيَحْذَرِ الذين يخالفون عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } [ النور : 63 ] وهذا يدل على أن مخالفته معصية عظيمة ، وفي هذه الآيات دلائل على أن من رد شيئا من أوامر الله أو أوامر الرسول عليه الصلاة والسلام فهو خارج عن الاسلام ، سواء رده من جهة الشك أو من جهة التمرد ، وذلك يوجب صحة ما ذهبت الصحابة اليه من الحكم بارتداد مانعي الزكاة وقتلهم وسبي ذراريهم".
وهذا الذي صرح به الإمام الرازي محل مقطوع به في الإسلام لا يحل لواحد أن يخالفه تصريحا أو تلميحا، فهو أصل من الأصول الكلية لا ينبغي السماح بإطلاق كلام يفيد خلافه أو يشر إلى ذلك، ولا يصح السكوت عن ذلك أيضا، لئلا يكون السكوت بابا يتوسع منه بعد ذلك في الترويج لهذا الرأي الباطل.
وكذا قال الجصاص في هذه الآية: "وَفِي هَذِهِ الْآيَةِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ مَنْ رَدَّ شَيْئًا مِنْ أَوَامِرِ اللَّهِ تَعَالَى أَوْ أَوَامِرِ رَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَهُوَ خَارِجٌ مِنْ الْإِسْلَامِ سَوَاءٌ رَدَّهُ مِنْ جِهَةِ الشَّكِّ فِيهِ أَوْ مِنْ جِهَةِ تَرْكِ الْقَبُولِ وَالِامْتِنَاعِ مِنْ التَّسْلِيمِ".
وقال الإمام الرازي في تفسير قوله تعالى (فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (65) :" المسألة الرابعة : اعلم أن قوله تعالى : { فَلاَ وَرَبّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ } قسم من الله تعالى على أنهم لا يصيرون موصوفين بصفة الايمان إلا عند حصول شرائط : أولها : قوله تعالى : { حتى يُحَكّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ } وهذا يدل على أن من لم يرض بحكم الرسول لا يكون مؤمنا .
واعلم أن من يتمسك بهذه الآية في بيان أنه لا سبيل الى معرفة الله تعالى إلا بارشاد النبي المعصوم قال : لأن قوله : { لاَ يُؤْمِنُونَ حتى يُحَكّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ } تصريح بأنه لا يحصل لهم الايمان إلا بأن يستعينوا بحكم النبي عليه الصلاة والسلام في كل ما اختلفوا فيه ، ونرى أهل العلم مختلفين في صفات الله سبحانه وتعالى ، فمن معطل ومن مشبه ، ومن قدري ومن جبري ، فلزم بحكم هذه الآية أنه لا يحصل الايمان إلا بحكمه وارشاده وهدايته ، وحققوا ذلك بأن عقول أكثر الخلق ناقصة وغير وافية بادراك هذه الحقائق؟ وعقل النبي المعصوم كامل مشرق ، فاذا اتصل اشراق نوره بعقول الأمة قويت عقولهم وانقلبت من النقص إلى الكمال ، ومن الضعف إلى القوة ، فقدروا عند ذلك على معرفة هذه الأسرار الالهية . والذي يؤكذ ذلك أن الذين كانوا في زمان الرسول صلى الله عليه وسلم كانوا جازمين متيقنين كاملي الايمان والمعرفة ، والذين بعدوا عنه اضطربوا او اختلفوا ، وهذه المذاهب ما تولدت إلا بعد زمان الصحابة والتابعين ، فثبت ان الأمر كما ذكرنا ، والتمسك بهذه الآية رأيته في كتب محمد بن عبد الكريم الشهرستاني ، فيقال له : فهذا الاستقلال الذي ذكرته إنما استخرجته من عقلك ، فاذا كان عقول الأكثرين ناقصة فلعلك ذكرت هذه الاستدلال لنقصان عقلك ، وإذا كان هذا الاحتمال قائما وجب أن يشك في صحة مذهبك وصحة هذا الدليل الذي تمسكت به ، ولأن معرفة النبوة موقوفة على معرفة الاله ، فلو توقفت معرفة الاله على معرفة النبوة لزم الدور ، وهو محال .
الشرط الثاني : قوله : { ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِى أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مّمَّا قَضَيْتَ } قال الزجاج : لا تضيق صدورهم من أقضيتك .
واعلم أن الراضي بحكم الرسول عليه الصلاة والسلام قد يكون راضيا به في الظاهر دون القلب فبين في هذه الآية انه لا بد من حصول الرضا به في القلب ، واعلم أن ميل القلب ونفرته شيء خارج عن وسع البشر ، فليس المراد من الآية ذلك ، بل المراد منه أن يحصل الجزم واليقين في القلب بأن الذي يحكم به الرسول هو الحق والصدق .
