ثالثا: مفهوم أصول الأحناف والفرق بينها وبين أصول الشافعية (أو المتكلمين)
يزعم الدكتور الباحث الذي يقدم منهجا يدعو الأمة أن تتخذه ليكون لها آلة للنهضة ان علم الأصول : "حين تأسس واكتمل نموه وجمع أطرافه الإمام الشافعي في كتابه الرسالة المشهور أسس ليكون علم الاجتهاد والتدريب عليه، وتمكين المهتمين بالعلوم الشرعية من ممارسته علميا".
فهو يقول إن علم الأصول تأسس واكتمل نموه على يدي الإمام الشافعي، والشافعي إمامنا وأستاذنا ولكن علم الأصول بدأه الشافعي وكمله الأعلام من بعد الإمام الشافعي، مثل الإمام الباقلاني والجويني وأبي الحسين البصري والغزالي والرازي والآمدي وابن الحاجب والبيضاوي ...الخ، وهذا أمر معلوم معروف، فالقول إن نمو هذا العلم الجليل اكتمل على يد الإمام الشافعي غير صحيح.
ويبدو أن تصور الدكتور لعلم الأصول يحتاج لنوع مراجعة، فاستمع إليه يقول ص137: "علما بأن كثيرا من المذاهب والمجتهدين قد بدؤوا ممارسة الفتاوى والإنتاج الفقهي قبل أن يحددوا أو يؤلفوا في أصول الفقه، وقد يكتفي بعضهم كالإمام أبي حنيفة يرحمه الله وغيره بذكر أصوله أو طريقته ومنهجه في الاجتهاد بشكل إجماليّ، وانتشر فقه الإمام أبي حنيفة قبل أن تنشر أصول فقهه. وتعد أصول الحنفية من الأصول المستنبطة من فقه الإمام لا من الأصول التي تأسست لديه قبل الفقه، لبناء الفقه عليها، ثم أخذت أبعادها فيما بعد، بنى الإمام وأصحابه فقههم عليها، وقد عرف تاريخيا أن الإمام أبا حنيفة قد تكلم فيما يقرب من نصف مليون مسألة وأبدى آراءه وفتاواه فيها، قبل أن يضم أصوله كتاب جامع".
فهو لا يكتفي أن يقول إن بعض المفتين أفتوا قبل أن يؤلفوا في أصول الفقه، بل قرر أنهم بدأوا ذلك قبل أن يحددوا أصول الفقهأيضا، ومعنى ذلك إن كان يعني كلامه، أن المفتي يفتي بلا أصل ينطلق منه، ولا قواعد يرتكن إليها! وهذا عجيب غريب، فهل يريد العلواني أن نصدق أن هذا الأمر كان يحصل من كثير من المجتهدين، والمذاهب، ألم يكن الأولى به أن يقول إننا لم نرَ لهم تأليفا أو أقوال في علم أصول الفقه، ولكن ذلك لم يكن ليمنع أنهم كانوا يعتمدون على أصول معينة يبنون عليها فقههم.
وبعد أن بين أن طريقة المتكلمين أو الشافعي في علم الأصول هي الانتقال من القواعد الكلية من غير مبالاة بالفروع التي تتفرع عليها، كما في ص229-230، ذكر أن طريقة الأحناف : "سلكوا في كتابة أصولهم سبيل تقرير القواعد الأصولية على مقتضى الفروع المنقولة عن أئمتهم، فالقاعدة مستنبطة من الفروع دائرة حولها، لا العكس، فالدارس لأصول الفقه بهذه الطريقة يجمع الفروع التي أفتى بها الأئمة، ويقوم بتحليلها، وتقرير أنهم إنما أفتوا بها بناء على أصول يتوصل إليها فيقررها قواعد تأصيلية لتلك الفتاوى".
إذن هو يوافق على أن أصول الشافعية تمَّ على الأقل عند الشافعي تأسيس الفقه العفروعي بناء عليها، أما ما يتعلق بالإمام أبي حنيفة، فإنه يقول: إن فقهه انتشر وظهر قبل أن تظهر أصوله، فهل يريد العلواني أن أبا حنيفة اجتهد في الفروع ولم تكن لديه أصول كلية يبني عليها، أم يريد أن هذه الأصول لم يعتنِ أبو حنيفة بالكتابة فيها، وإن كانت موجودة في نفسه كامنة فيها، وإن أعلن عن بعضها، قبل أو أثناء قيمه باجتهاداته الفقهية. فإن أراد الاحتمال الأول، فكلامه باطل بلا ريب، لأنه ما ثمَّ مجتهد يعتبر اجتهاد، ومنهم أبو حنيفة بالضرورة، إلا ويبني أحكامه التي يجتهد فيها على أصول كلية، وإن أراد الثاني، فإن العبرة في القول بوجود أصول فقهية لبعض العلماء ليست بالضرورة تابعة لكونه ألف في علم الأصول أو لم يؤلف، بل لمعرفتنا باعتماده أصولا للفقه أو عدم اعتماده، وأبو حنيفة كان لديه أصول للفقه، وإلا لم يتألف مذهب خاصٌّ منسوب إليه! ولكن التأليف في علم الأصول ليس شرطا للمجتهد لكي يصح اجتهاد، فيكفي أن تكون استنباطاته مسعتبر، وأنظاره سديدة ولو غالباً، ليكون فقيها محترما لدى الأمى وعلمائها.
ولذلك فإنني أستغرب من طريقته في الكلام على أبي حنيفة وإدخاله أمرا غريبا، وهو كونه ألف أو لم يؤلف في علم الأصول، والواجب كان أن يبني كلامه على وجود أصول لديه أو عدم وجودها. ثم يتكلم على طريقة معرفتنا نحن بهذه الأصول، هل تمت هذه المعرفة عن طريق إعلان أبي حنيفة عن أصوله المعتمدة، كليا أو جزيا، أو أن هذه لامعرفة حصلت لدينا عن طريق اجتهاد تلامذته وأتباعه في سبر قواعد وتتبع أقواله ليتوصلوا إلى الأصول الكلية التي كانت مستكنة في نفسه فبنى عليها أحكامه الاجتهادية!
هكذا كان يبغي أن يسلك د. العلواني في بحثه وتقريره، وهذه هي الطريقة المنهجية التي خانه ذكاؤه فيها، والغريب أنه يعلن أنه يتصدى لتعليم الأمة المنهجية الصحيحة، ولكنا نراه غير ملتزم لها في كثير من مواضع بحثه هذا!
وليس لنا إلى غير الله تعالى حاجة ولا مذهب