الشرط الثالث : قوله تعالى : { وَيُسَلّمُواْ تَسْلِيماً } واعلم أن من عرف بقلبه كون ذلك الحكم حقا وصدقا قد يتمرد عن قبوله على سبيل العناد أو يتوقف في ذلك القبول ، فبين تعالى أنه كما لا بد في الايمان من حصول ذلك اليقين في القلب . فلا بد أيضا من التسليم معه في الظاهر ، فقوله : { ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِى أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مّمَّا قَضَيْتَ } المراد به الانقياد في الباطن ، وقوله : { وَيُسَلّمُواْ تَسْلِيماً } المراد منه الانقياد في الظاهر والله أعلم". وقال أيضا:" المسألة الخامسة : دلت الآية على أن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام معصومون عن الخطأ في الفتوى وفي الأحكام ، لأنه تعالى أوجب الانقياد لحكمهم وبالغ في ذلك الايجاب وبين انه لا بد من حصول ذلك الانقياد في الظاهر وفي القلب ، وذلك ينفي صدور الخطأ عنهم".
والقول المعتبر عند العلماء أن الحكم الصادر عن الرسول عليه السلام حتى لو كان من باب الاجتهاد على القول بتجويزه للرسول عليه السلام فإنه حق، ولا يمكن أن يكون مخالفا لله تعالى، فاجتهاد المعصوم معصوم، ولا يقال إنه إن كان اجتهادا، فيجوز عليه الخطأ، لأن هذا إنما جاز قوله لمجتهد غير معصوم، ألا ترى أن الأمة لو اجتمعت على حكم باجتهاد مجتهديها، فلا يصح مخالفة هذا الحكم، لأن الدليل دل على أن الأمة بمجموعها لا تضل عن حكم الله تعالى.
وليتأمل المتأمل في كلام الإمام الشافعي المنوَّر فقد قال في أحكام القرآن: "قَالَ تَعَالَى : { فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إلَى اللَّهِ } يَعْنِي إنْ اخْتَلَفْتُمْ فِي شَيْءٍ وَهَذَا إنْ شَاءَ اللَّهُ ، كَمَا قَالَ فِي أُولِي الْأَمْرِ .
لِأَنَّهُ يَقُولُ : { فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ } يَعْنِي ( وَاَللَّهُ أَعْلَمُ ) هُمْ وَأُمَرَاؤُهُمْ الَّذِينَ أُمِرُوا بِطَاعَتِهِمْ .
{ فَرُدُّوهُ إلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ } يَعْنِي ( وَاَللَّهُ أَعْلَمُ ) إلَى مَا قَالَ اللَّهُ وَالرَّسُولُ إنْ عَرَفْتُمُوهُ ، وَإِنْ لَمْ تَعْرِفُوهُ سَأَلْتُمْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْهُ إذَا وَصَلْتُمْ إلَيْهِ ، أَوْ مَنْ وَصَلَ إلَيْهِ .
لِأَنَّ ذَلِكَ الْفَرْضَ الَّذِي لَا مُنَازَعَةَ لَكُمْ فِيهِ لِقَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : { وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمْ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ } .
وَمَنْ تَنَازَعَ مِمَّنْ بَعُدَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَدَّ الْأَمْرَ إلَى قَضَاءِ اللَّهِ ؛ ثُمَّ إلَى قَضَاءِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيمَا تَنَازَعُوا فِيهِ قَضَاءٌ نَصًّا فِيهِمَا وَلَا فِي وَاحِدٍ مِنْهُمَا رَدُّوهُ قِيَاسًا عَلَى أَحَدِهِمَا .
وَقَالَ تَعَالَى : { فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ } الْآيَةُ .
قَالَ الشَّافِعِيُّ : نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِيمَا بَلَغَنَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ فِي رَجُلٍ خَاصَمَ الزُّبَيْرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي أَرْضٍ ، فَقَضَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِهَا لِلزُّبَيْرِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَهَذَا الْقَضَاءُ سُنَّةٌ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا حُكْمٌ مَنْصُوصٌ فِي الْقُرْآنِ".
فأوجب اتباع الرسول عليه السلام في حكمٍ غير مذكور في القرآن، بل هو من سنته. فكيف نقبل ممن يقول في هذا العصر المملوء بالفتن والانحرافات إن الأحكام التي نُلزم بها ليست إلا الأحكام الواردة في الكتاب المجيد فقط.
فظهر مما نقلناه عن العلماء ومن مفهوم الآيات الكريمة أن سنة النبي عليه السلام واجبة التنفيذ، وهي أحكام شرعية يجب الإذعان لها.
وليس لنا إلى غير الله تعالى حاجة ولا مذهب